عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

جميل شيخو: تمجيد الشخص أم الفكرة أم "الحق والخير"؟

تقول العبارة المنسوبة إلى عبد الرحمن الكواكبي: "لتعرف الإنسان الحر من العبد، لا تنظر إلى قيودهم، بل إلى ما يمجّدون؛ فالحر يمجّد الفكرة، والعبد يمجّد الشخص."

هذه عبارة أخرى خاطئة، ومثال آخر خاطئ، منحرف عن مقتضى (المعيار الأعلى الأصيل: معيار الحق والخير).

تتضمن هذه العبارة القصيرة من حيث المبدأ، تصورات وتعريفات خاطئة للمفاهيم الواردة فيها مثل الحرية والعبودية والفكرة والشخص، وتُقارن مقارنة خاطئة بين ثنائية خاطئة، استنادا إلى تصورات وتعريفات خاطئة.

تبدو هذه العبارة في ظاهرها، صحيحة ومطابقة لما هو موجود وما ينبغي، أو عميقة ودقيقة! لأنها تدعو إلى التحرر من تعظيم وتقديس وعبادة الأشخاص، وهي دعوة صحيحة في أصلها. لكن، عيب هذه الفكرة أنها تقارن مقارنة خاطئة، وتستبدل معيارًا خاطئًا بمعيار خاطئ آخر؛ إذ تجعل تمجيد الفكرة علامة الحرية أو ما تسميه الحرية، وتجعل تمجيد الشخص علامة العبودية أو ما تسميه كذلك.

هذا المقارنة تفشل لدى معيار الحق والخير، الذي هو المعيار الأعلى والأصيل وهو معيار المعايير. وهو معيار حقاني وموافق للعقل السيم والفطرة السليمة والشعور السليم؛ ولا يمكن للنفس أو العقل أن ينسلخ عنه!

والغريب أن الكتاب والمثقفين والباحثين والأكادييمين، بل عامة البشر يسلمون صراحة أو ضمنا ومن حيث يشعرون أو لايشعرون، بهذا المعيار وصحته وصلوحه، لكنهم في نفس الوقت، يتناقضون فيه تناقضا كبيرا وخطيرا وخبيثا، نظراً لعظمة وأهمية هذا المعيار العظيم! فهم يلتزمون به بداهة واضطرارا ولا يلتزمون به جهلا وهوى وخلطاً للأمور وانخداعا باعتقادات وعادات وتقاليد فاسدة.

وهذه المقالة، هي مثال آخر لتوضيح وتطبيق هذا المعيار الشريف معيار الحق والخير إزاء حياد الأشياء والمفاهيم المتعلقة بها أو المعبرة عنها!

الحرية، بالمعنى الحقيقي الصحيح، لا تُقاس بما يُعظَّم ويُمجَّد، وإنما بمدى موافقة ما يُمجَّد للحق والخير. بل إن الحرية الصحيحة نفسها هي من مظاهر وتمثلات الحق والخير! والفكرة التي يمجدها الإنسان قد تكون باطلة وخاطئة وضارة أو في أحسن الأحوال غير مفيدة، فهل يصير الإنسان حرًا لأنه يمجّد هذه الفكرة لا شخصًا ما؟ قطعا لا. إن الفكرة ليست مقدسة لمجرد أنها فكرة.

وفي المقابل، ربما يعظّم الإنسان ويؤيد مثلا، نبيًا، أو مصلحًا، أو عالمًا ربانيًا، أو قائدًا عادلًا، لأنه يراه من أهل (الحق والخير)، ومظهرا من مظاهره. فهل يصير بذلك مخطئا وعبدًا لذلك الشخص؟ كلا. إنه لا يعظّم الشخص لذاته، وإنما يعظّم (الحق والخير) الذي يحمله والقيم التي يمثلها.

كما أن التاريخ يكشف أن أخطر أنواع الطغيان والعدوان لم يكن دائمًا قائما على (تقديس الأشخاص)، بل ربما تمثل أحيانًا في تقديس الأفكار الباطلة الضارة التي بسببها استُبيحت الدماء البريئة، وقُمعت الحريات الصحيحة، وارتُكبت الجرائم. وعندما تتحول الفكرة إلى صنم لا يجوز نقده، فإنها تصير أشد سوءا وضررا من عبادة الأشخاص.

إن الخطأ الأساسي في هذه المقارنة أنها تقيم مقابلة زائفة وسيئة بين الفكرة ممثلة (للحرية) والشخص ممثلة (للعبودية)؛ بينما الحقيقة الواضحة جداً: أنه قد تستعبد الإنسانَ فكرةٌ باطلة خادعة، وقد يحرره شخصٌ صالح من أهل الحق والخير.

ولهذا فإن الحق والخير هما المعيار الحقيقي، لا الفكرة ولا الشخص؛ فالأشخاص يُوزنون بالحق والخير، والأفكار تُوزن بالحق والخير، وليس العكس.

إن الإنسان الحر ليس من يمجّد الأفكار، ولا من يمجّد الأشخاص، وإنما من يقدّم الحق والخيرعليهما. فإذا وجد الحق والخير في فكرة أخذ بها، وإذا وجد الحق والخير عند شخص اقتدى به، وإذا خالف الشخص أو الفكرة الحق والخير تركهما ورفضهما.

ولذلك فإن الصياغة الصحيحة النافعة للعبارة هي: "لتعرف الإنسان الحر، فانظر إلى معياره في تقييم الأشياء والأشخاص؛ فالحر يقدّم الحق والخير على الأشخاص والأفكار جميعًا، فلا يقدّس شخصًا لذاته، ولا يقدّس فكرة لمجرد أنها فكرة، وإنما يزن الجميع بميزان الحق والخير."

هذه الصياغة تنقل النقاش من مجرد المفاضلة بين الفكرة والشخص إلى المعيار الأعلى، وهو معيارالحق والخير.

فمن جعل الحق والخير أصلا ومعيار كان (حُراً)، ومن جعل الشخص أو الفكرة أصلا ومعيارا فقد وقع في صورة من صور العبودية وذلك بسبب فساد الإعتقاد والمعيار، مهما اختلف الصنم.

والعجيب أن يضطر الإنسان إلى أن يؤكد في كل مرة هذه الحقيقة الأساسية البديهية الواضحة وهي: معيارية الحق والخير الأصلية وحياد الأشياء إزاءها! التي لن يكون ثمة فكر سليم أو عقل سليم أو علم أو عمل، عند الإخلال بها أي بهذه الحقيقة الكبيرة، وكما نرى ذلك في الواقع وحالاته؛ حيث الجهل غالبٌ العلم، والعمل الخاطئ الضار غالبٌ العمل الصحيح النافع؛ رغم التفاصيل والتعقيدات والتبريرات التي تغطي على هذه الحقيقة أو هذا الحال.

***

جميل شيخو - الموصل / العراق

الإثنين 13 / 7 / 2026

 

في المثقف اليوم