أقلام حرة

حميد علي القحطاني: مأزقُ القوة في عصر الذكاء الاصطناعي

حين تتآخى الغريزة مع تغوّل الأداة

في عصرٍ بلغ فيه العقل الإنساني ذروة اختراعاته، ولامست فيه التكنولوجيا تخوم الأسطورة حتى تُوِّجت بالذكاء الاصطناعي، ما زالت النفسُ البشرية، رغم كل ما راكمته الحضارة من أدوات، تدور في مدار غرائزها الأولى، أسيرة نزعات الهيمنة والصراع. وقد لخّص العالم إدوارد ويلسون هذه المفارقة بقوله:” نمتلك مشاعر من العصر الحجري، ومؤسسات من العصور الوسطى، وتكنولوجيا تضاهي قدرات الآلهة“. فالدماغ الذي يتخذ اليوم قرارات مصيرية لا يختلف في بنيته العميقة عن دماغ إنسان الكهف، الجزء المسؤول عن الانفعالات واستجابة” الكر أو الفر“ ما يزال هو ذاته منذ آلاف السنين. لقد تطوّرت الأداة وبقي” المعالج“ قديماً، وتلك هي منطقة الخطر التي نحيا فيها: كائناتٌ ترهنُ مصيرها لاستجابات بدائية، تقود آلاتٍ تفوق قدرتها على الإحاطة بعواقبها، وتضغط أزراراً قد تختصر مصير الكوكب في لحظة.

غير أنّ المأزق، مع انبثاق فجر الذكاء الاصطناعي، لم يعد حبيسَ” عقل إنسان الكهف“ وهو يقبض على الأداة، بل انزاح إلى الأداة ذاتها وقد بدأت تستيقظ على منطق مستقل، كأنها خرجت من يد صانعها إلى مدارها الخاص. نحن اليوم على عتبة عالم تُسلَّم فيه مفاتيح القرار السيادي والعسكري إلى خوارزميات” الصندوق الأسود“، تعمل في صمتٍ وبسرعة تتجاوز ومض الإدراك البشري، فتتبعثر المسؤولية الأخلاقية كما يتبعثر الظلّ عند اشتداد الضوء: كودٌ بلا ذمة ولا ضمير وإنسان لم يعد صاحب الكلمة الأخيرة. وفي هذا المشهد، يبدو” المعالج القديم“ كبحّارٍ بدائيٍّ على متن سفينةٍ تفوقه فهماً وسرعة، فالأتمتة لا تعرف التريّث ولا تفهم لغة الندم ولا تقف عند إشارات الدبلوماسية ولا تبصر في الأفق خرابَ العمران. وخطورة الذكاء الاصطناعي ليست في حدّة ذكائه وحدها، بل في أنه يُضخِّم نزعات الهيمنة في النفس البشرية ويجردها من حرارتها الإنسانية، محوِّلاً الصراع من مواجهة بين إراداتٍ يمكن ردعها بالخوف أو تهذيبها بالأخلاق، إلى معادلات صمّاء تمضي في مسارها البارد، وقد تضغط على أزرار الفناء قبل أن يرتدّ للمفكّر طرفه. ومن هنا لم تعد الأداة محايدة في يد صاحبها، بل غدت قوة تُعيد تشكيل وعيه وهندسة خياراته وتضغط على منطقه قبل أن تضغط على زناده، فعندما يعتاد العقل منطق التفوّق الآلي والسرعة الجارفة، يتقلّص لديه فضاء التروّي ويتبدّل سؤاله من: كيف نتجنّب الصراع؟ إلى: كيف نفرض واقعاً جديداً؟

وهنا يتجلّى في لغة العلم السياسي، ما يُعرَف بـ قانون الأداة: فحين لا يملك العقل سوى مطرقة، يغدو العالم في نظره مسامير. ليست المسألة مجرد انتقالًا بسيطا في النوايا، بل تحوّلًا في بنية الإدراك ذاته، إذ تعيد وفرة القوة تشكيل هندسة الفرص، فتجعل العنف يبدو الخيار الانسب لا لأنه الأعدل بل لأنه الأسهل في ذهن المفتون بقدرته. وهكذا تعمل القوة كمكبّرٍ لرغبات الهيمنة، ناقلةً إياها من حيز التمنّي إلى منطق خطة العمل.

وتمنح وفرةُ القوة وأدواتها القادةَ شعورًا واهما بالحصانة، فتُضخِّم الثقة وتدفع إلى المجازفة. وقد وصف الطبيب والسياسي ديفيد أوين هذه الحالة بـ” متلازمة الغطرسة“، وهي حالة ينفصل فيها القائد عن إحداثيات الواقع ليحلق في مدارات أوهامه الخاصة. والتاريخ يروي لنا كيف يتحول زهو القوة إلى عماء البصيرة:

فـ نابليون بونابرت الذي روّض أوروبا بعبقريته، لم يسقط بفعل نقصٍ في ذكائه العسكري، بل حين تضخمت أناة لدرجةٍ حجبَت عنه شمس الواقع، فاستحال غزو روسيا في ذهنه المفتون بالقدرة الكلية مجرد نزهةٍ حربية، ضارباً بعرض الحائط تحذيرات الجغرافيا وقسوة المناخ. لم يكن انكساره هناك مجرد كبوةٍ عسكرية، بل تجسيدا لقانون” التمدد الإمبراطوري المفرط“؛ حيث تبتلع الجغرافيا الأطماع التي تتجاوز حدود العقل. إنها اللحظة التي صدقت فيها نبوءة أرنولد توينبي بأن الإمبراطوريات لا تُقتل قهراً، بل تنتحر غطرسةً حين تكفُّ عن الاستجابة لنداء الواقع. لقد تحولت مطرقة القوة في يده إلى أداةٍ للهدم الذاتي مخلفاً وراءه” الجيش العظيم“ جثثاً تحت جليد التمادي، ليؤكد أن القوة التي لا يَلجمها ميزانُ الحكمة هي قذيفةٌ ترتدُّ دوماً إلى صدر صاحبها.

 وهذا الهوس بالقوة لا يقف عند حدود نزوات الأفراد، بل قد يتحول إلى عقيدةٍ تتبناها كياناتٌ كبرى، فمؤسساتياً حذّر الرئيس الأمريكي أيزنهاور من” المجمّع الصناعي العسكري“، حيث تخلق كثرة السلاح طبقة مستفيدة تدفع القادة إلى تفكيرٍ حربي دائم لضمان نفوذها واستمرار مصالحها.

وقد صاغ الفكر الإنساني قديماً وحديثاً، قواعد تصف هذا الانزلاق وتكشف منطقه. يقول لورد أكتون:” السلطة تميل إلى الإفساد، والسلطة المطلقة تفسد فساداً مطلقا“، ويقرّر ثيسيديدس ببرود التاريخ:” الأقوياء يفعلون ما بوسعهم، والضعفاء يعانون مما يجب عليهم“. أما ابن خلدون فيضع الميزان الأخلاقي والسياسي معاً حين يؤكد أن القوة بلا عدل تؤدي إلى الظلم، وأن” الظلم مؤذن بخراب العمران“. فالنفسُ مجبولة على طلب الغَلَبة، غير أنّ الانسياق إلى طُغيان القوة في قهر الرعية أو إخضاع الشعوب الأخرى لا يُرسّخ المُلك بل يُعجِّل بزواله.

وفي خضم هذا الجنون القُوَوي، تبرز حكم الإمام علي (ع) بوصفها” شيفرة أخلاقية مفقودة“. وبينما قد يراها البعض مثالية بعيدة المنال فإنها في حقيقتها واقعية وقائية لحماية الوجود الإنساني. فهو يحذّر من” مساماة الله في عظمته“، داعياً القائد حين يستشعر سطوة سلطانه أن ينظر إلى ملكوت الله فوقه، لكسر وهم الألوهية الذي توهمه التكنولوجيا الفتاكة. وفي حين ينشغل العلم بتطوير الأداة، ينصرف الإمام إلى تهذيب الإنسان فيقول:” أشجع الناس من غلب هواه“، فالشجاعة في العصر النووي ليست في الضغط على الزناد، بل في القدرة العقلانية على كبح الغريزة البدائية. ثم يجعل العدل بنيةً تحتية للأمن حين يقرر أن” العدل أساسٌ به قوام العالم“، لأن الظلم يطلق دورات انتقام لا تنتهي، ولأن العدل حتى مع الخصم ليس مثالية حالمة، بل قمة الواقعية السياسية لضمان استقرارٍ مستدام.

إن الطبيعة النفسية للإنسان لم تتغير، غير أن السلاح صار مدمِّراً بما يكفي لإفناء الكوكب فلم يعد أمامنا خيار سوى الارتقاء بأنفسنا أخلاقياً. فإذا كان ابن خلدون قد وصف لنا الهاوية التي ننجذب إليها بغرائزنا فإن الإمام علي قد أقام السياج الذي يمنعنا من السقوط فيها. والفشل في هذا الارتقاء اليوم لا يعني خسارة معركة فحسب، بل يعني خسارة الوجود الإنساني بأسره.

***

حميد علي القحطاني

في المثقف اليوم