أقلام حرة

نهاد الحديثي: الهدر الغذائي في رمضان

مع اقتراب شهر رمضانَ المبارك، تتبدَّى مفارقة مؤلمة تتكرَّر كل عام؛ شهر الصيام والسموِّ الروحيِّ يتحوَّل لدى البعض إلى موسم إسرافٍ وسباقٍ محمومٍ على الشِّراء والتَّخزين، ينتهي بكميَّات كبيرة من الطعام في سلال المهملات. ورغم الجهود الوطنيَّة المبذولة، إلَّا أنَّ المسؤوليَّة الحقيقيَّة تبدأ من الفرد والأُسرة، رغم أن رمضان هو شهر الصوم عن ملذات كثيرة بينها الأطعمة، فإنه بات في العالم العربي أكثر الشهور التي تشهد إسرافا في الإنفاق على الطعام الذي يورث تضخّم البطون وسلال القمامة على السواء

وتؤكد العديد من الإحصاءات في الدول العربية أن حجم الإنفاق في رمضان، لا سيما في دول الخليج، يرتفع بنسبة 50 في المئة مقارنة بباقي شهور السنة، وتقول منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) إن الفرد في هذه المنطقة من العالم يهدر متوسط 250 كيلوغرام سنويا من الغذاء، وإن هذا الهدر يزيد في رمضان ليصل إلى 350 كيلو غرام،، ويتزامن ذلك مع استمرار ارتفاع معدلات الجوع في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا؛ حيث يعاني 52 مليون شخص نقصا مزمنا في التغذية، بحسب الفاو

يتسم رمضان بحراك استهلاكي واسع يتجلى في تنوع الموائد وارتفاع وتيرة الشراء اليومي وتكدس السلع الغذائية داخل المنازل، مدفوعاً بعادات اجتماعية راسخة وروح ضيافة حاضرة بقوة، وعلى الرغم من أن الحديث عن الهدر الغذائي وخصوصاً في هذا الشهر الفضيل يتكرر، الا اننا بحاجة الى جهد وطني لتحقيق انخفاض بنسبة الهدر الغذائي، ورفع مستوى الوعي المجتمعي تجاه هذا الموضوع

من المهم قبل رمضان، إعداد قائمة مشتريات واقعيَّة، مبنية على عدد أفراد الأُسرة واحتياجاتهم الفعليَّة، مع تجنُّب العروض المغرية التي تدفع إلى الشِّراء الزَّائد. كما يُستحسن تقليل تنوُّع الأصناف على مائدة الإفطار، فالبركة في القليل المُتقن لا في الكثرة المُهدرَة. ويمكن إعادة توظيف بقايا الطعام بشكل آمن، أو التبرُّع بالفائض عبر المبادرات الخيريَّة الموثوقة

الحدُّ من الهدر الغذائيِّ سلوكٌ حضاريٌّ، وواجبٌ دينيٌّ واقتصاديٌّ، يسهم في حفظ الموارد، ودعم الأمن الغذائيِّ، وتعزيز الاستدامة. فلنجعل من رمضان هذا العام شهرًا للوعي قبل الامتلاء، وللاعتدال قبل التَّكديس، ولنشكر النعمة بحسن استخدامها لا بإضاعتها،، الهدرُ الغذائيُّ ليس مجرَّد سلوكٍ خاطئٍ، بل هو إهدارٌ للنعمة، وتناقضٌ صريحٌ مع مقاصد الصِّيام التي تقوم على الاعتدال، والشُّعور بالآخرِينَ. يقول الله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا»، وهي قاعدة ذهبيَّة لو التزمنا بها لاختفى كثير من هذا الهدر.

***

نهاد الحديثي

 

في المثقف اليوم