قضايا

عبد الجبار الرفاعي: "أكرهك"!

"أكرهك"! ليست المرة الأولى التي أتلقى فيها أمثال هذه الكلمة المؤذية في رسائل على الخاص. كثيرًا ما تصل هذه الرسائل من حسابات شبحية، يحرص صاحبها على أن يبقى متواريًا خلف اسم مستعار وصورة غامضة. يبعث كلماته الجارحة ثم يعمد إلى الحظر مباشرة، كي لا أتعرف إليه ولا أملك فرصة الرد عليه. يكشف هذا الموقف عن صورة من صور الجرأة التي يولدها التخفي، إذ يشعر الإنسان خلف القناع الرقمي بحرية قول ما لا يجرؤ على قوله بوجه مكشوف. تعلن هذه الرسائل عن شيء من التذبذب الكامن في النفوس، حين تتخذ الكلمة الجارحة وسيلة للتنفيس عن غضب أو ضيق أو مرارة، فيتحول الفضاء الافتراضي إلى مكان يفرغ فيه بعض الناس ما يثقل صدورهم من مشاعر سلبية.

في الحياة من الشر أكثر مما نتمنى من الخير، ومن الكراهية أكثر مما نشتاق أن نراه من المحبة. تكشف جروح الحياة للإنسان أن النفس البشرية لا تتحرك في أفق واحد صاف، بل في فضاء تتجاور فيه الأضداد. يتعلم الإنسان مع الزمن أن وجود الكراهية في النفس ليس طارئًا على طبيعته، النفس تحتاج أحيانًا إلى الكراهية كما تحتاج إلى المحبة، وربما تشتد حاجتها إلى الكراهية في بعض اللحظات حين تتعرض للخذلان أو الظلم أو الخيبة.

 الطبيعة الإنسانية ملتقى الأضداد، تتصارع في أعماقها نوازع الرحمة والقسوة، القرب والنفور، العطاء والشح. تنبع في النفس حاجة دفينة للكراهية تقف إلى جانب حاجتها للمحبة، إذ تمنح الكراهية الإنسان قدرة على الدفاع عن ذاته حين يهدده الاعتداء أو الإهانة، في الوقت الذي تضيء له المحبة التعاطف والرفق بالإنسان الآخر، وتمنحه أفقًا للعيش المشترك والاعتراف المتبادل بين البشر. هكذا يتحرك الإنسان في تذبذب دائم بين قوتين متقابلتين، قوة تدعوه إلى القرب والانفتاح، وقوة تدفعه إلى الرفض والمقاومة، وتظل حكمة الحياة في قدرة الإنسان على احتواء هذه الأضداد، كي لا تتحول الكراهية إلى عدوان يدمر الإنسان والعالم.

مَن يريد أن يعرف شيئًا عن الحضور المخيف للكراهية والشر في الأرض لا يحتاج إلى تأملات نظرية بعيدة عن الواقع، إذ يكفي أن يعود إلى أرشيفات التاريخ البشري، ويتصفح سجلات الاضطهاد والاسترقاق والاستعباد التي طاولت الأفراد والمجتمعات في عصور مختلفة، ليرى كيف تحول الإنسان في تجارب كثيرة إلى أداة لإذلال أخيه الإنسان واحتقاره، وكيف نشأت أنماط من القسوة تغذيها نزعات الهيمنة والرغبة في التسلط. التاريخ البشري يختنق بأنماط العبودية المعلنة والمقنّعة التي حولت الإنسان إلى سلعة تُباع وتُشترى، وسلبت كرامته، وجعلت حياته رهينة إرادة سيده، كما ازدحمت صفحات التاريخ بسرديات الاستبداد التي مارسها حكّام طغاة حولوا أوطانهم إلى سجون ومقابر، وأخضعوا شعوبهم لمنطق القهر والرعب، وانتهكوا كرامة الإنسان، وأخضعوا حياته لإرادتهم الفاشية. عندما يقرأ الإنسان تاريخ الاستبداد والاستعباد يكتشف أن الكراهية لا تنشأ فجأة، وإنما تتكوّن في بنية أنظمة سياسية واجتماعية وثقافية ودينية تولد الخوف، وتنتج العنف، وتسوّغ إهدار الكرامة الإنسانية، إذ يمسي الإنسان في ظل هذه الأنظمة إلى موضوع للسلطة لا ذات حرة تملك حقها في الحياة الجيدة. لذلك تتكرر صور السجون الكئيبة والزنزانات المرعبة في تجارب شعوب كثيرة، حيث يتعرض الإنسان لأشكال مهينة من الإذلال والاحتقار والترويع، وتُسلب حريته، ويُختزل وجوده في جسد محاصر بالقهر، في محاولة لكسر إرادته وخنق صوته.

لا يقف حضور الشر عند حدود الاستبداد الداخلي، وإنما يمتد إلى مستوى آخر من العنف مارسته الإمبراطوريات والقوى الكبرى عبر الاستعمار والاحتلال، إذ خلّفت مشاريع الهيمنة الاستعمارية في قارات متعددة مآسي لا تحصى، وسلبت شعوب كثيرة أرضها وثرواتها وحقها في تقرير مصيرها، وتعرضت مجتمعات بأكملها لسياسات الإفقار والتجويع والاهانة، وتعاملت تلك القوى مع الإنسان في البلدان المستعمَرة بوصفه كائنًا أدنى لا شريكًا في الإنسانية، فاستباحت أرضه وموارده وفرضت عليه أنماطًا من الاستعباد جعلت حياته معلقة بإرادة المحتل. إن قراءة هذه الصفحات المأساوية من تاريخ البشرية تكشف أن الكراهية ليست حادثة عابرة في حياة الإنسان، وإنما قوة مدمرة حين تجد بيئة تغذيها وتبررها، فعندما يستخف الإنسان بكرامة الآخر، ويتعامل معه بوصفه وسيلة لا غاية، ينفتح الباب واسعًا أمام أشكال متعددة من العنف والاحتقار والاستعباد، لذلك تصبح مواجهة الكراهية مرتبطة بإحياء الوعي بكرامة الإنسان وحقوقه، وترسيخ القيم التي تحمي حريته وتصون حقه في الحياة الكريمة، كي لا يتكرر ذلك الحضور المخيف للكراهية والشر في حياة البشر.

شخصية الإنسان مركبة تتألف من طبقات متعددة، لا يمكن فهم دوافع سلوكه أو تفسير أفعاله بعامل واحد أو سبب بسيط. الإنسان كائن تتداخل في أعماقه نوازع متباينة، وتتجاور في داخله ميول متعارضة، يلتقي في شخصيته الخير والشر، والرحمة والقسوة، والسخاء والجفاء، كما تلتقي في سلوكه دوافع ظاهرة وأخرى خفية. لذلك تبدو أفعال الإنسان في كثير من الأحيان متناقضة أو غامضة، لأن ما يظهر من سلوكه ليس سوى الوجه الخارجي لما يختبئ في أعماقه.

 الإنسان يحمل في داخله تاريخًا من الخبرات والتجارب والآلام والرغبات، وتتراكم في وعيه ولاوعيه صور متعددة للعالم ولنفسه وللآخرين، وهذه التراكمات الخفية تشارك في توجيه سلوكه بقدر ما يشارك وعيه الظاهر. من هنا لا يمكن ردّ أفعال الإنسان إلى تفسير واحد نهائي، لأن الدوافع الإنسانية تتكون في فضاء واسع من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والوجودية. قد يندفع الإنسان أحيانًا بدافع الرحمة والتعاطف، ثم ينقلب في موقف آخر إلى القسوة أو العنف، لا لأن طبيعته تبدلت فجأة، وإنما لأن الطبقات المختلفة في شخصيته تتبادل مواقعها في لحظات مختلفة، فتتقدم طبقة وتتراجع أخرى. هكذا تتشكل شخصية الإنسان بوصفها ساحةً تلتقي فيها الأضداد، وتتنازع فيها الرغبات المتعارضة، ويتكشف فيها التعقيد العميق للطبيعة البشرية التي لا تستقيم على صورة واحدة ثابتة، ولا يمكن اختزالها في تفسير مبسط أو حكم قاطع.

لن يختفي الشر الأخلاقي ما دام الإنسان إنسانًا، ما دام الإنسان يكذب ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. تنشأ هذه الأفعال من طبقات عميقة في الطبيعة البشرية حيث تتصارع النزعات المتضادة في النفس، فيتحرك الإنسان أحيانًا بدوافع الشفقة والرحمة، وتتحرك في داخله في أحيان أخرى دوافع الغلظة والعدوان. تعمل القيم والثقافات والأديان التي تدعو للسلم على خفض وتيرة الشر إلى أدنى مستوى ممكن، عبر سعيها إلى تهذيب السلوك الإنساني وتقييد اندفاعاته العنيفة. مضافًا إلى أن الحياة المشتركة بين البشر لا يحميها السلم من دون قوانين عادلة وعقوبات رادعة تضبط العلاقات بينهم، ومن دونها قد ينزلق الإنسان إلى أشكال من العنف تفكك المجتمع وتبدد الثقة والتضامن بين أفراده.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

في المثقف اليوم