عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: بين الألم ومواساة الآخرين

حين يصبح التعاطف دواءً

من الحقائق التي لا يختلف عليها اثنان أن الألم والوجع والمعاناة جزءٌ لا يتجزأ من الحياة. فلا يكاد يخلو إنسانٌ من ابتلاءٍ او مشكلةٍ أو همٍّ يثقل قلبه. وقد تختلف صور المعاناة من بلد إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، ومن أسرة إلى أخرى، ومن شخص إلى آخر، لكنها تظل قاسماً مشتركاً بين البشر جميعاً. فهناك من يرهقه المرض، وآخر يثقله الفقر، وثالث يعاني فقد عزيز، ورابع يواجه ظلماً أو وحدةً أو خيبة أمل. وقد تبدو معاناة بعض الناس أشد من غيرها، إلا أن الحقيقة الثابتة هي أن الحياة لا تخلو من الابتلاء، وأن المشكلات هي جزءٌ من مسيرة الإنسان في هذه الدنيا.

غير أن هذه الحقيقة يقابلها يقينٌ آخر يمنح النفس الطمأنينة، وهو أن الشدائد لا تدوم. فما من ضيق إلا ويعقبه فرج، وما من ليل إلا ويعقبه فجر. وقد لخّص الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، هذه الحقيقة بكلمات قليلة عظيمة المعنى تصف تقلبات الحياة حين قال: "الدَّهْرُ يَوْمَانِ: يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ. فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِر، فكلاهما سينجليْ".  فالأيام دُوَل، والأحوال تتبدل، وما نراه اليوم عسيراً قد يصبح غداً ذكرى بعيدة.

ويبقى السؤال: ما الذي يعين الإنسان على تحمّل أعباء الحياة ومواجهة آلامها حتى تنقشع غيوم المحنة؟ ولعلّ الجواب يكمن في ان يجد الإنسانٍ من يشاركه حملها، ويشعر بوجعه، ويمنحه يقيناً بأنه ليس وحده في مواجهة الألم. فليس المطلوب أن يحمل الآخرون عنّا آلامنا، فلكل إنسان معركته الخاصة التي لا يستطيع أحد أن يخوضها نيابةً عنه. ولكن ما يستطيع الآخرون تقديمه أعظم أثراً مما نظن؛ أن يشعرونا بأننا لسنا وحدنا، وأن هناك من يصغي إلينا، ويفهم ما نعانيه، ويقف إلى جانبنا في أوقات الضيق. وقد تكون كلمةٌ صادقة، أو نظرةٌ حانية، أو حضورٌ صامت، أبلغ أثراً من كثير من الحلول. فالمشاركة الوجدانية لا تُزيل المشكلة، لكنها تُخفف ثقلها، وتجعل حملها أكثر احتمالاً. فالإنسان بطبيعته يضعف عندما يظن أنه يواجه الألم وحيداً، لكنه يستمد قوةً عجيبة حين يشعر أن هناك قلوباً تؤازره، وتشاركه وجعه، وتنتظر معه انقشاع الغمة. وأولُ من يحيط الإنسانَ بهذه المشاعر أفرادُ أسرته؛ الأم التي يقلقها وجع أبنائها قبل وجعها، والأب الذي يخفي آلامه ليمنحهم الطمأنينة، والأخ والأخت اللذان يشتركان في الذكريات والمواقف، والزوج أو الزوجة اللذان يقتسمان مسؤوليات الحياة وأفراحها وأحزانها، ثم الأبناء الذين يملؤون القلب أملاً، إذا كانت العلاقة بينهم قائمة على المحبة والرحمة.

ويأتي بعد ذلك الأصدقاء الحقيقيون، وهم قلة في الغالب، لكن أثرهم عظيم. فالصديق الصادق يُقاس بحضوره وقت الشدة، وبقدرته على أن يمنحك شعوراً بأنك لست وحدك في مواجهة الحياة. وربما وجد الإنسان هذا السند أيضاً في بعض الأقارب الذين تجاوزت روابطهم حدود القرابة إلى صداقة صادقة ومودة خالصة.

غير أن وجود الناس حولنا لا يعني بالضرورة أننا نجد فيهم المواساة. فقد يكون الإنسان محاطًا بأفرادٍ من أسرته أو معارفه، لكنهم لا يدركون حجم معاناته، أو لا يلتفتون إليها، أو يعجزون عن التعبير عن تعاطفهم. وحين يشعر المرء أن آلامه لا تجد من يفهمها أو يقدّرها، يتضاعف إحساسه بالوجع، لأن الوحدة وسط الزحام أشد قسوةً من الوحدة في الخلاء. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يحل مشكلاته، بقدر حاجته إلى من يشعر بمعاناته، ويصغي إليه، ويمنحه إحساسًا بأنه ليس وحيدًا في مواجهة الحياة. ومن هنا، قد تكون قسوة اللامبالاة أشد إيلامًا من قسوة المحنة نفسها، بينما قد تكون لمسة حنان أو كلمة صادقة كافية لتمنح القلب قدرةً جديدة على الصبر والاحتمال.

ولذلك، فإن قيمة الإنسان في حياة من يحبهم تُقاس بقدرته على أن يكون حاضرًا في آلامهم قبل أفراحهم، وأن يشعر بما يعتمل في نفوسهم، ولو عجز عن تغيير الواقع. أما من يقف موقف اللامبالاة، أو يزيد جراح الآخرين قسوةً بكلمةٍ أو تصرف، فقد يكون سبباً في الابتلاء، لا سندًا يعين على تجاوزه، وحينها يصبح الألم مضاعفًا: ألمُ المحنة، وألمُ خذلان القريب.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمن يحب ليس المال ولا النفوذ، وإنما حضوره الإنساني الصادق. فكم من قلب أنهكه الحزن، ثم نهض بكلمة مواساة، أو زيارة قصيرة، أو رسالة اطمئنان، أو دعوة صادقة في ظهر الغيب. وهذه الأعمال، على بساطتها، قد تُحدث في النفس أثراً لا تصنعه أعظم الهبات. لذلك، فلا ينبغي لنا أن نستحي من إظهار تعاطفنا مع من يمرون بالمحن، ولا أن نبخل عليهم بالسؤال والاهتمام، فربما كانت لفتة صغيرة سبباً في بعث الأمل في قلب أوشك على اليأس.

وفي المقابل، إذا نزلت بنا الشدائد، فلنتذكر أنها مرحلة وليست نهاية الطريق، وأن دوام الحال من المحال، وأن رحمة الله أوسع من كل هم، وأن الفرج يأتي في الوقت الذي يقدره سبحانه وتعالى. وما علينا إلا أن نصبر، ونأخذ بالأسباب، ونتمسك بالأمل، ونستعين بمن يحبوننا ويصدقوننا المودة.

لا تخلو الحياة من الألم، لكنها كذلك لا تخلو من الرحمة ولا تنقطع فيها أسباب المواساة. وبين الألم والفرج يقف أناسٌ جعلهم الله رحمةً لعباده، يخففون عنهم ثقل الأيام، ويذكرونهم بأن الإنسان، مهما اشتدت به المحن، يبقى أقوى حين تحيط به قلوبٌ صادقة. ويظل الأمل حيًّا ما دام في الأرض من يواسي، وفي السماء ربٌّ رحيمٌ لا يضيع عنده صبر الصابرين، وهو أرحم الراحمين.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

في المثقف اليوم