من سرقات الأفراد إلى فساد الدول
عرفت البشرية الفساد منذ نشوء الدول والحضارات، فلم تخلُ أمة من مسؤول استغل منصبه، أو حاكم بدّد المال العام، أو موظف خان الأمانة. غير أن معظم حالات الفساد التي سجلها التاريخ كانت، على خطورتها، محصورة في أفراد أو دوائر ضيقة من أصحاب النفوذ، وكان المجتمع والدولة ينظران إليها بوصفها انحرافاً عن الأصل، لا الأصل نفسه.
غير أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول الفساد من سلوك فردي إلى منظومة متكاملة تتشابك فيها المصالح، وتتبادل فيها الأطراف الحماية، حتى يغدو الالتزام بالقانون هو الاستثناء، بينما يصبح الفساد هو القاعدة غير المعلنة. وهذا ما يسميه علماء السياسة والإدارة العامة الفساد المؤسسي (Institutional Corruption)، وهو أخطر بكثير من الرشوة أو الاختلاس أو استغلال المنصب.
فالفساد التقليدي، مهما بلغ حجمه، يبقى قابلاً للمواجهة؛ إذ يستطيع المسؤول النزيه أن يقف بوجه الفاسد، وتستطيع أجهزة الرقابة أن تؤدي دورها، ويمكن للقضاء أن يحاسب المقصرين. أما في الفساد المؤسسي، فإن أجزاءً من منظومة الرقابة نفسها قد تصبح عاجزة أو معطلة أو خاضعة لموازين القوى، فتتآكل قدرة الدولة على تصحيح أخطائها، ويتحول القانون إلى نصوص لا تجد من ينفذها.
إن أخطر ما في هذا النوع من الفساد أنه يسرق المال العام ويسرق ثقة المواطن بالدولة في آن واحد، وبذلك يفقد المواطن النزيه الأمل بالمستقبل. فعندما يرى المواطن أن الكفاءة لا تكفي، وأن القانون لا يُطبق على الجميع، وأن النفوذ أقوى من العدالة، فإنه يفقد ثقته بالمؤسسات، ويبدأ بالتعامل معها على أنها جزء من المشكلة لا جزء من الحل.
وفي كثير من الدول التي عانت الفساد، كان الفاسد يخشى القانون، أما في المنظومات الفاسدة، فقد يصبح القانون هو الذي يخشى أصحاب النفوذ. وهنا تختل الموازين، ويغدو الإصلاح أكثر تعقيداً؛ لأن المشكلة لم تعد في أشخاص بعينهم، بل في شبكة المصالح التي تحميهم، والعلاقات التي تجعل محاسبتهم أمراً بالغ الصعوبة.
ولعل أخطر مراحل الفساد هي حين يتحول إلى ثقافة اجتماعية؛ فبدل أن تُعد الرشوة جريمة، تُوصف بأنها "إكرامية"، ويصبح استغلال المنصب "شطارة"، والالتفاف على القانون "ذكاءً"، ويُوصم النزيه بالسذاجة لأنه لم يستغل الفرصة كما فعل غيره. وعندها يصبح الفساد منظومة قيم مقلوبة، تتبدل فيها معايير الشرف والاستقامة. ولا يعني ذلك أن جميع العاملين في مؤسسات الدولة فاسدون، فما زال في كل مؤسسة رجال ونساء يؤدون واجبهم بإخلاص ونزاهة، ويدفع بعضهم ثمن تمسكه بالقانون، غير أن وجود أفراد نزهاء لا ينفي أن البيئة المؤسسية قد تكون، في بعض الأحيان، بيئة طاردة للنزاهة وجاذبة للفساد.
إن التجارب العالمية تؤكد أن قلة الموارد لا تسقط الدول، ولكن أعظم الدول تنهار نتيجة ضعف الإدارة وغياب المساءلة. فكم من دولة فقيرة في ثرواتها الطبيعية استطاعت أن تبني اقتصاداً قوياً بفضل سيادة القانون، وكم من دولة غنية بالموارد بقيت متعثرة لأن الفساد التهم ثرواتها قبل أن تصل إلى مواطنيها.
ولعل أخطر ما يميز الفساد المؤسسي أنه يستهلك المستقبل قبل أن يبدد الحاضر؛ فهو بما يهدره من أموال اليوم، يحرم الأجيال القادمة من المستقبل، فلا المدارس تُبنى، ولا المستشفيات تُجهَّز، ولا الطرق تُنجَز، كما يبدد فرص العمل والاستثمار، ويؤخر التنمية لعقود، حتى يصبح المستقبل نفسه رهينة أخطاء الحاضر.
ولذلك فإن اعتقال بضعة فاسدين، على أهميته، لا يكفي للقضاء على هذا النوع من الفساد. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة بناء المؤسسات على أسس الشفافية، واستقلال القضاء، وحماية أجهزة الرقابة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ ثقافة النزاهة منذ المدرسة وحتى أعلى مواقع صنع القرار.
وكما أن الفساد المؤسسي لم ينشأ في يوم واحد، فإنه لا يزول بقرار واحد، لكنه يبدأ بالانحسار حين تستعيد الدولة هيبتها، ويستعيد القانون سلطته، ويستعيد المواطن ثقته بأن الحقوق تُنال بالعدل لا بالواسطة، وأن المال العام أمانة لا غنيمة. وعندئذ يعود الفساد إلى حجمه الطبيعي: جريمة يرتكبها أفراد، لا نظاماً يحكم حياة وطن.
وليس هذا التصور مجرد تحليل نظري، بل تؤيده تجارب التاريخ؛ إذ شهدت أمم كثيرة انهيارات سياسية واقتصادية كان الفساد أحد أبرز أسبابها.
أشهر حالات الفساد المالي في التاريخ:
1. الإمبراطورية الرومانية المتأخرة: في القرنين الثالث والرابع الميلاديين، استشرى الفساد بين الولاة وجباة الضرائب وقادة الجيش. وكان كثير من المسؤولين يشترون المناصب ثم يستغلونها لاسترداد ما دفعوه أضعافاً؛ وأدى ذلك إلى إنهاك الاقتصاد، وانتشار الفقر، وتراجع ثقة المواطنين بالدولة، وكان أحد العوامل الرئيسة التي أسهمت في سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية عام 476م.
2. فرنسا قبل الثورة الفرنسية (1789): لم يكن الفساد في فرنسا حينئذ يقتصر على الرشوة، بل شمل نظاماً غير عادل من الامتيازات والإعفاءات الضريبية للنبلاء ورجال الدين، في حين تحمل عامة الشعب معظم الأعباء المالية. ومع إسراف البلاط الملكي وتفاقم الأزمة الاقتصادية، أصبحت الثورة الفرنسية نتيجة شبه حتمية.
3. إسبانيا في عصر الذهب: بعد تدفق الذهب والفضة من الأميركتين خلال القرن السادس عشر، امتلكت إسبانيا ثروة هائلة، لكن سوء الإدارة والفساد حالا دون تحويلها إلى اقتصاد منتج؛ فأنفقت الأموال على الحروب والبذخ، وأعلنت الدولة إفلاسها عدة مرات رغم تدفق المعادن النفيسة.
4. الفلبين في عهد فرديناند ماركوس: يُعد هذا المثال من أشهر حالات الفساد في العصر الحديث؛ فقد قُدّرت الأموال التي نهبتها عائلة ماركوس والمقربون منها بما بين 5 و10 مليارات دولار، وهو مبلغ ضخم بمقاييس ذلك الزمن، واستغرقت عملية استرداد جزء من تلك الأموال عقوداً طويلة.
5. زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً) في عهد موبوتو سيسي سيكو: حوّل موبوتو خزينة الدولة إلى ما يشبه الحساب الشخصي، حتى شاع استخدام مصطلح "الكلبتوقراطية" أو "حكم اللصوص" لوصف نظامه. وبينما كانت البلاد غنية بالمعادن والموارد الطبيعية، عاش معظم سكانها في فقر مدقع.
6. نيجيريا: منذ الطفرة النفطية في سبعينيات القرن الماضي، فقدت نيجيريا مئات المليارات من الدولارات بسبب الفساد وسوء الإدارة، على الرغم من كونها إحدى أكبر الدول المنتجة للنفط في إفريقيا.
ماذا عن العراق؟
إذا انتقلنا إلى العراق بعد عام 2003، نجد أن كثيراً من التقارير العراقية والدولية تشير إلى أن الأموال المهدورة أو المفقودة أو المنهوبة تُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات. وتختلف التقديرات بحسب الجهة والمنهجية، إلا أن بعض المسؤولين وهيئات النزاهة تحدثوا عن أرقام تتراوح بين 300 و500 مليار دولار خلال العقدين الماضيين.
وما يميز الحالة العراقية أنها جمعت بين عوامل نادراً ما تجتمع بهذا الحجم في دولة واحدة، من أبرزها: امتلاك موارد نفطية هائلة، وانتشار الفساد في العقود والمشاريع العامة، ووجود آلاف المشاريع المتلكئة أو الوهمية، إضافة إلى تضخم الجهاز الإداري وظهور ظاهرة الرواتب الوهمية في بعض المراحل، وضعف المساءلة واستمرار الإفلات من العقاب في عدد كبير من القضايا.
ولهذا يرى عدد من الباحثين أن العراق يمثل إحدى أكبر حالات الفساد المالي المؤسسي في العصر الحديث، ليس لأنه سجل أكبر رقم مطلق في التاريخ، وإنما لأن حجم الأموال المهدورة وقع في بلد يمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية ما كان يؤهله لتحقيق نهضة اقتصادية وتنموية شاملة، لو أُديرت تلك الموارد بكفاءة ونزاهة.
تمتد مأساة العراق -إضافة إلى الحجم الهائل للأموال التي أُهدرت أو سُرقت- إلى ما هو أشد إيلاماً، وهو الفرص التاريخية التي ضاعت وكان من الممكن أن تُغيّر حياة ملايين العراقيين. فهذه الأموال تعني مشاريع تنموية كان يمكن أن ترتقي بمستوى معيشة المواطن، وتعيد بناء الدولة، وتوفر له الخدمات الأساسية التي ظل يفتقدها طوال أكثر من عقدين.
فكل مليار دولار أُهدر كان قادراً على إنشاء محطات لتوليد الكهرباء ومعالجة أزمة الطاقة، وتوفير مياه شرب آمنة، وبناء المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس والجامعات، وتشييد الطرق والجسور وشبكات النقل، وإنشاء المصانع والمشاريع الإنتاجية التي تنعش الاقتصاد وتقلل الاعتماد على الاستيراد. وكان من شأن ذلك أن يخلق عشرات الآلاف من فرص العمل، ويمنح الشباب والخريجين أملاً بمستقبل كريم داخل وطنهم بدلاً من الوقوف في طوابير البطالة أو البحث عن فرصة للهجرة.
كما انعكست آثار خسارة هذه الأموال على الجانب الاقتصادي وكذلك على النسيج الاجتماعي أيضاً؛ فقد أدى انسداد آفاق المستقبل وتفاقم البطالة والفقر إلى انتشار ظواهر لم تكن مألوفة في المجتمع العراقي، مثل تنامي تعاطي المخدرات والاتجار بها، وارتفاع معدلات الجريمة، وتزايد حالات الطلاق نتيجة الضغوط الاقتصادية، وازدياد حالات الانتحار بين الشباب الذين سحقتهم مشاعر اليأس والخذلان، فضلاً عن موجات الهجرة المتواصلة للكفاءات والشباب الباحثين عن حياة أكثر استقراراً وكرامة خارج وطنهم. فقد كان الفساد سبباً في ضياع فرص التنمية، واستنزاف الطاقات البشرية، وإضعاف ثقة المواطن بوطنه ومستقبله.
يعلمنا التاريخ أن الفساد هو مشروع لهدم الدولة من الداخل؛ فالدول لا تسقط دائماً بفعل الغزو الخارجي، وإنما قد تنهار حين تُستنزف مؤسساتها، وتضعف هيبة القانون، وتتحول السلطة إلى وسيلة للإثراء بدلاً من خدمة المجتمع.
لقد عرف التاريخ إمبراطوريات وممالك وأنظمة دفعت ثمن فسادها، لكن الحالة العراقية تظل من أكثر الحالات المعاصرة إثارة للأسى؛ لأن الفساد اقترن بثروة نفطية استثنائية كان يمكن أن تجعل العراق في مصاف الدول الأكثر تقدماً وازدهاراً، لو أُديرت تلك الثروة بالكفاءة والنزاهة اللتين يستحقهما شعبه.
***
سعد عبد المجيد ابراهيم








