في جزئية من كتابه النقدي «مرايا الرواية» يقول الروائي عبد الرحمن منيف: "الإنسان أسوأ من الحيوان حين يكون حيوانًا". ويشير بهذا القول إلى أن الإنسان، حين يتجرد من قيمه الأخلاقية، قد يفوق الحيوان قسوةً وبطشًا، لأن الحيوان تحكمه الغريزة، بينما يمتلك الإنسان العقل والضمير والقدرة على الاختيار.
وقد دفعني إلى استحضار هذه المقولة ما نشهده في حروب البشر من انتهاكات إنسانية وقسوة مفرطة بين الأطراف المتحاربة، قد لا نجد لها مثيلًا في عالم الحيوان. فبعض هذه الأطراف لا يعبأ بحياة الآخرين، بل يتخذ من المدنيين دروعًا بشرية حمايةً لنفسه. والحروب، بكل أشكالها، عادلةً كانت أم ظالمة، ليست استعراضًا للقوة فحسب، بل هي أيضًا كاشفة لغرائز الإنسان وأنانيته، ولقدرته على التخلي عن المبادئ عندما تتغلب المصلحة الذاتية على القيم الإنسانية.
ولو أجرينا مقارنة عابرة بين بعض سلوكيات الإنسان وسلوكيات بعض الحيوانات في المواقف المتعلقة بالبقاء، لاكتشفنا مفارقات تدعو إلى التأمل. ففي مقابل الأنانية التي قد تكشفها بعض الحروب، والمتمثلة في تقديم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، نجد أن أنثى النعامة، عندما تستشعر الخطر، تُخفي بيضها ثم تبتعد عنه لتصرف انتباه المفترس إليه، معرضةً نفسها للخطر في سبيل حماية صغارها.
وتشير دراسات علمية إلى أن الحيوانات تمتلك أنماطًا من السلوك الاجتماعي والعاطفي؛ فهي تُظهر مظاهر من الألفة والرعاية والدفاع عن أفراد نوعها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك أن عاملات النحل والنمل لا تتكاثر، وإنما تكرس حياتها لخدمة المستعمرة ورعاية الصغار، بما يضمن استمرارها. كما أن بعض أنواع النمل، إذا أصيب بمرض معدٍ، يغادر المستعمرة ويمضي بعيدًا حتى يموت، في سلوك يُفسَّر بوصفه وسيلةً للحد من انتقال العدوى إلى بقية أفرادها.
وتذكر الدراسات أيضًا أن بعض أنواع القردة تطلق صرخات تحذيرية مرتفعة عند اقتراب المفترسات، رغم أن ذلك قد يكشف مكانها ويعرضها للخطر، لكنها تفعل ذلك لتنبيه بقية أفراد المجموعة وإتاحة الفرصة لهم للنجاة. وكذلك قد تدافع إناث الفيلة عن صغارها بشراسة، حتى لو عرضها ذلك لمواجهة مفترسات أقوى منها.
إن هذه الأمثلة، بغض النظر عن اختلاف تفسيراتها العلمية، تضعنا أمام سؤال أخلاقي عميق: كيف يمكن لكائن تحكمه الغريزة أن يُظهر سلوكًا يبدو أقرب إلى الإيثار، في حين يعجز بعض البشر، وهم أصحاب العقل والوعي، عن الحفاظ على الحد الأدنى من القيم الإنسانية في أوقات الأزمات؟
إن المشهد الذي تصنعه الحروب اليوم لا يكشف وحشية الصراع فحسب، بل يكشف أيضًا حجم التآكل الذي أصاب منظومة القيم الأخلاقية، وما ترتب عليه من انهيار في كثير من المعايير الإنسانية وتفكك في النسيج الاجتماعي. وحين يصبح الإنسان أسير غرائزه وأنانيته، فإنه لا يفقد إنسانيته وحدها، بل يفقد أيضًا الميزة التي جعلته أرقى من سائر المخلوقات.
***
ثامر الحاج أمين








