عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

قرأتُ مقال الكاتب سليمان المعمري وهو يصفق بحرارة للجان التحكيم في الأردن ولبنان لأنها امتلكت من الجرأة والشجاعة ما مكنها من حجب جوائز أدبية، بعد أن اكتشفت أن الأعمال المقدمة لا ترقى إلى مستوى الرداءة حتى، بل إن بعضها – وهذا هو الطريف حقاً – ولد من صلب "شات جي بي تي" مسكين، لم يقرأ في حياته رواية، ولكنه حفظ عن ظهر قلب كل كليشيهات الكتابة العربية المعاصرة. فجاءت النصوص كما قال بيان لجنة الكاتبة سميحة خريس "قوالب لغوية رتيبة وصياغات نمطية افتقدت حيوية الخيال البشري وفرادته". يا للهول! حتى الذكاء الاصطناعي أصابه العدوى، وصار يكتب روايات مملة كأنه عضو في اتحاد الكتاب!

هذه مصيبة تستحق وقفة تأمل، فالآلة التي يفترض أن تتعلم منا صارت تتعلم أسوأ ما فينا، وتحولت إلى مرآة تعكس رداءتنا ببرودة المعدن.

أتفق تماماً مع سليمان المعمري ومع السيدة سميحة خريس، فحجب الجائزة "رسالة ضد الرداءة"، وهو حق أصيل وأخلاقي للجان التحكيم، وربما أكثر نزاهة وشرفا من منحها لعمل ضعيف لأننا دفعنا فلوس الحفلة وقمنا بدعوة المدعوين وملأنا البوفيه، فيجب أن يكون هناك فائز وإلا انقلبت الطاولة على رؤوسنا.

هذا الموقف النبيل من لجان التحكيم في عمان وفي دار الساقي يستحق التحية والتقدير، لأنه يرفض منطق "نفخ العجول" في زمن صرنا نعتقد فيه أن مجرد وجود نص مطبوع أو مكتوب يستحق التصفيق، حتى لو كان هذا النص لا يصلح إلا لتغليف السندوتشات.

ولكن، وبينما أنا أغوص في لذة هذا الموقف الأخلاقي الرفيع، قفز إلى ذهني سؤال مؤلم، يشبه وخز الإبر في ضمير مثقف وماذا عن جوائزنا المصرية العريقة؟ أقصد تحديداً الجائزة الكبرى، جائزة الدولة التقديرية، أو جائزة النيل، أو حتى جوائز التفوق والتشجيعية. هل تمتلك لجاننا هذه الشجاعة الفذة؟ هل حدث، في تاريخ مصر الحديث، أن اجتمعت لجنة تحكيم، ونظرت إلى قوائم المرشحين المرفوعة إليها من الوزارة أو من الجهات السيادية الثقافية!، ثم قالت بوجه عبوس "معذرة يا سادة، هؤلاء الذين رشحتموهم لا يستحقون. نصوصهم هزيلة، ومشاريعهم الفكرية باهتة، وإنجازاتهم عبارة عن مناصب إدارية متراكمة لا علاقة لها بالإبداع. نحن نحجب الجائزة هذه الدورة؟!

أشك، بل أجزم، أن هذا لم يحدث، ولن يحدث، ليس لأن أعمالنا كلها عبقرية، كلا، فنحن أكثر من يعرف الحقيقة المرة، لكن لأن الجائزة في مصر تحولت، في أحيان ليست قليلة، من تكريم للإبداع إلى استحقاق وظيفي، أو مكافأة على الصمت الطويل، أو تتويج لمسيرة (موظف مثقف) لم يزعج أحداً، ولم يكتب حرفاً يهز المياه الراكدة!. إنها أشبه بترقية دورية، أو ميدالية تعلق على صدر من أمضى أربعين عاماً في الروتين الثقافي دون أن يصدر عنه ما يوجب العقاب.

كيف تحجب الجائزة وفي القائمة أسماء مفروضة بحكم الأقدمية والمحسوبية والجغرافيا والولاءات؟! كيف ستواجه اللجنة الموقف الحرج حين يتقدم للجائزة روائي كبير بمعنى كبر السن، وتكون روايته الأخيرة كارثة أدبية، ومع ذلك فإن "اعتبارات الدولة" و"رمزية الاسم" ووجوب "رد الجميل" تحتم منحه الجائزة، وإلا قامت الدنيا ولم تقعد؟!

المعضلة المصرية أعمق من مجرد نص رديء. إنها معضلة نظام ثقافي كامل يقيس قيمة الأديب بعدد سنوات خدمته، لا بوهج أعماله. نظام يخلط بين التكريم والتعويض، فيمنح الجائزة لمن لم يأخذ حقه في الماضي، وكأن الجائزة صدقة على شيخوخة متعبة، لا تتويجاً لإبداع متوهج. في هذا المناخ، يصبح حجب الجائزة ضرباً من الخيال العلمي، أو جريمة لا تغتفر في حق الرموز التي قد تصاب بالصدمة وتعلن الحداد!.

ثم هناك الوجه الآخر للكارثة ماذا لو كان العمل الرديء نفسه مكتوباً بقلم أحد المقربين؟! ماذا لو كانت روايته المليئة بالركاكة والاستعراض الأجوف تحمل توقيع ابنة مسئول كبير، أو زوجة رجل أعمال ممول للأنشطة الثقافية، أو قلم صحفي نافذ يعرف أسرار البيوت؟! هل ستجرؤ لجنة على حجب الجائزة عنه؟ أم أن أعضاءها سيبتلعون ألسنتهم، ويتحول بيانهم الختامي إلى قصيدة مدح في التجريب والجرأة في طرح المسكوت عنه، مع تغيير سريع في تعريف كلمة الإبداع نفسها لتتسع لهذا الهراء؟!

الناقد الأردني إبراهيم خليل الذي قال بضرورة منح الجائزة "بصرف النظر عن مستوى انحطاطها أو جودتها" هو تجسيد حي للمأساة العربية، لكنه في مصر سيكون فيلسوف العصر. فهنا، لدينا عباقرة في تحويل الانحطاط إلى جودة عبر البيانات الصحفية. لدينا قدرة سحرية على صياغة عبارات ملتوية تجعل من العمل التافه مغامرة شكلية، ومن السطحية عذوبة أسلوبية، ومن التفاهة انحيازاً لهموم البسطاء!!. إن حجب الجائزة لدينا ليس مجرد إجراء إداري، هو في تقديري إعلان حرب على منظومة كاملة قوامها النفاق والمجاملات.

ولكن، لعل ما أذهلني حقاً في بيان جائزة سميحة خريس، ويثير الضحك والبكاء معاً، هو جملة "اتكاء المشاركين الملحوظ على أدوات الذكاء الاصطناعي". هنا وصلنا إلى منتهى العبث. نحن في مصر، قد تكون هذه هي الطريقة المثلى لإنقاذ الجوائز، لا لحجبها!

تصوروا معي لو أن لجاننا استخدمت تطبيقاً للذكاء الاصطناعي كـ "حكم خفي" يقرأ النصوص ويحللها، ويقدم تقريراً سرياً يقول: عذراً، هذا النص كتبه إنسان نائم منذ عشرين عاماً، ولا يحتوي على أي خلية إبداعية حية. أنصح بحجب الجائزة فوراً !!. عندها فقط، قد نرى حجباً حقيقياً، لأن الآلة لا تفهم في الواسطة، ولا تخشى غضب المسئولين، ولا تطمع في منصب في لجنة في الدورة القادمة. الآلة ليس لها أبناء أو أصهار أو زملاء دراسة. إنها الحل الوحيد لمواجهة أنسانيتنا المنحطة في لجاننا، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أكثر إنسانية منا، لأنه على الأقل لا يجيد النفاق بعد.

في النهاية، بينما أصفق بحرارة للسيدة سميحة خريس ولدار الساقي وللجانهم التي احترمت نفسها واحترمت الأدب، لا يسعني إلا أن أتساءل بحرقة متى سيولد في مصر مثقفون ومسئولون يجرؤون على قول (لا) في وجه الرداءة المدعومة ؟! متى سنفهم أن قيمة الجائزة ليست في قيمتها المالية، ولا في حفل توزيعها الباذخ، لكن في صرامتها التي تجعل الفوز بها وساماً حقيقياً، لا مجرد شهادة حسن سيرة وسلوك ثقافية؟!

 حجب الجائزة إذن ليس فشلاً، هو في رأيي قمة النجاح، ودليل على أن الضمير الأدبي لم يمت تماماً في الأردن ولبنان، بينما نبحث عنه نحن هنا تحت أنقاض المجاملات والبروتوكولات، فلا نجد إلا ظل الذكاء الاصطناعي يسخر منا جميعاً.

***

عبد السلام فاروق

نحن لا نبدو دائمًا كما نشعر، فبين الملامحنا التي يراها الناس، والمشاعر التي تسكن أعماقنا، مسافات لا تُقاس بالكلمات. نرتدي وجوهًا هادئة لا لأننا نجيد التمثيل، ولا لأننا نرغب في خداع أحد، بل لأن بعض الآلام أكبر من أن تُروى، وبعض الانكسارات تعجز اللغة عن وصفها، فنختار الصمت حين تعجز الحروف عن حمل ما في القلب.

لقد أصبحنا نرتب ملامحنا قبل أن نرتب أيامنا، ونهذب ابتساماتنا قبل أن نواجه العالم، ونخفي ارتباك أرواحنا خلف ملامح ثابتة، حتى يبدو كل شيء على ما يرام. وحين يسألنا أحدهم: كيف حالك؟ نجيب ببساطة: بخير... وكأن هذه الكلمة أصبحت ستارًا واسعًا يخفي خلفه تعبًا طويلًا، وخيبات متراكمة، ودموعًا لم تجد الوقت لتنساب.

فليس كل من يبتسم يعيش السعادة، وليس كل من يضحك قد نسي أوجاعه، وليس كل من يصمت يشعر بالسلام. فهناك أرواح اعتادت أن تحمل أثقالها بصمت، وأن تخيط جراحها بعيدًا عن أعين الآخرين، حتى أصبح الألم جزءًا من هدوئها، وأصبح الصبر لغتها التي لا يفهمها إلا من ذاق مرارة الانتظار.

وفي داخل كل واحد منا حكايات لم تُحكَ، ومواقف تركت ندوبًا لا تُرى، وكلمات بقيت عالقة في الحلق لأن الوقت لم يكن مناسبًا لقولها، وأحلام طال انتظارها حتى خفت بريقها، لكنها لم تمت. نحمل كل ذلك في قلوبنا، ونمضي، وكأن الحياة لا تمنحنا خيارًا آخر سوى الاستمرار.

لذلك، حين يخبرك أحدهم بأنه بخير، لا تكتفِ بسماع الكلمة، بل أنصت لما تخفيه نبرة صوته، وتأمل ما تقوله عيناه، فالعينان كثيرًا ما تعترفان بما يعجز عنه اللسان. اقترب منه بمحبة، وامنحه شيئًا من وقتك، وأشعره بأنه ليس مجرد عابر في هذا العالم، بل إنسان يستحق أن يُستمع إليه ويُحتوى.

فالقلوب المنهكة لا تبحث دائمًا عن حلول، ولا تنتظر سيلًا من النصائح، بل تحتاج إلى حضورٍ صادق، وإلى يدٍ تربت عليها برفق، وإلى روح تقول دون ضجيج: أنا أراك، وأفهم صمتك، وأشعر بما تعجز عن قوله، ولست وحدك في هذه الرحلة.

ما أجمل أن يكون الإنسان ملاذًا لقلبٍ متعب، وأن يمنح الآخرين شعورًا بالأمان في زمنٍ كثرت فيه الأقنعة، وقلّت فيه المساحات التي تسمح للروح أن تكون على حقيقتها. فربما كانت كلمة صادقة، أو نظرة مليئة بالرحمة، أو حضور دافئ، سببًا في إعادة الأمل إلى قلبٍ كان يوشك أن ينطفئ.

فلنكن أكثر لطفًا، وأكثر إنصاتًا، وأقل استعجالًا في الحكم على الآخرين، فلكل إنسان معركة يخوضها بصمت، ولكل قلب قصة لا يعرف تفاصيلها إلا الله. وما أجمل أن نترك في حياة من حولنا أثرًا من الرحمة، فربما كانت رحمتنا بهم هي النور الذي يعينهم على مواصلة الطريق.

***

ذكرى البياتي

 

وضرورة التناغم مع متطلبات سوق العمل

يشهد العالم المعاصر تطورات متسارعة في مجالات الاقتصاد، والصناعة والتكنولوجيا والاتصالات، الأمر الذي فرض على الأنظمة التعليمية تحديات كبيرة تتعلق بقدرتها على مواكبة هذه التطورات، والقدرة على إعداد أجيال من الخريجين تمتلك مهارات ومعارف كافية يحتاجها سوق العمل الحديث، حيث أصبح الهدف من التعليم ليس مجرد منح الشهادات، والمؤهلات الأكاديمية فحسب، وانما بات يتطلب اعداد الكفاءات والمهارات الكفوءة القادرة على الإبداع والتكيف مع تلك التطورات، والإسهام الفاعل في عملية التنمية المستدامة.

وهكذا تبرز أهمية مخرجات التعليم بوصفها مؤشرا حقيقيا على كفاءة المؤسسات التعليمية وفاعليتها، في إفراز خريجين قادرين على الاندماج في سوق العمل، ومواكبة التطورات المهنية والتقنية المتلاحقة، والإسهام في تعزيز الإنتاجية، ودعم الاقتصاد الوطني بكفاءة، وذلك من خلال ردم الفجوة بين ما تقدمه المؤسسات التعليمية من معارف ومهارات، وبين ما تتطلبه قطاعات العمل المختلفة من كفاءات وقدرات عملية.

ولاريب ان أسباب هذه الفجوة تعود إلى جملة من العوامل، لعل من أبرزها تركيز بعض المناهج الدراسية على الجوانب النظرية، على حساب التطبيق العملي، وضعف التواصل بين المؤسسات التعليمية، والقطاعات الإنتاجية والخدمية، فضلاً عن التسارع الكبير في تطور المهن، وظهور تخصصات جديدة، لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة، وهو ما يجعل بعض البرامج التعليمية غير قادرة على مواكبة تلك المتغيرات بالسرعة المطلوبة.

وهكذا أصبحت المهارات الدقيقة، مثل مهارات الاتصال، والعمل الجماعي، وإدارة الوقت، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، تشكل جزءاً أساسياً من متطلبات التوظيف، إلى جانب المهارات التقنية، والتخصصية. كما باتت المعرفة الرقمية، وإتقان استخدام التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، من المتطلبات الضرورية في العديد من المجالات المهنية، الأمر الذي بات يفرض على المؤسسات التعليمية، ضرورة إعادة النظر في فلسفة أهداف التعليم، وأساليبه، ومناهجه، لكي يواكب بمخرجاته من الخريجين كل تلك المعطيات.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى ترادف حقيقي، بين الجامعات والمعاهد ومؤسسات التدريب من جهة، وقطاعات الصناعة والتجارة والخدمات من جهة أخرى، وذلك بهدف تحديد الاحتياجات الفعلية لسوق العمل، وتطوير البرامج التعليمية بما ينسجم مع تلك الاحتياجات، وإتاحة فرص التدريب العملي للطلبة أثناء مراحل الدراسة، بما يسهم في صقل مهاراتهم، وتعزيز قدراتهم المهنية قبل التخرج.

ولاشك أن تشجيع التعليم التقني والمهني، بات يمثل أحد الحلول المهمة لمعالجة احتياجات سوق العمل المعاصر، إذ تسهم هذه التخصصات في تزويد سوق العمل بالكفاءات الفنية والمهنية، التي تحتاجها مشاريع التنمية، والإعمار، والصناعة، والخدمات، وتوفر في الوقت نفسه، فرصاً واعدة للشباب، بعيداً عن حالة التشبع التي تشهدها بعض التخصصات التقليدية.

وهكذا يتضح إن الاستثمار الحقيقي في التعليم، لا يتحقق بمجرد زيادة أعداد الخريجين، وحسب، وانما يتطلب إعداد خريجين يمتلكون القدرة على الابتكار، والتطوير، والتعلم المستمر، ويستطيعون مواكبة التغيرات المتسارعة في بيئة سوق العمل المحلية، والعالمية. فالتعليم الناجح، هو التعليم الذي يحول المعرفة إلى مهارة، والمهارة إلى إنتاج، والإنتاج إلى تنمية وازدهار.

وفي ظل المنافسة العالمية المتزايدة، أصبحت مواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل، ضرورة وطنية، وعملية، لأنها تمثل الحجر الأساس في بناء اقتصاد قوي، وتنمية مستدامة، ومجتمع منتج، قادر على مواجهة تحديات المستقبل بثقة، وكفاءة واقتدار.

***

نايف عبوش

 

نايف عبوش

الاب الروحي للقانون الجنائي المعاصر

يُعد تشيزاري بيكاريا (1738–1794) الأب الروحي للقانون الجنائي المعاصر، وصاحب الكتاب الشهير “في الجرائم والعقوبات” الصادر سنة 1764، والذي أحدث ثورة فكرية في العدالة الجنائية، وأصبح الأساس الذي قامت عليه المدرسة التقليدية في القانون الجنائي، كما أثّر في تشريعات أوروبا وأمريكا، ومختلف دول العالم وما زالت أفكاره حاضرة في الدساتير والقوانين الحديثة.

ومن أهم إسهاماته:

إرساء مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات:

* لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني سابق.

* رفض أن يخلق القاضي جرائم أو عقوبات من اجتهاده.

* جعل السلطة التشريعية وحدها صاحبة الحق في التجريم والعقاب.

التناسب بين الجريمة والعقوبة:

* حيث دعا إلى أن تكون العقوبة           

متناسبة مع جسامة الجريمة

* رفض العقوبات القاسية التي تتجاوز الضرورة.

رفض التعذيب لنزع الاعترافات:

حيث هاجم التعذيب باعتباره وسيلة غير إنسانية وغير عقلانية.

رأى أن الاعتراف المنتزع بالإكراه لا يكشف الحقيقة بل يقيس قدرة الإنسان على تحمل الألم.

كان لهذا الفكر أثر كبير في إلغاء التعذيب في العديد من الدول الأوروبية ومن ثم في اغلب دول العالم.

معارضة عقوبة الإعدام:

اعتبرها غير ضرورية في أغلب الأحوال.

حيث رأى أن السجن طويل الأمد أكثر ردعاً وأشد أثراً من الإعدام.

أصبحت آراؤه الأساس الفكري لحركات إلغاء عقوبة الإعدام في العالم.

الغاية الوقائية للعقوبة:

* أكد أن هدف العقوبة ليس الانتقام، بل منع وقوع الجرائم مستقبلاً.

* جعل حماية المجتمع وتحقيق الردع العام والخاص هي الوظيفة الأساسية للعقوبة.

* سرعة العقوبة ويقينها أهم من شدتها، حيث بيّن أن العقوبة المؤكدة والسريعة تحقق ردعاً أكبر من العقوبة القاسية التي يندر تنفيذها.

وهو من المبادئ التي تؤكدها اليوم دراسات علم الإجرام.

المساواة أمام القانون:

رفض الامتيازات الطبقية في العقاب

دعا إلى تطبيق القانون على الجميع دون تمييز.

ضمانات المحاكمة العادلة:

* قرر أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

* طالب بمحاكمات علنية وعادلة.

* رفض الاعتقال التعسفي والإجراءات السرية.

الفصل بين الجريمة والخطيئة:

ميّز بين المخالفة الدينية والجريمة القانونية.

جعل التجريم قائماً على حماية المجتمع:

لا على الاعتبارات الدينية وحدها، وهو ما أسهم في ترسيخ الطابع المدني للقانون الجنائي.

العقلانية في السياسة الجنائية:

دعا إلى أن تستند القوانين إلى العقل والمنفعة الاجتماعية، لا إلى الانتقام أو الخوف.

تأثر بفلاسفة العقد الاجتماعي مثل جون لوك ومونتسكيو، وقدم رؤية إنسانية وعملية للعقوبة.

أثره في التشريعات الحديثة

يمكن القول إن معظم المبادئ العامة لقانون العقوبات والإجراءات الجزائية المعاصرة تعود جذورها إلى بيكاريا، ومنها:

1- مبدأ الشرعية.

2- شخصية العقوبة.

3- تناسب العقوبة.

4- افتراض البراءة.

5- حظر التعذيب.

6- المحاكمة العادلة.

7- الحد من عقوبة الإعدام.

8- اعتبار العقوبة وسيلة لحماية المجتمع لا للانتقام.

ولهذا يصفه كثير من فقهاء القانون بأنه “أبو القانون الجنائي الحديث”، لأن تأثيره لم يقتصر على إلغاء بعض العقوبات القاسية، بل غيّر الفلسفة التي يقوم عليها التجريم والعقاب، محولاً إياها من فلسفة الانتقام إلى فلسفة الشرعية والإنسانية والوقاية.

خلاصة: إن كتاب "في الجرائم والعقوبات" (Dei delitti e delle pene) الصادر عام 1764 لم يكن مجرد كتاب قانوني، بل كان بياناً حقوقياً أصلح المنظومة العقابية في العالم الغربي والشرقي على حد سواء، ولا تزال أفكاره تُشكل جوهر المبادئ الدستورية المعاصرة كقرينة البراءة وحظر المعاملة اللإنسانية.

وبهذا تدين له الإنسانية في ماضيها وحاضرها بأنه أدخل قيم الرحمة والإنسانية الى القانون الجنائي، وحَدَّ من قسوته وجبروته.

***

فارس حامد عبد الكريم

بغداد في 2026

“الفلسفة لن تموت ما دام هناك إنسان يطرح الأسئلة الكبرى ولا يجد لها جوابًا نهائيًا. كل شيء في الفلسفة يخضع لمساءلة العقل ونقده وتمحيصه، حتى العقل نفسه.”

أنهيت قراءة مقال «أسلمة الفلسفة» للدكتور عبد الجبار الرفاعي، فانهالت على فكري التساؤلات كزخات مطر في ليلة عاصفة، حفرت أخاديدها في داخلي من حيث لا يمكن التعامي عنها أو تجاوزها.

تذكرت أيامًا كنت أمسك فيها القصيدة الأدبية بمبضع جراح؛ تحليلًا وتفكيكًا وشرحًا، لنخلص إلى أن الأدب الراقي هو الذي يشبعك بذاته، دون أن يستفزك لتبحث عما يشبعك بعيدًا عنه. أما الكتابات الفكرية والفلسفية، كهذا المقال وأخواته، فهي تضعك على أرض ملغمة، لا تعلم أيُّ لغم سينفجر ليطيح بك في متاهته. فإذا بنا نلهث خلف أسئلة بلا أجوبة، كما يقول الدكتور: «وكل سؤال مفتوح منجم متجدد للتفلسف». فهي تفتح أبوابًا ونوافذ، ونظل نجري لعلنا نمسك بخيط من خيوط الحقيقة العصية.

ما الذي أقلقني في هذا المقال، وأثار من الشجون ما أبعد النوم عن مقلتي؟!

هل لأنه وضعني على أرضٍ محرمة تهتز تحتها كل تلك السنين والأيام؟

أم لأنه حرّك أسئلة خجولة كانت متخفية، فتنفست وظهرت على السطح، وأمسكت بالزمام؟

ما الذي يجعلنا نُؤسلم كل شيء؟ كل ما نمر به أو نختبره، نضعه تحت مجهر الحلال والحرام؟ وكأننا نسبغ عليه ثوبًا دينيًا، بينما هو ينتمي إلى حقل معرفي آخر. كما يشير الدكتور:

«حين تستعير الكتابة معجم الفلسفة، وتحتفظ في أعماقها برؤية علم الكلام ومقدماته، تغدو لاهوتًا متنكرًا يتحدث بلغة الفلسفة، فيما يظل وفيًا لمواقفه الكلامية وأحكامه الفقهية المسبقة. عندئذ تفقد المفاهيم ومصطلحاتها قدرتها على توليد الأسئلة، وتتحول إلى أقنعة لغوية تضفي على الإجابات الموروثة مظهرًا فلسفيًا، وتحجب بنيتها الاعتقادية المغلقة.»

ما الذي يخيفنا من الجديد في تفاصيل حياتنا، فنبحث له عن حديث أو آية أو قصة، لنؤطره بالإسلام؟

تذكرت ما حدث حين بدأنا نناقش كتاب «سحر الترتيب»للكاتبة اليابانية ماري كوندو ،واعتراض بعضهم لأنه عُرض على شيخ فأعلن تحريمه. بل إنني كنت ممن يؤسلم البرمجة العصبية، ودورات إدارة الوقت، وتنمية الذات، وكأنني أصبغ عليها المشروعية والقبول حين تخرج من عباءة موروثاتنا.

هل كان وراء ذلك ثقافة ترعرعنا بين أكنافها، مفادها أن الإسلام هو الحياة، ولا بد أن يدخل في كل مفاصلها، حتى لو أُقحم إقحامًا صوريًا؟

أم أنه الخوف من المجهول، الذي قد يحرك الساكن في معتقداتنا وموروثاتنا، فتزل أقدامنا؟

أم أن هناك أنماطًا نفسية واجتماعية عميقة تنخر مجتمعاتنا، كما ينخر المرض النفسي صاحبه، وهو يظن أنه بخير، غير مدرك أثرها في سلوكياته حتى تتفاقم ويفقد السيطرة؟

قد نسمع عن حارس مبنى بسيط يتفنن في تعذيب من هم تحت سلطته، فقط ليغطي إحساسًا بالدونية عانى منه طويلًا.

والهشاشة النفسية، التي كثر الحديث عنها في عصرنا الحاضر، والتي تجعل شبابنا عرضة للسقوط أمام أي منعطف صعب، هل باتت سمة في مجتمعاتنا، فأحطنا أنفسنا بسور من الأسلمة حتى لا نفقد هويتنا، ولا نسلم زمام معتقداتنا لمهب الريح؟

كما تشير نظرية الهوية الاجتماعية، التي طورها عالما النفس هنري تاجفيل وجون تيرنر، فإن جزءًا كبيرًا من هوية الإنسان يأتي من الجماعات التي ينتمي إليها؛ كالدين، والقبيلة، والوطن، والحزب، والثقافة. فأي مخالفة لجماعته قد تشعره بالاغتراب والقلق. فهل تكون هذه الأسلمة نوعًا من الدفاع عن هوية الجماعة وأفكارها، وإن كان الأمر بعيدًا عنها، كما هو الحال مع الفلسفة؟

فيشير الدكتور: «لا يتحقق التفكير الفلسفي إلا حين يفكر الإنسان خارج الإطار الاعتقادي لدينه، مهما كان هذا الدين. المقصود أن يحرر تفكيره من سلطة معتقداته المسبقة، ويخضع كل شيء للنقد والمساءلة والتمحيص، ولا يعني ذلك التخلي عن انتمائه الديني. فإذا أراد البوذي أن يفكر فلسفيًا، فعليه أن يفكر خارج عقيدته البوذية، وإذا أراد المسيحي ذلك، فعليه أن يفكر خارج عقيدته المسيحية، وكذلك المسلم وسواه من أتباع الأديان… حيث تكمن فرادة العقل الفلسفي في سعيه المتواصل للتحرر من المرجعيات والتحيزات الواعية التي تتحكم في رؤيته وأفكاره ومفاهيمه، وإخضاعها للنقد والمساءلة.»

أم أنه نوع من الذعر الأخلاقي، أو الهستيريا الجماعية، والخوف الدائم من المؤامرة التي تُحاك لنزع معتقداتنا، وانسلاخنا من ديننا، فنميل إلى تأطير كل العلوم الجديدة بإطار ديني، ومنه نستمد الشعور بالأمان؟

أم قد يكون نتيجة الكوارث والحروب التي مرت بها المجتمعات الإسلامية؟ فكما تبقى صدمات الطفولة مؤثرة في شخصية الفرد ومحركة له من حيث لا يشعر، هل تركت تلك الصدمات آثارًا عميقة في وعي المجتمع، وجعلته أكثر تشبثًا بهويته، وأكثر حذرًا من كل جديد؟

وكما أن الجماعات الأقلية تبحث دائمًا عما يميزها ويثبت استحقاقها تحت ضغط الشعور بالتهديد من الأغلبية، فهل أصبحنا نتعامل مع كل فكرة جديدة بوصفها تهديدًا لهويتنا، لا بوصفها فرصة للتفكير فيها؟

لا بد أن نحرر العقل ليؤدي دوره.

«لا يعود العقل باحثًا حرًا عن الحقيقة، وإنما يتحول إلى أداة للدفاع عن معتقدات الجماعة وحماية هويتها… وتحكم على الأفكار بمعيار الحلال والحرام، والإيمان والكفر، بدلًا من فحصها بمعايير الاتساق العقلي، وقوة الحجة، والقدرة على التفسير. هكذا تفقد الفلسفة استقلالها، ويغدو السؤال مقيدًا بحدود الإجابة المسموح بها.»

نحتاج إلى فضاء رحب، ننفتح فيه على العالم من حولنا، فنحن جزء من نسيج هذا الكون، دون عقد أو مغالطات.

«فلكل حقل معرفي لغته الخاصة في التعبير عن العالم، وتعريف الإنسان لوجوده.»

***

منى الصالح

 

وقعت وأنا أقلب في ملفات الماضي، أو بالأحرى وأنا أحاول أن أفهم لماذا نحن على هذه الحال من التخلف والاستبداد، على كتاب عن ثورة 23 يوليو 1952. وبعد قراءة متأنية، خرجت بنتيجة قد لا تعجب الكثيرين من أصدقائي القوميين أو من بقايا الحرس القديم، أن الثورات العربية، ويوليو نموذجها الأكمل، لا تختلف عن أي زواج كاثوليكي فاشل. تبدأ بحفل كبير وخطب عن الحب الأبدي، وتنتهي في دهاليز المحاكم الباردة حيث يكتشف الطرفان أنهما لا يعرفان بعضهما، وأن الحب الكبير كان وهماً، وأن كل ما بني في ليلة الزفاف تحول إلى خراب.

اسمحوا لي أن أكون واضحًا من البداية، أنا لا أكتب لأحصل على جائزة، ولا لأسترضي أحدًا من المثقفين الذين يدورون في فلك السلطة. أكتب لأن في رأسي سؤالًا يلح علي، سؤال يعذبني كلما نظرت إلى خريطة العالم العربي المليئة بالدماء والدموع والدكتاتوريات كيف يمكن لثورة حملت شعار "ارفع رأسك يا أخي" أن تنتهي إلى سجون يخفي فيها المعتقلون رؤوسهم من الخزي والعذاب؟ كيف للفعل الثوري الذي أسقط ملكًا فاسدًا ونظامًا إقطاعيًا باليًا، أن يفرز نظامًا بوليسيًا أكثر فسادًا وأشد بطشًا؟

سأقول لكم شيئًا قد يكون صادمًا، إن ثورة يوليو لم تكن ثورة شعب، ولا ثورة عمال وفلاحين، بل كانت "انقلابًا عسكريًا" بالتعريف الكلاسيكي لعلم السياسة. أعرف أن هذه الكلمة تزعج الكثيرين، لكن الحقائق لا تهتم بمشاعرنا. كان تنظيمًا عسكريًا محدود العدد، صغيرًا، لم يخرج من رحم حزب أو حركة جماهيرية عارمة، ولم تسبقه مدرسة فكرية أو فلسفة سياسية واضحة. كان تعبيرًا عن غضب وطني نبيل، نعم، ولكن الغضب وحده لا يكفي. الثورة، أيها السادة، تحتاج إلى ما هو أكثر من الشجاعة وحسن النية. تحتاج إلى فكر، إلى مؤسسات، إلى خطاب يستطيع أن يتحول إلى ممارسة. ومأساة يوليو، ومأساتنا معها، أنها افتقرت إلى هذا كله، فتحولت إلى ارتجال دائم، وإلى مغامرات كبرى، وإلى مهازل في بعض الأحيان، تحسم نتائجها في غرف مغلقة، وليس في ساحات الشعب أو تحت قبة البرلمان.

أعرف أن بعض القراء سيغضبون الآن، وسيتهمونني بالعمالة أو بالجهل. لا بأس، لقد تعودت على هذه الشتائم، وهي دليل دامغ عندي على أن صاحبها مفلس من الحجة. لكنني أدعوهم إلى التأمل قليلًا في هذه الثنائيات المريعة التي تصف التجربة الناصرية (عدالة اجتماعية للفقراء، وقمع بوليسي للجميع. تحرر وطني من المحتل الأجنبي، ووصاية من الدولة على العقول. تصنيع حديث، وبيروقراطية خانقة. خطاب ناري عن الوحدة العربية، وواقع مرير من الانقسامات والمؤامرات الصغيرة بين أجهزة الأمن العربية. حلم بالجنة على الأرض، وكابوس في غرف التعذيب تحت الأرض).

لكن، من يكرهون يوليو ليسوا كلهم على حق، وليسوا كلهم شرفاء. تعلمت في مهنة الصحافة ألا أكتفي بالظاهر، تعلمت أن أحفر تحت الجلد لأعرف الدوافع. هناك ثلاث فئات من اللاعنين للثورة:

الفئة الأولى: هم من أصحاب المصالح القديمة. الإقطاعيون الذين جردوا من أراضيهم، وكبار الرأسماليين الذين أممت ممتلكاتهم، ورجال العهد البائد الذين أزيحوا عن كراسي الحكم والنفوذ. هؤلاء يكرهون يوليو كما يكره اللص الشرطي الذي قبض عليه متلبسًا. كراهيتهم مفهومة، ومتوقعة. هذا حقهم الطبيعي. لكن، وبكل صراحة، كراهية هؤلاء لا تعنيني، ولا تؤثر في حكمي. إنها دليل على أن الثورة أحدثت تغييرًا في بنية المجتمع الطبقية، وهذا في حد ذاته أمر إيجابي. المشكلة ليست هنا. المشكلة أن الثورة، بعد أن طردت هؤلاء، جلست مكانهم وأكلت من نفس الطبق. لقد تحول الضباط والبيروقراطيون الجدد إلى طبقة أرستقراطية جديدة، إلى إقطاع جيب لا إقطاع أرض.

الفئة الثانية: هم السياسيون والمفكرون الذين آمنوا بالتعددية الحزبية والديمقراطية، فوجدوا أنفسهم خلف القضبان. هؤلاء يكرهون يوليو لأنها خانت المبدأ السياسي النبيل الذي قامت عليه المجتمعات الحديثة حق الشعب في اختيار حكامه ومحاسبتهم وتداول السلطة بينهم سلميًا. لقد ألغت يوليو الحياة الحزبية، وحلت النقابات المستقلة، وسحقت حرية الصحافة والرأي. حولت الفضاء العام إلى مكبر صوت واحد، لا يردد إلا كلمة واحدة "نعم".

وهنا أسأل سؤالًا قد يبدو ساذجًا، لكنه جوهري هل كان من الضروري، لتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء المصانع، أن نلقي بكل من يختلف معنا في السجن؟ هل التنمية الاقتصادية تبرر الاستبداد السياسي؟

التاريخ لا يعترف بهذه الضرورة المزعومة. إنها حجة كل طاغية عبر العصور. التنمية الحقيقية المستدامة لا تبنى على أنقاض حرية الإنسان، بل تبنى بها وبمشاركته.

سارت ثورة يوليو في هذا الطريق المتناقض؛ تحرر الأرض من الإنجليز، وتستعبد المواطن لمخابراتها. تمنح العامل كرامة اجتماعية، وتسلبه حريته النقابية. تبني المصانع، وتغلق العقول. وهذه، باختصار، هي المفارقة القاتلة للثورات العربية.

الفئة الثالثة: هم المثقفون الحقيقيون، وهم الأقل عددًا والأكثر تأثيرًا. هؤلاء رأوا في يوليو قطيعة كبرى مع مشروع النهضة العربية الحديثة الذي بدأ قبل ذلك بقرن، والذي تجسد في أسماء لامعة مثل رفاعة الطهطاوي وأحمد لطفي السيد وطه حسين. رأوا أن عبد الناصر استبدل مشروع الليبرالية السياسية والإصلاح التدريجي بمشروع الزعيم الأوحد والثورة الدائمة. استبدل فكرة المؤسسات الراسخة بفكرة البطل الملهم. استبدل المنطق والتطور بالشعارات والقفز في المجهول. هذه القطيعة مع التراث الليبرالي العربي، على ضعفه، كانت عندي الجريمة الكبرى. لأنها قطعت علينا طريق التطور الطبيعي، ووضعتنا في قطار سريع لا يعرف سائقه إلى أين هو ذاهب، وكلما سأله أحد عن الوجهة، ألقى به من النافذة.

ومع ذلك، ورغم كل ما سبق، من الخطأ أن نحاكم يوليو بعيون اليوم فقط. علينا أن نكون منصفين، وأن نضع الأمور في سياقها. فقد كانت مصر قبل الثورة تعيش انحطاطًا شاملاً، هزيمة 1948 التي كشفت عورة النظام، والاحتلال الإنجليزي البغيض، والملك الفاسد الذي يعيش في قصوره بعيدًا عن جوع الفلاحين ومرضهم، وأحزاب الأقلية التي تتقاتل على فتات السلطة. في هذا السياق، كانت الثورة ضرورة. كان الوضع لا يطاق. لكن شكل الثورة، وأدواتها، وطريقة تفكيرها، كان كل هذا موضع نقاش حسم، للأسف الشديد، ليس بقوة المنطق، بل بمنطق القوة.

ثم جاءت النكسة في 1967. سقط القناع. انهار كل شيء. بدا أن عشرين عامًا من الحكم والهيمنة ذهبت أدراج الرياح. في تلك اللحظة، حدثت أغرب المفارقات. الشعب الذي سحقته الدكتاتورية، خرج في مظاهرات 9 و10 يونيو يرفض تنحي عبد الناصر. لماذا؟ كيف؟ هذا هو السؤال الذي يفسر كل شيء.

أحب المصريون عبد الناصر، لا لأنه كان ديمقراطيًا، ولا لأنه كان مثاليًا، بل لأنه جسد حلمهم في الكرامة والخبز والانتماء. نعم أحبوه حتى وهو يسوقهم إلى الهاوية. أحبوه في انتصاره الوهمي وانكساره الحقيقي. وهذا الحب الأعمى، في رأيي، هو جرح العرب الذي لم يندمل. إنه الحب الذي يمنح الطاغية شرعيته الخطيرة، شرعية العاطفة لا شرعية الصندوق.

الخلاصة التي خرجت بها من هذا العمل الشاق في متابعة السياسة العربية، هي أن يوليو علمتنا درسًا خطيرًا لا نزال نعاني منه حتى اليوم أن الحل دائمًا في الأعلى. في الزعيم، في القائد، في البطل الذي يفكر عنا ويتكلم بدلاً منا.

كما رسخت في العقل العربي فكرة أن التغيير لا يصنعه الشعب، بل تصنعه طليعة تستولي على الحكم ثم تمنح الشعب حريته كهبة، وليس كحق. وهذه اللعنة هي التي تفسر تكرار النمط نفسه في بلدان عربية أخرى، وتفسر عجزنا المزمن عن بناء ديمقراطية حقيقية. إنها حلقة جهنمية نثور على المستبد، لنأتي بمستبد جديد. نحرر الأرض من المحتل الأجنبي، لنقبل باحتلال أمن الدولة لأرواحنا.

في النهاية، أيها القراء، تظل يوليو جرحًا مفتوحًا في خاصرة التاريخ العربي، لا لأنها كانت الأسوأ، فالأسوأ كثير وكثير، إنما لأنها كانت الأعلى صوتًا، والأكثر وعدًا، والأكثر خذلانًا. لقد تركت لنا سؤالًا واحدًا، معقدًا، ومستفزًا كيف نصنع ثورة لا تأكل أبناءها؟ كيف نبني وطنًا لا يتحول إلى سجن كبير؟

واسمحوا لي أن أقول، بكل مرارة، إننا ما دمنا نبحث عن الإجابة في مكان آخر غير الشعب ومؤسساته، فسيظل هذا السؤال بلا جواب، وستظل يوليو جرحًا ينزف، وستظل ذكراها محطة للتأمل المرير في ماض لم يمت، وحاضر يرفض أن يولد. وهذا هو فخ يوليو الذي وقعنا فيه جميعًا، ولا نزال.

***

عبد السلام فاروق

اعتدنا فكريا أن نتصور الخطأ نقيضًا "مطلقًا" للصواب، وأن الجدار الفاصل بين الصواب والخطأ حاد وصلب لا يسمح بالتداخل. لكن هذا التصور ربما يكون تبسيطًا مخلًا للموضوع. فالأحكام لا تُولد مجردة في الفراغ، وإنما تولد في حضن الواقع داخل شبكة من العلاقات: علاقة الفكرة بموضوعها، وبعناصرها المادية والمعنوية والبشرية وبزمانها، وبمكانها، وبشروطها، وبغايتها، وبالمعارف التي تستند إليها. فإذا اختلت هذه العلاقات، ظهر الصواب في صورة الخطأ، أو ظهر الخطأ في صورة الصواب.

من هنا يمكننا أن نطرح مبدأ أن الخطأ صوابٌ أخطأ في تحديد علاقاته.

إن كثيرًا مما نعده اليوم أخطاءً علمية أو فلسفية أو عملية "تبعا للخطأ النظري"، لم يكن وليد العبث، بل كان محاولة صادقة لطلب الصواب، ولفهم الواقع وفق العلاقات الممكنة أو المدركة. وما إن تغيرت المعرفة أو ظهرت علاقات جديدة، حتى انقلب الحكم. لم يكن الصواب قد اختفى، بل كانت شبكة العلاقات التي بُني عليها الفهم ناقصة أو غير مكتملة.

وفي حياتنا اليومية كثيرًا ما نصف قرارًا بأنه خطأ، ثم نكتشف لاحقًا أنه كان صوابًا، لو نظرنا إليه من زاوية أخرى، أو لو أخذنا في الاعتبار معلومات لم تكن متوافرة أو واضحة، أو لو جعلنا غايته مختلفة أو لو استحضرنا شرط صحته اللازم. فالخطأ كثيرًا ما يكون نتيجة وضع فكرة صحيحة في غير موضعها، أو تطبيق قاعدة صحيحة على حالة لا تنطبق عليها.

وهذا يقود إلى نتيجة أعمق أن صحة الفكرة ليست صفة قائمة فيها وحدها، بل هي أيضًا صفة لعلاقاتها. فالفكرة قد تكون صحيحة في سياق، وخاطئة في سياق آخر، لا لأن حقيقتها تغيرت، بل لأن علاقاتها تغيرت. والحكم لا ينفصل عن شروطه.

لذلك فإن مهمة الباحث أو الإنسان عموما، ليست مجرد تصنيف الأفكار إلى صواب وخطأ، بل الكشف عن شبكة العلاقات التي جعلت هذا الحكم صحيحًا أو خاطئًا. فكلما اتسعت رؤيتنا للعلاقات، اقتربنا من الحقيقة، وكلما ضاقت، صات أفكارنا أو أحكامنا العقلية عرضة للخطأ.

إن أخطر أنواع الأخطاء ليست تلك التي تفتقر إلى الحقيقة، بل تلك التي تمتلك جزءًا من الحقيقة، ثم تعزله عن بقية العلاقات التي تمنحه معناه. فالحقيقة المجتزأة قد تكون أسوأ وأضر من الباطل الصريح الواضح، لأنها توهم صاحبها بأنه بلغ غاية المطابقة، مطابقة الحكم العقلي للموضوع، بينما هو لم ير إلا جزءًا من الصورة.

ولهذا فإن تصحيح الخطأ لا يكون دائمًا بإلغاء الفكرة، بل كثيرًا ما يكون بإعادة بناء علاقاتها: إعادة تحديد شروطها، ومجالها، وحدودها، وغايتها، وصلتها بغيرها من الحقائق.

وعندئذ قد نكتشف أن ما كنا نسميه خطأ لم يكن إلا "صوابًا أخطأ في تحديد علاقاته".

أخيراً، يقول نيلز بور: "نقيض الحقيقة البسيطة هو الخطأ، أما نقيض الحقيقة العميقة فقد يكون حقيقة عميقة أخرى."

***

جميل شيخو

الموصل - العراق

25 - 7 - 2026

 

في جزئية من كتابه النقدي «مرايا الرواية» يقول الروائي عبد الرحمن منيف: "الإنسان أسوأ من الحيوان حين يكون حيوانًا". ويشير بهذا القول إلى أن الإنسان، حين يتجرد من قيمه الأخلاقية، قد يفوق الحيوان قسوةً وبطشًا، لأن الحيوان تحكمه الغريزة، بينما يمتلك الإنسان العقل والضمير والقدرة على الاختيار.

وقد دفعني إلى استحضار هذه المقولة ما نشهده في حروب البشر من انتهاكات إنسانية وقسوة مفرطة بين الأطراف المتحاربة، قد لا نجد لها مثيلًا في عالم الحيوان. فبعض هذه الأطراف لا يعبأ بحياة الآخرين، بل يتخذ من المدنيين دروعًا بشرية حمايةً لنفسه. والحروب، بكل أشكالها، عادلةً كانت أم ظالمة، ليست استعراضًا للقوة فحسب، بل هي أيضًا كاشفة لغرائز الإنسان وأنانيته، ولقدرته على التخلي عن المبادئ عندما تتغلب المصلحة الذاتية على القيم الإنسانية.

ولو أجرينا مقارنة عابرة بين بعض سلوكيات الإنسان وسلوكيات بعض الحيوانات في المواقف المتعلقة بالبقاء، لاكتشفنا مفارقات تدعو إلى التأمل. ففي مقابل الأنانية التي قد تكشفها بعض الحروب، والمتمثلة في تقديم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، نجد أن أنثى النعامة، عندما تستشعر الخطر، تُخفي بيضها ثم تبتعد عنه لتصرف انتباه المفترس إليه، معرضةً نفسها للخطر في سبيل حماية صغارها.

وتشير دراسات علمية إلى أن الحيوانات تمتلك أنماطًا من السلوك الاجتماعي والعاطفي؛ فهي تُظهر مظاهر من الألفة والرعاية والدفاع عن أفراد نوعها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك أن عاملات النحل والنمل لا تتكاثر، وإنما تكرس حياتها لخدمة المستعمرة ورعاية الصغار، بما يضمن استمرارها. كما أن بعض أنواع النمل، إذا أصيب بمرض معدٍ، يغادر المستعمرة ويمضي بعيدًا حتى يموت، في سلوك يُفسَّر بوصفه وسيلةً للحد من انتقال العدوى إلى بقية أفرادها.

وتذكر الدراسات أيضًا أن بعض أنواع القردة تطلق صرخات تحذيرية مرتفعة عند اقتراب المفترسات، رغم أن ذلك قد يكشف مكانها ويعرضها للخطر، لكنها تفعل ذلك لتنبيه بقية أفراد المجموعة وإتاحة الفرصة لهم للنجاة. وكذلك قد تدافع إناث الفيلة عن صغارها بشراسة، حتى لو عرضها ذلك لمواجهة مفترسات أقوى منها.

إن هذه الأمثلة، بغض النظر عن اختلاف تفسيراتها العلمية، تضعنا أمام سؤال أخلاقي عميق: كيف يمكن لكائن تحكمه الغريزة أن يُظهر سلوكًا يبدو أقرب إلى الإيثار، في حين يعجز بعض البشر، وهم أصحاب العقل والوعي، عن الحفاظ على الحد الأدنى من القيم الإنسانية في أوقات الأزمات؟

إن المشهد الذي تصنعه الحروب اليوم لا يكشف وحشية الصراع فحسب، بل يكشف أيضًا حجم التآكل الذي أصاب منظومة القيم الأخلاقية، وما ترتب عليه من انهيار في كثير من المعايير الإنسانية وتفكك في النسيج الاجتماعي. وحين يصبح الإنسان أسير غرائزه وأنانيته، فإنه لا يفقد إنسانيته وحدها، بل يفقد أيضًا الميزة التي جعلته أرقى من سائر المخلوقات.

***

ثامر الحاج أمين

هناك ذكريات لا يطويها الزمن، ولا يطالها النسيان، بل تزداد حضورًا كلما ابتعدت الأيام، واستحضرتها الذاكرة، لأنها لم تكن مجرد محطات عابرة، وإنما كانت صفحات مشرقة من رحلة الكفاح، وصناعة الإنسان.

ومن بين تلك الذكريات، تبقى أيام الدراسة المتوسطة في ستينيات القرن الماضي واحدة من أجمل ما تختزنه الذاكرة، رغم كل ما حفلت به من مشقة، وعناء يوم ذاك.

في تلك السنوات، كانت متوسطة حمام العليل للبنين، المتوسطة الوحيدة في منطقة جنوب الموصل، ولم تكن وسائل النقل متاحة ومريحة كما هي اليوم، بل كانت رحلة الوصول إلى المتوسطة مكابدة أسبوعية، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فكثيرًا ما كنا نستقل الباصات الخشبية البسيطة لنقل الركاب، التي تهتز بنا فوق الطريق، وإذا لم نجد فيها مكانًا، اضطررنا إلى الركوب في خانة الماعز، غير عابئين بضيق المكان، أو قسوة الطريق، لأن الهدف كان يوم ذاك، أسمى من كل متاعب الرحلة، وهو طلب العلم.

أما الإمكانات المادية، فكانت متواضعة إلى حد بعيد، حيث كانت الأسرة تبذل ما في وسعها لتوفير أجور النقل، ومتطلبات المعيشة، فيما كان الطالب يتعلم منذ نعومة أظفاره معنى القناعة، والاعتماد على النفس.ولم يكن أحد يشكو من قلة ما يملك، لأن الجميع كانوا يدركون أن العلم، هو الثروة الحقيقية، التي تستحق التضحية.

كان الدراسة تستوجب على الطالب البقاء في المدينة طوال أيام الأسبوع، نغادر أهلنا صباح السبت، حاملين معنا حقيبة صغيرة، وبعض المؤونة، لنقيم حتى مساء الخميس. كانت أيام الغربة عن الاهل، على قصرها، تبدو طويلة، يرافقها الشوق إلى الأهل، والبيت، والقرية، حتى إذا ما أقبل يوم الخميس، امتلأت القلوب فرحًا بموعد العودة، فنستقل الباصات الخشبية ذاتها، عائدين إلى أحضان الأسرة، لنقضي معها يوم الجمعة، ثم نعاود الرحلة صباح السبت، وهكذا تتكرر الدورة أسبوعا بعد آخر.

ورغم قسوة الظروف، لم نشعر يومًا بمعاناة الحرمان، بل كنا نرى في تلك المعاناة مدرسة أخرى، تعلمنا الصبر، والانضباط، وتحمل المسؤولية، واحترام قيمة الوقت، وأهمية التعليم في بناء المستقبل، فقد خرجت تلك المدارس أجيالًا من الأطباء والمهندسين والمعلمين والضباط بفضل العلم، أسهمت في خدمة الوطن، حيث كان النجاح لا يُقاس بما توفر من وسائل، بل بما توفر من عزيمة وإصرار.

واليوم، ونحن نستعيد تلك الذكريات، لا نفعل ذلك حنينا إلى المشقة، وإنما استذكارا شجيا لمرحلة غابرة صنعت الرجال والنساء، ورسخت في النفوس قناعة راسخة بان الطريق إلى المجد لا يُعبد بالراحة، وإنما يتحقق بالتعب، والصبر، والمثابرة.

سقيا لتلك الأيام بما فيها من بساطة، ورحم الله تعالى المعلمين، والآباء، الذين غرسوا فينا حب العلم، وبارك الله في كل من لا يزال يؤمن بأن التعليم رسالة، وأن الأجيال التي صنعت مستقبلها في ظل قلة الإمكانات، تركت للأجيال اللاحقة درسا خالدا مفاده أن الإرادة الصادقة أقوى من كل الظروف، وأن من يطلب العلم بإخلاص، يصل إلى غايته مهما كانت مشقة الطريق.

***

نايف عبوش

كثيراً ما ينظر إلى التسويق على أنه أداة للتأثير في الناس عبر استثارة مشاعرهم أو دفعهم إلى اتخاذ قرارات لا يحتاجون إليها ولا شعورياً ينقادون لممارستها واتخاذها. وقد ترسخت هذه الصورة بسبب بعض الممارسات غير الأخلاقية التي تعتمد على الخداع أو التهويل أو إخفاء الحقائق أو إيهام الناس والتلاعب بأفكارهم ومشاعرهم، إلا أن اختزال التسويق في هذه الصورة يظلمه، ويتجاهل جوهره الحقيقي بوصفه علماً إنسانياً قبل أن يكون نشاطاً تجارياً.

فالتسويق في جوهره ليس فن التلاعب بالعقول، بل فن فهم الإنسان والوعي باحتياجاته ومطالبه. ودراسة ما يولون الاهتمام به، إنه يبدأ من سؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه: ماذا يحتاج الناس؟ وما الذي ينقصهم؟ وكيف يمكن تقديم قيمة حقيقية تجعل حياتهم أسهل أو أفضل أو أكثر جودة؟ وعندما ينطلق التسويق من هذا السؤال، فإنه يتحول إلى عملية استماع وبحث وتحليل، لا إلى عملية خداع أو تضليل.

إن المسوق المحترف لا يبيع منتجاً فحسب، بل يحاول أن يفهم الإنسان الذي سيستخدم هذا المنتج. ويتعامل معه، فهو يدرس احتياجاته، ويستوعب دوافعه، ويحلل عقليته ونفسيته وبيئته الاجتماعية والثقافية، ويأخذ في الاعتبار عمره، وخصائص نموه الجسمي والنفسي والعقلي والاجتماعي، وسماته الشخصية، وقيمه، وطموحاته، وحتى التحديات التي يواجهها في حياته اليومية. ومن خلال هذا الفهم يصبح المنتج أو الخدمة استجابة حقيقية لحاجة موجودة، وليس مجرد سلعة تفرض حضورها ووجودها على المستهلك.

ولهذا نجد أن أفضل الحملات التسويقية في العالم لم تحقق نجاحها لأنها أقنعت الناس بشراء ما لا يحتاجون إليه، وإنما لأنها استطاعت أن تلامس احتياجاتهم الحقيقية، وتعبر عن تطلعاتهم، وتقدم حلولاً واقعية لمشكلاتهم والصعوبات التي يتعرضون لها. فالتسويق الناجح لا يخلق الحاجة من العدم بقدر ما يكشف عنها، ويترجمها إلى قيمة ملموسة يشعر بها المستفيد وقد ينتفع منها وتلبي احتياجاته ورغباته.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك من يستخدم أدوات التسويق بصورة غير أخلاقية، فيبالغ في الوعود، أو يوظف الخوف، أو يستغل ضعف المعرفة لدى بعض الفئات، أو يروج لمعلومات مضللة وكاذبة. لكن هذه الممارسات تمثل بعداً وانحرافاً عن مبادئ التسويق، وليست تعريفاً له. وكما لا يمكن الحكم على مهنة الطب من خلال طبيب غير أمين ومتلاعب، أو على التعليم من خلال معلم غير كفء وغير مؤهل، فلا ينبغي الحكم على التسويق من خلال من يسيء استخدام أدواته بطريقة لا إنسانية أو أخلاقية.

إن التسويق الأخلاقي يقوم على الصدق، والوضوح والشفافية، واحترام عقل المستهلك ونفسيته وظروفه، وتقديم معلومات دقيقة تساعده على اتخاذ قرار واع، وهو يؤمن بأن العلاقة مع العميل ليست صفقة عابرة، بل شراكة طويلة الأمد ومستدامة تقوم على الثقة والاحترام المتبادل. لذلك فإن بناء السمعة والولاء أهم بكثير من تحقيق مكسب سريع قد يهدم ثقة بنيت على مدى سنوات.

ومع تطور علم النفس، وعلوم الأعصاب، وتحليل البيانات، أصبح التسويق أكثر قدرة على استيعاب وفهم السلوك الإنساني، لكن هذه المعرفة ينبغي أن تستخدم لخدمة الإنسان لا لاستغلاله، ولتصميم منتجات وخدمات وتجارب أكثر ملاءمة لاحتياجاته، لا للتأثير عليه بطرق تتجاوز إرادته وظروفه أو حريته في الاختيار.

إن أعظم نجاح للتسويق لا يقاس بحجم المبيعات فقط، بل بقدرته على خلق قيمة حقيقية للناس واقتناعهم به، وتحسين جودة حياتهم، وبناء علاقة قائمة على الثقة المتبادلة. فحين يفهم التسويق الإنسان بعمق، ويحترم احتياجاته وخصوصيته ووعيه، يصبح جسراً يصل بين ما يحتاجه الناس وما يستطيع المنتج أو الخدمة أن تقدمه لهم.

ويبقى الفرق واضحاً بين التسويق الذي يستغل الإنسان، والتسويق الذي يخدمه. ويهتم بأدق تفاصيل حياته وما يلبي متطلباته. فالأول قد يحقق ربحاً سريعاً لكنه يخسر الثقة مع الزبون ويضعف عملية الشراء والبيع، أما الثاني فيبني علاقة مستدامة، لأن الإنسان بطبيعته لا يبحث عن سلعة فحسب، بل يبحث عمن يفهمه، ويحترم اختياراته، ويقدم له قيمة تستحق أن يتعامل معها ويثق بها.

***

د. أكرم عثمان

25-7-2026

كثيرًا ما سألني بعض الأصدقاء: لماذا تكتب؟ وما الذي يدفعك إلى المواظبة على نشر هذه المقالات والخواطر شبه اليومية؟

وأجد أن الإجابة الصادقة تبدأ باعتراف بسيط: لستُ مفكرًا، ولا أديبًا، ولا أزعم أنني كاتب محترف. أنا مجرد إنسان يعشق الكتابة، ويجد في تدوين أفكاره وتأملاته متعةً لا تضاهيها متعة. وما أكتبه ليس سوى خربشات أرجو أن تجد طريقها إلى عقول القراء وقلوبهم؛ فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن قصوري.

ولعل نقطة التحول الحقيقية في علاقتي بالكتابة بدأت عندما تشرفت بالتعرف إلى المفكر الكبير الأستاذ الدكتور عبد الجبار الرفاعي. وهو، كما أعرفه، لا يحب أن يُسبق اسمه بالألقاب، ولا ألومه في ذلك، فاسمه وحده كافٍ للدلالة عليه بما يمثله من حضور فكري وثقافي متميز في العراق والعالم العربي.

كانت تجمعنا لقاءاتٌ صباحيةٌ يومية، نتبادل فيها أطراف الحديث، لكن الحقيقة أنني كنتُ المستفيد الأكبر. فقد كنتُ أستمع إلى أفكاره التنويرية العميقة، فأشعر أنني أتلقى في كل جلسة درسًا جديدًا في الفلسفة، والثقافة، والإنسان، بل وفي الإيمان الحقيقي النابع من المعرفة واليقين. وكان أكثر ما يلفتني فيه، على سعة علمه وغزارة معرفته، تواضعه الجم، وبساطته الآسرة، وابتسامته التي لا تفارق محياه، والتي كانت تنمّ عن صفاء النفس ونبل الخلق. ومن خلاله أيقنت أن المعرفة الحقيقية تصنع إنسانًا متواضعًا، رحيمًا، محبًّا للناس، بعيدًا عن الأنانية والغرور وحب الذات.

وفاجأني الدكتور الرفاعي يومًا بإعجابه بما أكتب من خواطر متواضعة، وشجعني على الاستمرار، وطلب مني أن أبدأ بكتابة مذكراتي، لأن ما عشته من تجارب ومواقع مسؤولية يمثل، في رأيه، جزءًا من مرحلة تاريخية تستحق أن تُوثق للأجيال. ثم اقترح أن أكتب مقالًا أسبوعيًا، وتكرم بتسهيل نشره في صحيفة المثقف، فكانت تلك الخطوة بداية دخولي عالم النشر المنتظم، بعد أن لم يكن النشر جزءًا من اهتماماتي في السابق.

ومرت الأيام، وغادرت المؤسسة التي كنا نعمل فيها معًا بسبب ظروف صحية ألمّت بي، لكن علاقتنا الإنسانية والفكرية لم تنقطع، وما زال التواصل بيننا قائمًا إلى اليوم وذلك ما اعتز وأفخر به. أما أنا، فقد وجدت نفسي بعد التقاعد جليس البيت، أواجه فراغًا كبيرًا لم أكن معتادًا عليه. وحينها أصبحت الكتابة رفيقة أيامي، أكتب كل يوم تقريبًا، وأشارك ما أكتب مع الأصدقاء والمتابعين.

ولعل كثيرين يتساءلون: كيف تختار موضوعاتك؟

والجواب بسيط؛ فأنا لا أبحث عن موضوعاتي في الكتب بقدر ما أجدها في الحياة نفسها. أستمدها من مشهد عابر، أو موقف إنساني، أو مثل شعبي، أو حادثة يومية، أو ظاهرة اجتماعية تستحق التأمل. فالواقع هو المعلم الأكبر، والحياة هي المنجم الذي لا ينضب. وربما لهذا السبب يشعر كثير من القراء بقرب هذه الكتابات منهم، لأنها وُلدت من رحم حياتهم، وتعبر عن همومهم، وتلامس ما يعيشونه كل يوم.

ومن أجمل ما تعلمته من الدكتور الرفاعي أن الكتابة هي فعل تحرر داخلي، ووسيلة للتنفيس عما يعتمل في النفس من أفكار وأسئلة ومشاعر وليست استعراضًا للمعرفة، ولا بحثًا عن الشهرة. فالكاتب، قبل أن يكتب للناس، يكتب لنفسه. والكتابة، بهذا المعنى، تشبه المخاض؛ فهي عملية ولادة مؤلمة أحيانًا، لكنها تمنح صاحبها راحة بعد اكتمالها.

ومع مرور الوقت، أصبحت الكتابة جزءًا من حياتي اليومية. ملأت ساعات الفراغ، ومنحت أيامي معنى جديدًا، وأخرجتني من دائرة العزلة التي قد يفرضها المرض أو التقاعد. والأجمل من ذلك أنها فتحت أمامي نافذة للحوار مع قراء كرام، أعتز بكل تعليق يكتبونه، سواء أكان مؤيدًا أم ناقدًا، لأن الحوار الصادق هو الذي يثري الفكرة ويطورها. ولعل أكثر ما يبعث في نفسي الرضا أن عددًا كبيرًا من متابعي هذه الكتابات هم من النخبة المثقفة؛ أساتذة جامعات، وأدباء، وباحثون، وأصدقاء يمتلكون ذائقة فكرية راقية. إن ملاحظاتهم وإضافاتهم تمنح النص حياة جديدة، وتجعل الكتابة حوارًا لا حديثًا من طرف واحد.

لهذا كلّه أكتب:

أنا لا أكتب لأنني أظن أنني أملك الحقيقة، ولا لأنني أبحث عن مجدٍ شخصي، وإنما لأن الكتابة أصبحت بالنسبة لي أسلوبًا في العيش، ووسيلةً للتأمل، ومحاولةً متواضعةً لمشاركة الآخرين ما تعلمته من الحياة، وما مررت به من تجارب، وما أؤمن بأنه قد يكون نافعًا للقارئ.

فإذا تركت كلمةٌ واحدةٌ مما أكتب أثرًا طيبًا في نفس إنسان، أو دفعت قارئًا إلى إعادة التفكير في فكرةٍ ما، أو رسمت ابتسامةً على وجهٍ متعب، أو بعثت الأمل في نفسٍ أنهكها اليأس، فقد أدّت الكتابة رسالتها، وكان ذلك خيرَ مكافأةٍ يمكن أن ينالها كاتب.

فشكرًا لأستاذنا الكبير الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وشكرًا لصحيفة المثقف وصحيفة الكاردينيا اللتين تنشران مقالاتي رغم تواضعها، وشكرًا لكل المتابعين الذين شجعوني على الاستمرار. وفوق كل ذلك، أحمد الله سبحانه وتعالى على ما أنعم عليّ به من توفيق، وأسأله أن يجعل ما أكتب نافعًا للناس، والحمد لله رب العالمين.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

من الصعب تصور وجود اي نظام  في أي دولة من دول العالم، بدون وجود تعددية حزبية نشطة، ويبدو أن أهمية الأحزاب السياسية قد زادت في الوقت الحاضر عما كانت عليه من قبل، وتعاظم دورها في توجيه الرأي العام، ومن هنا فيمكن أن يوجد تكافؤ بين التنمية السياسية والممارسات في ظل حفظ الحقوق العادلة للمجتمع وبلورة الأهداف الى واقع عملي ينتفع منه الافراد دون تمييز، بلا شك ان ظهور الأحزاب السياسية في الدول المتخلفة يختلف عن بعضها، فقد كانت  للظروف التاريخية السبب المباشر لظهور تلك الأحزاب في هذه الدول، وذلك لتأكيد الذات الوطنية وخلق قيم المشاركة الإيجابية وبناء المؤسسات السياسية الحكومية ، لتحقيق التنمية ، فضلا عن مجموعة من العوامل الأخرى التي ساهمت في ظهور هذه الأحزاب.

 لقد تطور مفهوم الأحزاب السياسية على مر الزمن، وتنوعت نشاطاتها وآليات عملها، وتغيرت النظرة إليها من قبل الكثير من الحكومات والجماهير، فقد كانت الحكومات فيما مضى تنظر للاحزاب السياسية على أنها تنظيمات تضم مجموعة من الأفراد متفقين في الأفكار وفي الأهداف التي تقترب من الحصول على السلطة، في حين ينحصر جوهر التنمية السياسية في بناء المواطنة من خلال النماذج المختلفة بما يتضمنه من تحول الافراد من رعايا إلى مواطنين وكفالة الحقوق والحريات العامة، و التي تتيح للمواطنين أقصى درجات المشاركة في الحياة السياسية، كما تعمل التنمية السياسية- على بناء الدولة ، وتنظيم السياسة وأداء المهام السياسية في إطار دولة القانون، والتي من خلالها يتعزز الانتماء القومي بما يترتب عنه من حقوق والتزامات عامة.

تعد الانظمة السياسية انظمة حديثة على الصعد السياسية طالما أن ممارساتها منفتحة على مطالب الفاعلين السياسيين، ومقرونة بمشاركتهم ومساهمتهم الفعلية في ذلك، وطالما كانت الأحزاب السياسية منفتحة وغير متحكم فيها من قبل شخص واحد أو مجموعة مغلقة من الأشخاص. فكلما كانت ممارسة النظام السياسي تخضع لأساليب عقلانية رشيدة وتسير في اتجاه بلورة مخرجات عقلانية ومدعمة للتنمية بشكل عام، كلما أمكننا الحديث عن أن هذا النظام السياسي حداثي يشهد تنمية سياسية - على الأقل- على مستوى ممارسة الحكم.

إن الاشكاليات التي تواجهها دول ما يسمى بـ العالم الثالث، عند وضع الخطط والبرامج التي من شأنها تنفيذ التنمية السياسية التي تخدم مجتمعاتها والانتقال بها من مرحلة التخلف والركود الاقتصادي والسياسي إلى الانفتاح على التطورات الحاصلة لدى المجتمعات المتقدمة، التي لم تجد بدائل تستند عليه سوى النموذج الغربي، رغم أن كل النماذج غير صالحة لكل المجتمعات، الا اذا اخذ بنظر الاعتبار خصوصيات ذلك المجتمع، وبعكسه يؤدي إلى ظهور نتائج سلبية على مستوى التنمية السياسية.

تعكس اليوم نشاطات الأحزاب السياسية بوضوح مدى التطور الديمقراطي ودرجة الانماء التي بلغتها الانظمة السياسية، وكذلك الارتباط الكبير والفعلي بين طبيعة الانظمة الحزبية ومن يمارس الحكم أو يتحكم فيه وبين الهوامش المتاحة في إمكانيات تغيير الأوضاع السياسية، وتحقيق غايات التنمية السياسية بمختلف أبعادها سواء تعلق الأمر بالانفتاح على مختلف الفاعلين السياسيين، وإتاحة فرص التأثير من قبلهم وتوسيع مجال المشاركة في عملية صنع واتخاذ القرارات أو بمختلف الاثار والتداعيات التي تنتج عنها اي عملية السياسية برمتها.

***

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

حين يصارع المواطن لهيب الصيف وقسوة الواقع

حكاية شعبية في مواجهة القيظ

يُحكى في التراث الشعبي أن جحا كان يسير في إحدى ظهيرات الصيف اللافحة في مدن العراق الحارة، وكانت الشمس كأنها صبّت حممها على الأرض فلم يُجدِ معها ظل ولا مستقر. وبينما هو يلهث من شدة القيظ، رأى رجلاً قد احتمى بظل جدار وضنّ حتى بالظل على المارة، فوقف جحا أمامه وقال بذكائه المعهود: "يا هذا، إن كنت لا تطيق بيع الماء، فبعني هذا الظل ساعةً من النهار ريثما تنكسر سورة الشمس". فضحك البخيل باستهزاء وقال: "الظل لا يُباع!". فأجاب جحا دون أن يتلجلج: "إذن، حافظ على ظلك جيداً، فحين تميل الشمس للغروب سيتحول الظل إلى جهتي، وحينها لن أسمح لك بأن تشاركني إياه!".

تجسد هذه الطريفة الشعبية روح الإنسان العراقي والعربي التاريخية في التحايل الساخر على قسوة الصيف، وهي الروح ذاتها التي تترجم اليوم ملحمة صامتة بين جغرافية قاسية تفرضها القباب الحرارية والمنخفضات السطحية، وواقع معيشي يصارع انقطاع الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة فوق حاجز الخمسين مئوية.

المنظومة المناخية والجغرافية وقسوة الطقس الصيفي في العراق

يشهد العراق خلال فصل الصيف انحرافات حرارية قياسية تتجاوز فيها درجات الحرارة حاجز الخمسين مئوية ورغم أن الطبيعة الجغرافية للمنطقة محكومة مسبقاً بخصائص النطاق الجاف إلا أن التداخل المعقد بين التغيرات المناخية الحديثة والديناميات الجوية يفرض تساؤلات عميقة حول طبيعة هذا المناخ تطوره عبر الزمن وإمكانية تطويعه تقنياً حيث تعود قسوة الطقس الصيفي في العراق إلى منظومة مناخية وجغرافية متكاملة أبرزها المنخفض الجوي الحراري السطحي الذي يتزامن تعمقه مع مرتفع جوي في الطبقات العليا يعمل بمثابة قبة حرارية تحبس الكتل الهوائية الساخنة وتمنع تمددها رأسياً نحو الأعلى إلى جانب الموقع والتضاريس حيث تقع السهول المكشوفة لوسط وجنوب العراق بمنأى عن تأثيرات البحار المفتوحة مما يعظم من امتصاص الإشعاع الشمسي المباشر وإعادة بثه كحرارة محسوسة فضلًا عن الهيمنة المستمرة للرياح الجافة والقادمة من الامتدادات الصحراوية المجاورة والتي تتسم بانعدام الرطوبة النسبية

عند إسقاط نظرة تاريخية ومناخية على العراق قبل ألف عام خلال العصر الوسيط والعصر العباسي يتضح أن المتوسط العام لدرجات الحرارة لم يكن يحمل ذلك الفارق الرقمي الهائل بالمعايير الكونية إذ يقدر الارتفاع الإجمالي الناتج عن الاحتباس الحراري البشري بنحو 1.2 إلى 1.5 درجة مئوية إلا أن الفارق الجوهري يكمن في التطرف المناخي حيث تشير السجلات التاريخية ومؤرخو ذلك العصر إلى تقلبات طبيعية وموجات برد قاسية كوثائق تساقط الثلوج النادرة في بغداد وموصل قديماً بينما يتسم العصر الحديث بتكرار عنيف لموجات الحر الشديدة إضافة إلى البصمة البشرية حيث التغيرات الحالية محكومة بالثورة الصناعية وتضاعف تراكيز غازات الدفيئة وثاني أكسيد الكربون التي قفزت من مستوياتها المستقرة تاريخياً عند نحو 280 جزءاً في المليون لترتفع باستمرار وتتجاوز 420 جزءاً في المليون مما زاد من معدلات الاحترار الإقليمي في حين يتسم فصل الصيف بثبات الاستقطاب الحراري نتيجة ميل محور الأرض وثبات زاوية السقوط الإشعاعي مع التأكيد على عدم وجود أي تأثير فلكي لحركة الكواكب أو دوران الفضاء على مناخ العراق الفصلي يخضع فصل الشتاء لديناميكية مغايرة تحكمها أنظمة الضغط الجوي وصراع المنخفضات والمرتفعات حيث تتبدل كميات الأمطار تبعاً لغلبة المنخفضات الجوية القادمة عبر البحر الأبيض المتوسط المصدر المطري الأساسي مقابل سيطرة المرتفع السيبيري البارد والجاف بالإضافة إلى الدورات المناخية الكبرى مثل ظاهرتي الأنينو واللانينيا وتغيرات التيارات النفاثة التي تلعب دوراً محوريًا في توجيه أو حجب الكتل الرطبة عن أجواء بلاد الرافدين

تُطرح تساؤلات علمية متكررة حول إمكانية استخدام العلوم المتقدمة مثل تكنولوجيا النانو أو هندسة المناخ لقلب طقس الصيف في العراق إلى جو معتدل وهنا تقف المعايير الفيزيائية أمام محددات صارمة تتمثل في الحدود المحلية للتقنية حيث تقتصر التطبيقات الناجحة لتقنيات النانو كالطلاءات فائقة العكس للحرارة والمواد النانوية والتشجير الحضري على التخفيف من ظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية وتقليل الحرارة المحسوسة محلياً فقط داخل المدن واستحالة التبريد الإقليمي لأن الكميات الهائلة من الطاقة الحرارية التي تتلقاها المساحات الشاسعة من الشمس يومياً فضلاً عن الحركة الدائمة للكتل الهوائية والديناميكا الهوائية للغلاف الجوي والرياح الصحراوية المتجددة تجعل من المستحيل هندسياً واقتصادياً تغيير الطبيعة المناخية لإقليم كامل بصورة جذرية ومصطنعة

وسائل المواجهة والمعاناة المعيشية والتفاوت الطبقي في مواجهة الحر

تتعدد وسائل الهروب من درجات الحرارة القياسية في العراق وتتفاوت بين الإمكانيات المتاحة فنجد الاعتماد الكثيف على أجهزة التبريد المنزلية مثل المكيفات والمبردات التي تعمل بلا توقف واللجوء إلى المياه المثلجة والمشروبات الباردة والبقاء في الأماكن المغلقة طوال ساعات الذروة النهارية فضلاً عن الاستعانة بالمسطحات المائية أو الظلال في الحدائق العامة إن وُجدت وصولاً إلى الحلول الهندسية والمحلية مثل زراعة المساحات المحيطة الدور أو طلاء الأسطح بمواد عاكسة للحرارة لتخفيف شدة الأجواء داخل المنازل بينما تتفاقم معاناة المواطن العادي في ظل الظروف الاقتصادية الحالية واقترانها بانقطاع التيار الكهربائي المتكرر وسط درجات الحرارة التي تجاوزت حاجز الخمسين مئوية حيث يضطر المواطن إلى تحمل أعباء مالية باهظة لتوفير الطاقة البديلة عبر مولدات المحلات أو المولدات المنزلية الخاصة واستهلاك الوقود الباهظ الثمن بالإضافة إلى تكاليف صيانة أجهزة التبريد المتكررة بسبب ضغط التشغيل المستمر مما يضع الأسرة أمام ضغوط معيشية قاسية لإيجاد التوازن بين توفير متطلبات الحياة الأساسية وفواتير الطاقة المرتفعة لمجابهة القيظ ليبرز تفاوت شاسع بين واقع المواطن العادي وظروف عيش المسؤولين والطبقات المتنفذة إذ ينعم المسؤولون بتأمين طاقة كهربائية مستمرة لا تنقطع في منازلهم ومكاتبهم عبر خطوط مستثناة أو مولدات ضخمة وعالية الكفاءة إلى جانب العيش في مجمعات سكنية حديثة ومكتفية خدمياً ومزودة بأفضل أنظمة التكييف والعزل الحراري بينما يعاني المواطن العادي بصمت تحت وطأة انقطاع الكهرباء وغياب البنى التحتية المتطورة متحملاً بمفرده تبعات الحرارة القاسية والأعباء المالية المنهكة في ظل غياب الإرادة السياسية والتخطيط الاستراتيجي وضعف تطبيق القوانين وحماية العمالة مقارنة بالتجارب الدولية الناجحة في إدارة الأزمات المناخية الخانقة

***

ئاريان علي

من أجمل الصفات التي يتحلى بها الإنسان فضيلة القناعة؛ فهي التي تمنحه الطمأنينة، وتجعله قادرًا على التمييز بين ما يحتاج إليه حقًا وما يرغب فيه لمجرد إشباع نزوة عابرة. وفي المقابل، تُعد الشراهة من الصفات التي ذمّتها الأديان والحكماء والفلاسفة، لأنها تجعل الإنسان أسيرًا لرغبات لا تنتهي، فتسلبه راحته وصحته واستقراره.

رافق مفهوم الشراهة الإنسان منذ القدم. ففي التراث العربي والإسلامي عاب الحكماء الإفراط في الأكل، وعدّ الإمام الغزالي شره الطعام من منابع الشهوات التي تجرّ الإنسان إلى كثير من الرذائل. وفي الفكر المسيحي في العصور الوسطى صُنّفت الشراهة ضمن الخطايا السبع المميتة، لأنها تعكس عجز الإنسان عن ضبط رغباته. كما لم يغفل الأدب العالمي هذا المعنى؛ فجسّدها شكسبير رمزًا للطمع والفساد في بعض شخصياته، بينما ظهرت في عدد من الروايات الكلاسيكية بوصفها تعبيرًا عن فراغ روحي أكثر منها حاجة جسدية. وهذا الامتداد التاريخي يؤكد أن الشراهة حالة إنسانية تتكرر كلما تجاوزت الرغبة حدود الاعتدال.

يمكن تعريف الشراهة بأنها الإفراط وتجاوز الحد في الاستهلاك أو التعلق بشيء ما. ويرتبط المصطلح غالبًا بالنهم في الطعام وتناول كميات كبيرة من دون وجود جوع حقيقي، وقد يصل في بعض الحالات إلى اضطراب الأكل القهري، حيث يفقد الإنسان قدرته على التحكم فيما يتناوله.

كما أن الشراهة تشمل كل رغبة تتجاوز حدود الحاجة المعقولة. فقد تكون في الاستهلاك والشراء، أو في استخدام وسائل التواصل والشاشات، أو في العمل، أو في طلب الاهتمام، أو في جمع المال والسلطة والشهرة. والقاسم المشترك بين هذه الصور جميعًا هو فقدان القدرة على الاكتفاء والسيطرة على الذات، حتى تتحول الرغبة من وسيلة لخدمة الإنسان إلى قوة تستعبده.

وربما تكون أبرز صور الشراهة هي شراهة الطعام. فقد يشعر الإنسان بالشبع، لكن عينيه ولسانه يدفعانه إلى المزيد، حتى تتحول المائدة إلى ساحة لإشباع الشهوة لا لسد الجوع. وقد أثبتت الدراسات الطبية أن الإفراط في الطعام يرتبط بالسمنة، وداء السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، واضطرابات الجهاز الهضمي، وغيرها من الأمراض التي أصبحت من أبرز أسباب الوفاة في العالم.

وأصبحت الشراهة في عصرنا ثقافة استهلاكية تغذيها الإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي. فكم منا يدخل متجرًا ليشتري غرضًا واحدًا، ثم يخرج محملًا بأشياء لم يكن بحاجة إليها أو ينوِ شراءها! وكم من أسرة تستنزف دخلها في الكماليات تحت تأثير التخفيضات والعروض، ووهم أن امتلاك المزيد هو الطريق إلى السعادة.

وربما يغفل كثير منا ما تقوم به الشركات الكبرى التي تستعين بعلماء النفس قبل خبراء التسويق، لتعرف كيف تخاطب عاطفة الناس، وتثير شعورهم بالنقص، وتوهم الإنسان بأن قيمته الاجتماعية تزداد كلما امتلك أكثر. وهكذا تتحول الرغبة إلى حاجة متوهمة، ثم تتحول الحاجة إلى إدمان على الاستهلاك.

وتمتد آثار ذلك إلى الأسرة والمجتمع؛ فالإسراف في الإنفاق يربك ميزانية المنزل، ويزيد الضغوط المالية، ويوقع بعض الأسر في الديون، ويخلق خلافات بين الزوجين بسبب سوء إدارة الموارد. والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن كل دخل، مهما ارتفع، يبقى محدودًا إذا كانت الرغبات بلا حدود.

وللشراهة صور أخرى قد تكون أشد خطرًا من شراهة الطعام والشراء. فهناك شراهة جمع المال، حين يتحول المال من وسيلة للعيش الكريم إلى غاية في ذاته، فيسعى صاحبه إلى جمعه بأي وسيلة، مشروعة كانت أم غير مشروعة، حتى لو كان ذلك على حساب الضمير والقيم. وكثير من قضايا الفساد المالي والاختلاس والرشوة ليس سببها الفقر، وإنما الجشع الذي لا يعرف الاكتفاء.

والمال زينة الحياة الدنيا كما وصفه الخالق سبحانه وتعالى، وهو ضرورة لا تستقيم الحياة من دونه، لكن له حدًا تتحقق عنده الحاجة، ويبدأ بعده الترف، ثم يتحول أحيانًا إلى طغيان. وقد بلغ الجشع ببعض الناس أن جمعوا ثروات تفوق قدرتهم على الاستفادة منها، على الأقل خلال حياتهم، فأصبحت الأموال مكدسة في أكياس النفايات أو مخابئ سرية قذرة، كالمجاري مثلًا، يحرسونها أكثر مما ينتفعون بها. وهكذا يفقد المال معناه الحقيقي، ويتحول من نعمة إلى عبء، ومن وسيلة إلى هاجس. وأغلب الظن أن كثيرًا من هؤلاء محرومون من النوم بسبب خوفهم على المال، والقلق الذي يساورهم، والتفكير بعواقب أفعالهم في الدنيا والآخرة. وها هم قد أخزاهم الله في الدنيا قبل الآخرة.

وهناك أيضًا شراهة السلطة، حين يتعلق الإنسان بالمنصب ويظن أن قيمته تنبع منه، لما يشعر به من نقص لا يكتمل إلا بالسلطة، فيرفض التخلي عنها، ويقدم مصلحته الشخصية على مصلحة المجتمع. وكذلك شراهة الشهرة، التي تدفع بعض الناس إلى البحث عن الأضواء بأي ثمن، حتى لو كان ذلك بالتضحية بالمبادئ والتخلي عن القيم والأخلاق، كما نراه اليوم في كثير من مجتمعاتنا، حتى المحافظة منها. وقد تمتد الشراهة إلى العلاقات الإنسانية، فيرغب الإنسان في امتلاك الآخرين والسيطرة عليهم، أو يطلب الاهتمام والثناء بما ليس فيه، وبصورة لا تشبعها أي كمية من التقدير.

ومن صور الشراهة أيضًا الشراهة في العلاقات العاطفية والجنسية، حين لا يكتفي الإنسان بما أحلّه الله له، مهما كان ما يملكه من محبة أو استقرار أو حياة زوجية سعيدة. فهناك من يظن أن كثرة العلاقات أو تعدد الشركاء دليل على الرجولة أو النجاح، بينما هي في حقيقتها عجز عن ضبط الرغبة وعدم قدرة على الاكتفاء. ولهذا قد يلجأ بعضهم إلى الخيانة الزوجية، لا لأن شريك حياته مقصر، بل لأن شهوته لا تعرف حدًا، فيظل يبحث عن الجديد دون أن يبلغ الرضا. ومثل هذه الشراهة تمزق الأسرة، وتترك آثارًا نفسية عميقة في الأبناء، وتحوّل العلاقة الإنسانية، التي ينبغي أن تقوم على المودة والوفاء، إلى مجرد وسيلة لإشباع رغبة لا تنتهي

ومن الناحية النفسية، كثيرًا ما تكون الشراهة محاولة لملء فراغ داخلي. فبعض الناس يأكل عندما يحزن، ويشتري عندما يضيق صدره، ويجمع المال خوفًا من المستقبل، ويسعى إلى المناصب هربًا من الشعور بالنقص. ولذلك فإن علاج الشراهة لا يكون إلا ببناء شخصية متوازنة تعرف قيمة الرضا، وتستمد إحساسها بقيمتها من ذاتها لا من ممتلكاتها ولا من نظرة الآخرين إليها.

وللتربية دور محوري في الوقاية من هذه الصفة؛ فالطفل الذي يتعلم منذ صغره تأجيل رغباته، واحترام المال، والتمييز بين الحاجة والكماليات، يكبر وهو أكثر قدرة على ضبط نفسه. أما إذا اعتاد أن تُلبّى جميع طلباته فورًا، فقد ينشأ وهو يعتقد أن العالم كله وُجد لإشباع رغباته.

لقد قامت الحضارات على مبدأ الاعتدال، وكان الحكماء يرون أن الفضيلة تكمن في الوسطية، بين الإفراط والتفريط. فالإنسان يحتاج إلى الطعام، لكن دون إسراف، ويحتاج إلى المال، لكن دون أن يستعبده، ويحتاج إلى النجاح، لكن دون أن يتحول إلى هوس يلتهم حياته.

إن الشراهة فراغ في النفس وليست خواء المعدة، ولا تسدها كثرة الممتلكات، لأنها عجز عن الشعور بالاكتفاء. أما القناعة فلا تعني الزهد في الحياة أو رفض النعم، وإنما تعني أن يملك الإنسان الأشياء، لا أن تملكه الأشياء.

ولا يمكن أن نعدّ كل الرغبات الإنسانية شراهة؛ فالرغبة جزء من الطبيعة الإنسانية، ولا تقوم الحياة من دون طموح أو سعي إلى الأفضل. لكن الشراهة تبدأ عندما يفقد الإنسان القدرة على أن يقول لنفسه: «كفى»، وعندما تصبح رغباته بلا نهاية، ويغدو الشعور بالاكتفاء مستحيلًا.

ولعل الفرق الجوهري بين الإنسان الذي يقود رغباته والإنسان الذي تقوده رغباته هو القدرة على وضع حد لها. فالحضارات لم تُبنَ على إطلاق الشهوات، ولم تزدهر المجتمعات بكثرة ما امتلكت. ومن هنا، فإن الشراهة ليست انتصارًا للرغبة بقدر ما هي هزيمة للإرادة.

ولعل أجمل ما نختم به هو أن السعادة لا تُقاس بحجم ما نقتنيه، وإنما بقدرتنا على أن نعرف متى نكتفي. فالإنسان يكون غنيًا عندما لا يعود محتاجًا إلى كل شيء، وتبقى كلمة «يكفي» أقصر الطرق إلى الحرية والسلام الداخلي.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

من الجدل الفكري إلى "كهف الخوارزميات"

شهد الفكر النقدي المعاصر أطروحة مركزية تنص على "موت الأيديولوجيا"؛ وهي مقولة تزامنت مع أطروحات أخرى مثل "موت المؤلف" و"نهاية التاريخ". تصدرت هذه المقولة الأدبيات النقدية في نهايات القرن المنصرم، وتحديداً عقب انهيار المعسكر الشرقي وسقوط جدار برلين. ترافق هذا التحول البنيوي مع تمدد النموذج الليبرالي والنيوليبرالي، وصعود خطابات فكرية تمجد الفردانية المطلقة، واقتصاد السوق الحر، وعولمة المعرفة العابرة للقارات. تمظهرت هذه التجليات بصرياً وثقافياً في الفضاء العام والافتراضي عبر أدوات الاستهلاك، والإعلام، والشعارات التجارية التي غزت تفاصيل الحياة اليومية، من الملابس إلى منصات التواصل الاجتماعي. رسخ هذا المشهد انطباعاً زائفاً بانتهاء عصر الصراعات المذهبية المحنطة داخل تيارات متصارعة (عصر الديالكتيك)، واستبدالها بحتمية ديالكتيكية جديدة تفرضها العولمة كمسار قطعي لا مفر منه.

إن التصور النسقي الكلاسيكي للأيديولوجيا كان يفترض استقلالية نسبية للفكر؛ تظهر في بلاغة الخطاب، ونسقية الحجاج وقوته، والقدرة الذاتية على إنتاج المعنى، وخوض السجالات الجدلية لتفسير الواقع والتنظير له وفق مرجعية استقرائية أو استنباطية تؤسس لمنظومات فكرية راهنة تتماشى مع الواقع المعاش.

في المقابل، ومع مطلع الألفية الثالثة، ولد ما يمكن تسميته بـ "الإنسان الرقمي" المعاصر. عرف هذا الإنسان سياقاً أنطولوجياً مغايراً تماماً يوازي التغيرات الكبرى التي أملتها الشبكة العنكبوتية، حيث جرى استدراجه طواعية وبسلاسة فائقة، عبر آليات الجذب الرقمي، إلى هيمنة "الحداثة السائلة". في هذا الفضاء الافتراضي السائل، ينصهر الفرد ضمن هيكلة تقنية معقدة ومتشابكة؛ بيئة لصناعة المعلومات وتسويقها يمكن اصطلاحها بـ "كهف الخوارزميات". تعمل هذه البيئة على إعادة تشكيل الوعي البشري، وتأطير فهمه وإدراكه للعالم وفق سيولات رقمية موجهة سلفاً، مما يعطل فعل العقل كمنتج، ليتحول إلى مستقبل ومستهلك طيع وفق "أيديولوجيا السيليكون"، والتي تقدم نفسها كحل نهائي يمتاز بالدقة والسرعة والكفاءة والشمولية (والذكاء الاصطناعي التوليدي نموذجاً).

إن السباق المحموم من قبل شركات التقنية لتطوير ذكاء اصطناعي يتحرر من البرمجة الآدمية القبلية، ويعتمد على التحسين الذاتي المتكرر (أو ما يُعرف بانفجار الذكاء الاصطناعي)، سيقزم دور الإنسان إلى درجة التماهي في مجالات حيوية عديدة كالطب والاقتصاد والتعليم.

هكذا إذن، نحن نشهد طفرة إبستيمية تصلح كحد فاصل للتأريخ: "إنسان ما قبل وما بعد الذكاء الاصطناعي". وإلى أي حد سيمكننا الحديث عن البعد الزمكاني والوجودي واستقلالية الفكر في ظل التحكم الخوارزمي؟ إنه سؤال مشروع تتولد عنه تساؤلات وجودية عديدة. لم نعد نعيش عصر الذكاء الاصطناعي كأداة، بل يتم سحبنا بالتدريج إلى شبكة أكثر تعقيداً هي "الذكاءات الاصطناعية الذاتية التطور". وأي عزوف عن هذا التمظهر الحضاري الجديد، سيقذف بنا حتماً خارج دائرة التاريخ؛ لينظر إلينا العالم بعين الغرابة والبدائية، تماماً كما ننظر نحن الآن إلى "القبائل غير المتصلة" والمعزولة في أدغال هذا الكوكب.

***

الداودي الخالدي - المغرب

 

(حكاية امرأة انتصرت على الفقد بالعلم والإنسانية)

في سنوات المحنة التي عصفت بالبلاد، حين ألقت الأحداث الطائفية بظلالها الثقيلة على المجتمع، تبدلت حياة هذه المرأة في لحظة واحدة. فقد اختطف العنف زوجها وشريك حياتها، لتجد نفسها وحيدة أمام مسؤولية تربية أطفالها وسط ظروف قاسية يملؤها الخوف وعدم اليقين.

لكنها رفضت أن تجعل المأساة نهاية الطريق. نظرت إلى أطفالها، واستمدت منهم قوة جديدة، وعاهدت نفسها أن تحوّل الألم إلى دافع، وأن تجعل من العلم طريقًا لبناء مستقبل يليق بهم.

وسط أعباء الحياة وبين مسؤوليات الأمومة وضيق الظروف، واصلت رحلتها الدراسية بإصرار نادر. تجاوزت مرحلة البكالوريوس، ثم نالت شهادة الماجستير، حتى توّجت سنوات كفاحها بالحصول على الدكتوراه في اللغة العربية. ولم تكن الدكتوراه بالنسبة إليها لقباً أكاديمياً فحسب، بل كانت شهادة انتصار على اليأس، ودليلاً حياً على أن الإرادة قادرة على هزيمة أقسى الظروف.

غير أن الحياة أبت إلا أن تمتحن صبرها مرة أخرى. فقدت ابنها الغالي الدكتور هشام الجوراني، الذي كان ثمرة كفاحها وأحد أكبر أحلامها. كان رحيله جرحًا بالغ العمق، يفوق في قسوته كل ما مرّت به من قبل.

ورغم هول الفاجعة لم تسمح للحزن أن يهزمها. حملت ذكرى ابنها في قلبها، وحوّلتها إلى رسالة خير وعطاء، لتبقى سيرته حاضرة في كل عمل إنساني تقدمه.

لأنها عرفت معنى الفقد وذاقت مرارة الترمل واليتم والخوف، أصبحت أكثر إحساسًا بآلام الآخرين. فتحت قلبها قبل يديها للأيتام والمحتاجين، وسخّرت جزءًا كبيرًا من وقتها وجهدها ومالها لخدمتهم.

لم يكن عطاؤها مقتصراً على المساعدات المادية، إنما كانت تمنح الأطفال الحنان والرعاية والشعور بالأمان، مؤمنة بأن الاحتضان الإنساني لا يقل أهمية عن الدعم المادي. كما سخّرت علمها وخبرتها في تعليم أبناء الفقراء والأيتام، إيماناً منها بأن التعليم هو الطريق الأصدق لتحرير الإنسان من الفقر والحرمان. لقد أدركت أن من يعرف الألم حقًا يكون الأقدر على التخفيف من آلام الآخرين.

واليوم تقف هذه السيدة الدكتورة الفاضلة حمدية الجوراني نموذجاً حياً للإرادة والوفاء والإنسانية. فقصتها ليست حكاية امرأة حصلت على شهادة الدكتوراه فحسب، بل هي قصة إنسان استطاع أن يحوّل الفقد إلى قوة، والدموع إلى أمل، والمعاناة إلى رسالة حياة، ليبرهن أن أعظم الانتصارات هي تلك التي يصنعها الإنسان على جراحه.

***

بقلم: اسعد الجوراني

ثمة ظواهر مرضية تُصاحب الإبداع الثقافي، بعضها اجتماعي والآخر نفسي، فالحقل الثقافي ليس فضاءً لإنتاج المعرفة والجمال والبحث عن الحقيقة فحسب، بل هو أيضا ميدان للصراع على الشرعية والمكانة والنفوذ والشهرة والجوائز والحظوات المالية والإدارية والزعامة الفكرية والمؤسساتية، سواء لطموحات شخصية مشروعة أو ‏غير مشروع، أو عنعنات وادّعاءات، ما أنزل الله بها من سلطان. و"الحسد" من بين هذه الظواهر اللصيقة بهذا الحقل، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في سورة الفلق "ومن شر حاسد إذا حسد".

ويتحول الحسد إلى فعل مؤذٍ حين يُصبح سلوكًا، فيكون مدعاة للغيرة التي تسبّب العداوة في النفوس، سواءً كانت معلنة أم خفيّة، وأساسها التعصّب وحين يتم الإفصاح عن هذا الأخير يصير تطرّفًا يستهدف إلغاء الآخر أو تهميشه، وقد يصاحبه عنف لفظي أو جسدي، ومهما حاول الحسود التستّر على حسده، إلّا أن تصرّفاته تفضحه، حين لا يستطيع السيطرة على نفسه، من خلال الانفعالات القويّة التي تتعدّى حدود المنافسة الإيجابية المشروعة.

هل يمكن أن نُطلق على المنافسة الشريفة "الغيرة الإيجابية؟"، كان هذا سؤال من إحدى الزميلات التونسيات، وكنت قد جئت على ذلك باعتبارها عكس الحسد والغيرة، لأن المنافسة الإيجابية ليست عدوّةً للإبداع بالضرورة، وقد تتولّد عنها بعض الأعمال الإبداعية بعكس الغيرة المدمّرة التي لا يستطيع صاحبها الخروج من الأنا الأنانية إلى فضاء الأنا الإنسانية، فتصبّ الأولى جام غضبها على نجاحات الآخرين. كما أرسلتْ لي إحدى الصديقات المصريات تقول "موضوعكم عن الغيرة جميل وفكّرني بغيرة الدكتور يوسف إدريس التي اشتعلت بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل (1988)"، وهو ما أعادني إلى الصراعات التي لا تخلو من الحسد والغيرة على النطاقين العالمي والعربي بين مثقفين كبار.

‏ففي مصر كانت احتدمت معركة حامية بين طه حسين وعباس محمود العقاد، وتحوّل بعضها إلى سجال شخصي، وبين العقاد ومصطفى الرافعي، وكان العداء شديدًا بين عبد العظيم رمضان ومحمد حسنين هيكل، وظل الأول على مدى 40 عامًا ينتقد هيكل، خصوصًا كل ما أصدر كتابًا جديدًا كتب ضدّه، مثل كتاب "أوهام هيكل وحقائق حرب الخليج" ردًّا على كتاب "حرب الخليج: أوهام القوة والنصر" وكتاب "هيكل والكهف الناصري" ردًا على ما كتبه هيكل عن الحقبة الناصرية، ولكن هيكل لم يردّ عليه.

‏وثمة نماذج صارخة على الصعيد العالمي، ولاسيّما الصراع بين تولستوي ودوستويفسكي، على الرغم من أنهما لم يلتقيا، حيث كانا تولستوي يرفض المشاركة في أي مؤتمر أو فعالية أدبية يحضرها دوستويفسكي.

ومن أشهر الأمثلة في القرن العشرين الصراع بين سارتر وألبير كامو، وقد رفض الأول جائزة نوبل (1964)، لأن الثاني استلمها قبله (1957)، وامتزج الخلاف الفلسفي بالخلاف الشخصي، وخصوصّا ‏على تصدّر قيادة المثقفين.

‏وكانت فرجينيا وولف تغار من جيمس جويس وتعتبره كاتبّا رديئًا، وجيمس جويس لا يحب مارسيل بروست، وكان عند مجيئه يتعمد التدخين وهو يعرف أنّه مصاب بالربو ليزعجه ويقلقه.

‏أما والت ويتمان فكان يحسد شاعرّا أقل منه موهبة لأنه حظيَ بالشهرة، وكان الخلاف بين همنغواي وفاغنر على أشدّه، وقال الثاني عن الأول أنه: لم يستخدم كلمة تجبر القارئ على فتح القاموس، فردّ عليه الأول "المشكلة ليست بالكلمات الكبرى، بل بالأفكار الكبرى"، كما كان الخلاف عميقا بين بابلو نيرودا وبورخيس.

‏وعراقيًا كان ثمة منافسة خفية بين بدر شاكر السياب ونازك الملائكة على من كان الأول في كتابة الشعر الحر، مثلما نشبت خلافات شديدة بين السيّاب وعبد الوهاب البياتي، خصوصّا حين تم تقريب البياتي، في أواسط خمسينيات القرن المنصرم، من الحركة الشيوعية، فتحول الثاني إلى المعسكر القومي، وكتب في العام 1959 كتابه الرديء "كنت شيوعيًا". وهناك خصومة حول ريادة جيل الستينيات بين سامي مهدي من موقع السلطة وبين فاضل العزاوي من موقع المعارضة.

‏كما كانت علاقة البياتي سيئة مع الجواهري لعقود من الزمن، إلى أن تم تصحيحها في تسعينيات القرن المنصرم بشكل أقرب إلى الاعتذار في دمشق، حيث كتب البياتي قصيدة مهداة إلى الجواهري بمناسبة عيد ميلاده، يقول فيها:

في سنواتِ الضوء والبؤس

رأيت في مرآتــه نفســي

*

خرجت من معطفه يافعاً

لأحمل الشمس إلى الشمـس

*

قلت له: يا أبتِ ها هنا

يعتنق السهمان في القـوس

*

شِعرك كان الزادَ والماء في

عراقنا الطاعن في الحبس

الأنا الأنانية ليست مقتصرة على المبدعين فحسب، بل تذهب إلى الوسط السياسي والاجتماعي، وقد تكون هذه أكثر عنفًا، وتساهم في تغذية الخصومات الثقافية، بل تضيف إليها الكثير من عندياتها التعصبيّة المتطرّفة، وهناك من يحسد النساء المثقفات ويغار من الإبداع النسوي ويحاول تشويهه أو إنسابه إلى الرجال، مثلما هناك من يقلّل من إبداع المجموعات الثقافية بحكم الهيمنة، وتجري محاولات محمومة لاستصغار المبدعين الشباب والتقليل من إبداعهم، وكأن الريادة كُتبت لبعض الأسماء، ولا يجوز لأحد أن يتطلّع إلى غيرها، على خلاف الأنا الإنسانية المفتوحة على كل جديد وإبداعي وجميل.

***

د. عبد الحسين شعبان

ليس أشهر في هذه الأيام، على وسائل الإعلام واللقاءات الدُّولية كمضيق هُرْمُز، فقد كان إعلان إغلاقه مِن قِبل الجانب الإيراني يعني التَّحكم بالطاقة العالمية، ذلك إذا علمنا أن نحو 20% من الطاقة تمر عبره إلى أنحاء العالم، وهو بالنسبة لأميركا وأوروبا قد لا يقل عن خطيئة احتلال الكويت مِن قبل النظام العراقي (1990)، لهذا لا تستغرب الحرب الضروس مِن أجل فتحه، وعدم السماح لإيران بالتحكم به، وهو الذي يربط بين الضفة الإيرانية والضفة العُمانية، رابطاً الخليج بالمحيط المفتوح، بطول أكثر من 160 كيلومتراً وعرض يضيق ويتسع بين ثلاثين إلى تسعين كيلومتراً.

لا نجد لتسميته بالمضيق تاريخ معين، لكن تظهر التسمية، من قبل مؤرخين معاصرين منذ السيطرة البرتغالية (1509م)، وإلا قبل ذلك كان الاسم لمملكة ومدينة، وهو اسم لعدة ملوك: هُرْمز بن شروان، وهرمز بن سابور، وهرمز بن قسرين، وهرمز بن يزدجر، وهرمز القائد الفارسي، الذي طُرد من المدائن في معركة ذات السلاسل، أو وقعة السلاسل، وترتبط مواقع بأسمائهم مثل: «رام هرمز، واستان شاذ هُرمز، حسب البلداني ابن خرداذبة» (نحو 280هج) في «المسالك والممالك».

كما وهو اسم لمدينة، وكورة في جبال طبرستان، ويبدو المضيق المقصود، مدينة في البحر، وهي على ضفة البر فارس، تأتيها المراكب، ومنها تُنقل الأمتعة إلى الهند، حسب ما أرخه ياقوت الحموي (626هج) في «معجم البلدان»، ولا يؤخذ ما قاله الحموي في معنى هرمز، بل هناك معانٍ تتعلق بالتراث القديم.

بيد أن أوسع ما تحدث عن هرمز ابن بطوطة (779هج) الذي زارها، قال: «ثم سافرتُ من بلاد عُمان إلى بلاد هرمز، وهرمز مدينة على ساحل البحر، وتسمى أيضاً موغ استان، وتقابلها في البحر هرمز الجديدة، وبينهما في البحر ثلاثة فراسخ، ووصلنا إلى هرمز الجديدة وهي جزيرة ومدينتها تسمى جرون، وهي مدينة حسنة كبيرة، لها أسواق حافلة وهي مرسى الهند والسند ومنها تحمل سلع الهند إلى العراقيين وفارس وخراسان وهذه المدينة سكنى السلطان، والجزيرة التي فيها المدينة مسيرة يوم وأكثرها سباخ وجبال ملح، وهو الملح الدرابي، ومنه يصنعون الأواني المزينة، والمنارات التي يضعون السرج عليها، وطعامهم السمك والتمر المجلوب إليهم من البصرة وعُمان». تحدث ابن بطوطة عن الموقع كممر تجاري مثلما تقدّم من الهند إلى العراق وفارس وخراسان.

عدا هذه الكتب لم نجد شيئاً كثيراً عن«هرمز» الموقع أو المدينة، ولم يذكروها بالمملكة، إنما مملكة كسرى بن هرمز، ولا يعني هذا المكان، مثلما تتداول الكتابات المتأخرة، ويمكن تكون إمارة أو جزيرة أو قلعة تابعة لمملكة كسرى بن هرمز.

تبرز أهمية مضيق هرمز في كل حرب أو خلاف في المنطقة، لذا صدرت كتب عديدة تناولت قضيته، خصوصاً بعد الحرب الإيرانية العراقية وحرب الكويت، مثل: «الصراع حول مضيق هرمز»، و«لماذا مضيق هرمز»، «مضيق هرمز والصراع الأميركي الإيرانيّ».

تبرز في الحروب أسماء مواقع، لم يكن لها ذِكر وهي قرى ومحلات، لكن الحدث يعظمها ويبرزها على الخارطة، ولا نعني هنا هُرمز المضيق، الذي هو الآخر اشتهر مع الحروب، مثلما تقدم مِن السيطرة البرتغالية، والصراع عليه آنذاك، ولقوة الحدث الحاصل الآن اشتهر مضيق هرمز، وصار يقال هرمز بلا نسبة مضيق إليه لشهرته، فأخذت الصحافة تنشر تاريخاً له، بل بعضها نشرت تاريخاً صحفياً لا يمت للواقع بصلة.نسيت أسماء الممالك والسلطنات ومَن عُرف مِن أعاظم الملوك بهرمز، وظل هرمز المضيق شاخصاً، بوابة الاقتصاد العالمي الذهبية، فقد حصلت الحروب العالمية بسبب اغتيال أمير أو تجاوز حدود، فكيف إذا تعلق الأمر بمفتاح بوابة «هرمز»، مَن يملكه يكون العالم طوع إرادته! فلو تنبأ الجغرافيون المسلمون، بأهمية هذه البوابة لتوسعوا بما تستحقه اليوم.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

من إصلاحات اوركاجينا الى شريعة حمورابي

حاولتُ أن أبحث عن مصطلح «الفساد المالي» في شريعة حمورابي والشرائع العراقية القديمة، فلم أجد هذا التعبير بمفهومه الحديث، لكنني وجدت العديد من النصوص القانونية التي عالجت أفعالاً تندرج اليوم ضمن هذا المفهوم، مثل الرشوة، وخيانة الأمانة، واستغلال المنصب، والتلاعب بالأموال، والإهمال الذي يسبب خسائر للأفراد أو للدولة. لذلك سأستخدم في هذه المقالة مصطلح «الفساد المالي» بوصفه مفهوماً جامعاً يضم جميع هذه الأفعال.

يُعد الفساد المالي من أقدم الظواهر التي عرفتها المجتمعات البشرية، إذ ارتبط بظهور الدولة والسلطة والمال العام. فكلما وُجدت سلطة تمنح النفوذ، وُجد من يسعى إلى استغلالها لتحقيق مكاسب شخصية. لذلك لم يكن مستغرباً أن تتضمن الشرائع العراقية القديمة نصوصاً قانونية هدفت إلى حماية الأموال والحقوق، وضمان نزاهة القضاء والإدارة، ومحاسبة المسؤولين المقصرين أو الفاسدين. وقد أدرك السومريون والأكاديون والبابليون منذ وقت مبكر أن الدولة لا تستقيم إذا استُغل المنصب، أو ضاعت أموال الناس، أو غابت العدالة، فوضعوا تشريعات هدفت إلى حماية المال العام، وضبط عمل الموظفين والقضاة والتجار، ومحاسبة كل من يسيء استخدام سلطته.

يُعتبر أوركاجينا، حاكم مدينة لكش السومرية (حوالي 2350 ق.م)، أول مصلح اجتماعي وإداري معروف في التاريخ، إذ سبق حمورابي بنحو ثلاثة قرون. فقد وجد أن كبار الموظفين والكهنة وجباة الضرائب يستغلون مناصبهم لابتزاز الناس، ويستولون على ممتلكاتهم، ويفرضون رسوماً غير مشروعة، فأصدر سلسلة من الإصلاحات هدفت إلى الحد من نفوذهم. وتشير النصوص السومرية إلى أنه منع استغلال الفقراء والأرامل، وألغى كثيراً من الرسوم التعسفية، وحدّ من تجاوزات كبار الموظفين، وأكد أن السلطة وجدت لخدمة الناس لا لاستغلالهم. ورغم أن إصلاحاته لم تصلنا كاملة، فإن ما بقي منها يكشف بوضوح أن إساءة استعمال السلطة والابتزاز المالي كانا من المشكلات التي واجهتها المجتمعات العراقية منذ فجر التاريخ. ورغم أن هذه الإصلاحات لم تكن قانوناً شاملاً، فإنها تمثل أول محاولة معروفة لمحاربة الفساد الإداري والمالي.

وبعد ذلك بنحو قرنين، أصدر الملك السومري أور نمو (حوالي 2100 ق.م) أقدم قانون مكتمل وصل إلينا. ويُعد هذا القانون بداية مرحلة جديدة في تنظيم العدالة بالقانون، إذ امتاز باعتماده الغرامات المالية في كثير من الجرائم بدلاً من العقوبات البدنية، كما نظم العلاقات المالية والتجارية، وحمى حقوق الملكية، وأكد ضرورة وجود الأدلة والشهود في المنازعات. وقد أسهم ذلك في الحد من الاحتيال، وحماية التعاملات الاقتصادية من التلاعب.

وفي مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، أصدر لبت عشتار (Lipit-Ishtar)، خامس ملوك سلالة إيسن في جنوب بلاد الرافدين، شريعته التي تُعد من أقدم الشرائع العراقية القديمة، وقد سبقت شريعة حمورابي بنحو 150–170 عاماً. واهتمت هذه الشريعة بتنظيم العقود، والملكية، والإيجارات، والديون، ووضعت قواعد واضحة لحماية الحقوق المالية، بما يقلل فرص الاستغلال والنزاعات.

قانون أشنونا (Eshnunna) هو مجموعة من القوانين أصدرها أحد ملوك أشنونا، ويرجح معظم الباحثين أنه الملك دادوشا (Dadusha) أو أحد أسلافه، وذلك نحو 1930–1770 ق.م، أي قبل شريعة حمورابي بعدة عقود. وقد عُثر على نصوص هذا القانون مكتوبة بالخط المسماري على ألواح طينية، وقد ركزت على تنظيم الأسواق والأسعار والأجور، وحدد أسعار كثير من السلع، والخدمات، وأجور العمال، والنقل. ورغم أن هدفه الرئيس كان تحقيق الاستقرار الاقتصادي، فإنه أسهم أيضاً في الحد من الاحتكار والاستغلال والغش التجاري. ويُعد من أهم الشرائع التي مهدت لظهور شريعة حمورابي. وأشنونا هي مملكة عراقية قديمة تقع في منطقة ديالى شرق بغداد الحالية، ويقع موقعها الأثري في تل أسمر (Tell Asmar). وكانت من أهم الممالك في بلاد الرافدين خلال العصر البابلي القديم، خاصة بين القرنين العشرين والثامن عشر قبل الميلاد.

وفي النصف الثاني من الألفية الثانية قبل الميلاد، ظهرت القوانين الآشورية الوسطى التي عكست تطوراً جديداً في التشريع العراقي القديم، ولا سيما في تنظيم المسؤوليات والواجبات القانونية. ورغم أن هذه القوانين اشتهرت بصرامة عقوباتها، فإنها تضمنت أيضاً أحكاماً لحماية الملكية، وتنظيم العقود، ومعاقبة خيانة الأمانة والاعتداء على الحقوق. كما أولت اهتماماً بمساءلة الموظفين ومن يتولون مسؤوليات عامة، مما يؤكد أن حماية المال والحقوق، ومحاسبة من يسيء استغلال السلطة، ظلت مبادئ راسخة في التشريع العراقي عبر العصور، ولم تكن مقتصرة على شريعة حمورابي وحدها.

ثم جاءت شريعة حمورابي (حوالي 1754 ق.م) لتتوج تطور التشريع العراقي القديم في قانون متكامل ضم نحو 282 مادة تناولت مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ورغم أنها لم تستخدم مصطلح الفساد المالي، فإنها عالجت معظم صوره المعروفة آنذاك.

لقد أولى حمورابي القضاء أهمية خاصة، لأنه أدرك أن العدالة هي أساس استقرار الدولة، وأن فساد القضاء أخطر من فساد المال، لأن القاضي الفاسد يهدم ثقة الناس بالنظام كله. لذلك نصت الشريعة على عقوبات صارمة بحق القضاة الذين يتراجعون عن أحكامهم بعد إصدارها أو يثبت ارتكابهم مخالفة جسيمة. فإذا أصدر القاضي حكماً موثقاً ثم غيّره دون سبب قانوني، عُزل من منصبه، وأُلزم بدفع غرامة تعادل اثني عشر ضعف قيمة الدعوى، ومُنع من ممارسة القضاء مرة أخرى. وتكشف هذه المادة عن إدراك مبكر لخطورة التلاعب بالأحكام، سواء كان ذلك نتيجة رشوة، أو نفوذ، أو محاباة.

وكانت المعابد والقصور الملكية تمثل مراكز السلطة والثروة في الدولة البابلية، ولذلك أولت الشريعة عناية خاصة بحماية ممتلكاتها. فقد اعتبرت سرقة أموال المعبد أو القصر جريمة تمس هيبة الدولة والنظام العام، وعاقبت مرتكبها بالإعدام. كما نصت على أن من يشتري أو يتسلم أموالاً مسروقة من ممتلكات الدولة أو المعابد، وهو يعلم أنها مسروقة، يتحمل المسؤولية نفسها. وبذلك شملت العقوبة كل من ساعد على تصريف المال المسروق أو إخفائه، وهو مبدأ يقارب في جوهره ما تعرفه التشريعات الحديثة من تجريم التعامل بالأموال المتحصلة من الجرائم.

وفرضت الشريعة مسؤولية قانونية واضحة على الأمناء والوكلاء والتجار والمزارعين الذين يتولون إدارة أموال الآخرين. فإذا تسلم شخص مالاً أو بضائع أو محاصيل ثم أنكر استلامها أو اختلسها، أُلزم بردها كاملة مع التعويض المناسب، وقد تصل في بعض الحالات إلى عقوبات جسدية أو أشد، بحسب طبيعة الجريمة. كما ألزمت الوكلاء والتجار بتقديم حسابات دقيقة، وأقرت مبدأ التوثيق بالشهود والعقود المكتوبة للحد من التلاعب والاحتيال. ويُعد ذلك من أقدم صور الرقابة المالية والإدارية في التاريخ.

وامتد اهتمام الشريعة إلى تنظيم النشاط الاقتصادي ومنع الغش في المعاملات، فوضعت قواعد دقيقة للبيع والشراء والإقراض والأجور والإيجارات، وحددت مسؤولية كل طرف في العقد. كما منعت استخدام الموازين والمكاييل غير الدقيقة، واعتبرت الغش في التجارة اعتداءً على حقوق الناس، وهو ما يعكس إدراكاً مبكراً لأهمية نزاهة الأسواق في استقرار المجتمع.

ومن المبادئ المهمة التي تميزت بها شريعة حمورابي تحميل أصحاب المهن مسؤولية أخطائهم. فإذا تسبب البنّاء، نتيجة الإهمال أو سوء التنفيذ، في انهيار منزل ومقتل صاحبه، عوقب بالإعدام. وإذا تسبب في خسائر مادية، أُلزم بإعادة البناء على نفقته الخاصة وتعويض المتضررين. ورغم قسوة هذه العقوبات بمقاييس العصر الحديث، فإنها جسدت فكرة قانونية جوهرية ما زالت التشريعات المعاصرة تأخذ بها، وهي أن صاحب المسؤولية يتحمل نتائج تقصيره.

وقامت فلسفة الشريعة على مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، وهو المبدأ الذي عُرف لاحقاً بقاعدة «العين بالعين والسن بالسن»، مع اختلاف تطبيقاته بحسب طبيعة الجريمة والمكانة الاجتماعية للأطراف. وكانت العقوبات شديدة، وتضمنت الإعدام، وبتر الأطراف، والغرامات الباهظة، والعزل من المنصب. ولم يكن الهدف من هذه القسوة الانتقام بقدر ما كان تحقيق الردع وحماية المجتمع في زمن كانت فيه هيبة الدولة تعتمد على قوة القانون وسرعة تطبيقه.

وإذا قورنت شريعة حمورابي بالتشريعات الحديثة، نجد أن مفهوم الفساد المالي أصبح اليوم أكثر اتساعاً، إذ يشمل الرشوة، والاختلاس، واستغلال النفوذ، وغسيل الأموال، والتهرب الضريبي، والإثراء غير المشروع، وتضارب المصالح، والفساد في العقود الحكومية.

ومع ذلك، فإن اللافت للنظر أن المبادئ الأساسية التي قامت عليها مكافحة الفساد قبل نحو أربعة آلاف عام ما تزال حاضرة في التشريعات الحديثة، وفي مقدمتها حماية المال العام، ومحاسبة المسؤولين، وتجريم خيانة الأمانة، وفرض المسؤولية على من يسيء استخدام السلطة.

وتكشف شريعة حمورابي أن مكافحة الفساد رافقت نشوء الحضارات الأولى. فقد أدرك البابليون أن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على إقامة العدالة، وصون المال العام، ومنع استغلال السلطة وليس باتساع أراضيها أو كثرة جيوشها. ورغم مرور ما يقارب أربعة آلاف عام على صدور تلك الشريعة، فإن رسالتها ما تزال صالحة لكل زمان: إن الدولة التي تتسامح مع الفساد، مهما بلغت قوتها، تضع أسس انهيارها بيدها، أما الدولة التي تُخضع الجميع لسيادة القانون، فهي الأقدر على الاستمرار وبناء الثقة بين الحاكم والمحكوم.

ومن المفارقات المؤلمة أن الأرض التي شهدت أولى المحاولات المنظمة لمحاربة الفساد أصبحت اليوم من بين أكثر البلدان معاناة منه. ففي الوقت الذي سنّ فيه العراقيون القدماء قوانين لحماية المال العام قبل أكثر من أربعة آلاف سنة، ما زال العراق الحديث يكافح لاستعادة المبادئ نفسها: سيادة القانون، ونزاهة الإدارة، واستقلال القضاء، والمساءلة.

ولعل أعظم درس تقدمه لنا تلك الشرائع هو أن الحضارات تسقط حين يصبح الفساد أقوى من القانون ويغيب العدل، وتُستباح الأمانة.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

من سرقات الأفراد إلى فساد الدول

عرفت البشرية الفساد منذ نشوء الدول والحضارات، فلم تخلُ أمة من مسؤول استغل منصبه، أو حاكم بدّد المال العام، أو موظف خان الأمانة. غير أن معظم حالات الفساد التي سجلها التاريخ كانت، على خطورتها، محصورة في أفراد أو دوائر ضيقة من أصحاب النفوذ، وكان المجتمع والدولة ينظران إليها بوصفها انحرافاً عن الأصل، لا الأصل نفسه.

غير أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول الفساد من سلوك فردي إلى منظومة متكاملة تتشابك فيها المصالح، وتتبادل فيها الأطراف الحماية، حتى يغدو الالتزام بالقانون هو الاستثناء، بينما يصبح الفساد هو القاعدة غير المعلنة. وهذا ما يسميه علماء السياسة والإدارة العامة الفساد المؤسسي (Institutional Corruption)، وهو أخطر بكثير من الرشوة أو الاختلاس أو استغلال المنصب.

فالفساد التقليدي، مهما بلغ حجمه، يبقى قابلاً للمواجهة؛ إذ يستطيع المسؤول النزيه أن يقف بوجه الفاسد، وتستطيع أجهزة الرقابة أن تؤدي دورها، ويمكن للقضاء أن يحاسب المقصرين. أما في الفساد المؤسسي، فإن أجزاءً من منظومة الرقابة نفسها قد تصبح عاجزة أو معطلة أو خاضعة لموازين القوى، فتتآكل قدرة الدولة على تصحيح أخطائها، ويتحول القانون إلى نصوص لا تجد من ينفذها.

إن أخطر ما في هذا النوع من الفساد أنه يسرق المال العام ويسرق ثقة المواطن بالدولة في آن واحد، وبذلك يفقد المواطن النزيه الأمل بالمستقبل. فعندما يرى المواطن أن الكفاءة لا تكفي، وأن القانون لا يُطبق على الجميع، وأن النفوذ أقوى من العدالة، فإنه يفقد ثقته بالمؤسسات، ويبدأ بالتعامل معها على أنها جزء من المشكلة لا جزء من الحل.

وفي كثير من الدول التي عانت الفساد، كان الفاسد يخشى القانون، أما في المنظومات الفاسدة، فقد يصبح القانون هو الذي يخشى أصحاب النفوذ. وهنا تختل الموازين، ويغدو الإصلاح أكثر تعقيداً؛ لأن المشكلة لم تعد في أشخاص بعينهم، بل في شبكة المصالح التي تحميهم، والعلاقات التي تجعل محاسبتهم أمراً بالغ الصعوبة.

ولعل أخطر مراحل الفساد هي حين يتحول إلى ثقافة اجتماعية؛ فبدل أن تُعد الرشوة جريمة، تُوصف بأنها "إكرامية"، ويصبح استغلال المنصب "شطارة"، والالتفاف على القانون "ذكاءً"، ويُوصم النزيه بالسذاجة لأنه لم يستغل الفرصة كما فعل غيره. وعندها يصبح الفساد منظومة قيم مقلوبة، تتبدل فيها معايير الشرف والاستقامة. ولا يعني ذلك أن جميع العاملين في مؤسسات الدولة فاسدون، فما زال في كل مؤسسة رجال ونساء يؤدون واجبهم بإخلاص ونزاهة، ويدفع بعضهم ثمن تمسكه بالقانون، غير أن وجود أفراد نزهاء لا ينفي أن البيئة المؤسسية قد تكون، في بعض الأحيان، بيئة طاردة للنزاهة وجاذبة للفساد.

إن التجارب العالمية تؤكد أن قلة الموارد لا تسقط الدول، ولكن أعظم الدول تنهار نتيجة ضعف الإدارة وغياب المساءلة. فكم من دولة فقيرة في ثرواتها الطبيعية استطاعت أن تبني اقتصاداً قوياً بفضل سيادة القانون، وكم من دولة غنية بالموارد بقيت متعثرة لأن الفساد التهم ثرواتها قبل أن تصل إلى مواطنيها.

ولعل أخطر ما يميز الفساد المؤسسي أنه يستهلك المستقبل قبل أن يبدد الحاضر؛ فهو بما يهدره من أموال اليوم، يحرم الأجيال القادمة من المستقبل، فلا المدارس تُبنى، ولا المستشفيات تُجهَّز، ولا الطرق تُنجَز، كما يبدد فرص العمل والاستثمار، ويؤخر التنمية لعقود، حتى يصبح المستقبل نفسه رهينة أخطاء الحاضر.

ولذلك فإن اعتقال بضعة فاسدين، على أهميته، لا يكفي للقضاء على هذا النوع من الفساد. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة بناء المؤسسات على أسس الشفافية، واستقلال القضاء، وحماية أجهزة الرقابة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ ثقافة النزاهة منذ المدرسة وحتى أعلى مواقع صنع القرار.

وكما أن الفساد المؤسسي لم ينشأ في يوم واحد، فإنه لا يزول بقرار واحد، لكنه يبدأ بالانحسار حين تستعيد الدولة هيبتها، ويستعيد القانون سلطته، ويستعيد المواطن ثقته بأن الحقوق تُنال بالعدل لا بالواسطة، وأن المال العام أمانة لا غنيمة. وعندئذ يعود الفساد إلى حجمه الطبيعي: جريمة يرتكبها أفراد، لا نظاماً يحكم حياة وطن.

وليس هذا التصور مجرد تحليل نظري، بل تؤيده تجارب التاريخ؛ إذ شهدت أمم كثيرة انهيارات سياسية واقتصادية كان الفساد أحد أبرز أسبابها.

أشهر حالات الفساد المالي في التاريخ:

1.  الإمبراطورية الرومانية المتأخرة: في القرنين الثالث والرابع الميلاديين، استشرى الفساد بين الولاة وجباة الضرائب وقادة الجيش. وكان كثير من المسؤولين يشترون المناصب ثم يستغلونها لاسترداد ما دفعوه أضعافاً؛ وأدى ذلك إلى إنهاك الاقتصاد، وانتشار الفقر، وتراجع ثقة المواطنين بالدولة، وكان أحد العوامل الرئيسة التي أسهمت في سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية عام 476م.

2.  فرنسا قبل الثورة الفرنسية (1789): لم يكن الفساد في فرنسا حينئذ يقتصر على الرشوة، بل شمل نظاماً غير عادل من الامتيازات والإعفاءات الضريبية للنبلاء ورجال الدين، في حين تحمل عامة الشعب معظم الأعباء المالية. ومع إسراف البلاط الملكي وتفاقم الأزمة الاقتصادية، أصبحت الثورة الفرنسية نتيجة شبه حتمية.

3.  إسبانيا في عصر الذهب: بعد تدفق الذهب والفضة من الأميركتين خلال القرن السادس عشر، امتلكت إسبانيا ثروة هائلة، لكن سوء الإدارة والفساد حالا دون تحويلها إلى اقتصاد منتج؛ فأنفقت الأموال على الحروب والبذخ، وأعلنت الدولة إفلاسها عدة مرات رغم تدفق المعادن النفيسة.

4.  الفلبين في عهد فرديناند ماركوس: يُعد هذا المثال من أشهر حالات الفساد في العصر الحديث؛ فقد قُدّرت الأموال التي نهبتها عائلة ماركوس والمقربون منها بما بين 5 و10 مليارات دولار، وهو مبلغ ضخم بمقاييس ذلك الزمن، واستغرقت عملية استرداد جزء من تلك الأموال عقوداً طويلة.

5.  زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً) في عهد موبوتو سيسي سيكو: حوّل موبوتو خزينة الدولة إلى ما يشبه الحساب الشخصي، حتى شاع استخدام مصطلح "الكلبتوقراطية" أو "حكم اللصوص" لوصف نظامه. وبينما كانت البلاد غنية بالمعادن والموارد الطبيعية، عاش معظم سكانها في فقر مدقع.

6.  نيجيريا: منذ الطفرة النفطية في سبعينيات القرن الماضي، فقدت نيجيريا مئات المليارات من الدولارات بسبب الفساد وسوء الإدارة، على الرغم من كونها إحدى أكبر الدول المنتجة للنفط في إفريقيا.

ماذا عن العراق؟

إذا انتقلنا إلى العراق بعد عام 2003، نجد أن كثيراً من التقارير العراقية والدولية تشير إلى أن الأموال المهدورة أو المفقودة أو المنهوبة تُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات. وتختلف التقديرات بحسب الجهة والمنهجية، إلا أن بعض المسؤولين وهيئات النزاهة تحدثوا عن أرقام تتراوح بين 300 و500 مليار دولار خلال العقدين الماضيين.

وما يميز الحالة العراقية أنها جمعت بين عوامل نادراً ما تجتمع بهذا الحجم في دولة واحدة، من أبرزها: امتلاك موارد نفطية هائلة، وانتشار الفساد في العقود والمشاريع العامة، ووجود آلاف المشاريع المتلكئة أو الوهمية، إضافة إلى تضخم الجهاز الإداري وظهور ظاهرة الرواتب الوهمية في بعض المراحل، وضعف المساءلة واستمرار الإفلات من العقاب في عدد كبير من القضايا.

ولهذا يرى عدد من الباحثين أن العراق يمثل إحدى أكبر حالات الفساد المالي المؤسسي في العصر الحديث، ليس لأنه سجل أكبر رقم مطلق في التاريخ، وإنما لأن حجم الأموال المهدورة وقع في بلد يمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية ما كان يؤهله لتحقيق نهضة اقتصادية وتنموية شاملة، لو أُديرت تلك الموارد بكفاءة ونزاهة.

تمتد مأساة العراق -إضافة إلى الحجم الهائل للأموال التي أُهدرت أو سُرقت- إلى ما هو أشد إيلاماً، وهو الفرص التاريخية التي ضاعت وكان من الممكن أن تُغيّر حياة ملايين العراقيين. فهذه الأموال تعني مشاريع تنموية كان يمكن أن ترتقي بمستوى معيشة المواطن، وتعيد بناء الدولة، وتوفر له الخدمات الأساسية التي ظل يفتقدها طوال أكثر من عقدين.

فكل مليار دولار أُهدر كان قادراً على إنشاء محطات لتوليد الكهرباء ومعالجة أزمة الطاقة، وتوفير مياه شرب آمنة، وبناء المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس والجامعات، وتشييد الطرق والجسور وشبكات النقل، وإنشاء المصانع والمشاريع الإنتاجية التي تنعش الاقتصاد وتقلل الاعتماد على الاستيراد. وكان من شأن ذلك أن يخلق عشرات الآلاف من فرص العمل، ويمنح الشباب والخريجين أملاً بمستقبل كريم داخل وطنهم بدلاً من الوقوف في طوابير البطالة أو البحث عن فرصة للهجرة.

كما انعكست آثار خسارة هذه الأموال على الجانب الاقتصادي وكذلك على النسيج الاجتماعي أيضاً؛ فقد أدى انسداد آفاق المستقبل وتفاقم البطالة والفقر إلى انتشار ظواهر لم تكن مألوفة في المجتمع العراقي، مثل تنامي تعاطي المخدرات والاتجار بها، وارتفاع معدلات الجريمة، وتزايد حالات الطلاق نتيجة الضغوط الاقتصادية، وازدياد حالات الانتحار بين الشباب الذين سحقتهم مشاعر اليأس والخذلان، فضلاً عن موجات الهجرة المتواصلة للكفاءات والشباب الباحثين عن حياة أكثر استقراراً وكرامة خارج وطنهم. فقد كان الفساد سبباً في ضياع فرص التنمية، واستنزاف الطاقات البشرية، وإضعاف ثقة المواطن بوطنه ومستقبله.

يعلمنا التاريخ أن الفساد هو مشروع لهدم الدولة من الداخل؛ فالدول لا تسقط دائماً بفعل الغزو الخارجي، وإنما قد تنهار حين تُستنزف مؤسساتها، وتضعف هيبة القانون، وتتحول السلطة إلى وسيلة للإثراء بدلاً من خدمة المجتمع.

لقد عرف التاريخ إمبراطوريات وممالك وأنظمة دفعت ثمن فسادها، لكن الحالة العراقية تظل من أكثر الحالات المعاصرة إثارة للأسى؛ لأن الفساد اقترن بثروة نفطية استثنائية كان يمكن أن تجعل العراق في مصاف الدول الأكثر تقدماً وازدهاراً، لو أُديرت تلك الثروة بالكفاءة والنزاهة اللتين يستحقهما شعبه.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

والسياسة التي تقتل كل يامال

ليس أجمل ما في نهائي كأس العالم أن إسبانيا رفعت الكأس، ولا أن الأرجنتين خسرتها، بل بما أعادت تذكيرنا به من حقيقةٍ كثيرًا ما تغيب خارج الملاعب؛ وهي أن الحياة، حين تُترك لقوانينها العادلة، لا تعترف بالأسماء مهما كبرت، ولا بالتاريخ مهما عظم، وإنما تعترف بمن يستحق أن يكون الأفضل في تلك اللحظة.

دخل "ليونيل ميسي" المباراة وهو يحمل تاريخًا لا ينازعه فيه أحد، ودخل "لامين يامال" وهو يحمل موهبةً تبحث عن لحظتها. ومع صافرة النهاية، لم تنتصر الأسماء، بل انتصر الأداء. ولم يمنح التاريخ صاحبه دقائق إضافية، ولم تُضف البطولات السابقة هدفًا إلى النتيجة. ففي الرياضة لا يستطيع الماضي أن يلعب بدل الحاضر، ولا تستطيع الأسطورة أن تمنع ميلاد أسطورة جديدة.

وهذا هو سر جمال الرياضة؛ إنها تُكرم التاريخ، لكنها لا تسمح له أن يحتكر المستقبل. غير أن هذه الصورة المشرقة سرعان ما تنقلب حين نغادر الملعب إلى عالم السياسة. فهناك، لا تكفي الموهبة، ولا تكفي الكفاءة، ولا يكفي الإخلاص للوطن كي يجد الإنسان مكانه في المشهد العام. فالمباراة لا تُدار بالقواعد نفسها، بل بقواعد المال السياسي، وشبكات النفوذ، والإعلام الموجَّه، والصفقات، والقدرة على شراء الولاءات وإسكات الأصوات. وهنا يحضرني بيت الجواهري، وكأنه يقرأ واقعنا السياسي قبل عقود طويلة، حين قال:

شابَ الشبابُ الطيبونَ وبُدِّلتْ***فيها شبيبةُ شِيخةٍ أشرارِ

لم يكن الجواهري يرثي أعمار الشباب، وإنما كان يرثي وطنًا جعل شبابه يشيخون وهم ينتظرون فرصةً لا تأتي، بينما منح شبابًا أبديًا لطبقةٍ لا تتجدد إلا بوسائل الالتفاف على إرادة المجتمع. فالشيخوخة في بيت الجواهري ليست عدد السنين، وإنما شيخوخة المشاريع والأفكار، أما الشباب فليس حداثة العمر، بل القدرة على التجدد، والإبداع، وصناعة المستقبل؛ ولذلك فإن الفرق الجوهري بين الملعب والدولة هو أن الملعب يسمح ليامال أن يولد، بينما تعمل السياسة الفاسدة على قتل كل يامال قبل أن يصل إلى الجمهور، فحيتان الفساد لا تكتفي بالبقاء في المشهد، بل تجعل بقاءها مشروعًا دائمًا. فهي تدرك أن ظهور كفاءةٍ جديدة يعني نهاية امتيازاتها، ولذلك تحاصر كل مشروع وطني حقيقي، وتغلق المنافذ أمام العقول الشابة، وتحوّل المال السياسي إلى جدارٍ يعزل أصحاب الخبرة والنزاهة عن المجتمع، فيما تتكفل وسائل الإعلام المأجورة بتلميع الوجوه نفسها، حتى يبدو الوطن وكأنه عاجز عن إنجاب البدائل.

وهكذا تتحول السياسة إلى نقيض الحياة؛ فبدل أن تكون ساحةً لتداول النخب، تصبح ساحةً لاحتكارها. وبدل أن تكون المؤسسات طريقًا لصعود الأكفأ، تصبح أداةً لإعادة إنتاج الطبقة نفسها، مهما تراكمت إخفاقاتها، ومهما أثقلت الوطن بملفات الفساد والفشل. فالأمم لا تموت لأنها تفتقر إلى الشباب، وإنما تموت حين تحاصر شبابها، وتُبقي مستقبلها رهينةً لطبقةٍ لا تعرف إلا البقاء. فالأوطان لا تُبنى بالأسماء الكبيرة وحدها، وإنما بقدرتها على صناعة أسماء جديدة، ومنحها فرصة المنافسة العادلة.

لقد أنصف الملعب "لامين يامال" لأنه لم يسأله عن حجم تاريخه، بل عن حجم عطائه. أما السياسة الفاسدة، فإنها تسأل القادم الجديد أولًا: كم تملك من المال؟ ومن يقف وراءك؟ وأي شبكة مصالح تحميك؟ فإذا لم يجد جوابًا، بقي خارج الملعب، مهما بلغت كفاءته. ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي حملها نهائي كأس العالم: ليست العدالة أن يبقى الكبار في أماكنهم إلى الأبد، وإنما أن يُفسح لهم التاريخ مكانًا في الذاكرة، ويُفسح للأحياء مكانًا في صناعة المستقبل. فالأمم التي تتقدم ليست تلك التي تعبد الماضي، ولا تلك التي تهدمه، وإنما تلك التي تحترمه دون أن تسمح له بأن يصادر حق الأجيال الجديدة في أن تكتب تاريخها هي أيضًا.

***

د. وسام حسين العبيدي

حين يصبح التعاطف دواءً

من الحقائق التي لا يختلف عليها اثنان أن الألم والوجع والمعاناة جزءٌ لا يتجزأ من الحياة. فلا يكاد يخلو إنسانٌ من ابتلاءٍ او مشكلةٍ أو همٍّ يثقل قلبه. وقد تختلف صور المعاناة من بلد إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، ومن أسرة إلى أخرى، ومن شخص إلى آخر، لكنها تظل قاسماً مشتركاً بين البشر جميعاً. فهناك من يرهقه المرض، وآخر يثقله الفقر، وثالث يعاني فقد عزيز، ورابع يواجه ظلماً أو وحدةً أو خيبة أمل. وقد تبدو معاناة بعض الناس أشد من غيرها، إلا أن الحقيقة الثابتة هي أن الحياة لا تخلو من الابتلاء، وأن المشكلات هي جزءٌ من مسيرة الإنسان في هذه الدنيا.

غير أن هذه الحقيقة يقابلها يقينٌ آخر يمنح النفس الطمأنينة، وهو أن الشدائد لا تدوم. فما من ضيق إلا ويعقبه فرج، وما من ليل إلا ويعقبه فجر. وقد لخّص الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، هذه الحقيقة بكلمات قليلة عظيمة المعنى تصف تقلبات الحياة حين قال: "الدَّهْرُ يَوْمَانِ: يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ. فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِر، فكلاهما سينجليْ".  فالأيام دُوَل، والأحوال تتبدل، وما نراه اليوم عسيراً قد يصبح غداً ذكرى بعيدة.

ويبقى السؤال: ما الذي يعين الإنسان على تحمّل أعباء الحياة ومواجهة آلامها حتى تنقشع غيوم المحنة؟ ولعلّ الجواب يكمن في ان يجد الإنسانٍ من يشاركه حملها، ويشعر بوجعه، ويمنحه يقيناً بأنه ليس وحده في مواجهة الألم. فليس المطلوب أن يحمل الآخرون عنّا آلامنا، فلكل إنسان معركته الخاصة التي لا يستطيع أحد أن يخوضها نيابةً عنه. ولكن ما يستطيع الآخرون تقديمه أعظم أثراً مما نظن؛ أن يشعرونا بأننا لسنا وحدنا، وأن هناك من يصغي إلينا، ويفهم ما نعانيه، ويقف إلى جانبنا في أوقات الضيق. وقد تكون كلمةٌ صادقة، أو نظرةٌ حانية، أو حضورٌ صامت، أبلغ أثراً من كثير من الحلول. فالمشاركة الوجدانية لا تُزيل المشكلة، لكنها تُخفف ثقلها، وتجعل حملها أكثر احتمالاً. فالإنسان بطبيعته يضعف عندما يظن أنه يواجه الألم وحيداً، لكنه يستمد قوةً عجيبة حين يشعر أن هناك قلوباً تؤازره، وتشاركه وجعه، وتنتظر معه انقشاع الغمة. وأولُ من يحيط الإنسانَ بهذه المشاعر أفرادُ أسرته؛ الأم التي يقلقها وجع أبنائها قبل وجعها، والأب الذي يخفي آلامه ليمنحهم الطمأنينة، والأخ والأخت اللذان يشتركان في الذكريات والمواقف، والزوج أو الزوجة اللذان يقتسمان مسؤوليات الحياة وأفراحها وأحزانها، ثم الأبناء الذين يملؤون القلب أملاً، إذا كانت العلاقة بينهم قائمة على المحبة والرحمة.

ويأتي بعد ذلك الأصدقاء الحقيقيون، وهم قلة في الغالب، لكن أثرهم عظيم. فالصديق الصادق يُقاس بحضوره وقت الشدة، وبقدرته على أن يمنحك شعوراً بأنك لست وحدك في مواجهة الحياة. وربما وجد الإنسان هذا السند أيضاً في بعض الأقارب الذين تجاوزت روابطهم حدود القرابة إلى صداقة صادقة ومودة خالصة.

غير أن وجود الناس حولنا لا يعني بالضرورة أننا نجد فيهم المواساة. فقد يكون الإنسان محاطًا بأفرادٍ من أسرته أو معارفه، لكنهم لا يدركون حجم معاناته، أو لا يلتفتون إليها، أو يعجزون عن التعبير عن تعاطفهم. وحين يشعر المرء أن آلامه لا تجد من يفهمها أو يقدّرها، يتضاعف إحساسه بالوجع، لأن الوحدة وسط الزحام أشد قسوةً من الوحدة في الخلاء. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يحل مشكلاته، بقدر حاجته إلى من يشعر بمعاناته، ويصغي إليه، ويمنحه إحساسًا بأنه ليس وحيدًا في مواجهة الحياة. ومن هنا، قد تكون قسوة اللامبالاة أشد إيلامًا من قسوة المحنة نفسها، بينما قد تكون لمسة حنان أو كلمة صادقة كافية لتمنح القلب قدرةً جديدة على الصبر والاحتمال.

ولذلك، فإن قيمة الإنسان في حياة من يحبهم تُقاس بقدرته على أن يكون حاضرًا في آلامهم قبل أفراحهم، وأن يشعر بما يعتمل في نفوسهم، ولو عجز عن تغيير الواقع. أما من يقف موقف اللامبالاة، أو يزيد جراح الآخرين قسوةً بكلمةٍ أو تصرف، فقد يكون سبباً في الابتلاء، لا سندًا يعين على تجاوزه، وحينها يصبح الألم مضاعفًا: ألمُ المحنة، وألمُ خذلان القريب.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمن يحب ليس المال ولا النفوذ، وإنما حضوره الإنساني الصادق. فكم من قلب أنهكه الحزن، ثم نهض بكلمة مواساة، أو زيارة قصيرة، أو رسالة اطمئنان، أو دعوة صادقة في ظهر الغيب. وهذه الأعمال، على بساطتها، قد تُحدث في النفس أثراً لا تصنعه أعظم الهبات. لذلك، فلا ينبغي لنا أن نستحي من إظهار تعاطفنا مع من يمرون بالمحن، ولا أن نبخل عليهم بالسؤال والاهتمام، فربما كانت لفتة صغيرة سبباً في بعث الأمل في قلب أوشك على اليأس.

وفي المقابل، إذا نزلت بنا الشدائد، فلنتذكر أنها مرحلة وليست نهاية الطريق، وأن دوام الحال من المحال، وأن رحمة الله أوسع من كل هم، وأن الفرج يأتي في الوقت الذي يقدره سبحانه وتعالى. وما علينا إلا أن نصبر، ونأخذ بالأسباب، ونتمسك بالأمل، ونستعين بمن يحبوننا ويصدقوننا المودة.

لا تخلو الحياة من الألم، لكنها كذلك لا تخلو من الرحمة ولا تنقطع فيها أسباب المواساة. وبين الألم والفرج يقف أناسٌ جعلهم الله رحمةً لعباده، يخففون عنهم ثقل الأيام، ويذكرونهم بأن الإنسان، مهما اشتدت به المحن، يبقى أقوى حين تحيط به قلوبٌ صادقة. ويظل الأمل حيًّا ما دام في الأرض من يواسي، وفي السماء ربٌّ رحيمٌ لا يضيع عنده صبر الصابرين، وهو أرحم الراحمين.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

تُعرَف أخلاق الإنسان، وتُختبَر، حين يُستفز، وحين يواجه كلمةً جارحة أو موقفًا مؤذيًا، لا في ساعات الرضا، ولا في مجالس المجاملة. ففي تلك اللحظة القصيرة التي تفصل بين الإساءة والرد، ينكشف معدن الإنسان، وتظهر ما اختزنته نفسه من تربية، وما اكتسبه من حكمة، وما يملكه من قدرة على ضبط انفعالاته.

والإساءة، مهما اختلفت صورها، وسواء كانت بقصد أم بغير قصد، هي اختبار لأخلاق الفرد قبل أن تكون اعتداءً على كرامته. لذلك ينبغي ألا نسمح لمن أساء إلينا بأن يتحكم في مشاعرنا، أو يدفعنا إلى التخلي عن مبادئنا. وقد جاءت الشرائع السماوية لتضع ميزانًا دقيقًا يجمع بين حفظ الكرامة وضبط النفس؛ فأُبيح للمظلوم أن يرد بمثل ما اعتُدي عليه، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾. وهو حق يكفل للإنسان ألا يكون مستباحًا، لكنه في الوقت نفسه يقيّده بالعدل، حتى لا تتحول الرغبة في الإنصاف إلى ظلم جديد.

غير أن بعض الناس يتخذون من الإساءة ذريعة للانتقام، فيردون الصاع صاعين، وربما أكثر. هنا لا يتكلم العقل، بل يتكلم الكبرياء الجريح، فيتوهم صاحبه أن قسوة الرد دليل قوة، مع أن التجارب أثبتت أن كثيرًا من الخصومات الكبيرة بدأت بكلمة تجاوزت حدود العدل.

وفي المقابل، يبلغ الإنسان مرتبة أسمى حين يدرك أن بعض المعارك لا تستحق أن يخوضها. وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. فليس كل استفزاز يستحق جوابًا، وليس كل معركة تستحق أن تُخاض. وليس في ذلك استسلام ولا ضعف، وإنما هو إعلان عن سمو النفس، واختيار واعٍ بعدم السماح للجهل أن يجر الإنسان إلى مستواه. وأفضل رد على بعض المسيئين ألا تمنحهم المكانة التي يبحثون عنها في ذهنك؛ فبعض الناس لا يريدون الانتصار في النقاش بقدر ما يريدون استنزافك نفسيًا وإشغالك بهم.

ومن المواقف التي يمر بها كثير من الناس أنهم يُصابون بالذهول عندما يفاجَؤون بالإساءة، فتنعقد ألسنتهم ويعجزون عن الرد في اللحظة نفسها. ويغادرهم الجواب حين يكونون في أمسّ الحاجة إليه، ثم تتدفق الكلمات بعد انقضاء الموقف، فيلومون أنفسهم لأنهم لم يقولوا ما كان ينبغي أن يُقال.

ويفسر علم النفس هذه الحالة بأن الدماغ، عندما يتعرض لموقف صادم أو مهين بصورة مفاجئة، يدخل في لحظة قصيرة من التوقف المؤقت تعطل سرعة الاستجابة. وهنا يكون الصمت استجابة طبيعية للمفاجأة، لا علامة على الضعف. ويزداد ذلك عند أصحاب النفوس المهذبة الذين لم يعتادوا لغة التجريح، فيجدون أنفسهم عاجزين عن مجاراة المسيء؛ لأن أخلاقهم تأبى أن تنحدر إلى المستوى الذي اختاره لنفسه.

ويكون الصمت أحيانًا خيارًا واعيًا تمليه الحكمة وحسن تقدير العواقب؛ فقد يجد الإنسان نفسه أمام شخص يستقوي بمنصبه الوظيفي، أو بنفوذه السياسي، أو بحماية عشائرية، أو اجتماعية، فيدرك أن أي رد، مهما كان متزنًا، قد يجر عليه أضرارًا لا تتناسب مع حجم الإساءة. وفي مثل هذه المواقف يصبح الصمت قرارًا عقلانيًا، لا استسلامًا، وتأجيلًا للمواجهة إلى وقت تكون فيه العدالة، أو القانون، أو الظروف، أكثر إنصافًا.

فالحكمة لا تكمن في الصمت الدائم، كما لا تكمن في الرد المتسرع، وإنما في معرفة التوقيت المناسب لكل منهما. ومن الحكمة تحكيم العقل في اختيار المعركة التي تستحق أن تُخاض؛ فكسب معركة صغيرة قد يقود إلى خسارة أكبر. فالشجاعة الحقيقية لا تتمثل في الرد على كل إساءة، وإنما في القدرة على التمييز بين موقف تستوجب فيه الكرامة المواجهة، وآخر يكون تجاوزه أكثر حكمة وأقل كلفة.

ولعل اختيار الإنسان أسلوب الرد تعود جذوره إلى سنوات الطفولة؛ فالبيت هو المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل كيف يواجه الخلاف والخصومة. فمن نشأ في بيئة يُعاقَب فيها الطفل على مجرد الاعتراض أو الدفاع عن نفسه، يكبر وهو يربط بين المواجهة والخطر، فيميل إلى الصمت والانسحاب كلما وقع في نزاع. أما من تربى على الحوار واحترام الرأي، فإنه يتعلم كيف يرفض الخطأ ويدافع عن حقه من دون أن يتحول هو نفسه إلى مخطئ.

وأستطيع أن ألمس هذا الأثر في تجربتي الشخصية. فقد نشأت في بيت كان الخوف من العقاب، ومن كلام الناس، حاضرًا بقوة، وكان تجنب المشكلات فضيلة لا يُعلى عليها، سواء كنت مخطئًا أم مظلومًا. وبعد سنوات أدركت أن تربية الأبناء على حسن الخلق يجب أن يصاحبها تعليمهم كيف يدافعون عن حقوقهم بأدب، وكيف يضعون للآخرين حدودًا واضحة من غير إساءة أو عدوان. وربما أصبح من الضروري في زماننا أن يتعلم الأبناء فنون الدفاع عن النفس التي تمنحهم الثقة والانضباط، ليكونوا قادرين على حماية أنفسهم عند الحاجة.

وفي واقعنا اليوم، نرى نماذج تتوهم أن الوقاحة شجاعة، وأن رفع الصوت قوة، وأن التجاوز على الآخرين دليل جرأة. والأسوأ من ذلك أنهم يطلقون على هذا السلوك اسم “الصراحة”. وما أبعد الصراحة عن الوقاحة؛ فالصراحة احترام للحقيقة، أما الوقاحة فهي ازدراء للناس وإهانة لمشاعرهم. ومن قيمنا الاجتماعية التي نشأنا عليها احترام الكبير، وتقدير أصحاب المقامات الرفيعة، وأهل العلم والخبرة، وهي قيم لا يستقيم المجتمع السليم إلا بها. ومن يظن أن الانتقاص من الآخرين أو كسر هيبتهم يرفع من شأنه، فإنما يخفي شعورًا بالنقص خلف ضجيج الكلمات.

ويعيش الإنسان صراعًا داخليًا مؤلمًا حين يجد نفسه عاجزًا عن الرد، وربما يحرمه ذلك من النوم وهو يستعيد الموقف مرة بعد أخرى، ويتخيل ما كان يمكن أن يقوله، ويلوم نفسه لأنه لم يقله. وفي مثل هذه الحالات تصبح الكتابة متنفسًا يفرغ فيه الإنسان غضبه، فيحول انفعاله إلى فكرة، وألمه إلى تجربة، وربما إلى مقال يجد فيه الآخرون شيئًا من أنفسهم. ورغم الألم، فإن تأجيل أي رد حتى يهدأ الغضب، بل وحتى الركون إلى النوم، هو الخيار الأسلم؛ فما أكثر الكلمات التي ندمنا عليها لأنها خرجت في لحظة انفعال، وما أكثر الكلمات التي حمدنا الله أننا لم نقلها.

ولعل أعظم انتصار يحققه الإنسان هو انتصاره على نفسه قبل انتصاره على خصمه. فالكرامة تُصان بما يحمله الإنسان من قيم ومبادئ، وبألا يسمح لإساءة عابرة أن تنتزع منه أدبه، أو تدفعه إلى أن يصبح صورة أخرى لمن أساء إليه. فالصمت أمام السفهاء وقار، والرد الحكيم عند الحاجة شجاعة. وليس كل صمت فضيلة، ولا كل رد انتصارًا؛ فالانتصار الحقيقي أن تخرج من الموقف محتفظًا بكرامتك، محافظًا على أخلاقك، مطمئن الضمير، لأنك انتصرت للإنسان الذي تريد أن تكونه. أما انتصار الغضب، فلا يلبث أن يزول. وخير ما اختتم به مقالتي المتواضعة، بيتين للإمام الشافعي:

إِذا نَطَقَ السَفيهُ فَلا تَجِبهُ   

فَخَيرٌ مِن إِجابَتِهِ السُكوتُ

*

فَإِن كَلَّمتَهُ فَرَّجتَ عَنهُ         

وَإِن خَلَّيتَهُ كَمَداً يَموتُ

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

"أداة لتحقيق العدالة والتوازن بين السلطة والحقوق"

أولاً- مفهوم مبدأ التناسب: يُعد مبدأ التناسب من المبادئ القانونية والفلسفية الأساسية التي تقتضي الموازنة بين الوسائل المستخدمة والغايات المراد تحقيقها، بحيث لا تكون القيود أو الأضرار الناتجة عن الإجراء القانوني مفرطة مقارنة بالمصلحة أو الفائدة المتحققة منه.

ويهدف هذا المبدأ إلى تحقيق العدالة ومنع التعسف في استعمال السلطة، بما يضمن التوازن بين الحقوق والمصالح المتعارضة.

وقد تبلور هذا المبدأ بصورته الحديثة في القضاء الإداري الألماني أواخر القرن التاسع عشر، ولا سيما في أحكام المحكمة الإدارية البروسية العليا، ثم انتقل إلى القضاء الدستوري الألماني ليصبح أحد المبادئ الأساسية في الرقابة على دستورية القوانين، قبل أن ينتشر لاحقاً في مختلف فروع القانون الوطني والدولي.

ثانياً- عناصر مبدأ التناسب:

يقوم مبدأ التناسب على ثلاثة عناصر رئيسة:

1- الملاءمة: أن تكون الوسيلة المختارة صالحة ومناسبة لتحقيق الهدف المشروع.

2- الضرورة: اختيار الوسيلة الأقل تقييداً للحقوق والأقل إضراراً بالمصالح من بين جميع الوسائل المتاحة التي تحقق الهدف ذاته.

2- التناسب بالمعنى الضيق: إجراء موازنة دقيقة بين المنافع المتحققة والأضرار الناجمة عن الإجراء، بحيث لا يُضحّى بمصلحة جوهرية من أجل تحقيق مصلحة أقل أهمية.

ثالثاً- مبدأ التناسب في القانون الدستوري وحقوق الإنسان:

أصبح مبدأ التناسب أحد أهم أدوات الرقابة الدستورية على القوانين والقرارات الإداريةالتي تمس الحقوق والحريات العامة.

ويُعرف في الفقه الدستوري بـ "اختبار التناسب" الذي يتضمن عادة أربعة شروط:

1- وجود هدف مشروع.

2- أن تكون الوسيلة ملائمة لتحقيقه.

3- أن تكون الوسيلة ضرورية ولا يوجد بديل أقل تقييداً للحقوق.

4- تحقيق توازن معقول بين المصلحة العامة والحقوق الفردية.

وتستند المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ومحاكم الاتحاد الأوروبي إلى هذا الاختبار عند تقييم مشروعية القيود المفروضة على الحقوق والحريات الأساسية.

تطبيق قضائي: (الموازنة بين الحياة الخاصة وحرية التعبير)

الحكم: محكمة النقض الفرنسية، الدائرة المدنية الأولى، 8 ديسمبر 2021 (رقم 20-13.560).

الوقائع: نشرت صحيفة "لوموند" مقالاً تضمن فحوى محادثات هاتفية بين وزير سابق وابنته، تم تسجيلها أثناء إجراءات قضائية كانت جارية ضده. بناءً على ذلك، رُفعت دعوى قضائية للمطالبة بتعويض عن الأضرار الناتجة عن انتهاك الحق في احترام الحياة الخاصة.

المبدأ القضائي: أكدت محكمة النقض على قاعدة جوهرية وهي:

أن الحق في احترام الحياة الخاصة والحق في حرية التعبير يتمتعان بقيمة قانونية متساوية، ولا يطغى أحدهما على الآخر بصفة مطلقة مسبقاً.

وبناءً على هذا التساوي، يقع على عاتق "قاضي الموضوع" إيجاد التوازن بينهما عبرمسارين:

التوفيق: محاولة الموازنة بين المصلحتين المتعارضتين.

المفاضلة: لتحديد الحق الأَوْلى بالرعاية، أي إعطاء الأولوية للحق الذي يحمي المصلحة الأكثر مشروعية في ضوء ظروف الدعوى وملابساتها.

وطبقت المحكمة اختبار التناسب من خلال الموازنة بين الحقين المتعارضين، مستندةً إلى معايير متعددة، منها:

مدى مساهمة النشر في نقاش يهم الرأي العام، وصفة الشخص المعني، وطبيعة المعلومات المنشورة، وسياق النشر وآثاره.

وانتهت المحكمة إلى أن نشر تلك المعلومات كان متناسباً مع الهدف المشروع المتمثل في إطلاع الجمهور على مسألة ذات أهمية عامة، وأن التقييد الواقع على الحق في الحياة الخاصة لم يكن مفرطاً مقارنة بالمصلحة العامة المتحققة.

رابعاً- مبدأ التناسب في القانون الجنائي

يقوم مبدأ العدالة الجنائية على ضرورة تناسب العقوبة مع جسامة الجريمة المرتكبة،فلا تكون العقوبة أشد من مقتضيات الردع والعدالة، ولا أخفَّ بما يخلّ بحمايةالمجتمع، ويتجسد ذلك بما يأتي.

1- كتاب "في الجرائم والعقوبات":

شكّل مؤلَّف الفقيه الإيطالي سيزار بيكاريا نقطة تحول مهمة في الفكر الجنائي الحديث،إذ دعا إلى ربط العقوبة بمدى خطورة الفعل الإجرامي، ورفض العقوبات المفرطة والقاسية التي كانت سائدة في الأنظمة القديمة.

2- التناسب في الدفاع الشرعي: يظهر المبدأ بصورة واضحة في حالات الدفاع الشرعي؛ إذ يُشترط أن تكون القوة المستخدمة متناسبة مع الخطر المهدِّد، فلا يجوز -كأصلعام- استخدام قوة مميتة لمواجهة اعتداء غير مميت، إلا إذا كان ذلك هو الوسيلةالوحيدة اللازمة لدفع خطر حالٍّ يهدد النفس أو الغير.

خامساً- مبدأ التناسب في القانون المدني:

يُعد مبدأ التناسب من المبادئ التوجيهية التي تحكم العلاقات المدنية، ويظهر ذلك فيتطبيقات قانونية متعددة:

1- الدفاع الشرعي عن النفس أوالمال.

2- المسؤولية التقصيرية والتعويض: يجب أن يكون التعويض متناسباً مع حجم الضررالفعلي الذي لحق بالمضرور، بما يجبر الضرر تماماً دون أن يؤدي إلى إثراء غير مشروعأ وانتقاص من حقوق المتضرر.

3- العقود وحسن النية: يفرض مبدأ حسن النية أن تكون الالتزامات التعاقديةوالشروط الجزائية متناسبة مع طبيعة الالتزام ومحل العقد، وألا تنطوي على تعسف أو استغلال للطرف الضعيف.

4- إجراءات التنفيذ والتقاضي: يجب أن تكون الإجراءات التحفظية والتنفيذية متناسبةمع قيمة الحق المطلوب حمايته، وألا يترتب عليها ضرر للمدين يفوق المنفعة المرجوة للدائن.

سادساً- مبدأ التناسب في القانون الإداري:

يُعد مبدأ التناسب من أهم الضمانات القانونية المقررة للموظف العام، إذ يحمي الوظيفة العامة من الإفراط في التشدد أو التساهل عند توقيع الجزاءات التأديبية.

وتخضع العقوبة التأديبية لرقابة القضاء الإداري من خلال "نظرية الخطأ الظاهر (أو الجسيم) في التقدير"، والتي تسمح للقاضي بالتدخل عندما يكون تقدير الإدارة للمخالفة أو العقوبة مشوباً بعدم تناسب واضح.

معايير التناسب في العقوبة التأديبية

1- المعايير الموضوعية: وتشمل طبيعة المخالفة، درجة جسامتها، حجم الضرر الناتجعنها، وأثرها في سير المرفق العام.

2- المعايير الشخصية: وتشمل السيرة الوظيفية للموظف، تاريخه التأديبي، ظروفه الشخصية، والملابسات المحيطة بارتكاب المخالفة.

سابعاً- مبدأ التناسب في القانون الدولي الإنسان

***

فارس حامد عبد الكريم

 

في خضم الحياة تتولد طاقات فكرية لا تهدأ، تعود دائمًا إلى السؤال الذي يسبق الاعتقاد، وإلى الحيرة التي تسبق اليقين المكتسب منذ الولادة. هناك، في اللحظة التي يلتفت فيها الإنسان إلى ذاته للمرة الأولى، يبدأ البحث الحقيقي؛ لا بحثًا عن إجابات جاهزة، بل عن السؤال الذي ظلّ مختبئًا تحت طبقات الزمن، ينتظر من يوقظه. ربما لم يكن الإنسان بحاجة إلى مزيد من الحقائق، بقدر حاجته إلى أن يعرف كيف وُلدت حقائقه الأولى.

هل سمعت بمصطلح الغفصَة؟

إنها ليست ازدحام الطرق ولا صخب المدن، بل ازدحام الأفكار الذي يجعل صوت الخارج أعلى من صوت الداخل. هي ذلك الضجيج الذي لا يمنعك من التفكير، بل يوهمك أنك تفكر، بينما أنت تعيد ترتيب أفكارٍ وصلت إليك قبل أن تمنحها حق السؤال. إنها اللحظة التي يصبح فيها الانشغال بديلًا عن التأمل، والاعتياد بديلًا عن الفهم.

وسط هذه الغفصَة، يحاول الإنسان أن يمسك بالخيط الأول الذي تشكلت منه قناعته، لكنه يكتشف أنّ الخيط لم يكن منفردًا؛ فقد امتزج بالتجربة، واللغة، والذاكرة، والخوف، والرغبة في الانتماء. وعندما يحاول فصله عن بقية الخيوط، يدرك أنّ كثيرًا مما ظنه صوته الخاص لم يكن سوى صدى طويل لأصوات سبقت حضوره إلى هذا العالم.

بعض الناس يعبرون الحياة مطمئنين إلى ما وجدوه جاهزًا، فيرون في اليقين راحة، وفي السؤال عبئًا لا ضرورة له. وآخرون يقفون على حافة المعنى، يراقبون ويترددون، ثم يقررون أن يعبروا نحو الضفة الأخرى، لا لأنهم يرفضون ما ورثوه، بل لأنهم يريدون أن يفهموه. فالعقل الذي وهبنا الله إيّاه لم يُخلق ليكون مخزنًا للقناعات، وإنما نافذة نطلّ منها على العالم، فنرى، ونسأل، ونراجع، ونكتشف.

منذ أن خط الإنسان أول علامة على حجر، ثم ملأ بطون الكتب بحكاياته وتأملاته، وهو يترك أثرًا لمن يأتي بعده، كأنه يقول: "هنا مررت." غير أنّ التاريخ لا يسلمنا الحقيقة كاملة، بل يسلمنا محاولات الإنسان لفهمها. ليست الغفصة في تراكم المعرفة، بل في الاعتقاد أنّ ما وصل إلينا هو النهاية، وأنّ الأسئلة قد أغلقت أبوابها إلى الأبد.

الفلسفة لا تبحث عن حقيقة تُغلق الأبواب، بل عن سؤال يظل قادرًا على فتحها، لا عن يقين تهدمه، بقدر ما يشغلها أن تفهم الطريق الذي قاد إليه. تسأل عن البدايات أكثر مما تنشغل بالنهايات، كيف وُلدت الفكرة؟ ولماذا استقرت؟ وهل كان يمكن أن تسلك طريقًا آخر؟ لذلك تبقى كلّ إجابة بدايةً لسؤال جديد، لأنّ الحقيقة ليست محطة يصل إليها العقل، بل أفقٌ يتسع كلما اقترب منه.

 لعلّ أخطر ما في الغفصة أنها لا تسلب الإنسان حريته دفعة واحدة، بل تستعير صوته بهدوء، حتى يظن أنّ ما يقوله خرج من أعماقه، بينما هو يعيد تدوير كلماتٍ استقرت فيه منذ زمن بعيد. عندها يصبح التمييز بين ما اختاره بإرادته، وما تشكل فيه عبر الأيام، هي مهمة تحتاج إلى شجاعة أكثر مما تحتاج إلى معرفة.

في حياة الإنسان تتراكم التجارب، والموروثات، واللغة، والصور، والذكريات، حتى تصبح جزءًا من طريقته في النظر إلى العالم. ومع مرور الزمن، قد يخيّل إليه أنّ اختياراته ولدت من إرادته الخالصة، بينما شاركت في صياغتها عوامل رافقته منذ البدايات. وهنا لا يكون المطلوب أن يرفض الإنسان كل ما ورثه، بل أن يمنح موروثه فرصةً للمرور عبر وعيه، لموروث لا يفقد قيمته حين يمر عبر التأمل، بل يكتسب عمقًا جديدًا، فالفكرة التي يفهمها الإنسان تبقى في وعيه بصورة تختلف عن الفكرة التي يرددها بحكم الاعتياد.

الكلمة الصادقة قادرة على أن تشق طريقها وسط كل هذا الزحام؛ لأنها لا تبحث عن التصفيق، ولا تسعى إلى الانتصار في جدل عابر، بل تنشد المعنى. فالسؤال الذي توقظه النفس قد يكون أصدق من جوابٍ يُظنّ أنه الكلمة الأخيرة. 

الحقيقة لا تطلب منّا أن نمتلكها، بل أن نبقى جديرين بالسير إليها. ما بقي السؤال حيًا، لن تكون الغفصة قادرة على أن تهزم الوعي، لأنّ الإنسان لا يكبر بما يحفظه من أجوبة، بل بما يمتلكه من شجاعة ليعيد النظر فيما يظنه يقينًا.

أيها الورد... جئت إليكم بهدوء، لا لأقدم حقيقة نهائية، بل لأشارككم دهشة الرحلة. فإنّ لامست كلماتي شيئًا في أعماقكم، فلأننا جميعًا نعبر الطريق ذاته، ونحمل في داخلنا السؤال نفسه، وإن اختلفت الإجابات، فما زالت الحياة تستحق أن تُعاش، أحبّكم جميعًا.

***

فؤاد الجشي

هل يكفي "تنظيف الدرج من الأعلى"؟.

لطالما ترددت في أدبيات الإصلاح الإداري والسياسي مقولة شهيرة تُشَبّه مكافحة الفساد بـ "تنظيف الدرج"، مؤكدة أن عملية التطهير يجب أن تبدأ حتماً من الأعلى إلى الأسفل؛ فإذا صلح الرأس صلح الجسد، على حد هذا الرأي.

ورغم الجاذبية النظرية البسيطة لهذا الطرح، إلا أن الاصطدام بالواقع العملي، لا سيما في البيئات السياسية المعقدة التي يتغلغل فيها نفوذ النخب، يكشف عن ثغرة بنيوية تجعل من هذا المسار الأحادي عملاً قاصراً، بل ومحكوماً بالفشل.

إن القراءة الواقعية لظاهرة الفساد تؤكد أن النجاح الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين الأعلى أو الأسفل، بل في تبني إستراتيجية "المسار المزدوج" التي تعمل على تطهير الطرفين معاً وفي آن واحد.

ثغرة الرأس: لماذا يتعطل البدء من الأعلى بمفرده؟

عندما يمتلك الساسة والمسؤولون الكبار نفوذاً واسعاً وشبكات مصالح متقاطعة، فإنهم ينجحون في بناء "حصانة واقعية" تحميهم من الملاحقة القانونية، عبر شبكة من الوسطاء يتم التضحية بهم بمجرد تكشف أولى خيوط الفساد.

في ظل هذه الظروف، يواجه مبدأ "التنظيف من الأعلى" معضلتين بنيويتين:

1- حلقة القرار المفرغة: بما أن قرار مكافحة الفساد وإطلاق حملات التطهير يصدر عادة من السلطة العليا، فإن انتظار البدء من الأعلى يعني رهن الإصلاح برغبة وإرادة الجهات التي تحتاج هي نفسها إلى التطهير والمحاسبة.

2- الاستغلال السياسي للمكافحة: يتحول شعار مكافحة الفساد في البيئات عالية النفوذ إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية؛ حيث تُستهدف الرؤوس الضعيفة أو الخارجة عن التحالفات الحاكمة، بينما تظل الرؤوس الأكثر نفوذاً محمية ومحصنة تحت مظلة التوازنات السياسية.

التلازم الحتمي: لماذا يتلكأ الأسفل بفشل الأعلى؟

إن الترابط بين مستويات الفساد ليس ترابطاً إدارياً بحتاً، بل هو ترابط نفسي وثقافي وثيق.

وإذا فشلت الدولة في تنظيف الهرم من قمته، فإن أي محاولة لإصلاح القاعدة وتطهير الأسفل ستصاب حتماً بالتلكؤ والجمود لسببين رئيسيين:

أولاً- غياب القدوة والعدوى الأخلاقية: حين يرى صغار الموظفين وعامة المواطنين أن كبار المسؤولين ينهبون الموارد العامة دون حساب، يترسخ لديهم شعور حاد بالظلم والإحباط. عندئذ يتحول التزام الموظف الصغير بالقانون في نظر محيطه إلى نوع من "السذاجة"، وتتحول الرشوة الصغيرة إلى "آلية تعايش" مبررة أخلاقياً لمواجهة صعوبات الحياة، تحت وطأة شعور عام بأن "الكبار يسرقون الملايين، فلماذا نُحاسب نحن على الفتات؟".

ثانياً- الحماية العكسية وتكامل البيئة الفاسدة: لا يمكن لفساد الأعلى أن ينمو وينجو دون بيئة إدارية "مرنة" وفاسدة في الأسفل لتمرير المعاملات، وتوقيع العقود المشبوهة، وتغطية الثغرات. لذلك، يعمل المتنفذون في القمة على حماية شبكات الفساد الصغير في القاعدة وتغذيتها، لتكون بمثابة درع واقٍ وغطاء إجرائي لفسادهم الأكبر.

الحل في "المسار المزدوج": ملاقط الضغط المشترك:

لتجاوز هذه الحلقة المفرغة، ومن منظور هذه الرؤية الإستراتيجية، فإن مكافحة الفساد لا يمكن أن تنجح إلا بضربة متزامنة عبر اتجاهين يلتقيان في المنتصف:

1. مسار الضغط الصاعد (من الأسفل): التحصين البنيوي والمجتمعي وذلك من خلال تبسيط الإجراءات ورقمنة المعاملات لتقليل الاحتكاك البشري، وتأمين قنوات آمنة ومحمية للإبلاغ عن الفساد، مع تفعيل قوانين حماية المخبرين وتقديم مكافآت مالية مجزية لهم.

2. مسار الضغط الهابط (من الأعلى): الردع القضائي الحاسم عبر تمكين قضاء مستقل تماماً، لا يخضع للتوازنات أو التسويات السياسية، ويملك الجرأة والغطاء الدستوري لملاحقة الرؤوس الكبيرة وهذا ما تبنته اغلب دساتير العالم ، وهذا يعني إرسال رسالة ردع واضحة مفادها: "لا أحد فوق القانون"، وهذا ما نصت عليه اغلب دساتير العالم، ومنها الدستور العراقي.

في نهاية المطاف، إن مكافحة الفساد ليست خياراً بين قمة الهرم أو قاعدته؛ فالتركيز على الأعلى منفصلاً يصطدم بجدار النفوذ السياسي المنيع، والتركيز على الأسفل منفرداً يواجه جدار الإحباط وغياب القدوة.

موجز القول: إن الفساد منظومة متكاملة تحمي أطرافها بعضاً، ولا يمكن تفكيكها إلا بـفكي ملاقط يطبقان عليها معاً: قضاء مستقل يضرب في الأعلى، ومجتمع محصّن تقنياً وقانونياً يكشف ويحارب في الأسفل.

***

فارس حامد عبد الكريم

بغداد -2026

روعة القص وثراء الدروس المستنبطة

يحتل القصص القرآني مكانة مدهشة في البناء المعرفي والتربوي للإنسان، إذ لم يرد القصص في القرآن الكريم على سبيل التسلية أو السرد التاريخي المجرد، فحسب، وإنما جاء حاملاً رسائل الهداية، ومشاعل الإيمان، والدروس التي تهذب السلوك، وتبني الإنسان، وتوجه المجتمع نحو قيم الحق، والخير، والعدل.

وقد امتاز القصص القرآني بخصائص فريدة، جعلته يتجاوز حدود الزمان والمكان، فهو يجمع بين جمال البيان، وصدق الحدث، وسمو الغاية، وروعة التصوير الفني، حتى أصبح نموذجاً رفيعاً في فن القص والسرد، يستلهم منه الأدباء، والباحثون في ابداعتهم، أساليب التعبير البليغ، والتأثير العميق، والإقناع التام.

وتتجلى روعة القص القرآني في التنوع الكبير لموضوعات التناول، والشخصيات والأحداث، فمن قصص الأنبياء عليهم السلام نستخلص معاني الصبر والثبات، والدعوة بالحكمة، كما في قصة نوح عليه السلام مع قومه، وقصة إبراهيم عليه السلام في مواجهة الشرك، وقصة موسى عليه السلام في مقاومة الطغيان، وقصة يوسف عليه السلام التي تجسد أسمى معاني العفة، والصبر والتسامح، وحسن التدبير.

ومن الخصائص البلاغية المبهرة في القصص القرآني، تكرار بعض القصص في أكثر من موضع، غير أن هذا التكرار لا يأتي على صورة واحدة مملة، وانما يحمل في كل موضع بعداً جديداً، أو زاوية مختلفة، تخدم السياق والمعنى، الأمر الذي يكشف عن إعجاز بياني فريد لاسلوب القص القرآني، يجمع بين التنوع والوحدة في آن واحد.﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (سورة يوسف: 111)

ولا ريب إن قصص القرآن الكريم ليست حكايات من الماضي، بل هي منهج حياة متجدد، يخاطب الإنسان في كل عصر، ويمنحه البصيرة في مواجهة التحديات، ويزرع فيه الأمل، والثقة واليقين، بأن العاقبة للحق وأهله، وأن الصبر مقرون بالفرج، وأن الظلم مهما طال أمده، إلى زوال.

وفي زمن تتسارع فيه وسائل التأثير، وتتنافس فيه الروايات والأفكار على تشكيل الوعي، يبقى القصص القرآني، منبعاً أصيلاً للتربية والإلهام، ومصدراً ثرياً للقيم الإنسانية والروحية، ودعوة دائمة للتأمل في سنن الله في الكون، والحياة، والإنسان.﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (سورة القصص: 5)

وهكذا يلاحظ أن القرآن الكريم أراد من قصصه، أن تكون جسوراً تربط الماضي بالحاضر، والعبرة بالواقع، والإيمان بالعمل، لتظل هذه القصص نبراساً يضيء دروب البشرية، ومورداً لا ينضب من الحكمة، والرشاد، والهداية، والدروس المستنبطة، على قاعدة (﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة يوسف: 111

***

نايف عبوش

منذ أن تقاعدتُ عن العمل قبل أعوام قليلة، آثرتُ حياةً أكثر هدوءاً، ففضّلت البقاء في المنزل إلا للضرورة، ووجدتُ في القراءة والكتابة خيرَ رفيقين أقضي بهما وقتي كلما أسعفني بصري، إلى جانب بعض الأعمال البسيطة في الحديقة.

وكان من أهم ما سعيت إليه أن أبتعد عن كل ما يجرّ إلى الجدل العقيم والمهاترات التي لا طائل منها، ولا سيما بعد أن أصبحت أجد كثيراً من المجالس لا تدور إلا حول السياسة أو الدين؛ وهما موضوعان يتحدث فيهما الجميع بثقة لافتة، يفسرون الأحداث ويؤوّلونها، ويبدون آراءهم وكأنهم يمتلكون الحقيقة الكاملة. بل إن بعضهم لا يتردد في الخوض في أي مجال آخر، مدعياً الإحاطة بكل جوانبه.

وكنت، كلما استمعت إلى تلك الثقة المطلقة، أتساءل عن قصور معرفتي وهل أنا المقصّر في ذلك؟ وهل مضى هذا العمر الطويل دون أن أكتسب من المعرفة مثلما اكتسبه غيري؟ أم أنني ببساطة أكثر إدراكاً لحدود ما أعرف؟ وللإجابة عن هذه التساؤلات، شرعت أبحث في ظاهرة تُعرف في الفلسفة وعلم النفس باسم “وهم المعرفة”، محاولاً أن أفهم لماذا نشك أحياناً في قدراتنا المعرفية، "رغم وعينا بمحدوديتها"، بينما يُظهر آخرون ثقةً لا تتناسب مع ما نعرفه عنهم من علم أو اطلاع. فتتبعت آراء الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع، قديماً وحديثاً، فوجدت فيها ما يستحق أن أشاركه معكم؛ لعلنا نتأمل معاً هذه الظاهرة التي باتت أكثر حضوراً في حياتنا، في زمنٍ كثر فيه مدّعو المعرفة، وقلّ فيه الاعتراف بحدودها.

وكان اول من استوقفتني آراؤه هو المفكر وعالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي، لأنه كان الأعرف بطبيعة المجتمع العراقي وتناقضاته، ولعل أفكاره تختصر عليَّ الطريق إلى فهم هذه الظاهرة، وتمنحني تقييماً أكثر إنصافاً لنفسي، بعيداً عن الشعور بالقصور.

لم يستخدم الدكتور علي الوردي مصطلح “وهم المعرفة” بصيغته الحديثة، إلا أن كثيراً من أفكاره تتوافق معه بوضوح. فقد رأى أن من أخطر أمراض الفكر أن يعتقد الإنسان أنه يمتلك الحقيقة كاملة، وأن يزداد يقينه بنفسه كلما ضاقت معارفه. وكان يؤكد أن محدودية المعرفة كثيراً ما تقترن بالثقة المفرطة، في حين أن اتساع المعرفة يولّد التواضع والشك المنهجي. كما انتقد الوردي هيمنة التفكير القائم على الحق المطلق والباطل المطلق، وعدّه سبباً في التعصب الفكري ورفض الآراء المخالفة. فالإنسان الذي يتوهم امتلاك الحقيقة لا يسعى إلى الحوار أو البحث، بل إلى الانتصار لرأيه وإدانة الآخرين. وفي كتاباته، ولا سيما في نقده للوعظ التقليدي، بيّن أن أخطر صور الجهل أن يجهل الإنسان حدود معرفته، فيظن نفسه مفسراً للناس وللمجتمع، وهو في الحقيقة بعيد عن فهم الواقع وتعقيداته. لقد صاغ الوردي معادلة بليغة تختصر هذه الآفة النفسية والاجتماعية في قوله: "كلّما ازداد الإنسان غباءً، ازداد يقيناً بأنه أفضل من غيره في كل شيء".

ومن هنا دعا الوردي إلى التواضع المعرفي، وإلى الاعتراف بنسبية الفهم، وإخضاع الأفكار للمراجعة والنقد المستمر، لأن بداية الحكمة، في نظره، هي إدراك الإنسان أن معرفته، مهما اتسعت، ستظل ناقصة وقابلة للتصويب.

ولم يكن هذا المعنى غائباً عن تراثنا العربي والإسلامي، فقد لخّص الحكماء هذه الحقيقة بقولهم:

الناس أربعة: رجلٌ يدري ويدري أنه يدري، فذلك عالم فاتبعوه. ورجلٌ يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك غافل فنبهوه. ورجلٌ لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذلك مسترشد فأرشدوه. ورجلٌ لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذلك أحمق فاحذروه.

كما عبّر الإمام الشافعي عن هذه الحقيقة بأبلغ عبارة حين قال: “كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي، وإذا ما ازددت علماً زادني علماً بجهلي.” وهذه الكلمات تختصر حقيقة عميقة، وهي أن الجهل بطبيعته مخدّر؛ يمنح صاحبه شعوراً زائفاً باليقين والثقة، لأنه لا يرى التعقيدات التي تكشفها المعرفة. أما العلم الحقيقي، فيولد التواضع، ويجعل صاحبه أكثر وعياً بما يجهل.

وأذكر في هذا المقام موقفاً لا يزال عالقاً في ذاكرتي منذ أيام الدراسة للدكتوراه. فقد أوصاني أستاذي المشرف، رحمه الله، قبل دخولي الامتحان الشفهي قائلاً: “إذا سُئلت عن أمر لا تعرفه، فلا تتردد في أن تقول: لا أعرف. فهذا الجواب خيرٌ من أن تجيب بما لا تعلم فتقع في الخطأ.” ولم أدرك آنذاك عمق هذه النصيحة كما أدركه اليوم؛ فقد كانت درساً مبكراً في التواضع المعرفي، وتعليماً بأن الاعتراف بحدود المعرفة ليس ضعفاً، وهو من صفات الباحث الحقيقي، وأن قول “لا أعلم” قد يكون أصدق جواب، يمكن ان يقدمه الباحث.

وقد جاءت الدراسات العلمية الحديثة لتؤكد هذه الحقيقة. ففي عام 1999 نشر عالما النفس الامريكيان ديفيد دانيج وجاستن كروجر دراسة أصبحت من أشهر الدراسات في علم النفس، وصاغا ما يعرف اليوم بـ “تأثير دانيج-كروجر”. وتبين هذه النظرية أن الأشخاص ذوي المعرفة أو المهارة المحدودة يميلون إلى المبالغة في تقدير قدراتهم، لأنهم يفتقرون إلى المهارات التي تمكّنهم أصلاً من اكتشاف أخطائهم أو إدراك حجم جهلهم. فهم لا يخطئون فحسب، بل يعجزون عن معرفة أنهم مخطئون.

ومن هنا ظهر ما يعرف بـ “منحنى المعرفة”. ففي بداية تعلم أي مجال يصل الإنسان إلى مرحلة من الثقة المفرطة، تُعرف مجازاً بـ “قمة جبل الغباء”، إذ يظن أنه أصبح خبيراً. ثم، كلما تعمق في التعلم، يكتشف اتساع ما يجهله، فتنخفض ثقته بنفسه فيما يسمى “وادي اليأس”. وبعد سنوات من التعلم والخبرة، تبدأ ثقته بالارتفاع من جديد، ولكنها تصبح ثقةً قائمة على الفهم والتواضع، لا على الوهم.

ولم تكن هذه الظاهرة غائبة عن كبار الفلاسفة عبر التاريخ. فسقراط، رائد التواضع المعرفي، عندما أعلنت كاهنة معبد دلفي أنه أحكم أهل أثينا، أخذ يحاور من يظنهم الناس حكماء، فاكتشف أنهم يعتقدون أنهم يعلمون كل شيء، بينما هم يجهلون كثيراً. أما سقراط، فكان يدرك حدود معرفته، فخرج بمقولته الخالدة: “كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئاً.”

أما تشارلز داروين فقد لخّص هذه الظاهرة بقوله: “الجهل يولد الثقة أكثر مما تفعل المعرفة.”

وقال الفيلسوف البريطاني برتراند راسل: “المشكلة الأساسية في العالم هي أن الحمقى واثقون تماماً من أنفسهم، بينما يملأ الشكُّ الأذكياء.”

ويُنسب إلى الفيلسوف الصيني كونفوشيوس قوله: “المعرفة الحقيقية هي أن تعرف حدود جهلك.”

وهكذا، يتبين أن ما يسميه علماء النفس اليوم “وهم المعرفة” هو حقيقة أدركها الفلاسفة والحكماء والمفكرون منذ قرون، كلٌّ بلغته وأسلوبه. فقد التقى سقراط وكونفوشيوس والإمام الشافعي وعلي الوردي، ثم جاءت أبحاث دانيج وكروجر، على رسالة واحدة: كلما اتسعت معرفة الإنسان، ازداد إدراكه لما يجهله، وازداد تواضعاً في أحكامه.

ولعل أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس نقص المعرفة، وإنما وهم امتلاكها؛ ذلك الوهم الذي يغلق باب التعلم، ويحول الحوار إلى صراع، والرأي إلى عقيدة لا تقبل النقاش. أما الاعتراف بحدود المعرفة، فلا ينتقص من الإنسان، بل هو أول الطريق إلى الحكمة، وأصدق دليل على نضج العقل ورقي الفكر. فالمعرفة الحقيقية لا تبدأ حين نظن أننا وصلنا إلى النهاية، بل حين ندرك أن أمامنا دائماً ما نتعلمه، وأن اتساع الأفق يبدأ بالاعتراف بحدود ما نعرف.

فليس العاقل من يملك جواباً لكل سؤال، وإنما من يعرف متى يقول بثقة: «لا أعلم»؛ فهذه العبارة، على بساطتها، ليست اعترافا بالجهل فقد تكون بداية كل معرفة حقيقية.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

ولادة جديدة في فن الزهيري في الحكمة والفخر والغزل

في خطوة ثقافية وأدبية زاخرة تُضاف إلى سجل الإبداع الشعبي في الديرة، صدر عن دار سومر / الشرقاط، الجزء الأول من ديوان الأديب المبدع جمعة خلف الشرار الموسوم بـ (أدبيات الشرار) ليشكّل إضافة نوعية للمكتبة الأدبية الشعبية، وإسهامة مهمة في حفظ وتوثيق أحد أبرز الألوان الشعرية التراثية في الديرة، وهو فن الزهيري، الذي ظلّ عبر عقود طويلة مرآةً صادقةً تجسد حس الوجدان الشعبي وتجاربه الحياتية المتنوعة.

ويضم الديوان في جزئه الأول مئة واثني عشر بيتاً من الزهيري، توزعت موضوعاتها بين الحكمة والفخر والغزل، فضلاً عن موضوعات اجتماعية، وإنسانية، ووطنية متعددة، عكست ثراء التجربة الأدبية الزاخرة للمؤلف المبدع جمعة الشرار، وقدرته على تطويع هذا الفن الشعبي العريق، للتعبير عن مشاعر الإنسان، وقيم المجتمع، وموروثه الثقافي، والاجتماعي.

ويمتاز الأديب جمعة خلف الشرار بأسلوبه الساحر، الذي يجمع بين أصالة المفردة الشعبية، وجمالية الصورة الشعرية، وعمق المعنى، فجاءت نصوصه مكتضة بمضامين الحكمة، المستمدة من تجارب الحياة، ومجسدةً قيم الكرم والشهامة والوفاء، والاعتزاز بالهوية والانتماء، إلى جانب لوحات غزلية اتسمت بالرقة، والعذوبة، وجمال التعبير.

ويمثل إصدار (أدبيات الشرار) جهداً ابداعيا توثيقياً مهماً في مسيرة الأدب الشعبي للديرة، حيث يسهم في حفظ وصيانة هذا التراث الشعبي الشفاهي من الضياع، بتوثيقه ونقله من فضاء التداول الشفهي إلى فضاء التدوين والنشر، بما يتيح للأجيال الجديدة، والباحثين والمهتمين بالترات، الاطلاع على جماليات فن الزهيري، وما يحمله من قيم فنية، وإنسانية رفيعة.

ولاريب ان هذا الإصدار الرائع سيحظى باهتمام الأدباء، والباحثين، ومحبي الشعر الشعبي، والموروث الريفي، وأن يكون باكورة لأجزاء لاحقة، تستكمل مشروع المؤلف في جمع وتوثيق نتاجه الأدبي، بما يعزز حضور الأدب الشعبي ا في المشهد الثقافي المعاصر، ويؤكد استمرارية عطائه وتجدده.

كل التبريكات، للأديب المبدع جمعة خلف الشرار صدور هذا المنجز الأدبي، مع التمنيات الخالصة له بدوام التألق والإبداع، وأن يواصل عطاءه في رفد المكتبة العراقية والعربية، بإنتاجه الأدبي المتميز، الذي يجمع بين أصالة التراث، وروح المعاصرة.

***

نايف عبوش

"وللأوطان في دم كلّ حر

يدٌ سَلفت ودَيْنٌ مُستحَق"

ما هو الوطن وما هي المواطنة؟

مفاهيم لا تمتلك الوضوح الكافي في منظورنا وتصوراتنا؟!!

المواطن لم يهنأ بالوطن بل أشقاه وأصابه بالألم والأحزان.

الوطن الجغرافي والنفسي والروحي أصيب بمقتل.

ومما يُدهش أن الفترة التي حاول النظام السياسي أن يصنع فيها وجودا للوطن ومفهوما للمواطنة، تلاشت وتحزبت وتغربت، وتلتها عقود فقد الوطن فيها مفهومه ومعناه وتغلبت التوجهات الحزبية على التوجهات الوطنية، ولم يعد للبلاد قيمة وطنية وإنما كانت وسيلة أو قاعدة لتحقيق ما هو أبعد من المستحيل، بسبب غياب النظرة الموضوعية والتقدير العلمي، وفقدان القدرة على إيجاد العلاقة السليمة ما بين االوطن والوطنية والمواطنة.

فسادت مفاهيم ضبابية مؤلمة وذهبت موارده لتأمين مصالح الآخرين إذ تطوع بالمساعدات المجانية لهم، وتميّع الوطني وتشخصن إلى درجة غريبة لم تحصل إلا نادرا في التأريخ البشري.

وما عاد الوطن يذكر كوجود جغرافي وكيان إجتماعي يستوعب كل أبنائه، وإنما عبارة عن فرد، إذا تحبه فأنت وطني وبعكسه أنت ضد الوطن، فتحقق موقف سلبي ما بين الوطن الجغرافي والمواطن بسبب الإقران الشديد والمؤثر ما بين الفرد الحاكم والوطن المحكوم أو المملوك. والإقران ما بين الحاكم الفرد والوطن ليس جديدا فقد تكرر مرارا منذ قيام الدولة، وهو ظاهرة نفسية فريدة تستدعي الدراسة والفهم، وربما يكون ذلك لأسباب تأريخية وحضارية معقدة.

إن هذا الإقران الشرطي ما بين الفرد الحاكم والوطن، دفع بالمواطن إلى التعبير عن مشاعر غضبه وحنقه على الفرد بتوجيهها وإزاحتها نحو الوطن.

وهذا من أحد الأسباب الكثيرة التي دفعت إلى التعبير الغاضب بإتجاه البلد بعد التاسع من نيسان عام ألفين وثلاثة، لأنه لم يتمكن من الفصل ما بين الوطن الجغرافي الذي ينتمي إليه والفرد الذي اقترن بالوطن.

ويبدو أن هذا الإقران لا زال مؤثرا بسبب ما يدور من فعاليات تستنهض الذكريات وآليات اللاوعي في أعماق الفرد الذي يعاني من مأزق الإقران ما بين الحاكم والوطن.

وعلينا أن نعي هذه القوة الفاعلة في لا وعينا والتي تلقي بضلالها على سلوكنا وردود أفعالنا وتفاعلاتنا مع المتغيرات من حولنا وتشحنها بطاقات إنفعالية عالية.

إن في أعماقنا اليوم ديناميكيات معقدة من الصراعات والآليات التي ينجم عنها ما لا يخطر على بال، فهناك إقران سلبي ما بين الشخص والوطن والمشاعر المتولدة تجاه الشخص تنقلب على الوطن.

والتذكير بالحالة يؤجج المشاعر السلبية ويدفعها بإتجاه التعبير المضاد للوطن.

فعلى ما يبدو أن هناك إضطراب في السلوك الفردي والجماعي يؤثر في مسيرة الأحداث ورسم خطوات الحياة .

إن المواطن بحاجة إلى وعي هذا الإقران وهذه الإزاحة اللاشعورية لغضبه وتهكمه، وتحويلها إلى وسيلة لمنفعته وليس لإيذائه بالإنتقام من الوطن والمواطن.

وهذا الإقران السلبي تسبب في إزالة معالم تأريخية كثيرة ومهمة، فالأمم والشعوب تعتز بمسيرتها سواء كانت سلبية أو إيجابية، وتوثق مسيرة شعبها وتأريخ وطنها لكي تستفيد من دروس السلبيات، وتمارس ما هو إيجابي ومفيد للوطن الذي هو الوعاء الجغرافي الذي يضمها ويحقق وجودها العزيز، ويقرر مصير أجيالها التي تتفاعل على الأرض.

إن المتأمل لما يجري اليوم من أحداث وتطورات يدرك بأن القوى الفاعلة في الحياة هي ضحية هذا الإقران السلبي الذي يدفعها إلى إزاحة مشاعرها السلبية تجاه الوطن وابن الوطن.

لأن الإقران إكتسب صفة " شمولية الإقران" وربطه بكل ما يُذكّر بالفرد ويمت إليه بصلة ما مهما كانت، ونجم عن ذلك العديد من الصياغات التي لا تخدم المواطن وتؤذي الوطن.

إن الإقران الشخصي للوطن وإرتباط معانيه بالنظام السياسي أو الفرد الحاكم والفئة الحاكمة، جعل الوطن حالة غير ثابتة ووجود متغير لا قيمة له إلا بقيمة النظام أو الفرد الحاكم.

فالوطن بالنسبة للمواطن نظام حكم وحزب حاكم وفرد يحكم بالقوة.

وليس من السهل تحويل الوعي إلى حالة الوطن الجغرافي الذي يضم مكوناته ويؤسس لوجودها. وبسبب هذه النظرة فان المواطن لا يكترث بالوطن مثلما يكترث غيره من أبناء الأرض بأوطانهم.

وتراه ينهال على معالم وطنه بكل غضب وقسوة لأنها ليست إلا نظام حكم، وما دام هو في خصام مع نظام الحكم فسيبقى في خصام مع الوطن وسيسعى إلى التخريب.

إنها آليات إزاحة الغضب والرفض من نظام الحكم إلى الوطن الجغرافي الذي هو وطن نظام سياسي أو وطن فرد.

وعندما يغادر الإنسان وطنه يصاب بتأنيب الضمير الشديد حالما يواجه حالة الفعل الوطني، المعبَّر عنها بأساليب متنوعة في البلد الذي يلجأ إليه بسبب جَور الوطن الفردي أو السياسي عليه. وتراه بغتة يدرك بأنه ما كان قد ساهم في دوره بالمواطنة، وما عبّر عن إرادته في تقوية الوطن وإعلاء قيمته ويدرك فجأة إنه كان في وطن سياسي أو شخصي وليس كأي وطن في هذه الأرض، فتتحقق أزمة حادة في أعماقه وحنين دافق إلى أرضه وتتملكه قوة خيالية للعطاء الصحيح، ويرى أنه قد عاش في غياهب الأخطاء والضلالات.

وعندما يعود للتعبير عن وطنيته المتصورة والمقرونة بما رآه وعايشه في أوطان أخرى، يجد نفسه في صراع معقد لأنه قد حقق إقرانا مضاعفا لا يمتلك رصيدا كافيا من مفردات الواقع الذي يؤدي إلى النجاح.

إقران ما بين الوطن والفرد أو النظام الحاكم، وإقران ما بين الوطن والوطن الضبابي المتصور وهو ما نعانيه اليوم.

وهذا الإقران الشرطي ما بين الوطن والفرد يساعدنا على فهم وتفسير الإجهاز السياسي الدموي المتكرر عندنا والذي لم يحصل في دول الجوار.

فهذه القسوة ذات إتجاهين سياسي وفردي بسبب الإقران المتلاحم ما بين الحالتين القائمتين في الوعي الجمعي.

لا تَقرنوا بلادَنا بسيّئٍ

وتَرَشّدوا وتفحّصوا وتدبّروا

لا تّهْزموا عقولَنا وبديعَنا

بحابلٍ ونابلٍ لا تعْثروا

يا سادَتي إنّ العراق رائعٌ

فحاولوا أنْ تَعْرفوا وتُعبّروا

لا تجْعلوا نفوسَكمْ قوّامةً

فتعقّلوا وتوحّدوا وتنوّروا

ماضٍ مضى وقد جرى ما قد جرى

ليوْمنا وقادمٍ فتَحَضّروا

لا تقرنوا بباطلٍ وظالمِ

بلْ قارنوا ومَحّصوا وشاوِروا

***

د. صادق السامرائي

 

في المثقف اليوم