عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

نايف عبوش: حين كانت الدراسة رحلة معاناة

هناك ذكريات لا يطويها الزمن، ولا يطالها النسيان، بل تزداد حضورًا كلما ابتعدت الأيام، واستحضرتها الذاكرة، لأنها لم تكن مجرد محطات عابرة، وإنما كانت صفحات مشرقة من رحلة الكفاح، وصناعة الإنسان.

ومن بين تلك الذكريات، تبقى أيام الدراسة المتوسطة في ستينيات القرن الماضي واحدة من أجمل ما تختزنه الذاكرة، رغم كل ما حفلت به من مشقة، وعناء يوم ذاك.

في تلك السنوات، كانت متوسطة حمام العليل للبنين، المتوسطة الوحيدة في منطقة جنوب الموصل، ولم تكن وسائل النقل متاحة ومريحة كما هي اليوم، بل كانت رحلة الوصول إلى المتوسطة مكابدة أسبوعية، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فكثيرًا ما كنا نستقل الباصات الخشبية البسيطة لنقل الركاب، التي تهتز بنا فوق الطريق، وإذا لم نجد فيها مكانًا، اضطررنا إلى الركوب في خانة الماعز، غير عابئين بضيق المكان، أو قسوة الطريق، لأن الهدف كان يوم ذاك، أسمى من كل متاعب الرحلة، وهو طلب العلم.

أما الإمكانات المادية، فكانت متواضعة إلى حد بعيد، حيث كانت الأسرة تبذل ما في وسعها لتوفير أجور النقل، ومتطلبات المعيشة، فيما كان الطالب يتعلم منذ نعومة أظفاره معنى القناعة، والاعتماد على النفس.ولم يكن أحد يشكو من قلة ما يملك، لأن الجميع كانوا يدركون أن العلم، هو الثروة الحقيقية، التي تستحق التضحية.

كان الدراسة تستوجب على الطالب البقاء في المدينة طوال أيام الأسبوع، نغادر أهلنا صباح السبت، حاملين معنا حقيبة صغيرة، وبعض المؤونة، لنقيم حتى مساء الخميس. كانت أيام الغربة عن الاهل، على قصرها، تبدو طويلة، يرافقها الشوق إلى الأهل، والبيت، والقرية، حتى إذا ما أقبل يوم الخميس، امتلأت القلوب فرحًا بموعد العودة، فنستقل الباصات الخشبية ذاتها، عائدين إلى أحضان الأسرة، لنقضي معها يوم الجمعة، ثم نعاود الرحلة صباح السبت، وهكذا تتكرر الدورة أسبوعا بعد آخر.

ورغم قسوة الظروف، لم نشعر يومًا بمعاناة الحرمان، بل كنا نرى في تلك المعاناة مدرسة أخرى، تعلمنا الصبر، والانضباط، وتحمل المسؤولية، واحترام قيمة الوقت، وأهمية التعليم في بناء المستقبل، فقد خرجت تلك المدارس أجيالًا من الأطباء والمهندسين والمعلمين والضباط بفضل العلم، أسهمت في خدمة الوطن، حيث كان النجاح لا يُقاس بما توفر من وسائل، بل بما توفر من عزيمة وإصرار.

واليوم، ونحن نستعيد تلك الذكريات، لا نفعل ذلك حنينا إلى المشقة، وإنما استذكارا شجيا لمرحلة غابرة صنعت الرجال والنساء، ورسخت في النفوس قناعة راسخة بان الطريق إلى المجد لا يُعبد بالراحة، وإنما يتحقق بالتعب، والصبر، والمثابرة.

سقيا لتلك الأيام بما فيها من بساطة، ورحم الله تعالى المعلمين، والآباء، الذين غرسوا فينا حب العلم، وبارك الله في كل من لا يزال يؤمن بأن التعليم رسالة، وأن الأجيال التي صنعت مستقبلها في ظل قلة الإمكانات، تركت للأجيال اللاحقة درسا خالدا مفاده أن الإرادة الصادقة أقوى من كل الظروف، وأن من يطلب العلم بإخلاص، يصل إلى غايته مهما كانت مشقة الطريق.

***

نايف عبوش

في المثقف اليوم