عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

فارس حامد: فيلسوف القانون الجنائي بيكاريا

الاب الروحي للقانون الجنائي المعاصر

يُعد تشيزاري بيكاريا (1738–1794) الأب الروحي للقانون الجنائي المعاصر، وصاحب الكتاب الشهير “في الجرائم والعقوبات” الصادر سنة 1764، والذي أحدث ثورة فكرية في العدالة الجنائية، وأصبح الأساس الذي قامت عليه المدرسة التقليدية في القانون الجنائي، كما أثّر في تشريعات أوروبا وأمريكا، ومختلف دول العالم وما زالت أفكاره حاضرة في الدساتير والقوانين الحديثة.

ومن أهم إسهاماته:

إرساء مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات:

* لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني سابق.

* رفض أن يخلق القاضي جرائم أو عقوبات من اجتهاده.

* جعل السلطة التشريعية وحدها صاحبة الحق في التجريم والعقاب.

التناسب بين الجريمة والعقوبة:

* حيث دعا إلى أن تكون العقوبة           

متناسبة مع جسامة الجريمة

* رفض العقوبات القاسية التي تتجاوز الضرورة.

رفض التعذيب لنزع الاعترافات:

حيث هاجم التعذيب باعتباره وسيلة غير إنسانية وغير عقلانية.

رأى أن الاعتراف المنتزع بالإكراه لا يكشف الحقيقة بل يقيس قدرة الإنسان على تحمل الألم.

كان لهذا الفكر أثر كبير في إلغاء التعذيب في العديد من الدول الأوروبية ومن ثم في اغلب دول العالم.

معارضة عقوبة الإعدام:

اعتبرها غير ضرورية في أغلب الأحوال.

حيث رأى أن السجن طويل الأمد أكثر ردعاً وأشد أثراً من الإعدام.

أصبحت آراؤه الأساس الفكري لحركات إلغاء عقوبة الإعدام في العالم.

الغاية الوقائية للعقوبة:

* أكد أن هدف العقوبة ليس الانتقام، بل منع وقوع الجرائم مستقبلاً.

* جعل حماية المجتمع وتحقيق الردع العام والخاص هي الوظيفة الأساسية للعقوبة.

* سرعة العقوبة ويقينها أهم من شدتها، حيث بيّن أن العقوبة المؤكدة والسريعة تحقق ردعاً أكبر من العقوبة القاسية التي يندر تنفيذها.

وهو من المبادئ التي تؤكدها اليوم دراسات علم الإجرام.

المساواة أمام القانون:

رفض الامتيازات الطبقية في العقاب

دعا إلى تطبيق القانون على الجميع دون تمييز.

ضمانات المحاكمة العادلة:

* قرر أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

* طالب بمحاكمات علنية وعادلة.

* رفض الاعتقال التعسفي والإجراءات السرية.

الفصل بين الجريمة والخطيئة:

ميّز بين المخالفة الدينية والجريمة القانونية.

جعل التجريم قائماً على حماية المجتمع:

لا على الاعتبارات الدينية وحدها، وهو ما أسهم في ترسيخ الطابع المدني للقانون الجنائي.

العقلانية في السياسة الجنائية:

دعا إلى أن تستند القوانين إلى العقل والمنفعة الاجتماعية، لا إلى الانتقام أو الخوف.

تأثر بفلاسفة العقد الاجتماعي مثل جون لوك ومونتسكيو، وقدم رؤية إنسانية وعملية للعقوبة.

أثره في التشريعات الحديثة

يمكن القول إن معظم المبادئ العامة لقانون العقوبات والإجراءات الجزائية المعاصرة تعود جذورها إلى بيكاريا، ومنها:

1- مبدأ الشرعية.

2- شخصية العقوبة.

3- تناسب العقوبة.

4- افتراض البراءة.

5- حظر التعذيب.

6- المحاكمة العادلة.

7- الحد من عقوبة الإعدام.

8- اعتبار العقوبة وسيلة لحماية المجتمع لا للانتقام.

ولهذا يصفه كثير من فقهاء القانون بأنه “أبو القانون الجنائي الحديث”، لأن تأثيره لم يقتصر على إلغاء بعض العقوبات القاسية، بل غيّر الفلسفة التي يقوم عليها التجريم والعقاب، محولاً إياها من فلسفة الانتقام إلى فلسفة الشرعية والإنسانية والوقاية.

خلاصة: إن كتاب "في الجرائم والعقوبات" (Dei delitti e delle pene) الصادر عام 1764 لم يكن مجرد كتاب قانوني، بل كان بياناً حقوقياً أصلح المنظومة العقابية في العالم الغربي والشرقي على حد سواء، ولا تزال أفكاره تُشكل جوهر المبادئ الدستورية المعاصرة كقرينة البراءة وحظر المعاملة اللإنسانية.

وبهذا تدين له الإنسانية في ماضيها وحاضرها بأنه أدخل قيم الرحمة والإنسانية الى القانون الجنائي، وحَدَّ من قسوته وجبروته.

***

فارس حامد عبد الكريم

بغداد في 2026

في المثقف اليوم