عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

عبد السلام فاروق: فخ يوليو!

وقعت وأنا أقلب في ملفات الماضي، أو بالأحرى وأنا أحاول أن أفهم لماذا نحن على هذه الحال من التخلف والاستبداد، على كتاب عن ثورة 23 يوليو 1952. وبعد قراءة متأنية، خرجت بنتيجة قد لا تعجب الكثيرين من أصدقائي القوميين أو من بقايا الحرس القديم، أن الثورات العربية، ويوليو نموذجها الأكمل، لا تختلف عن أي زواج كاثوليكي فاشل. تبدأ بحفل كبير وخطب عن الحب الأبدي، وتنتهي في دهاليز المحاكم الباردة حيث يكتشف الطرفان أنهما لا يعرفان بعضهما، وأن الحب الكبير كان وهماً، وأن كل ما بني في ليلة الزفاف تحول إلى خراب.

اسمحوا لي أن أكون واضحًا من البداية، أنا لا أكتب لأحصل على جائزة، ولا لأسترضي أحدًا من المثقفين الذين يدورون في فلك السلطة. أكتب لأن في رأسي سؤالًا يلح علي، سؤال يعذبني كلما نظرت إلى خريطة العالم العربي المليئة بالدماء والدموع والدكتاتوريات كيف يمكن لثورة حملت شعار "ارفع رأسك يا أخي" أن تنتهي إلى سجون يخفي فيها المعتقلون رؤوسهم من الخزي والعذاب؟ كيف للفعل الثوري الذي أسقط ملكًا فاسدًا ونظامًا إقطاعيًا باليًا، أن يفرز نظامًا بوليسيًا أكثر فسادًا وأشد بطشًا؟

سأقول لكم شيئًا قد يكون صادمًا، إن ثورة يوليو لم تكن ثورة شعب، ولا ثورة عمال وفلاحين، بل كانت "انقلابًا عسكريًا" بالتعريف الكلاسيكي لعلم السياسة. أعرف أن هذه الكلمة تزعج الكثيرين، لكن الحقائق لا تهتم بمشاعرنا. كان تنظيمًا عسكريًا محدود العدد، صغيرًا، لم يخرج من رحم حزب أو حركة جماهيرية عارمة، ولم تسبقه مدرسة فكرية أو فلسفة سياسية واضحة. كان تعبيرًا عن غضب وطني نبيل، نعم، ولكن الغضب وحده لا يكفي. الثورة، أيها السادة، تحتاج إلى ما هو أكثر من الشجاعة وحسن النية. تحتاج إلى فكر، إلى مؤسسات، إلى خطاب يستطيع أن يتحول إلى ممارسة. ومأساة يوليو، ومأساتنا معها، أنها افتقرت إلى هذا كله، فتحولت إلى ارتجال دائم، وإلى مغامرات كبرى، وإلى مهازل في بعض الأحيان، تحسم نتائجها في غرف مغلقة، وليس في ساحات الشعب أو تحت قبة البرلمان.

أعرف أن بعض القراء سيغضبون الآن، وسيتهمونني بالعمالة أو بالجهل. لا بأس، لقد تعودت على هذه الشتائم، وهي دليل دامغ عندي على أن صاحبها مفلس من الحجة. لكنني أدعوهم إلى التأمل قليلًا في هذه الثنائيات المريعة التي تصف التجربة الناصرية (عدالة اجتماعية للفقراء، وقمع بوليسي للجميع. تحرر وطني من المحتل الأجنبي، ووصاية من الدولة على العقول. تصنيع حديث، وبيروقراطية خانقة. خطاب ناري عن الوحدة العربية، وواقع مرير من الانقسامات والمؤامرات الصغيرة بين أجهزة الأمن العربية. حلم بالجنة على الأرض، وكابوس في غرف التعذيب تحت الأرض).

لكن، من يكرهون يوليو ليسوا كلهم على حق، وليسوا كلهم شرفاء. تعلمت في مهنة الصحافة ألا أكتفي بالظاهر، تعلمت أن أحفر تحت الجلد لأعرف الدوافع. هناك ثلاث فئات من اللاعنين للثورة:

الفئة الأولى: هم من أصحاب المصالح القديمة. الإقطاعيون الذين جردوا من أراضيهم، وكبار الرأسماليين الذين أممت ممتلكاتهم، ورجال العهد البائد الذين أزيحوا عن كراسي الحكم والنفوذ. هؤلاء يكرهون يوليو كما يكره اللص الشرطي الذي قبض عليه متلبسًا. كراهيتهم مفهومة، ومتوقعة. هذا حقهم الطبيعي. لكن، وبكل صراحة، كراهية هؤلاء لا تعنيني، ولا تؤثر في حكمي. إنها دليل على أن الثورة أحدثت تغييرًا في بنية المجتمع الطبقية، وهذا في حد ذاته أمر إيجابي. المشكلة ليست هنا. المشكلة أن الثورة، بعد أن طردت هؤلاء، جلست مكانهم وأكلت من نفس الطبق. لقد تحول الضباط والبيروقراطيون الجدد إلى طبقة أرستقراطية جديدة، إلى إقطاع جيب لا إقطاع أرض.

الفئة الثانية: هم السياسيون والمفكرون الذين آمنوا بالتعددية الحزبية والديمقراطية، فوجدوا أنفسهم خلف القضبان. هؤلاء يكرهون يوليو لأنها خانت المبدأ السياسي النبيل الذي قامت عليه المجتمعات الحديثة حق الشعب في اختيار حكامه ومحاسبتهم وتداول السلطة بينهم سلميًا. لقد ألغت يوليو الحياة الحزبية، وحلت النقابات المستقلة، وسحقت حرية الصحافة والرأي. حولت الفضاء العام إلى مكبر صوت واحد، لا يردد إلا كلمة واحدة "نعم".

وهنا أسأل سؤالًا قد يبدو ساذجًا، لكنه جوهري هل كان من الضروري، لتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء المصانع، أن نلقي بكل من يختلف معنا في السجن؟ هل التنمية الاقتصادية تبرر الاستبداد السياسي؟

التاريخ لا يعترف بهذه الضرورة المزعومة. إنها حجة كل طاغية عبر العصور. التنمية الحقيقية المستدامة لا تبنى على أنقاض حرية الإنسان، بل تبنى بها وبمشاركته.

سارت ثورة يوليو في هذا الطريق المتناقض؛ تحرر الأرض من الإنجليز، وتستعبد المواطن لمخابراتها. تمنح العامل كرامة اجتماعية، وتسلبه حريته النقابية. تبني المصانع، وتغلق العقول. وهذه، باختصار، هي المفارقة القاتلة للثورات العربية.

الفئة الثالثة: هم المثقفون الحقيقيون، وهم الأقل عددًا والأكثر تأثيرًا. هؤلاء رأوا في يوليو قطيعة كبرى مع مشروع النهضة العربية الحديثة الذي بدأ قبل ذلك بقرن، والذي تجسد في أسماء لامعة مثل رفاعة الطهطاوي وأحمد لطفي السيد وطه حسين. رأوا أن عبد الناصر استبدل مشروع الليبرالية السياسية والإصلاح التدريجي بمشروع الزعيم الأوحد والثورة الدائمة. استبدل فكرة المؤسسات الراسخة بفكرة البطل الملهم. استبدل المنطق والتطور بالشعارات والقفز في المجهول. هذه القطيعة مع التراث الليبرالي العربي، على ضعفه، كانت عندي الجريمة الكبرى. لأنها قطعت علينا طريق التطور الطبيعي، ووضعتنا في قطار سريع لا يعرف سائقه إلى أين هو ذاهب، وكلما سأله أحد عن الوجهة، ألقى به من النافذة.

ومع ذلك، ورغم كل ما سبق، من الخطأ أن نحاكم يوليو بعيون اليوم فقط. علينا أن نكون منصفين، وأن نضع الأمور في سياقها. فقد كانت مصر قبل الثورة تعيش انحطاطًا شاملاً، هزيمة 1948 التي كشفت عورة النظام، والاحتلال الإنجليزي البغيض، والملك الفاسد الذي يعيش في قصوره بعيدًا عن جوع الفلاحين ومرضهم، وأحزاب الأقلية التي تتقاتل على فتات السلطة. في هذا السياق، كانت الثورة ضرورة. كان الوضع لا يطاق. لكن شكل الثورة، وأدواتها، وطريقة تفكيرها، كان كل هذا موضع نقاش حسم، للأسف الشديد، ليس بقوة المنطق، بل بمنطق القوة.

ثم جاءت النكسة في 1967. سقط القناع. انهار كل شيء. بدا أن عشرين عامًا من الحكم والهيمنة ذهبت أدراج الرياح. في تلك اللحظة، حدثت أغرب المفارقات. الشعب الذي سحقته الدكتاتورية، خرج في مظاهرات 9 و10 يونيو يرفض تنحي عبد الناصر. لماذا؟ كيف؟ هذا هو السؤال الذي يفسر كل شيء.

أحب المصريون عبد الناصر، لا لأنه كان ديمقراطيًا، ولا لأنه كان مثاليًا، بل لأنه جسد حلمهم في الكرامة والخبز والانتماء. نعم أحبوه حتى وهو يسوقهم إلى الهاوية. أحبوه في انتصاره الوهمي وانكساره الحقيقي. وهذا الحب الأعمى، في رأيي، هو جرح العرب الذي لم يندمل. إنه الحب الذي يمنح الطاغية شرعيته الخطيرة، شرعية العاطفة لا شرعية الصندوق.

الخلاصة التي خرجت بها من هذا العمل الشاق في متابعة السياسة العربية، هي أن يوليو علمتنا درسًا خطيرًا لا نزال نعاني منه حتى اليوم أن الحل دائمًا في الأعلى. في الزعيم، في القائد، في البطل الذي يفكر عنا ويتكلم بدلاً منا.

كما رسخت في العقل العربي فكرة أن التغيير لا يصنعه الشعب، بل تصنعه طليعة تستولي على الحكم ثم تمنح الشعب حريته كهبة، وليس كحق. وهذه اللعنة هي التي تفسر تكرار النمط نفسه في بلدان عربية أخرى، وتفسر عجزنا المزمن عن بناء ديمقراطية حقيقية. إنها حلقة جهنمية نثور على المستبد، لنأتي بمستبد جديد. نحرر الأرض من المحتل الأجنبي، لنقبل باحتلال أمن الدولة لأرواحنا.

في النهاية، أيها القراء، تظل يوليو جرحًا مفتوحًا في خاصرة التاريخ العربي، لا لأنها كانت الأسوأ، فالأسوأ كثير وكثير، إنما لأنها كانت الأعلى صوتًا، والأكثر وعدًا، والأكثر خذلانًا. لقد تركت لنا سؤالًا واحدًا، معقدًا، ومستفزًا كيف نصنع ثورة لا تأكل أبناءها؟ كيف نبني وطنًا لا يتحول إلى سجن كبير؟

واسمحوا لي أن أقول، بكل مرارة، إننا ما دمنا نبحث عن الإجابة في مكان آخر غير الشعب ومؤسساته، فسيظل هذا السؤال بلا جواب، وستظل يوليو جرحًا ينزف، وستظل ذكراها محطة للتأمل المرير في ماض لم يمت، وحاضر يرفض أن يولد. وهذا هو فخ يوليو الذي وقعنا فيه جميعًا، ولا نزال.

***

عبد السلام فاروق

في المثقف اليوم