عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

كنا ننتظر عودة الأصدقاء والأحبّة الذين غادرونا ما يقرب ثلاثة أو أربعة عقود من الزمن، هرباً من سلطة الدكتاتورية والاستبداد، والنجاة من الموت والحروب. نترقب مقدمهم الى الوطن بعد نيسان 2003، وإن لم تنقطع صلاتنا بالعديد منهم، عبر متابعاتنا لنشاطهم الثقافي أو السياسي، وما يصلنا من كتابات البعض بـ (القطّارة).  في الساعات الأولى من ضحى يوم حزيراني، بدأت فيه الأرض تسخن مبكراً، أسرعتُ الخطى بلهفة شديدة، كي ألتقي الصديقين فالح عبد الجبار وفاطمة المحسن، العائدين تواً من غربتهما، التقيت فالح في صالة استقبال الفندق، حاولت أن أختبر ذاكرته منذ لحظات اللقاء الأولى، بعد أن تغيرت (خلقِنا) وأخذ الشيب منا مأخذاً، تهدّلت بطوننا، وحفر الزمن تجاعيد عميقة في وجوهنا، لم يستغرق الاختبار بضع لحظات، فتعانقنا بصمت وقوّة.

في زاوية بعيدة من الصالة، تحدث لي فالح عن مشروعه الفكري ـ الثقافي، قدّم عرضاً مكثفاً لآليات تنفيذه في عراق ما بعد الدكتاتورية، لم يكن المشروع حلماً في مخيلته، إنما كان حقيقة في عميق فكره النير، وعقله المنظّم، بدأ خطواته الأولى بزيارات عدد من الكليات والمعاهد، التقى بأساتذتها وطلبتها، تعرّف على بعض منظمات المجتمع المدني التي تشكلت تواً، تنقصها الخبرة والتجربة، التقى بوقت قياسي بالعديد من المثقفين والأكاديميين، والأدباء والإعلاميين، نظّم ورش عمل لمستويات مجتمعية عديدة.

لم نلتق خلال فترة انشغال فالح بالإعداد والتحضير إلا ما أمكن من لقاءات سريعة كانت تتم بالصدفة على الأغلب، لكنني أتواصل معه عبر ما تنشره الصحافة من متابعات في سعيه الاستثنائي، وحماسه غير المنقطع لتوفير مستلزمات العمل وفرص نجاحه، لم تمض بضعة أسابيع على هذا الحراك، حتى التقينا ثانية، في اللحظة الأولى من اللقاء استطعت ان ألمح بوضوح اختفاء ذلك البريق في عيني فالح، وذبول التوهج في وجهه، الحقيبة التي يعلقها على كتفه تحولت الى ثقل ينوء بحمله، وهو يسحب ساقيه ببطء ليرتمي على كرسي قريب مستريحاً من عناء شديد.

ما الأمر يا فالح؟ هل من علّة تشكو منها؟ سألته بإلحاح:

- نعم، أجاب:

ـ العلّة ليست في جسدي، أنا لا أشكو من شيء في صحتي، إنما العلّة في العراق.

- ماذا تقول يا صديقي؟

- أقول لك انني قررت العودة الى حيث المكان الذي جئت منه. لقد أيقنت ان مشروعي لم يحن زمانه بعد!!

- يمعوّد گول غيرها !

- مثل ما أگلك.

- هكذا وبسرعة يا أبا خالد؟ ما زلت في بداية الطريق. بعدنا على أولها.

- كنا نحلم، وننتظر هذا الزمن.

ـ هل أفهم من كلامك اننا سندخل في نفق مظلم جديد؟ أجبني بوضوح أرجوك، ألا تكفي سنوات العذاب والموت تلك؟ هل هو قدرنا التعيس أن نحيا الرعب دائماً؟

- جمال، أقول لك بثقة مطلقة، ان ثمة إشكالية وطنية كبيرة يمر بها البلد، تتمثل بـ: القوى السياسية، بقايا الدكتاتورية، انهيار القيم، خراب المجتمع والنفوس، ستضع الجميع أمام امتحان وجودي هائل، الديمقراطية المقبلة في اشتراطاتها المعروفة، يصعب عليها ان تنتظم في ظروف العراق الحالية، لا أبالغ في إحساسي بالخيبة والإحباط، فأقول: وحتى الزمن المقبل، فإن المجتمع العراقي غير مؤهل لقبول معايير العقلانية والاعتدال، كذلك القوى السياسية غير مؤهلة لممارسة الفعل الديمقراطي الاجتماعي. لأسباب عديدة معلومة، أولها: النظام القائم على المحاصصة، غياب الدولة وانهيار بنيتها التحتية. هذا الحال سيستمر لبضع سنوات. - قل لي يا فالح: كم سيأخذ من أعمارنا هذا المصير؟

أجاب بهدوء واسترخاء المطمئن بالنجاة من هذا الموت المقبل. قال: ربما نحتاج الى عشر سنوات قادمة على أقل تقدير.

- احچي الصدگ فالح! لقد أدخلتني في (جهنمك) المقبلة.

- ستكشف لك الأيام صحة ما أقول، أنا مغادر، في أمان الله.

حاولت أن أبتعد بتفكيري عن توقعات فالح، بإزاحة الارتباك الذي خضّ أعماقي، أن أتمكن من طرد تلك الصور المفزعة في ذاكرتنا، لم يكن أمامي سوى البحث عن المبررات التي أقنع بها ذاتي القلقة، والهروب بعيداً عن مواجهة الحقائق والاحتمالات الخطيرة. فمن يسعفني بهذه المواجهة سوى تلك الظنون الخاسرة؟

فالح يحلم بمناخ مثالي للعمل، ليجد المسوّغ في العودة للمكان المترع بالجمال، يفكر بشكل جدّي ألّا يكون طعماً سهلا للحرائق مرة أخرى، يتطلع لبغداد خالية من الحواجز والكتل الكونكريتية، تقطّع أوصالها وتحيلها الى مدينة بلا طعم أو حياة، يحلم أن يتجول في السعدون صوب مقهى المعقّدين وأبي نواس، لينطلق نحو بردايس او كاردينيا، وهو يتساءل: هل سألتقي طهمازي وحسين عجّة ورياض قاسم ومنعم العظيم، وليد جمعة، جليل، زهير، بسام فرج، حسين الحسيني؟ و ..و..

أم انه سيدور لوحده في الأزقة؟ والأزقة تدور به؟ ها هي عشر مضت، وبعدها خمس، ثم عقدان مضيا وأكثر، والأعوام تمضي.

ظلّ حوارنا في ذاكرتي وتوقعاته، كأنه يقولها اليوم: "مشروعي لم يحن زمانه بعد". يومها حسبت أن القول فيه شيئ من مرارة الخيبة، وأن صديقي استعجل الحكم على عراق خرج لتوّه من ليل الديكتاتورية. وأثبتت السنوات اللاحقة صحة استنتاجاته.

لكن فالح استعجل الموت! مات فالح، ولم تمت الأسئلة التي تركها خلفه، متى يحين زمان مشروعه، متى يصبح العراق قادراً على الاصغاء للعقل، متى تتسع الدولة لمواطنيها جميعاً من دون استثناء؟

رحل أبو خالد، وظلت حقيبته في مخيلتي معلّقة على كتفه، تركها وديعة لجيل وزمن لم يأتيان بعد! لعل أقسى ما في الأحلام المؤجلة أنها لا تموت مع أصحابها، بل تبقى تنتظر زمناً يليق بها.

***

د. جمال العتّابي

منذ نحو ثلاثة أسابيع، كنت في إحدى المدن الفلسطينية، وكانت الساعة تقترب من السابعة والنصف صباحاً. لاحظت حركة السيارات في الشارع؛ وجوه مختلفة، وحكايات لا نعرفها ولا تعرفنا. كان بعض أصحابها يبدون متجهمين عابسين، وآخرون يقودون سياراتهم في هدوء، بينما كان البعض يضغط على الزمور، رغم أن الطريق كان سالكًا ولا يستدعي كل هذا التوتر والاحتقان.

سألت أحد أصدقائي: لماذا نحن هكذا؟

فأجابني ببساطة: الناس مهمومة ومتعبة.

توقفت عند هذه الإجابة طويلاً.  نعم، نحن جميعاً نحمل هموم اًثقيلة، ونعيش ضغوطاً وتحديات أثقلت تفاصيل حياتنا. لكن السؤال الأهم: ماذا نفعل عندما تتعب نفوسنا، ويشغل بالنا التفكير في الظروف التي نحياها؟

عندما يتعب الجسد، نسارع إلى الطبيب ونبحث عن العلاج الذي يخفف ألمنا ويعالج مصابنا. فلماذا لا نفعل الشيء ذاته مع أرواحنا ونفوسنا عندما يثقلها القلق والإحباط، وتتراكم عليها المسؤوليات؟ لماذا نترك أنفسنا نهلك في التفكير والتوتر، وكأن التعب النفسي أمر لا يستحق الاهتمام والانتباه؟

إن الإنسان بحاجة إلى أن يمنح نفسه مساحة للراحة والطمأنينة والتأمل، وأن يبحث عن لحظات صغيرة يستعيد فيها هدوءه وتوازنه، وشيئًا من بهجته وسروره. نحن لا نحتاج إلى ابتسامة مرسومة على الشفاه فحسب، بل إلى ابتسامة صادقة تخرج من الأعماق محفورة في القلب؛ ابتسامة تقول لنا إن الحياة، رغم قسوتها وألمها ومرارة العيش فيها، ما زالت تستحق أن نعيش تفاصيلها، وأن فيها متسعاً للأمل والعمل والخير.

قد لا نستطيع تغيير الظروف المحيطة بنا، وقد يستحيل علينا أن نصنع فيها تغييراً يقلب الأمور رأساً على عقب، لكننا نستطيع أن نختار طريقة تعاملنا معها وأسلوب حياتنا فيها. نستطيع أن نخفف عن أنفسنا، ونربت على قلوبنا، ونقول لها: إن الفرج قريب، والخير قادم لا محالة. وأن نكون أكثر رحمة بأنفسنا، وأن نتوقف قليلاً عندما نشعر بأن الضغوط تجاوزت قدرتنا على الاحتمال والصبر والتحمل.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا ولمن حولنا في هذه الأيام هو شيء بسيط لا غنى عنه: كلمة طيبة، وابتسامة صادقة تخرج من أعماق مشاعرنا، وقليل من التفاؤل والإيجابية التي قد نحتاج إليها في أوقاتنا الصعبة والمؤلمة.

فقد يكون الشخص الذي أمامك في الطريق، أو زميلك في العمل، أو جارك، يحمل هماً وإحباطاً يثقل الجبال. وربما تكون ابتسامتك ولطافتك وكلمتك الطيبة سبباً في إزاحة مصاب أو جرح أو يأس استقر في قلبه.

لذلك، اعتنوا بأنفسكم كما تعتنون بأجسادكم، ولا تجعلوا الهم أسلوب مدمراً. امنحوا قلوبكم فرصة للتنفس، والتعبير عما يجيش في صدوركم، وابحثوا عن الضوء مهما اشتدت العتمة. وكونوا رفقاء بأنفسكم وبمن ترونه أو تتعاملون معه.

فربما نظرة تنقذ صاحبها من تراكم الهم، وإشارة تمنحه الهدوء والسكينة، وابتسامة تفرج عنه كرباً أو تخفف مصاباً. فكونوا معاول بناء ونمو وارتقاء في حياة من حولكم.

ابتسموا… ليس لأن الحياة خالية من الألم، بل لأن في داخلنا قدرة على صناعة الأمل رغم الألم.

***

د. أكرم عثمان

13-9-2026

لست أدري لماذا نتعجل الحكم على الكتب والأفكار قبل أن نقرأها. هذه عادة سيئة نراها في كل مكان من حولنا في الندوات، وفي الصحف، وفي أحاديث الأصدقاء. يكفي أن يشيع عنوان كتاب حتى يصبح كل واحد منا خبيراً في مضمونه. والأمثلة كثيرة، وأوضحها في تقديري ما جرى لكتاب فوكوياما "نهاية التاريخ".

منذ أكثر من ثلاثين سنة وأنا أسمع هذه العبارة تتردد على كل لسان. "نهاية التاريخ" قالها فوكوياما، ومعنى ذلك أن التاريخ انتهى، وأن الحروب انتهت، وأن الديمقراطية الليبرالية انتصرت إلى الأبد. وكانت العبارة تسر البعض  وتغيظ البعض الآخر، لكن قليلين جداً هم الذين كلفوا أنفسهم عناء قراءة الكتاب نفسه.

كنت واحداً من هؤلاء الذين رددوا العبارة دون أن يقرأوا الأصل، وكنت أظن أنني بذلك أدلي برأي في المسألة. والحقيقة أنني كنت أردد كلاماً لم أفهمه. وهذا، لشد ما أرى، هو حال كثير من المثقفين يتحدثون في كل شيء ولا يقرأون شيئاً.

ثم عدت أخيراً إلى فوكوياما، لا من خلال كتابه القديم، بل من خلال حوار طويل أجرته معه مجلة "بروسبكت" البريطانية. قرأت الحوار من أوله إلى آخره، وعندما فرغت منه شعرت بشيء من الخجل، فقد اكتشفت أنني ظلمت الرجل، وأنني كنت واحداً في جيش من الظالمين.

ما قاله فوكوياما حقاً..

فوكوياما لم يقل إن التاريخ سيتوقف، ولا إن الحروب ستنتهي، ولا إن البشر سيكفون عن القتل. كل ما قاله هو أن الديمقراطية الليبرالية بما تحمله من أفكار الحرية والمساواة والكرامة هي أفضل ما توصل إليه الإنسان حتى الآن لتنظيم أمور مجتمعه. وهذا كلام في الأفضلية لا في النهاية. والفرق بينهما كبير، كالفرق بين من يقول إن الطب الحديث أفضل ما توصلنا إليه لعلاج الأمراض، ومن يقول إن الأمراض ستنتهي من الوجود. فكل صاحب عقل يعرف أن الأمراض لم تنته، وأنها ربما لن تنتهي أبداً.

لكن المفاجأة لم تكن في هذا التصحيح، بل في اكتشافي أن فوكوياما لم يكن ذلك المتفائل الساذج الذي صورناه. حتى في أيام الانتصار الغربي بعد سقوط جدار برلين كان يرى المرض في قلب النظام الليبرالي نفسه، وحذر من أن المجتمع الذي ينعم بالأمن والرخاء قد يصيبه الملل. والملل، كما نعرف جميعاً من حياتنا اليومية، يمكن أن يدفع الإنسان إلى أفعال لا يعقلها عقل. يمل الشاب من البيت المريح فيخرج يبحث عن المخاطرة، لا لأنه محتاج بل لأنه لم يعد يحتمل الراحة.

كنت أظن أن هذا كلام عن المراهقين المدللين لا عن شعوب كاملة، ولكن انظر ما يحدث في الغرب اليوم. ترامب في أمريكا، والبريكست في بريطانيا، وأحزاب اليمين المتطرف في ألمانيا وإيطاليا. شعوب كاملة تقرر أن تقفز من النافذة، لا لأن أحداً يطاردها، ولكن لأنها سئمت الجلوس على الأريكة.

وأما عندما يتحدث فوكوياما عن ترامب فإنه يفقد هدوءه الأكاديمي، ويتهمه صراحة بأنه يسعى إلى تحويل الولايات المتحدة إلى دولة سلطوية. وهذا كلام ثقيل جداً، لأنه مفكر محافظ ينتمي إلى التقاليد الأكاديمية الرصينة. فإذا وصل الأمر به إلى هذا الحد من القلق فلا بد أن نأخذ الأمر بجدية.

مع ذلك فإنه لا يستسلم لليأس، إذ يرى أن الاعتقاد بحتمية الهزيمة هو أول خطوة نحو تحقيقها. فإذا أقنع الناس أنفسهم بأن المعركة خاسرة فسيستسلمون دون أن يطلق عليهم أحد رصاصة واحدة. فاليأس سلاح خطير يستخدمه الطغاة ضد خصومهم، وليس أقل فتكاً من الرصاص.

التاريخ يعيد نفسه

وأهم فكرة في الحوار كله، في تقديري، هي أن مسألة نهاية التاريخ قد تكون دورية لا نهائية. بمعنى أن المجتمعات لا تسير في خط مستقيم نحو الحرية، لكنها تدور في حلقات. جيل يعيش في ظل الدكتاتورية فيعرف قيمة الحرية حق المعرفة، ثم يأتي جيل آخر ولد في ظل الحرية فيعتبرها أمراً مسلماً به كالهواء الذي يستنشقه دون أن يشكر أحداً. وهذا الجيل الذي لم يذق طعم القمع قد ينجذب إلى خطاب الشعبوية، لا لأنه يصدقه، لكن لأنه يبحث عن شيء جديد، أو لأنه غاضب من النخبة، أو ببساطة لأنه لا يعرف ماذا تعني الدكتاتورية.

يضرب فوكوياما مثلاً ببولندا. فالجيل البولندي الجديد الذي لم يعش حقبة الحكم الشيوعي ينظر إلى بروكسل والاتحاد الأوروبي كأنهما دكتاتورية جديدة تفرض عليه قيماً غريبة. وهؤلاء الشباب لا يتذكرون أن آباءهم سجنوا وعذبوا من أجل الحرية التي يتنعمون بها اليوم. وهذه هي مشكلة الذاكرة السياسية أن ما يراه الجيل القديم تحرراً يراه الجيل الجديد وصاية.

والنتيجة المنطقية لهذا المعنى قاسية حقاً، إذ قد تحتاج المجتمعات إلى أن تجرب الحلول غير الليبرالية وترى نتائجها الكارثية بعينها قبل أن تعود إلى تقدير الديمقراطية من جديد. إنها دورة مأساوية حرية، ثم نسيان، ثم استبداد، ثم عودة إلى الحرية. والتاريخ لا يعلمنا، لكنه يعيد علينا الدرس حتى نحفظه.

درس العراق

أكثر ما أثار اهتمامي كعربي أن فوكوياما يعترف بخطئه في دعم الحرب الظالمة ضد العراق. حيث يقول إن أطروحته عن نهاية التاريخ كانت في الإطار الفكري الذي شجع على تلك المغامرة. لقد كان مؤيداً لإسقاط صدام حسين في البداية، ثم انفصل عن المحافظين الجدد بعد الكارثة. وهنا يستخلص درساً مهماً، وهو أن الذكاء لا يحمي صاحبه من الخطأ، لكن ربما يسمح للذكي بأن يبني لنفسه من المبررات ما يقنعها بفكرة غير معقولة.

وهذه جملة تستحق أن تُكتب بماء الذهب. فالذكي يستطيع أن يقنع نفسه بأي شيء، يستطيع أن يبني حججاً محكمة لفكرة خاطئة تماماً. وهذا ما حدث في العراق. مجموعة من أذكى الناس في واشنطن أقنعت نفسها بأن غزو العراق سيكون نزهة تنتهي بإقامة ديمقراطية مزدهرة في قلب الشرق الأوسط. ولم تكن المشكلة سوء نية، بل الفشل في التفكير في العواقب غير المقصودة.

وقد تذكرت وأنا أقرأ هذا الحديث مقالات محمد السيد سعيد عن حرب العراق. وكم كان الخطاب الرسمي في واشنطن متماسكاً ومقنعاً، وكم وصف المشككون بالجبن والتردد. واليوم، بعد أكثر من عشرين سنة، نعرف جميعاً من كان على صواب.

وهكذا يخرج القارئ من هذا الحوار بصورة مختلفة تماماً عن الصورة النمطية التي رسمناها لفوكوياما. إنه باحث ليبرالي قلق، لا متفائل ساذج. يؤمن بالديمقراطية الليبرالية، لكنه يعرف أنها ليست مضمونة، ويعرف أن المجتمعات قد تختار طريقاً آخر، ويعرف أن التاريخ لا يسير في خط مستقيم.

هكذا يعود الباحث الأكثر شهرة في نهاية القرن العشرين، بعد كل هذه السنوات، إلى شيء يشبه التواضع الفكري. كان على يقين في يوم من الأيام، وهو اليوم أكثر حذراً. وقال هو نفسه بعد فوات الأوان: "الذكاء لا يحمي صاحبه من الخطأ".

صدق فوكوياما. وأنا أضيف من عندي أن القراءة المتأنية تحمي القارئ من الظلم في الحكم على الآخرين. ولو أننا قرأناه كما يجب قبل ثلاثين سنة لوفرنا على أنفسنا وعليه الكثير من سوء الفهم.

فلنتذكر هذا الدرس.

***

د. عبد السلام فاروق

 

أثار صدور كتاب "وعّاظ السلاطين" منذ أول طبعة له عام 1954، جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والدينية، أخذ أشكالاً عدّة في ردود الأفعال. لم يكن مؤلفه عليّ الوردي حينها منشغلاً بظاهرة تاريخية تخص العصور الإسلامية وحدها، بل كان يحاول الكشف عن آلية اجتماعية تتكرر في العلاقة مع السلطة. كان مهتماً بتناول أحداث التاريخ بإطار تحليلي يعتمد فيه مفاهيم علم الاجتماع الحديث.

باختصار، يمكننا تعريف " وعاظ السلاطين" بوصفه مصطلحاً يطلق على رجال الدين الذين يسخّرون علمهم وفتاواهم لخدمة الحكّام لتبرير سياستهم الاستبدادية.

لم ينتقد عالم الاجتماع الوردي "الواعظ" لأنه رجل دين، إنما لأنه يتحول إلى أداة لتبرير العنف، وتزييف الوعي، وإضفاء الشرعية على الظلم. كان صاحب الجواري، يقول الوردي: يحرص كل الحرص على عفاف جواريه، يقيم الأسوار حولهنّ، لئلا يطمع أحد الفقراء فيختطف منهنّ نظرة، كان الوعاظ إلى جانب صاحب الجواري في شدّته على مراقبة المرأة، لأنهم مرتزقة يعيشون على ما ينفقه عليهم. يدعون إلى عدم النظر إلى المرأة، ربما أراد بذلك القول: لا تنظر إلى جواري غيرك. (وعاظ السلاطين ص12).

يروى أن الخليفة سليمان بن عبد الملك كان يتنزه ذات يوم، فسمع صوتاً يغني من بعيد، كان الصوت رخيماً مطرباً، فغضب الخليفة منه إذ اعدّه خطراً على عفاف النساء وسبباً من أسباب إغرائهن وإفسادهن، فأمر بخصاء المغني، وفعل ذلك بلا تردد.

أحسب أن الوعّاظ يفرحون لهذه القصة ـ كما يقول الوردي ـ فهم يرون هذا غِيرة على الأخلاق، ولعلهم يودّون ان يكون هذا منهجا لـ "حكومتنا الجليلة" فتخصي المغنين (وعاظ ص14).

بعد أكثر من سبعين عاماً على صدور الكتاب، تبدو أفكار الوردي وكأنها تستعيد حياتها في فضاء جديد هو الفضاء الرقمي، حيث لم يعد السلطان يجلس دائماً على العرش، بل أصبح يمتلك جيوشاً الكترونية، ومؤثرين، وصنّاع محتوى، ووعاظاً جدداً يبررون الخراب بلغة حديثة، يصنعون وهماً جماعياً يصعب مقاومته.

كان الوردي يرى أن المجتمع العراقي يعيش صراعاً دائماً بين منظومتين من القيم، الأولى بدوية تمجّد العصبية والجاه والمباهاة، والثانية مدنية تدعو إلى العقل والعمل والنظام. وقد شرح هذه الثنائية في أكثر من مؤلف، ولا سيما في "دراسة  طبيعة المجتمع العراقي"، حيث أوضح أن الإنسان العراقي كثيراً ما يتأرجح بين القيم المتناقضة، فيرفع شعارات الفضيلة بينما يمارس نقيضها في الواقع.

غير أن مفهوم الجّاه الاجتماعي الذي تحدث عنه الوردي لم يعد اليوم يقاس بعدد الضيوف في الديوان، أو سعة الولائم، أو عراقة النسب، بل انتقل إلى فضاء افتراضي تحكمه خوارزميات المنصّات الرقمية. أصبح عدد المتابعين والمشاهدات والاعجابات معياراً جديداً للمكانة الاجتماعية، وهكذا تحولت الرغبة القديمة في التفاخر إلى سباق محموم نحو الشهرة الرقمية، حتى لو كان ثمنها تزييف الواقع أو افتعال الفضائح.

ليس الاستعراض الرقمي مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً في بنية القيم الاجتماعية نفسها. فالإنسان لم يعد يكتفي بأن يكون ناجحاً، وإنما أصبح مضطراً إلى عرض "نجاحه" بصورة متواصلة. ولم يعد الجمال قيمة طبيعية، بل مشروع استثماري يخضع لعمليات التجميل، وحقن "الفيلر"، والفلاتر الرقمية، وإعادة تشكيل الملامح بما يتوافق مع ذوق السوق الإلكتروني. إننا أمام ثقافة لا تبيع الجسد وحده، إنما تبيع الوهم أيضاً.

لكن الوجه الآخر لهذا الاستعراض أكثر قتامة. فخلف الصور اللامعة، والابتسامات المصطنعة، يقبع مجتمع شديد القسوة، مستعد لأن يتحول إلى محكمة الكترونية خلال دقائق. فحملات التشهير، والتنمر، والإلغاء، والابتزاز النفسي، وتحطيم السمعة، أصبحت ممارسات يومية في الفضاء الرقمي. وهذا السلوك لا يمكن تفسيره بثنائية البداوة والحضر التي درسها الوردي، لأنه يمثل ظاهرة جديدة يمكن وصفها بـ "الهمجية الإلكترونية"، وهي حالة تتراجع فيها الضوابط الأخلاقية أمام شعور زائف بالإفلات من المسؤولية، فيمارس الفرد عنفاً لفظياً ورمزياً لم يكن ليجرؤ على ممارسته في الواقع المباشر.هذا العنف في أحد أشكاله يتمثل بلغة مشحونة بالعدوانية، والشتيمة أحياناً، واستخدام المفردات البذيئة، تصل إلى حد التباهي بهذه (اللغة) من دون تردد، ما دام هناك جمهور يصفّق للتردي ويمنحه شرعية الحضور، ليكون أداة للتجريح والقمع.

لقد كان الوردي يهاجم الواعظ الذي يطالب الناس بالزهد بينما يعيش في ظل السلطان ويتمتع بعطاياه. أما اليوم فقد توسعت دائرة الوعظ حتى خرجت من المنابر إلى الشاشات الصغيرة. فهناك وعاظ سياسيون، وإعلاميون، وأكاديميون، ومؤثرون رقميون، يقدمون أنفسهم بوصفهم حراساً للقيم، بينما يقومون فعلياً بتجميل الفساد، وتبرير الفشل، وإقناع الجمهور بأن الخراب إنجاز، والنهب ضرورة، والفساد قدر لا يجوز الاعتراض عليه. هؤلاء يتناسون أن صوت المثقف لا يعلو على أصوات الآخرين، بل يفسح في عقله مكاناً لاحتمال أن يكون الآخر مصيباً. فالحقيقة لا تحتاج إلى الشتيمة كي تدافع عن نفسها، والفكرة الواثقة لا تخشى السؤال.

إن أخطر ما في هؤلاء أنهم لا يكتفون بتبرير الفشل، بل يعيدون تشكيل الوعي الجمعي بحيث يصبح الباطل مقبولاً، ويبدو الاعتراض فعلاً مشبوهاً. وهنا تتجلى راهنية كتاب "وعاظ السلاطين" فالوردي كان يرى أن الواعظ أخطر من الحاكم أحياناً، لأن الحاكم يمارس القوة المادية، أما الواعظ فيمنح تلك القوة شرعية أخلاقية. ومن دون هذا الغطاء الأخلاقي تفقد السلطة كثيراً من قدرتها على الاستمرار.

وإذا كان وعّاظ الأمس يعتمدون على النصوص الدينية والتأويل الانتقائي، فإن وعاظ اليوم يستخدمون أدوات أكثر تأثيراً: الصورة، والمقطع القصير، و"الهاشتاغ"، والخوارزمية، والذباب الألكتروني. إنهم لا يصنعون الرأي العام بالحجّة، بل بالإغراق الإعلامي والتكرار والانفعال، حتى يغدو الكذب أكثر تداولاً من الحقيقة.

من المفارقات المؤلمة، أن المثقف الذي كان الوردي يأسف لضعف تأثيره، أصبح اليوم أكثر عزلة من أي وقت مضى. فالفضاء الرقمي لا يكافئ المعرفة العميقة، بل يكافئ الإثارة والسرعة والانفعال. ولذلك تراجعت مكانة الباحث والأكاديمي والكاتب الجاد، في مقابل صعود مؤثرين لا تنقصهم الثقافة، لكنهم يمتلكون دعماً سياسياً أو مالياً أو إعلامياً ومعنوياً، يجعل أصواتهم أعلى من أصوات أهل الاختصاص.

وهكذا لم يعد الذوق العام يُصنع في الجامعات أو المؤسسات الثقافية، بل في المنصّات الرقمية التي تحددها معايير الانتشار لا معايير القيمة. وسلطة لا تستند إلى المعرفة، وإنما إلى عدد المتابعين، لا تقيس الحقيقة بالبرهان، بل بعدد المعجبين.

الأخطر من ذلك أن بعض وعاظ العصر لا يدافعون عن السلطة بدافع القناعة، وإنما بدافع المنفعة الشخصية، مهما كانت بائسة. إنهم يعرفون الحقيقة، لكنهم يقدمون نقيضها، لا لأنهم مخدوعون، بل لأنهم يدركون أن تزوير الوعي أقصر الطرق إلى النفاق في تحقيق المكاسب والامتيازات الشخصية. قد يكون ثمن هذا الولاء في أحيان كثيرة متواضعاً، أو اللاشئ، الأمر الذي يكشف هشاشة الضمير أكثر مما يكشف قوة السلطان.

العودة إلى علي الوردي اليوم ليست عودة إلى الماضي، بل إلى منهج نقدي قادر على تفسير تحولات المجتمع. فالوردي علّمنا أن أخطر الأمراض الاجتماعية ليست تلك التي تعيش في الشارع وحده، إنما التي تسكن العقول، وتتخفى وراء الأقنعة الأخلاقية. وإذا كان وعّاظ السلاطين في الماضي قد أسهموا في إدامة الاستبداد، فإن وعّاظ المنصّات يسهمون اليوم في إنتاج استبداد جديد، يقوم على الشهرة الزائفة، وصناعة الوهم. ومصادرة الرأي.

لعل المهمة الأكثر إلحاحاً أمام المثقف المعاصر تتمثل في استعادة وظيفة النقد، وإحياء العقل، وكشف آليات التضليل الجديدة. فالمجتمعات لا تنهار حين ينتصر الجهل فقط، وإنما تنهار عندما يصبح الكذب فضيلة، ويغدو تزييف الحقيقة عملاً بطولياً، ويتعالى التصفيق لمن يزكّي القبح، أكثر من الإصغاء إلى من يكتشفه.

***

د. جمال العتابي

حتّى اللّغة أبت إلّا أن تقدّم لنا درسا في العطاء، وفلسفة في التضحية فجعلت فعل المنح يتعدّى إلى أكثر من مفعول، وكأنّها تقول لنا أنّ الخير، متى ما خرج من يد كريمة، لا يعرف مفعولا واحدا ولا يقف عند حدود صاحبه. فما نمنحه لواحد قد يفرح به آخرون، وما نزرعه في قلب قد يثمر في قلوب لا نعرفها، تلك هي معجزة العطاء، أن يتجاوز الممنوح من مُنح له، ويتجاوز المُعطيَ نفسه.

إنّ في اللّغة أفعالا لا ترضى أن تبقى حبيسة فاعلها، كأنّ في بنيتها سرّا يتجاوز حدود النحو إلى رحابة الإنسان ومعاني الانسانية. ومن أجمل هذه الأفعال، أفعالُ المنح والعطاء، فهي أفعال متعدّية بطبيعتها، لا تكتمل دلالتها إلاّ بانتقال شيء من ذات إلى أخرى، أعطى، منح، وهب، أهدى، أسدى... وكأنّ اللّغة، وهي تبني جملتها، كانت تستبطن منذ القدم حقيقة إنسانية عميقة مفادها أنّ ما نمنحه لا يبقى عندنا، وما يخرج من أيدينا قد يواصل سفره عبر أرواح الآخرين. وهنا تكمن المفارقة الجميلة،أن يكون الفعل متعدّيا في النّحو، وأن يمتدّ أثره في الحياة. فالعطاء لا ينتقل من الفاعل إلى مفعوله الأول فحسب، بل قد يتّسع أثره إلى مفعولين وثالث ورابع، وربّما إلى أجيال لا نعرف أسماءها. قد تمنح طفلا كلمة طيّبة، فيمنحها هو يوما لابنه، وقد تفتح لتلميذ نافذة أمل، فيصبح ذلك الأمل بعد سنوات نافذة في حياة إنسان آخر. وهكذا لا يعود المفعول به مجرّد طرف في الجملة، بل يصبح حلقة جديدة في سلسلة الأثر.

ولعل في ذلك شيئا من التورية البلاغية الجميلة، يتساءل أحدكم: كيف تظهر التورية ؟ فأقول على سبيل المثال لا الحصر: منحتُه علما، فإن ظاهر العبارة يدلّ على انتقال المعرفة من المعلّم إلى المتعلم، أمّا باطنها فيقول أنّ المعلم في اللّحظة نفسها، منح نفسه معنى، ومنح المجتمع إنسانا أكثر قدرة على البناء، ومنح المستقبل احتمالا جديدا. فالمفعول به في العطاء ليس واحدا، بل يتعدى إلى أكثر من مفعول لغة، وإلى أكثر من مستفيد معنى. ومن هنا تصبح التربية أرقى صور التعدّي الإنساني.

فالأستاذ لا يدخل القسم وفي يده مذكّرة فقط، ولا يقف أمام التلاميذ ليؤدي ساعات عمل تُحسب بالدقائق والأجور، إنّما يدخل إلى عالم هشّ، تتشكل فيه النفوس قبل أن تكتمل العقول. أمامه طفل، ومراهق، وإنسان في طور التشكّل واكتشاف ذاته والعالم. وقد لا يدرك الأستاذ أنّ جملة قالها عابرا يمكن أن تسكن في ذاكرة تلميذه سنوات، وأنّ ابتسامة صغيرة قد تكون في حياة أحدهم أوّل اعتراف بأنّه جدير بالاهتمام، وأن كلمة تشجيع قد تفعل في مستقبل إنسان ما لا تفعله عشرات الدروس.

لذلك، ونحن نشهد عودة الأستاذات والأساتذة إلى مقاعد الدراسة، فإنّنا لا نريد منهم التعليم وحده، بل نريد منهم فعل المنح في أوسع معانيه، أن يمنحوا المعرفة، والثقة، والأمان، والفضول، والحق في الخطأ، والقدرة على السؤال، والأمل في أن الإنسان يستطيع أن يصبح أفضل ممّا هو عليه. فهم حملة رسالة، والرسالة لا تُقاس دائما بمقابلها المادي. وليس في ذلك انتقاص من حق الأستاذ في التقدير والعيش الكريم، بل على العكس، إن احترام المهنة يبدأ من احترام صاحبها. غير أنّ قيمة ما يمنحه الأستاذ لا يمكن اختزالها في راتب أو ساعة عمل، لأنّ ما يتركه في عقل تلميذ وقلبه قد يتجاوز زمن الحصة ومكان المدرسة وعمر صاحبها.

ولأنّ التلميذ ليس عقلا مجرّدا، وجب على الأستاذ أن يتذكّر خصوصية المرحلة التي يقف أمامها. فالطفولة ليست نسخة مصغّرة من الرشد، والمراهقة ليست مرضا ينبغي قمعه، وإنّما هما مرحلتان تتشكّل فيهما الشخصية، وتُبنى فيهما صورة الإنسان عن نفسه وعن الآخرين. وفي هذه المرحلة تحديدا تكون الكلمة أثقل ممّا نظن، والنظرة أبلغ ممّا نقول، وطريقة المعاملة جزءا من التربية نفسها، بل هي التربية ذاتها.

لذلك أوصيكم أساتذتي الكرام، ألاّ تجعلوا من القسم مكانا لتعويض خسارات الحياة ، وألاّ تحملوا إلى التلميذ غضبكم من الإدارة، ولا خيباتكم من العمل، ولا مشكلاتكم الأسرية، ولا إحباطاتكم الخاصة. لا تجعلوا الطفل يدفع ثمن يوم سيِّئ لم يكن طرفا فيه، ولا تجعلوا المراهق ساحة لتصريف توتّر لا يعرف مصدره. فالتلميذ ليس مسؤولا عن خيبات أستاذه وقد يكون أكثر ما يحتاجه في ذلك اليوم هو أن يجد في المدرسة وجها بشوشا، وصوتا هادئا، وشخصا بالغا بليغا يقول له بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: "أنت تستطيع، أنت مهم، بل انت رائع، وخطؤك لا يجعلك فاشلا ".

إنّني اليوم أصرخ لعلّني أجد من يسمعني: المدرسة لا ينبغي أن تكون مصنعا للمعارف فقط، بل ملاذ الفرد القادم، هي مصنع الإنسان. وإذا أخفقنا في هذه المهمة، فقد ننجح في ملء الذاكرة بالمعلومات ونفشل في بناء الروح. فكم منّا ما زال يحمل في داخله طفلا جرحته عبارة أستاذ، أو أطفأته مقارنة، أو حطّمت ثقته سخرية أمام زملائه. وكم منّا أيضا مازال يخوض في الحياة وفي داخله صوت معلّم قال له يوما: "أنت تستطيع ".

وإنّني اليوم أتوسّل وأتوسم في بناة العقول خيرا، وأحمّلهم رسالة مفادها، أنّنا لا نريد جيلا محمّلا بعقد الآخرين، ولا أطفالا يرثون خيبات الكبار، ولا مراهقين يتعلمون مبكّرا أن المدرسة مكان للخوف والإذلال والتدجين. بل نريد جيلا يتعلّم أنّ المعرفة حرية، وأنّ الخطأ طريق للتعلّم، وأنّ الاختلاف لا يلغي الكرامة، ولا يكرّس الاحتكار، ولا يولّد الخلاف، وأنّ السلطة التربوية لا تحتاج إلى القسوة كي تكون قوية. لتعود لغتنا الجميلة الرشيدة، فتقول حكمتها المتعالية: "المنح فعلٌ متعدٍّ ".

لندرك أنّ العطاء نفسه يعود إلى فاعله، وهذه ربّما إحدى أعظم مفارقات العطاء، إذْ أنك تمنح شيئا من نفسك، فتكتشف بعد زمن أنّك لم تفقده، بل تضاعف وتعدّى إلى أكثر من مفعول. أحبّتي الأساتذة. إنّ السعادة ليست كلها في الأخذ. فقد يشبع الأخذ حاجة، أمّا العطاء فيصنع معنى. والأخذ قد يمنح فرح لحظة، أمّا المنح فيترك أثرا يمتدّ من إنسان إلى آخر، ومن جيل إلى جيل.

باللّه عليك أيّها الأستاذ ! صف لنا شعورك حين ترى فرح تلميذك لأنّه فهم الدرس، أو ثقته لأنّه نجح، أو عينيه وهما تكتشفان للمرّة الأولى أنّه قادر، أليس لك من ذلك الفرح نصيب أكبر ؟ وهنا تتحقّق المعادلة بانّ العطاء فعل متعدّ في اللغة، لكنّه في الحياة يتجاوز حدود التعدي.

أساتذتي الكرام !  إنّ رسالتي لكم ونحن نستقبل عاما دراسيا جديدا آملا مأمولا، هو أن بعض الأفعال لا تكتمل إلا بغيرنا.أعطوا، امنحوا، وهبوا، أسندوا، شجّعوا... فأنتم لا تملؤون مفعولا به في جملة، بل قد تملؤون إنسانا بالحياة، وتملؤون الحياة بالانسانية.وليس أعظم من أن يكون الإنسان في هذه الدنيا فاعل خير يتعدّى أثره إلى الآخرين، ثمّ يعود إليه على هيئة معنى وسعادة ورضا.

***

ليلى تبّاني - الجزائر

ميسون بنت بحدل بن أنيف الكلبية توفت سنة (80) هجرية وهي أم يزيد بن معاوية، ويُقال أنها سئمت العيش في القصور وحياة الخدم والحشم، وربما هي التي قالت في قصيدة مطلعها:

لبيتٌ تخفق الأرياح فيه...أحب إلي من قصر منيف، إلى آخر ما تقول : "فما أبغي سوى وطني بديلا...فحسبي ذاك من وطن شريف"

ويزيد بن معاوية الذي هو إبنها توفى سنة (64) هجرية، أي قبلها بستة عشر سنة.

ولا يوجد ما يوثق تفاعلها مع إبنها وما قام به، وكيف عاشت بعد موته.

يوصف زواجها من معاوية بن أبي سفيان (608 - 680) ميلادية، بأنه زواج سياسي، وليس واضحا كم عاشت معه، وكم كان عمر يزيد عندما طلقها، ولا يُعرف إن كانت قد تأثرت بديانة بعض قومها، وكذلك إبنها الذي تربى في البادية معهم حتى صباه.

وهي شخصية محيرة، ولا يوجد ما يوثق الكثير من الموضوعات المتصلة بها، سوى أنها روت عن معاوية بعض الأحاديث، وحسُن إسلامها، وأنه طلقها وذهبت للحياة في البادية، ولا يُعرف إن تزوجت بعد طلاقها، وكيف تمت رعاية يزيد الذي عاش معها في البادية بين قومها، الذين كانوا على دين آخر وأسلم بعضهم أو معظمهم وبقي آخرون على دين آبائهم.

فالغموض يحيط السيدة ميسون بنت بحدل، ويُجهل أين ماتت ودفنت، ولا وجود لما يتصل بها سوى أنها كانت زوجة معاوية بن أبي سفيان وأم إبنه البكر يزيد (وهو إسم شقيق معاوية الأكبر وكان واليا على الشام لكنه مات في طاعون عمواس ونجا معاوية فتولى الأمر من بعده).

ترى هل تربى يزيد تربية إسلامية؟

وهل أخطأ معاوية بتوليته الأمر من بعده، وهو الذي أضاع ملك أبيه، فصارت الدولة مروانية.

يزيد حكم ثلاث سنوات (680 - 683) ميلادية مشحونة بالخطايا والرزايا (مقتل الحسين، موقعة الحَرة، حصار مكة)، ويبدو أن العائلة تعاني من مرض السكر (عبد السلام العجيلي) ولم ينجو منه إلا خالد بن يزيد (671 - 709) الذي كان صغيرا، فانتقلت الخلافة منه إلى بني مروان، والمعروف عنه إنشغاله بالكيمياء.

هناك قسم كبير من التأريخ مطمور تحت ركام الأحداث، وما جرى في تلك السنوات التي حكم فيها.

توارتْ بين أكداس الخَطايا

مَواضيعٌ بها جُلِبَتْ رَزايا

تفاعلتِ النفوسُ بلا رقيبٍ

فدوّنَتِ الموافقَ للسَجايا

كتاباتٌ من الإذعانِ جاءَتْ

فهلْ ظهرتْ لأجيالٍ مَزايا

***

د. صادق السامرائي

ما زاد في تأخر المجتمع العربي الصراعات الطائفية بين أصحاب الحداثة والسلفية المغلقة، بحيث يرفض الحداثيون كل القيم التي تقدمها السلفية باعتبارها مبادئ مجردة في توجيه السلوك البشري، لا تعتمد على الواقع ولا تتناسب مع التطور الحديث، وترى أن هذه القيم مقيدة للحرية والإبداع، وهو ما حدث في بداية التسعينات عندما أوقف النظام الجزائري المسار الانتخابي ومنع "الفيس" من الاستمرارية، ويحدث اليوم مع الإخوان المسلمين في مصر بعد خلع الرئيس محمد مرسي، وكذلك الحرب في سوريا، ومن هنا تعذر فهم كل المشكلات ووضع الحلول لها

الكثير من أخطأ في استعمال مفهوم "الثورة" والربط بين "الدين والسياسة" ولم توضع هذه المفاهيم في سياقها الحقيقي، فظن بعض المسلمين أن الثورة هي الخروج الى الشارع وغلق الطرقات واستعمال العنف من أجل تغيير الحكم والوجوه الحاكمة، في حين تراها الدول المتقدمة تغيرا في الاقتصاد وتجديد في الفكر، أو التحرر من العقلية الدينية، ومن هذين المفهومين للثورة اختلف العرب في تصنيف بعضهم البعض بين الثوريين الحقيقيين وأشباه الثوريين، هذا التناقض راجع إلى أن الشعوب العربية احتارت في إتباع أي نظام سياسي تسير عليه (رئاسي، شبه رئاسي، جمهوري، برلماني)، وساهم في تأزيم الوضع الواقع الاجتماعي المتشابك والمعقد، بحيث يتعذر على مجتمع ما ( الجزائر مثلا) أن تحدث تغييرا في البنيات العليا وهي تواجه صعوبات في تحسين بناها التحتية أو حتى إيجاد الحلول السليمة لتهيئة قنوات صرف المياه القذرة ومعالجة التسربات والإنزلاقات، فاضطرت الاعتماد على اليد العاملة الأجنبية في إنجاز مشاريعها.

يطرح الكثير من المهتمين بالشأن السياسي سؤالا إذا ما كانت دولة كأمريكا أو إسرائيل وحلفاءها مثلا، لها من الإمكانات ما لم تتوفر عليه الدول العربية الإسلامية، لو توحدت هذه الدول طبعا وتمسكت بعروتها الوثقى ووقفت على خط واحد، يجيب أحد الباحثين أن الخيال العربي عجز عن تجاوز الواقع وتحويله أو خلقه وتفجيره، لم يبذل العربي جهدا كبيرا للسيطرة على محيطه، وما تزال الصحراء العربية مهملة وقاحلة (الصحراء الجزائرية كمثال)، ولو استغلت كل الطاقات المتوفرة لأمكن لهذه الصحراء أن تقيم عليها أممٌ، لكن الإنسان العربي بقي بُورٌ في أرضه، يسكنه الكسل والعجز والتراخي، لا يصنع يومه ولا غده، لأنه مكبل بقيمٍ لم تعد صالحةً في زمن السلاح النووي، إذ نجد الكثير من "السلفيين" ما زالوا يدعون الى الجلوس على الأرض، وترك الأكل على الطاولة واستعمال الشوكة، ويدعون الى العودة إلى ارتداء القميص وتقصير السروال وإطلاق اللحية، وأمور أخرى دار عليها الزمن وولىّ، وضموها ضمن القيم الثابتة، وأوهموا الناس أنها من عادات النبي (صلعم)، ولم يفكروا بما يخدم الحاجات الإنسانية أو تسهيل علاقتهم بالآخرين.

والملاحظ أن كل طائفة من الطوائف المنتشرة في العالم الإسلامي لها إيديولوجيتها الخاصة بها وقوانين وقواعد اللعبة التي تلعبها، فالسلفية حسب الدراسات تقوم إيديولوجيتها لى احتقار العقل، بل أحيانا تغذي كراهية له، كما أنها لا تفهم ماهي العناصر التي قام على أساسها ازدهار الماضي الإسلامي، بل تعتقد هده العناصر (السلفية) على أنها انحرافا مكروها، بل كفرا، كما كتب في ذلك سيد قطب رائد السلفية المعاصرة، وكانت النتيجة الحتمية لهذه المواقف الرجعية، هي إعطاء الأولوية للتطرف في الممارسات سواء كانت ظاهرية أو باطنية مثل (الزيّ واللحية والحنين لعصر ذهبي مفقود، وسارت إلى أبعد الحدود في مسائل الزواج )، ويقصد بالسلفية بالتحديد إقامة الدولة الإسلامية عملا وسلوكا ومنهجا، وهي ترى أن هوية الشعوب عاملا ثابتا لا يقبل التطور، وهذا حسب المحللين مناقضا تماما لواقع التاريخ، لأن الهوية العربية الإسلامية تطورت عبر التاريخ، فما زاد في تأخر المجتمع العربي إذن الصراعات الطائفية بين أصحاب الحداثة والسلفية المغلقة، بحيث يرفض الحداثيون كل القيم التي تقدمها السلفية، باعتبارها مبادئ مجردة في توجيه السلوك البشري، لا تعتمد على الواقع ولا تتناسب مع التطور الحديث، وترى أن هذه القيم مقيدة للحرية والإبداع، وهو ما حدث في بداية التسعينات عندما أوقف النظام الجزائري المسار الانتخابي ومنع الفيس من الاستمرارية، وما حدث مع الإخوان المسلمين في مصر بعد خلع الرئيس محمد مرسي، وكذلك الحرب في سوريا.

يقدم بعض الباحثين مثلا عن تناقض السلفية في أطروحاتها، إذ يقول: إن السلفية مثلا تفرق بين المسلم ابن رشد كمسلم والميمون اليهودي والمسيحي توماس الإكويني، ولا تؤمن بأن الثلاثة يجمعهم عنصرا واحدا وهو "الفكر"، ويتبادلون الآراء دون تحفظ في إطار حوار الثقافات وحوار الحضارات وحوار الأديان، وهي ربما الأسباب التي جعلت المسيحية تتقدم على الإسلام، لأن المسلمون يرفضون التطور، والمجتمع الأوروبي خطا خطوات حاسمة، بينما المجتمع العربي توقف عن تطوره، والتيار السلفي في جميع البلاد الإسلامية يقف ضد تطور المجتمع، ويبذل جهده لقيام ثورة ثقافية، لأنه يرى أن الفكر الإسلامي صالح لكل زمان ولا يخضع للتطور، ويرى التيار السلفي أن المسلمين بتطورهم ضاعوا في الطريق، وأن انتصار الإنسان الأوروبي على الإنسان المسلم، معاقبة الله للمسلمين لتخليهم عن المبادئ الإسلامية، وإذا كان رأي السلفية صائب، ووقفنا مع هذا الرأي، فكيف يفسر هذا التيار الوضع في فلسطين في حربهم ضد الكيان الصهيوني، هل الله ينصر إسرائيل ويقف الى جانبها ضد المسلمين؟، الأمور طبعا في حاجة إلى إعادة نظر وقراءة جيو تاريخية.

المحللون أكدوا أن الفرق بين العرب والغرب هو أن العرب لا يملكون مخططات لتفجير خيرات أراضيهم، ولهذا هم دوما ينتظرون الحلول من الخارج، العرب اعتمدوا على الكسب السريع بأية طريقة، حتى لو كان عن طريق الرشوة والتهريب والغش والاحتيال واختلاس المال العام ليس في الجانب الاقتصادي فحسب بل حتى في الانتخابات، ويكفي الوقوف على البرلمانات العربية ومجالسها المنتخبة، أما الغرب فلهم خطة يسيرون عليها من أجل امتلاك العالم، وإذا أخذنا الجزائر كمثال، نرى أن المشكل في الأحزاب الجزائرية المعتمدة على سبيل المثال أنها اختلفت في الأسماء فقط، في حين اتفقت على برنامج واحد هو تطبيق برنامج رئيس الجمهورية ( قبل خلعه)، ولم يقدم ولا حزب واحد من هذه الأحزاب مشروع المجتمع، بل حتى الأسماء ليست من اختراعها، حيث أخذتها من أسماء أحزاب أخرى، مثلما هو الشأن بالنسبة لحركة النهضة الإسلامية في الجزائر والنهضة الإسلامية في تونس، العدالة والتنمية في الجزائر والعدالة والتنمية في المغرب، وهكذا..، ويخيل للمتأمل أن هذا التعدد حَوّلَ الأرض إلى ماء، ولابد لنا أن نجيد السباحة كي نتمكن من معايشة التيارات الجارفة ومقاومتها، وازدادت الهوة بين ما يحدث في الجوار، الجزائر فيه معنية بل مهددة من كل الجوانب، تزداد فيها الضغوط أكثر من ذي قبل، وعلى الجزائر والبلدان المجاورة لها أن تختار بين أن تبقى أسيرة تقاليدها أو الاستجابة للتحديات لدخول عالم الحضارة الحديثة.

في دراسة له تحت عنوان: "نحو تصور جديد لعلاقة الدين بالسياسة" يرى الدكتور المصطفى تاج الدين أن طابع تحكيم السياسي في الديني هو القصد الى اللعب بالرموز الدينية من أجل التمكين السياسي، وعلى أساس هذا النظر استثمر الزعماء جملة من العقائد لكسب الشرعية الدينية مع أن الشرعية مفهوم موضوعي، يكسب بالعدل وإقامة النظام على أساسه، ولهذا تحول الخليفة إلى ظل في الأرض، وأضحت طاعته جزءًا لا يتجزأ من الدين، وعصيانه خروجا يقتضي الحد الشرعي، هكذا يقول صاحب الدراسة، كما تحولت أحزاب كثيرة الى أحزاب إسلامية تريد تطبيق الشريعة ورفع شعار" الحل الإسلامي"، مع أن تطبيق الشريعة مبدأ عام، ولا يمكن لأحد أن يتكلم باسم الله، ويُفْهَمُ من قول الدكتور المصطفى تاج الدين أن تطبيق الشريعة الإسلامية واجب ديني، كل مسلم ينطق بالشهادتين ملزم بالعمل بها وتطبيقها لا يحتاج الى سنّ قوانين أو تأسيس حزب سياسي إسلامي.

كما أن الذين أعطوا للأحزاب صفة "الإسلامية" أخطأوا وأوقعوا الناس في الخطأ، ولذلك لسببين اثنين: الأول أنهم قدسوا الأفعال البشرية وحولوا العمل السياسي إلى عمل ديني، والسبب الثاني هو تسييس الدين وإفراغه من قيمه الروحية والإنسانية وتحويله الى رصيد رمزي للدعاية السياسية، وفي ظل اختلاف وانقسام الأحزاب الإسلامية حول مفهوم الديمقراطية، نجد بعض الأحزاب (الفيس في الجزائر) كفرت بالنظام الديمقراطي، في حين بعض الأحزاب السياسية الأخرى تحاول العمل بها لكن تحت غطاء "الشورى"، وفي هذا يمكن القول مثلما ذهب إليه الدكتور تاج الدين حان الوقت لإعادة النظر في المفاهيم السياسية الإسلامية أو الأحزاب الإسلامية حتى لا يتم تحويل الإسلام بنية صادقة أو مبيتة الى دين تتحول فيه متغيرات الواقع البشري الى قضايا شرعية قد تنذر بخطر جسيم على الأمة.

***

علجية عيش

إن وجود نظام ديمقراطي لا يعني بالضرورة تحقيق التقدم؛ فالديمقراطية قد توفر آلية لتداول السلطة والتمثيل السياسي، لكنها لا تنتج وحدها مؤسسات كفوءة أو اقتصاداً منتجاً أو إدارة نزيهة.

 ويحدث التراجع عندما تنفصل الممارسة الديمقراطية عن سيادة القانون والكفاءة والمساءلة وحسن إدارة الموارد.

أدى اعتماد التوافق والمحاصصة الطائفية والحزبية في توزيع المناصب والمؤسسات إلى إضعاف معيار الكفاءة والمواطنة، وتحويل بعض مؤسسات الدولة إلى ساحات للتوازنات السياسية بدلاً من أن تكون أدوات لخدمة المصلحة العامة.

إن المشكلة، في جوهرها، ليست في الديمقراطية بوصفها مبدأً، وإنما في الفجوة بين الديمقراطية كإجراء والديمقراطية كمؤسسات وثقافة سياسية.

فالانتخابات تستطيع أن تنتج سلطة سياسية، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج دولة قوية. والديمقراطية التي لا تستند إلى سيادة القانون، واستقلال المؤسسات، والكفاءة، والمساءلة، وحماية المال العام، قد تتحول إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج النخب السياسية.

كما لا تستقيم الدولة بمجرد وجود النصوص القانونية، وإنما تحتاج إلى ثقافة اجتماعية ومؤسسية تحترم القانون وتؤمن بأن الحقوق تقابلها واجبات، وأن المساواة أمام القانون هي الأساس في بناء الثقة بالدولة.

ومن هنا يمكن القول إن التراجع رغم الديمقراطية ليس تناقضاً بالضرورة؛ لأن الديمقراطية شرط مهم للتقدم، لكنها ليست شرطاً كافياً له.

فالتقدم يحتاج إلى دولة مؤسسات، واقتصاد منتج، وإدارة كفوءة، وثقافة قانونية، ومجتمع يؤمن بأن الدولة ملك لجميع مواطنيها وليست غنيمة تتقاسمها القوى السياسية.

إشكالية بطء الديمقراطية مقابل سرعة التقدم

تمثل إشكالية بطء الديمقراطية مقابل سرعة التقدم واحداً من أبرز التحديات الفلسفية والسياسية في العصر الحديث.

فالأنظمة الديمقراطية قائمة بطبيعتها على التداول، والتشاور، وبناء التوافقات، وهي عمليات تستغرق وقتاً طويلاً. في المقابل، يتحرك التقدم التكنولوجي، والاقتصادي، والعلمي بسرعة فائقة تتجاوز غالباً قدرة القوانين والتشريعات على المواكبة،

 مما يجعل القوانين والتشريعات الديمقراطية دائماً متأخرة عن الواقع، مما يدفع البعض لتفضيل النظام الرئاسي ومبادراته السريعة في اتخاذ القرار لتحقيق النمو.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط: هل لدينا ديمقراطية؟، وإنما: هل تحولت الديمقراطية إلى دولة مؤسسات قادرة على صنع القرار الكفوء ومواكبة سرعة التقدم؟.

***

فارس حامد عبد الكريم

حين تتحول صناعة الكتاب إلى تجارة بلا معايير

لم تعد كتابة الكتاب ونشره في عصر الطباعة الرقمية والنشر عند الطلب عملية شاقة كما كانت في الأزمنة السابقة. بضغطة زر، وبإمكانات مالية محدودة، يستطيع الكاتب أن يحول مخطوطته إلى كتاب مطبوع، وأن يضع اسمه على الغلاف، وأن يعرضه في الأسواق والمنصات الرقمية ومعارض الكتاب.

وهذا التحول في ذاته ليس مشكلة؛ بل هو أحد وجوه التحول الديمقراطي في صناعة المعرفة. فقد أسهم انخفاض تكاليف النشر وانتشار التقنيات الرقمية في منح أصوات كثيرة فرصة لم تكن متاحة لها في السابق. ولم يعد الوصول إلى القارئ حكراً على المؤسسات الثقافية الكبرى أو الجامعات أو دور النشر ذات الإمكانات الضخمة.

لكن الديمقراطية في إتاحة النشر لا تعني بالضرورة الديمقراطية في إنتاج المعرفة.

وهنا تبدأ المشكلة.

فأن يمتلك الإنسان الحق في أن يكتب وينشر، شيء؛ وأن يقدم ما كتبه بوصفه بحثاً علمياً أو مرجعاً معرفياً موثوقاً، شيء آخر تماماً.

من احتكار النشر إلى انفلات المعايير

من الخطأ النظر إلى تاريخ الكتاب وكأنه كان دائماً محكوماً بمؤسسات علمية صارمة تراجع كل ما يُطبع. فهذه صورة مثالية لا يثبتها التاريخ.

حتى المراجعة العلمية نفسها لم تظهر دفعة واحدة في صورتها الحديثة. فقد شهد القرن السابع عشر بدايات مهمة للتقييم التحريري والعلمي مع ظهور الدوريات العلمية، ومن أبرزها Philosophical Transactions التي أطلقها هنري أولدنبرغ عام 1665. إلا أن المراجعة العلمية آنذاك لم تكن النظام المؤسسي المنتظم الذي نعرفه اليوم؛ بل تطورت تدريجياً، وأصبحت إجراءات التحكيم أكثر انتظاماً خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بينما ترسخ مفهوم المراجعة بوصفها أداة لضبط الجودة العلمية في العصر الحديث.

لذلك فالمشكلة ليست أن التكنولوجيا «هدمت نظاماً مثالياً» كان قائماً منذ اختراع الطباعة، وإنما أن التكنولوجيا الحديثة وسعت دائرة النشر بسرعة أكبر من تطور آليات التمييز بين أنواع المنشورات ومستويات جودتها.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي.

لقد أصبح النشر أكثر ديمقراطية، لكن المعرفة لم تصبح بالضرورة أكثر موثوقية.

حين يصبح المؤلف زبوناً

توجد نماذج مشروعة ومتنوعة في صناعة النشر، ومنها النشر التجاري التقليدي، والنشر الأكاديمي، والنشر الذاتي، والنشر المدفوع من المؤلف.

ولا مشكلة في أن يدفع المؤلف مقابل خدمات مهنية مثل التصميم والطباعة والإخراج والتوزيع، ما دامت العلاقة واضحة.

المشكلة تبدأ عندما يُدفع المال بوصفه بديلاً عن التقييم.

عندما تصبح قيمة المشروع بالنسبة إلى الناشر مرتبطة أساساً بقدرة المؤلف على دفع تكاليفه، يصبح الكتاب سلعة مضمونة البيع قبل أن يصبح عملاً خضع لتقييم حقيقي.

وهنا يتغير موقع المؤلف داخل العملية.

فبدلاً من أن يكون السؤال:

هل هذا الكتاب يستحق النشر؟

قد يصبح السؤال:

هل يستطيع صاحبه دفع تكاليف النشر؟

وهذا تحول خطير عندما يتعلق الأمر بالكتب التي تقدم نفسها بوصفها أعمالاً علمية أو فكرية أو تاريخية أو معرفية.

فالناشر الذي يبيع خدمة الطباعة لا يمارس بالضرورة الدور نفسه الذي يمارسه ناشر أكاديمي يتولى تحرير العمل وتقييمه وتحكيمه.

ومن هنا يجب أن نفرق بوضوح بين الطباعة والنشر.

فالكتاب المطبوع ليس بالضرورة كتاباً محرراً، والكتاب المنشور ليس بالضرورة كتاباً محكماً، ووجود اسم دار نشر على الغلاف لا يعني أن محتواه اجتاز تقييماً علمياً.

الرقم الدولي ليس شهادة علمية

ومن أكثر مظاهر الالتباس شيوعاً الخلط بين وجود الرقم الدولي المعياري للكتاب ISBN وبين الاعتراف بجودة الكتاب.

الـISBN هو نظام لتعريف العنوان أو المنتج الكتابي والناشر في منظومة النشر والتوزيع، وليس شهادة على صحة المحتوى أو قيمته العلمية.

وهذه نقطة ينبغي أن يعرفها القارئ بوضوح.

فالكتاب قد يحمل ISBN ويكون ضعيفاً علمياً، وقد يكون محكماً ومتميزاً دون أن يكون الرقم الدولي هو الذي منحَه قيمته.

القيمة المعرفية لا تأتي من الرقم الموجود على الغلاف، وإنما من المحتوى والمنهج والمصادر والمراجعة والتوثيق وقوة الحجة.

ليس كل كتاب بحاجة إلى التحكيم الأكاديمي

لكن من الضروري أيضاً ألا ننزلق إلى الطرف الآخر.

ليس من المنطقي أن نطالب كل كتاب بالمرور بالإجراءات الأكاديمية نفسها.

الرواية ليست بحثاً علمياً.

والشعر ليس أطروحة جامعية.

والمذكرات الشخصية ليست دراسة تجريبية.

والكتاب الفلسفي قد يكون عملاً تأملياً، أو بحثاً متخصصاً، أو مشروعاً نظرياً يحتاج إلى تقييم من نوع مختلف.

لذلك فالمعيار العادل ليس فرض نموذج واحد على جميع الكتب، وإنما تحديد طبيعة الكتاب بوضوح، ثم تطبيق معايير تتناسب مع طبيعته.

إذا كان الكتاب بحثاً علمياً، فالمراجعة العلمية والتوثيق والمنهجية عناصر أساسية.

وإذا كان كتاباً تاريخياً، فإن التعامل مع المصادر ونقدها والتحقق من الإحالات أمر جوهري.

وإذا كان كتاباً فكرياً أو فلسفياً، فإن الاتساق المنطقي، وضبط المفاهيم، والقدرة على بناء الحجج ومناقشة الاعتراضات تصبح معايير أساسية.

أما كتاب الرأي أو التجربة الشخصية، فمن حق صاحبه أن ينشره، لكن ليس من حقه أن يحوله بمجرد وضع عنوان أكاديمي على الغلاف إلى «حقيقة علمية».

الخطر الحقيقي ليس في كثرة الكتب

ليست كثرة الكتب مشكلة في حد ذاتها.

بل ربما تكون كثرة الأصوات أفضل من احتكار المعرفة.

المشكلة هي أن كثرة الإنتاج من دون أدوات تمييز قد تجعل القارئ عاجزاً عن معرفة الفرق بين المعرفة والرأي، وبين البحث والانطباع، وبين التأليف والتجميع، وبين النقد العلمي والدعاية الشخصية.

وهنا تظهر مسؤولية الثقافة الحديثة.

فالخطر ليس أن يكتب شخص كتاباً ضعيفاً.

الإنسان حر في أن يكتب ما يشاء ما دام لا ينتهك حقوق الآخرين أو يرتكب جريمة.

الخطر أن يُقدَّم الكتاب الضعيف للقارئ على أنه كتاب علمي رصين، وأن تُستخدم واجهة النشر لإنتاج سلطة معرفية لا يستحقها المحتوى.

وهذا يحدث عندما تصبح مظاهر الكتاب أهم من جوهره:

غلاف فاخر.

عنوان صادم.

سيرة ذاتية مبالغ فيها.

ألقاب غير موثقة.

قائمة مراجع طويلة لا تُستخدم فعلياً.

واقتباسات كثيرة لا تؤدي وظيفة استدلالية.

ثم يُطلب من القارئ أن يتعامل مع كل ذلك باعتباره دليلاً على القيمة.

لكن الكتاب لا يصبح علمياً بكثرة المراجع، كما لا يصبح عميقاً بكثرة الصفحات.

من سلطة الناشر إلى سلطة القارئ الواعي

الحل ليس إنشاء جهاز رقابة جديد.

فالرقابة المسبقة على الأفكار يمكن أن تتحول بسهولة إلى أداة لقمع الاختلاف، خصوصاً عندما تتدخل السلطة السياسية أو الدينية أو الأيديولوجية في تحديد ما يجوز نشره وما لا يجوز.

لكن البديل عن الرقابة ليس الفوضى.

البديل هو الشفافية.

يجب أن يعرف القارئ طبيعة الكتاب الذي بين يديه:

هل هو كتاب رأي؟

هل هو تجربة شخصية؟

هل هو كتاب أكاديمي؟

هل خضع لتحكيم علمي؟

هل راجعه متخصصون؟

هل قامت دار النشر بتحريره علمياً أم تولت طباعته فقط؟

هل مصادره موثقة؟

هل اقتباساته قابلة للتحقق؟

هل المؤلف متخصص في الموضوع الذي يتحدث فيه، أم يقدم رأياً خارج مجال اختصاصه؟

هذه المعلومات لا تصادر حرية الكاتب، وإنما تمنح القارئ القدرة على اتخاذ قرار واعٍ.

المطلوب شفافية لا وصاية

يمكن لصناعة النشر أن تتقدم من خلال نظام واضح للشفافية المهنية.

ليس المطلوب وضع «ختم حكومي» على الكتب، ولا إنشاء سلطة تحدد من يحق له أن يؤلف ومن لا يحق له.

المطلوب أن تكون هناك بيانات واضحة حول طبيعة عملية النشر والمراجعة.

فيمكن، مثلاً، التمييز بوضوح بين:

كتاب محكّم علمياً.

كتاب خضع لمراجعة علمية متخصصة.

كتاب خضع للتحرير اللغوي فقط.

كتاب رأي أو تجربة شخصية.

كتاب منشور ذاتياً.

وهذا التصنيف لا يمنح كتاباً حق الوجود ويحرم آخر منه؛ وإنما يمنح القارئ معلومة عن مستوى التحقق الذي خضع له العمل.

وهذه نقطة جوهرية:

حرية النشر شيء، وشهادة الجودة شيء آخر.

مسؤولية الصحافة الثقافية

لا تستطيع دور النشر وحدها معالجة المشكلة.

فالصحافة الثقافية والنقاد والجامعات والباحثون والقراء جميعاً يشكلون منظومة الفرز الثقافي.

النقد الحقيقي لا يعني مهاجمة المؤلف شخصياً، ولا تحويل الاختلاف الفكري إلى تصفية حسابات.

بل يعني فحص العمل:

ما حجته؟

ما مصادره؟

هل استنتاجاته تتبع مقدماته؟

هل يستخدم المفاهيم بدقة؟

هل ينقل آراء الآخرين بأمانة؟

هل يفرق بين الحقيقة والرأي؟

هل يعترف بحدود معرفته؟

وهل يستطيع الدفاع عن أطروحته أمام الاعتراضات؟

إن الكتاب الرديء لا ينبغي أن يُمنع بالضرورة؛ بل ينبغي أن يُنقد.

والكتاب المسروق لا ينبغي أن يُسكت عنه؛ بل ينبغي كشف سرقته بالأدلة.

والكتاب الذي يقدم ادعاءات علمية بلا دليل ينبغي تفكيك ادعاءاته، لا تحويل صاحبه إلى ضحية لرقابة ثقافية.

بهذا يتحول النقد من أداة للإقصاء إلى أداة لحماية المجال المعرفي.

القارئ هو خط الدفاع الأخير

في النهاية، لا يستطيع أي نظام نشر أن يحمي القارئ من كل كتاب ضعيف.

ولا يستطيع أي محكّم أن يمنح المعرفة شهادة عصمة.

حتى التحكيم الأكاديمي نفسه ليس معصوماً من الخطأ، وقد تخطئ المؤسسات والناشرون والمراجعون كما يخطئ المؤلفون.

ولهذا فإن الحل الأعمق ليس بناء منظومة تجعل القارئ تابعاً لختم المؤسسة، وإنما بناء قارئ قادر على مساءلة الختم نفسه.

القارئ الناضج لا يسأل فقط:

من نشر الكتاب؟

بل يسأل:

ما الدليل؟

من أين جاءت هذه المعلومة؟

كيف بُني هذا الاستنتاج؟

هل توجد مصادر مستقلة؟

هل هناك تفسير منافس؟

هل يستطيع الكاتب الدفاع عن أطروحته؟

وهنا ننتقل من ثقافة الثقة بالأسماء إلى ثقافة فحص الأدلة.

الكتاب بين السوق والمعرفة

ليس من العيب أن يكون الكتاب سلعة.

فالمؤلف يحتاج إلى أن يعيش من عمله، والناشر مؤسسة تحتاج إلى الاستمرار، والطباعة والتوزيع والتسويق كلها صناعة لها تكاليفها.

لكن المشكلة تظهر عندما تصبح القيمة التجارية بديلاً عن القيمة المعرفية.

السوق يستطيع أن يخبرنا بما يبيع، لكنه لا يستطيع وحده أن يخبرنا بما هو صحيح.

وقد ينجح كتاب رديء في المبيعات، وقد يفشل كتاب عظيم في الوصول إلى الجمهور.

لذلك لا ينبغي أن نطلب من السوق أن يكون أكاديمية، ولا من الأكاديمية أن تكون سوقاً.

لكل منهما وظيفته.

السوق يوزع.

والناشر يحرر وينتج ويسوق.

والجامعة تحكّم وتبحث.

والناقد يفحص ويناقش.

والقارئ يختار ويحكم.

وعندما تختلط هذه الأدوار، يبدأ الالتباس.

ليست المشكلة أن يكتب الجميع، بل ألا نعرف ماذا نقرأ

لقد منحت التكنولوجيا الإنسان امتيازاً تاريخياً: أصبح بإمكان عدد غير مسبوق من الناس أن يكتبوا وينشروا ويصلوا إلى الجمهور.

وهذه مكسب حضاري ينبغي الدفاع عنه، لا محاربته.

لكن كل توسع في حرية التعبير يحتاج إلى توسع موازٍ في القدرة على التمييز.

فإذا أصبح كل منشور كتاباً، وكل مؤلف خبيراً، وكل رأي حقيقة، وكل رقم دولي شهادة جودة، وكل دار نشر مؤسسة علمية، فإننا لا نكون قد ديمقْرَطنا المعرفة، وإنما خلطنا بين حرية التعبير وسلطة الحقيقة.

وهنا تكمن مسؤوليتنا الثقافية.

لا نحتاج إلى رقيب يمنع الكتاب.

نحتاج إلى ناقد يفحصه، وناشر يوضح طبيعة عمله، ومؤلف يتحمل مسؤولية ما يكتب، ومؤسسة علمية تمارس التحكيم حين يكون التحكيم مطلوباً، وقارئ لا يسلم عقله للغلاف ولا للعنوان ولا لاسم الناشر.

فالكتاب لا ترفعه الطباعة إلى مرتبة المعرفة، ولا يمنحه الغلاف سلطة الحقيقة.

ما يمنح الكتاب قيمته هو ما يستطيع أن يصمد به أمام السؤال، والدليل، والنقد، والاعتراض.

وفي عصر أصبح فيه النشر متاحاً للجميع، لم تعد المشكلة الكبرى هي: من يستطيع أن ينشر؟

بل أصبحت:

من يستطيع أن يميز بين ما نُشر وما يستحق أن يُصدَّق؟

وهنا تبدأ المعركة الحقيقية من أجل ثقافة لا تخاف حرية الكلمة، ولا تستسلم لفوضى الكلمة.

***

أسعد الجوراني

دراسة في التحلل الكيميائي للنص الأسمى

إن دراسة فاعلية القاعدة الدستورية تقتضي مغادرة الفهم الجامد للنصوص بوصفها مجرد صياغات لغوية مكتوبة، والتحول نحو فهمها كـ مركبات كيميائية غير مستقرة تخضع لقوانين التفاعل والتحلل عند نزولها إلى مختبر الواقع الاجتماعي. من المنظور الفلسفي الرصين، فإن "الالتزام الدستوري" هو المادة الحيوية التي تضمن تماسك الدولة القانونية؛ إلا أن هذه المادة تصاب بـ التحلل الحمضي بفعل الممارسات الكيميائية للسلطة التنفيذية التي تعيد هندسة المجتمع داخل محاليل امتثال مصطنعة.

في الكيمياء تذوب بعض المواد تماماً في محلول معين لتفقد هويتها وتصبح جزءاً منه، بينما تترسب مواد أخرى وتتكثف وترفض الذوبان. هذا هو عين ما تبحث فيه فلسفة القانون؛ حيث تحاول السلطة التشريعية دائماً وضع المجتمع في "محلول طاعة" متجانس. المواطن البسيط يذوب ويمتثل للنصوص فوراً خوفاً من المسؤولية التقصيرية، ليتحول إلى عنصر مستهلك داخل المحلول، في حين أن مراكز النفوذ والمال تشبه العناصر الثقيلة غير القابلة للتحلل، تظل طافية فوق المحلول القانوني دون أن تتأثر بخصائصه الحامضية، بل وتمتلك طاقة ارتباط هائلة عبر روابط تساهمية  تجعل امتيازاتها الدستورية محصنة ضد التفكك مهما بلغت درجة حرارة المتغيرات الاجتماعية.

وفي المقابل يفرز الوسط الحامضي للإدارة تركيزات عالية من "القرارات الفرعية والتعاميم الفوقية" التي تعمل على تفكيك الروابط الجزيئية للحقوق الممنوحة للأفراد. هذا الوسط الحمضي الإداري لا يلغي النص الدستوري صراحة—لأن مبدأ السمو الدستوري يمنع التفكك المباشر—ولكنه يؤدي إلى إذابة فاعليته التشغيلية والتعامل مع الضمانات المقررة للمواطنين كـ مركبات سريعة التسامي تتبخر وتحتحول إلى غازات غير مرئية بمجرد ملامستها لمصالح السلطة وتحت شعارات "النظام العام" الفضفاضة. إننا أمام عملية سقوط للحق بالتقادم الحمضي، حيث يفقد المركّب الدستوري الأسمى خواصه الأساسية ويتحول إلى راسب لا أثر له في حركية التضامن الاجتماعي.

إن هذا التحلل الكيميائي لا يتوقف عند النص، بل يمتد لـ أكسدة  جهات الرقابة الدستورية نفسها. فعندما يصيب الصدأ الإداري المحاكم العليا، تفقد "قرينة البراءة" و"العدالة التقديرية" مفعولها الحيوي، وتتحول من درع لحماية الحقوق إلى مادة خاملة كيميائياً لا تفيد في لجم انحراف السلطة وتمرير الغش التدليسي. إن كيمياء التشريع تؤكد حتمية علمية: إن استمرار تركيز الأحماض الإدارية على البناء الدستوري، وعزل عناصر المجتمع الضعيفة داخل محاليل الإكراه، سيقود حتماً إلى تجاوز نقطة التشبع المعياري، وعندها سينفجر المحلول الاجتماعي بأكمله نتيجة لغياب توازن المعادلات الحاكمة للعدالة.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

في ركن مظلم من خزانة ملابسك، يقبع ذلك القميص. ربما كان من الكتان الأبيض الناصع، أو الحرير الداكن المتقن، أو ربما سترة صوفية صُنعت بعناية تفوق حاجتك اليومية. لا يزال يحتفظ برائحة المتجر، وربما ببطاقة السعر المتدلية منه كحبل مشنقة صغير. كل صباح، تمر أصابعك عليه بحنان خفي، تتأمله لثانية، ثم تدفعه جانبا لتلتقط قميصك الرمادي المعتاد، ذا الياقة المنهكة والنسيج المألوف، وتهمس لنفسك بذات التعويذة الكاذبة: «ليس اليوم... سأتركه لمناسبة خاصة».

لكن ما هي تلك «المناسبة الخاصة» التي تنتظرها حقا؟

نحن نمارس في هذا الطقس اليومي الصامت واحدة من أكثر الخدع النفسية مأساوية: نحن لا نؤجل ارتداء القميص لأن المناسبة لم تحن، بل لأننا في أعماقنا نشعر بأننا لم نصبح بعد الشخص الجدير بارتدائه. نظن أن ذلك الثوب الفاخر ينتمي إلى نسختنا المستقبلية الأكثر لمعانا؛ تلك النسخة التي فقدت خمسة كيلوغرامات من وزنها، وحققت استقرارها المالي، وتخلصت من نوبات القلق، وصارت تبتسم بثقة سينمائية أمام الكاميرات.

إننا نعيش حياتنا بوصفها «مسودة أولية» قابلة للمحو والتعديل، مؤمنين بأن العرض الحقيقي لم يبدأ بعد. نحتفظ بالعطر الباهظ حتى يتبخر في زجاجته، ونكدس الأواني الخزفية الفاخرة خلف الزجاج حتى يكسوها الغبار، ونحبس كلمات الحب الأكثر صدقا حتى تموت على شفاهنا، في انتظار مسرح مكتمل وشروط مثالية لا تأتي أبدا.

تسمي الفلسفة الوجودية هذا الانفصام بـ «تأجيل الوجود». إن ثقافة الاستهلاك الحديثة دربتنا ببراعة على الركض الدائم نحو أفق وهمي؛ فالحياة الحقيقية -وفق إعلاناتها- تبدأ دائما غدا: بعد الترقية، بعد شراء البيت، بعد التقاعد، بعد أن نصبح كاملين. وهكذا، يتحول الحاضر إلى مجرد غرفة انتظار رخيصة، ممر ضيق نركض فيه بأثوابنا الرثة، متطلعين إلى الصالة الكبرى التي لا نصل إليها قط.

لكن، انظر إلى القميص مرة أخرى ببرود تأملي: الأقمشة مخلوقة لتبلى، لا لتُخلّد. الخيوط التي غُزلت بشغف صُممت لتلامس جلدك، وتتعرض لضوء الشمس، وتشهد عرقك وضحكاتك، وربما لتتسخ ببقعة قهوة عابثة تسجل ذكرى حية. المأساة الحقيقية ليست أن يبلى قميصك الجميل، بل أن تكتشف يوما أنك تركت أثمن سنواتك معلقة على مشجب الانتظار، بينما نسيج روحك هو الذي أصابه التلف.

ما من مناسبة أكثر قداسة من أنك مستيقظ اليوم، تتنفس، وتملك جسدا حيا يتحرك في هذا العالم الشاسع. إن شروق شمس يوم ثلاثاء باهت هو بحد ذاته معجزة فلكية تستحق أرقى ما في خزانتك. الذهاب إلى المخبز، أو الجلوس وحيدا في مقهى تقرأ كتابا، أو المشي تحت سماء غائمة، ليست تفاصيل عادية تحتاج ملابس منسية؛ بل هي جوهر حياتك الصافي الذي يستحق الاحتفاء.

إن ارتداء ذلك القميص غدا صباحا ليس ترفا شكليا، بل هو إعلان تحرر فلسفي. إنه اعتراف شجاع بأنك، بنواقصك كلها، وبخوفك، وبتعب عينيك، كافٍ تماما في هذه اللحظة، وتستحق الجمال هنا والآن. إنه تمرد على وهم الكمال، ورفض لابتزاز المستقبل الذي يسرق منا اللحظة الوحيدة التي نملكها حقا.

افتح خزانتك الآن. مد يدك إلى ذلك القميص المنسي في الظل. اقطع تلك البطاقة البلاستيكية الباردة وارمها بعيدا. ارتده غدا وأنت ذاهب إلى عملك الروتيني، أو وأنت تطهو طعامك البسيط. دع النسيج يلامس جلدك العاري، واشعر بخفته وأناقته.

وإذا انسكبت عليه قطرة شاي، فلا تبتئس؛ فتلك ليست بقعة تشوه، بل هي توقيع الحياة ذاتها على ثوبك... دليل دامغ على أنك توقفت أخيرا عن التحديق في فاترينة الوجود، وقررت أن تعيشه بكامل فوضاه وعنفوانه.

***

ذ. يونس الديدي - باحث أكاديمي

الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك.. راود أخاه عن نفسه

فطحل من فطاحل البيت الأموي في الفسق والفجور والشذوذ الجنسي هو الخليفة الوليد بن يزيد الخليفة الحادي عشر في سلالتهم ملأت سيرته الشاذة كتب التاريخ والأدب فقد روى الطبري في كتابه (تاريخ الأمم والملوك): "أنه لما ولي الحج عام 119 هـ حمل معه كلاباً في صناديق وحمل معه الخمور وأراد أن يشرب بجوار الكعبة في الحرم.." وقد شكك بعض المؤرخين في هذه الرواية واعتبروها من وضع أعداء بني أمية ويقول عنه الطبري أيضاً: "وبالغ في طلب اللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفساق، كما اتهم بالاتصال الجنسي بأمهات أولاد أبيه..".

وذكر المسعودي في مروج الذهب أخبار كثيرة عنه فقال عنه: "كان الوليد صاحب شراب ولهو وطرب وكان شاعراً قال شعراً عندما جاءه خبر وفاة عمه الخليفة هشام بن عبد الملك يدل على فسوقه وهذا بعض من شعره:

إذا بنات هشام يندبن والدهن

أنا المخنث حقاً إن لم انكحهنه

وهكذا عبر عما في نفسه من نزوات وأمنيات في أن ينكح زوجة وبنات عمه بعد وفاته وهو يستمتع بعويلهن شامتاً لذلك سمي الوليد بخليع بني أمية. وهو الذي مزق القرآن وقال في هذا شعراً. وفي هذا الجو المشحون بالفسق والكراهية للوليد وأعماله وأشعاره الماجنة بايع الناس يزيد بن الوليد بن عبد الملك سراً فزحف إليه يزيد إلى قصره فالتجأ الوليد إلى غرفته ولجأ إلى القرآن يحتمي به وهو يصرخ "يوم كيوم عثمان" ولكن القرآن لم ينقذه من الموت فقتل واحتز رأسه. ويقول السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء: "لما قتل الوليد نظر إليه أخوه سليمان بن يزيد وقال: ".. بعداً له. أشهد أنه كان شروباً للخمر ماجناً فاسقاً، ولقد راودني عن نفسي" وهكذا اقتضت دناءة (أمير المؤمنين) أن يلوط بأخيه فقد عرف عنه أنه كان مشهوراً بالخمر واللواط والنفاق ومساوئ الأخلاق.

***

غريب دوحي

"في بيتنا محشي!!"

كان احتفال ولا في الأحلام بعدما شممت رائحة أكلتي المفضلة وهي تنضج على نار أشواقي، فحالنا كمثل حال البيوت المصرية الأصيلة، يكون يوم "المحشي" يومًا استثنائيًا وله هيبة من بين أيام الأسبوع، فما أكثر التجهيزات وزيارات السوق قبل اليوم الموعود، حتى المطبخ حينها يصبح "خط أحمر" لا يدخله سوى قائد المعركة، وهي الأم بالطبع، ممنوع لمس أي طبق أو حلة إلا بتصريح خاص منها، فإن الغلطة لا تُغتفر والطبخة ليست كأي أكلة أخرى.. إنها رائحة الذكريات ولمة العيلة.

"عمايل إيديا وحياة عينيا.."

كم يهون التعب حين يعود المطبخ نظيفًا من المواعين وبرطمانات التوابل المبعثرة هُنا وهُناك بعد ساعات طويلة في تجهيز خلطة الرز السحرية، والحقيقة أن الحلة ليست وحدها على النار، فأنا كذلك أجلس على نار في انتظار طبق يرد الروح.

لا يهمني وقتها سوى أن أغرز الشوكة في الباذنجان المحشي وهو يستغيث من حرارة التسوية، فأنا مغرمة بالبخار المُحمل بالبهارات وذكريات الطفولة، وذلك العراك المضحك على آخر "رزاية" في قعر الحلة.

لطالما كنت المدللة بين أسرتي وأنا أول من يُسأل عن رأيه في الطعم..

"هاه، حلو؟"

ولكن الإجابة بـ "حلو أوي" ليست إجابة بسيطة، فإنها اللحظة التي يطمئن فيها قلب أمي بأن عمايل إيديها تستحق عشرة من عشرة ونجمة.. وهي تستحق بالفعل.

لنبدأ التقييم.. ها هو طبق غويط يليق بالحدث، لوحة فنية من محشي الباذنجان والفلفل، وأما عن محشي البصل، فهو اكتشافي المذهل الذي أسر قلبي بطعمه المسكر.. ليت كل الاكتشافات بهذا الجمال.

اعتدت منذ الصغر أن أنتظر حرارة الأكل لتهدأ قليلًا، كنت أخشى على لساني من الاحتراق فتضيع لذة الدهون، لكنني يومها لم أستطع الانتظار، وضاعت اللذة بحق!

بسرعة بسرعة.. أعتقد أن الطبق لفظ أنفاسه الأخيرة في أقل من دقيقة واحدة!

شعرت حينها أنني في سباق الفك المفترس، فمن ينقض على طبقه أولاً وفي أسرع وقت هو من يفوز بجائزة عُسر الهضم!

كانت "كروتة" إلى حد ما، لدرجة أني بعد ساعة من تلك المهزلة اشتقت لطبق جديد وكأنني لم ألتهم مثله قبل دقائق، غريب الإنسان!

"هو أنا ليه ماشبعتش؟"

لم أفهم.. لمَ لا تكتفي أمعائي بنصف حلة محشي مشكل؟!

المؤسف أنني لم أشعر بمتعة أكلتي المفضلة هذه المرة!

يبدو أنه الوقت المناسب لتجربة عملية فلسفية جديدة.. أن أترك الباذنجان يأخذ وقته في المضغ والهضم، فقط.

قطمة ثم مضغة بهدوء، إنها فرصة ذهبية لاستعادة الثقة في المحشي، أن أحس به وهو يمتزج بلعابي وتسري عصارته في عروقي بشويش..

ملح..

فلفل أسود..

نعناع مجفف.. جميل! إضافات الأم دائمًا في محلها..

كزبرة وبقدونس..

لحظة.. ما هذه الشوربة؟ لحمة أم فراخ؟

اممم.. إنها شوربة فراخ.. لذيذة جدًا رغم الدسامة..

ماذا؟!

يبدو أنني شبعت!

التجربة نجحت، وأنا فهمت السبب..

الأمر كله يرجع للوقت، والإحساس، وما نسميه فن "الاستطعام".

لقد أطلقت سراح الوقت في تجربة المحشي، لم أقيده بمهلة محددة، تركت لروحي المتسع من الزمن لكي تنسجم مع تفاصيل الطبخة، وتشعر بكل مكوناتها على حدة.

فإن مذاق الرز يختلف عن الصلصة وعن التوابل، ومذاق الخضار يختلف عن الباذنجان، والفلفل لا يشبههم بطبيعة الحال، أما البصل فهو حلاوة الأكلة وسكرها.. لكل تفصيلة إحساس مميز، والأزمة أننا نسينا كيف نحس بالتفاصيل!

لطالما بحثنا عن النتيجة وأهملنا المتعة في سبيل البحث عنها، نهرول خلف النهاية وننسى أن لكل نهاية بداية أصلًا، وأنه في المنتصف لحظات مفصلية تصنع قيمة الخطوة.

أصبحنا لا ننظر في أمورنا إلا نظرة خاطفة تمر في لمح البصر، حتى إننا لا نستطيع التمييز بين يوم الخميس ويوم الأحد، لقد تداخلت الأيام في بعضها، وهي في تاريخ الإنسانية مجرد "يوم وخلاص"!

بالهداوة، لسنا في سباق مع الزمن..

تخيلوا أن تمر ساعات النهار كله في المطبخ بين تحضير وتسوية وحرارة البوتجاز الخانقة، وتتبخر هكذا في دقيقة واحدة من الأكل بلا طعم ولا روح!

فما ذنبها أمي أن يحني ظهرها محشي لم نتذوقه على مهل!

وكذلك الحياة..

ما ذنبها أن تضيع بهذا الاستعجال!

تأملوا الآن، أين المتعة؟!

ضاعت اللذة يا سادة فأصبحنا نعيش دون أن نحيا، والفرق كبير!

لقد تساءلت كثيرًا عن أسرار خلطة المحشي التي تسلب القلب والعقل، ثمة شيء يجعلها شهية لدرجة الإدمان، وبعد محاولات في حل اللغز، اجتمعن ربات البيوت على إجابة حاسمة، أكدتها لي ست الحبايب: " خليها تتسبك براحتها".

ويبدو أنه سر من أسرار الحياة أيضًا.

أزيدكم من الشعر بيت..

"ريحة صواني مفحفحة، وكوستاليتا مشوحة، وبامية خضرة مسبكة، وشوربة فيها آه مستكة.."

كيف استطاع المبدع الراحل فؤاد المهندس أن يصف سفرة فطار رمضانية بهذه الدقة رغم أنها "ريحة الجيران"؟

يرى الألوان أمامه بعين الروح، ويتنفس روائح مفحفحة ومشوحة ومسبكة ولا يخلط بينهم في طريقة التحضير، وحتى الشوربة، كيف علم أن بها مستكة وليس حبهان مثلًا؟!

إنه سر "الاستطعام" وقوة الإحساس بالتفاصيل وإن كانت مجرد خيالات، لقد انغمس في رائحة طبيخ الجيران وكأنها رائحة تفوح من مطبخه هو، استخدم حواسه كلها في لحظة انفعال، الشم مع التذوق في تناغم حي، سيمفونية حسية مدهشة وبحق، استطاع خلالها أن يحول الخيال إلى واقع من المحمر والمشمر، ونحن أضعنا الواقع هذا وكأنه خيال وأوهام.. أليس كذلك؟

فينك يا عمو فؤاد!

انتهت التجربة على خير..

فهمت فيها بأنه لا شيء يدعونا إلى "السربعة" وإبادة اللحظة بدم بارد هكذا، والحمد لله أنني أدركت هذا المعنى قبل أن أفترس ما تبقى من حلة المحشي من أجل هذه السطور التي لا تنفع البطون، فإن فلسفتي قد تحرم أصحاب البيت من غدوة حلوة ساعة العصاري، لكن الوضع تحت السيطرة، وهُناك حلة ورق عنب قد تنقذ الموقف، إنها نجدة من السماء وبمثابة خطة بديلة وإصلاح ما أفسدته تجاربي، وهي الآن في أهم مرحلة، على نار هادئة.. جدًا.

***

بقلم: نورا حنفي - كاتبة مصرية

كما يقال إن كثيرًا من التحولات العظيمة التي حدثت في التاريخ، وكانت وراء بناء حضارات شامخة، جاءت في أعقاب صدمات كبيرة وانعطافات خطيرة، بل حتى أشهر الفنون التي خلدها الزمن وُلدت من رحم المعاناة. ومن أقرب الأمثلة التي ما زالت تحفظها الذاكرة ما حدث لليابان بعد القنبلتين اللتين أطاحتا بالبلد، وخلّفتا وراءهما بقايا حضارة متوجعة.

لكن…

هل حقًا كل صدمة وتجربة مؤلمة تخلّف نموًا ووعيًا؟

وهل فعلًا يمكن للإنسان أن يخرج من التجربة أكثر نضجًا، أم أن هذه الفكرة أحيانًا تتحول إلى ضغط إضافي على المتألم؟

وإذا كان هذا صحيحًا، فكيف نفسر كل تلك الندوب والجروح التي خلفت نفوسًا متوحشة، كانت سببًا في دمار البشرية؟ وإذا تجاوزنا ذلك إلى أولئك الذين انكسروا ولم ينهضوا، وأدخلهم الفقد في نفق لا مخرج منه، وإلى الأسر التي تحطمت نتيجة آباء وأمهات كانوا هم أنفسهم نتاج صدمات وآلام لم تُشفَ؟

قبل مدة يسيرة، شدتني عبارة تقول:

«إذا بقي الإنسان يرفض زيارة العيادة النفسية، تحت ادعاء أنه بخير، رغم كل الناصحين، فستمتلئ العيادة بمن كان سببًا في ذهابهم.»

ويبقى السؤال: من أنا بعد الألم؟

ربما لا تستطيع الفلسفة وحدها أن تجيب عن هذا السؤال.

فماذا يحدث للإنسان نفسيًا عندما يتعرض لصدمة تقلب عالمه الداخلي؟ وهل يمكن أن تترك المعاناة، إلى جانب جراحها، إمكانية لنمو جديد؟

من أهم علماء النفس الذين تناولوا أثر الألم والصدمة فرويد، الذي يرى أن الألم النفسي والصدمة لا ينتهيان بمجرد انتهاء الحدث، بل قد تبقى آثارهما في النفس، خصوصًا عندما يعجز الإنسان عن استيعاب التجربة والتعبير عنها. فما نعجز عن مواجهته نفسيًا لا يختفي بالضرورة، بل قد يعود إلينا في صورة أخرى؛ فقد يُدفع إلى اللاوعي، ثم يظهر في سلوكياتنا وأحلامنا وأعراضنا النفسية.

والكبت، في المنظور التحليلي، لا يعني أن التجربة قد اختفت، بل إن ما لم يُعالج قد يستمر في التأثير في الإنسان بصورة غير مباشرة. ولذلك يصبح فهم التجربة والتعبير عن المشاعر المرتبطة بها جزءًا من طريق التعافي، بدل أن تبقى غامضة ومكبوتة.

فرويد، إذن، يركز أكثر على أثر الألم غير المعالَج وكيف يمكن أن يستمر في النفس حتى بعد انتهاء الحدث.

بينما يرى عالم النفس السويسري كارل يونغ أن مواجهة الجوانب المؤلمة والمظلمة في النفس يمكن أن تكون جزءًا من رحلة الإنسان نحو الوعي بذاته. فالمعاناة، في المنظور اليونغي، ليست مجرد شيء ينبغي التخلص منه، بل قد تكشف للإنسان جوانب من ذاته لم يكن يراها من قبل، وتدفعه إلى مواجهة نفسه وإعادة بناء علاقته بها.

وكأن الألم، في بعض الأحيان، لا يغير ما حولنا فقط، بل يكشف لنا ما كان مختبئًا في داخلنا.

كما أشار علم النفس المعاصر إلى إمكانية أن يتحول الألم، بعد معالجته واستيعابه، إلى إعادة بناء ونمو نفسي.

ومن هذه الأفكار ما طرحه باحثا علم النفس ريتشارد تيديشي و كالهون في بداية التسعينات حول ظاهرة تُسمى النمو ما بعد الصدمة.

حيث وجدا أن بعض الأشخاص، بعد تجارب شديدة القسوة، لا يكتفون بالتعافي والعودة إلى ما كانوا عليه، وإنما يشعرون بأن التجربة أدت إلى تغيرات عميقة في حياتهم، مثل: تقدير أكبر للحياة، وعلاقات أكثر عمقًا، واكتشاف قوة داخلية لم يكونوا يعرفونها، وتغير في الأولويات، وفهم روحي مختلف.

لكن هذا لا يعني أن الألم والتجارب القاسية شيء جيد، أو أننا نسعى إليها، بل يعني أن الإنسان قد يجد، بعد وقوعها ومعالجتها واستيعابها، إمكانية للنمو من خلالها.

فالتعافي ليس بمحو التجربة القاسية، ولا بالتظاهر بأنها لم تحدث، بل بفهمها واستيعابها، والاستمرار في النمو بوجودها كجزء من تجربتنا.

ولابد أن نتعلم من الطبيعة كيف ننسجم مع قوانين الحياة بدل مقاومتها. وهذه هي النتيجة التي أثارت كل هذه التساؤلات في ذهني، وشدتني إلى البحث والتنقيب، حين قرأت يومًا في الفلسفة الصينية القديمة عن لاوتسه وفلسفة الطاوية.

فالطاوية ترى أن الحياة في حالة تغير دائم؛ الأشياء تولد، ثم تتغير، ثم تزول، والإنسان نفسه ليس ثابتًا. لذلك فإن كثيرًا من معاناتنا قد تأتي من محاولتنا التشبث بما نحب، أو مقاومة ما حدث، أو الإصرار على أن تسير الحياة وفق الصورة التي رسمناها لها.

إنها تدعو إلى المرونة لا الصلابة؛ فليس كل ما يعترض طريقنا يحتاج إلى مقاومة وانتصار. فقد تكون القوة، في بعض الأحيان، في ألا نقاوم، وأن نكون كالماء؛ يستمر في الجريان مهما واجهته الصخور، لا يحاربها، بل يلتف حولها ويستمر حتى يجد له طريقًا للعبور.

الطاوية لا تقول إن الألم «جيد»، ولا تطلب منا إنكار الحزن، وإنما تقول، بصورة أعمق، إن الألم جزء من حركة الحياة، وإن مقاومته المستمرة قد تضيف ألمًا إلى الألم.

دعه يعبرك بهدوء.

ولا يعني هذا الدعوة إلى السلبية أو عدم الحركة، بل يعني المرونة؛ أن نتعلم كيف ننسجم مع قوانين الطبيعة، وأن نعرف ما يستحق المقاومة، وما الأصلح أن نتركه يمر بهدوء.

فالألم لا يمر بنا دون أن يترك أثرًا، كما أن الفقد لا يأخذ منا شيئًا دون أن يعيد تشكيل شيء آخر في داخلنا.

نحن لا نخرج من التجارب كما دخلناها.

ربما لا تكمن القوة دائمًا في أن نقاوم الألم، ولا في أن نتظاهر بأننا أصلب منه، وإنما في أن نسمح لأنفسنا بأن نشعر به، وأن نعبر خلاله دون أن نفقد أنفسنا.

فالحياة ليست وعدًا بالأمان، ونحن لسنا بمنأى عن تقلباتها. والإنسان، في نهاية الأمر، لا يملك أن يمنع الريح، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يقف بعدها.

وربما لا يكون السؤال الحقيقي:

كيف أعود كما كنت؟

بل:

من أنا الآن، بعد كل ما حدث؟.

***

منى الصالح

في مأزق الأدب داخل العالم الافتراضي

لم يعد المشهد الأدبي في العالم الافتراضي يعاني من نقص في الكتابة، بل من أزمة في القراءة ومعايير التلقي. النصوص كثيرة، لكن الانتباه إليها محدود، وغالبًا ما يسبق حضورُ الصورة حضورَ الكلمة.

ليست المشكلة في الصورة بوصفها عنصرًا جماليًا، وإنما في تحولها إلى معيار للانتباه والانتشار. فالمنصات الرقمية تعمل داخل اقتصاد يقوم على سرعة الالتقاط والتفاعل، ولذلك تميل خوارزمياتها إلى إبراز ما يمكن استهلاكه سريعًا، بينما يحتاج النص الأدبي إلى وقت لا تكافئه الأرقام بالضرورة.

هنا يحدث الانزياح الأخطر: ما يجذب الانتباه يبدأ في تحديد ما يُكتب.

فالكاتب الذي يراقب التفاعل باستمرار قد يميل إلى العبارة القصيرة، والصورة المؤثرة، والخاتمة الصادمة، لأنها أكثر قابلية للتداول. وبذلك تتحول الكتابة، تدريجيًا، من بحث عن قيمة جمالية أو فكرية إلى استجابة لشروط الظهور.

ولا يتوقف الأمر عند شكل النص؛ إذ تتأثر أيضًا علاقته بالنقد. فثقافة "الإعجاب" السريع تنتج مجاملات أكثر مما تنتج قراءات. وحين يصبح كل منشور "رائعًا"، يصبح من الصعب على الكاتب أن يعرف مواطن القوة والخلل في عمله. التشجيع الذي لا يتيح ملاحظةً نقدية قد يريح الكاتب، لكنه لا يطوّر كتابته. من هنا تقع المسؤولية على الأطراف الثلاثة.

المنصة مطالبة بألا تجعل التفاعل معيارها الوحيد للظهور. تستطيع أن تخصص مساحات لاختيار النصوص، وتدعم نوادي القراءة، وتفتح المجال لقراءات نقدية، وتمنح الأعمال الجيدة فرصًا للانتشار وفق قيمتها لا وفق حجم التفاعل الذي سبق أن حصلت عليه.

والقارئ يستطيع أن يقاوم الاستهلاك السريع بأبسط فعل: أن يقرأ قبل أن يضغط زر الإعجاب. وأن يستبدل التعليق العام بملاحظة محددة؛ فقول "أعجبتني هذه الصورة الشعرية لأنها..." أكثر فائدة من عشرات عبارات المديح الجاهزة.

أما الكاتب فعليه أن يفصل، قدر الإمكان، بين قيمة نصه وأرقامه. فنجاح المنشور ليس نجاحًا أدبيًا بالضرورة، كما أن ضعف انتشاره ليس حكمًا على جودته. الكاتب الذي يجعل الخوارزمية معيارًا لكتابته يخاطر بأن يكتب لجمهور اللحظة، لا للأدب.

المطلوب إذن ليس إلغاء الصورة ولا رفض المنصات، بل إعادة ترتيب العلاقة بين الوسيلة والمحتوى: أن تكون الصورة عتبة للنص، لا منافسًا له؛ وأن يكون التفاعل بداية للحوار، لا نهايته؛ وأن يصبح النقد جزءًا من الحياة الأدبية الرقمية، لا استثناءً فيها.

فالأدب لا يُقاس بما يوقف حركة الإصبع على الشاشة، بل بما يوقف حركة التفكير داخل القارئ. لذلك لا تكمن المسألة في إقصاء الصورة أو رفض المنصات الرقمية، وإنما في إعادة التوازن بين الوسيلة والمحتوى: أن تكون الصورة عتبةً إلى النص لا بديلًا عنه، وأن يكون التفاعل بدايةً للحوار لا نهايته، وأن يستعيد النقد مكانه بوصفه جزءًا من صناعة الذائقة.

وحين يصبح السؤال: "كم حصد النص من إعجاب؟" أهم من سؤال: "ماذا فعل النص بقارئه؟"، نكون قد انتقلنا من صناعة الأدب إلى صناعة محتوى أدبي قابل للاستهلاك السريع. أما الأدب الحقيقي، فليس ما يستوقف العين لحظة، بل ما يستقر في الذاكرة طويلًا؛ وما يترك لدى قارئه فكرةً أو سؤالًا أو أثرًا يتجاوز عمر المنشور.

ولعل مسؤوليتنا اليوم ليست أن نكتب أكثر، بل أن نقرأ بعمق أكبر؛ حتى لا يتحول النص، في زحام الصور، إلى مجرد صورة أخرى.

***

بقلم: سليمان بن تملّيست - تونس

جربة في 2026/09/08

ليس الانحراف الجنسي والنفسي حكراً على الطبقات الاجتماعية الفقيرة المسحوقة كما يقرر ذلك علماء النفس والاجتماع، بل تعداه إلى الطبقات الراقية التي يحسب لها ألف حساب. لقد تجسد هذا الانحراف بكل أنواعه وعبر مراحل التاريخ من أباطرة وملوك وخلفاء مسلمين وسلاطين وزعماء ممن سولت لهم أنفسهم ونزواتهم الدنيئة ارتكاب أقذر الموبقات إرضاءً لشهواتهم. فمنذ عصر الرومان والفرس والأتراك والمغول وحتى الوقت الحاضر نرى أن الطبيعة البشرية الشاذة هي المنحرفة لم تتغير، أعمال لا تخطر على بال تأنف من القيام بها حتى أخسأ الحيوانات وأذلها، هذه نماذج من هذا الانحراف حدثت في عصور مختلفة متباعدة زمنياً لكن الذي يجمعها هو السقوط الأخلاقي الذي تجسد في زعماء وقادة فضحتهم شعوبهم المغلوبة على أمرها وأدانتهم محكمة التاريخ التي لا ترحم.

كاليجولا .. الإمبراطور السادي (1):

كاليجولا إمبراطور روماني حكم بين 37-41 م اشتهر بجنونه واستبداده وعندما اعتلى العرش كان شاباً حسن السيرة في أول أمره ولكن بعد فترة ظهرت سجاياه الحقيقية فتمادى في الجور وانغمس في الملذات وذهب في المجون كل مذهب كأنه مجنون وأصيب بداء العظمة ومن طريف ما يروى عنه أنه نصب (حصانه) قنصلاً فقد كان هذا الحصان يحضر الولائم ويطعمه أفخر الأطعمة ويسقيه الخمر في كؤوس من ذهب.

وبما أن المجتمع الروماني كان طبقياً فإن العبيد والمعارضين لسلطة الإمبراطور كانوا يلقون في السجون وكان من عادة أباطرة روما أن يجلسوا في الملاعب ليشاهدوا منظر السجناء وهم يساقون إلى الملعب حيث تطلق عليهم الوحوش الكاسرة الجائعة مثل النمور والأسود والضباع والفهود فتقفز هذه الكواسر على الضحايا حيث تلتهم الرؤوس وتفتح البطون بجرة مخلب بين صراخ وعويل هؤلاء الضحايا وبين هتاف الجماهير المتفرجة وقهقهات الإمبراطور لقد كان كاليجولا أحد هؤلاء الأباطرة الذين تعجبهم هذه المشاهد المروعة لقد كان إمبراطوراً سادياً ومعروفاً بكل أنواع الشذوذ الجنسي.

(ومما يروى عنه أنه أعلن نفسه إلهاً وحارب كبير آلهة الرومان (جوبيتر) ووضع لنفسه تمثالاً من الذهب الخالص بالحجم الطبيعي ووضعه في المعبد، وكان يلقي السجناء في الملاعب إلى السباع والنمور ويقف ليشاهد هذه السباع وهي تلتهم هؤلاء الأبرياء بكل لذة ولقد كان منظرهم مصدر لذة كبيرة له خصوصاً بعد أن تنتابه حالات الصرع التي كان فريسة لها منذ الصغر (مجلة الهلال المصرية: 1968) وقد رويت عنه قصص كثيرة لا مجال لذكرها، أما انحرافه الجنسي فحدثنا عنه كتاب (حب الملوك والسلاطين) لمؤلفه اسكندر الرياشي يقول عنه: "فهذا الرجل المخيف المجنون بدأ حياته في الحب بأن ضاجع شقيقاته الأربع العذارى في ليلة واحدة وبعد ذلك أقام عليهن رجال القصر الذين تمتعوا بهن لمدة أسبوع دون أن يتركوا لهن وقتاً للنوم أو الراحة، وكان يقول إن من الواجب أن تشبع شقيقاته من الحب مرة واحدة فيكرهن الحب بعد ذلك ويعشن فاضلات.." ويستطرد صاحب الكتاب قائلاً: "وكان كاليجولا يعشق كل أولاد الأسر الكبيرة وجعل من أسمائهم جدولاً خطه بيده لا يزال موجوداً حتى اليوم في روما عنوانه (النبلاء الأقوياء الذين تشرفوا بمضاجعة الإمبراطور..)".

وبعد أربع سنوات من حكمه الشاذ قتل على يد أحد حراسه الشخصيين.

***

غريب دوحي

حفلة سيف نبيل في حلب/ سوريا تعرضت لمحاولات منع الغناء وتسقيطه على مواقع التواصل، وظهر خطاب يقسم مناطق سوريا الى أماكن "يجوز فيها الغناء" وأخرى "لا يجوز". هذه ليست مجرد قضية حفلة.

هنا يظهر مفهوم "الذوق العام" كأداة خطيرة عندما يتحول من احترام حقوق الاخرين في الفضاء العام الى فرض نمط فكري وسلوكي وأخلاقي واحد على المجتمع كله. "الذوق العام" هو القناع الذي تختبئ خلفه الأسلمة الاجتماعية، فهو يبدو بريئا في ظاهره، لكنه في جوهره محاولة لتحويل خيارات شخصية الى قوانين اجتماعية ملزمة للجميع.

تخيل أن شابا أو فتاة تسير في شارع بملابس مريحة، فيأتي من يقول لها "هذا لا يليق بذوق الحي". أو مقهى يشغل موسيقى هادئة، فيتهم بأنه "يخدش الحياء العام". هذا هو "الذوق العام" في أخطر صوره، ليس مجرد رأي، بل سلطة اجتماعية تمارس الضغط على المختلف.

هذه احدى طرق فرض نمط ديني واحد على المجتمع من الأسفل. لا تحتاج السلطة الى إعلان "دولة إسلامية"، بل يكفي أن يصبح المجتمع نفسه أداة للضغط على المختلف، بالتسقيط والاتهام، ثم يتنازل الفرد عن حريته حتى لا يصطدم بالجماعة.

من أعطاك الحق في تحويل ذوقك وأفكارك الى معيار لحياة الاخرين؟

"الذوق العام" تسمية لا وجود لها، يتم استخدامها لفرض أفكار وطرق على المجتمع وتقييد الاختيارات الشخصية.

الدولة المدنية الحقيقية تحمي الإنسان من تسلط الدولة ومن سلطة المجتمع معا. فالفرد في مجتمعاتنا يعاني من دكتاتوريتين، دكتاتورية الدولة التي تسن القوانين، ودكتاتورية المجتمع التي تفرض العادات. الثانية أخطر لأنها تبدو "طبيعية" و"اختيارية"، بينما هي في الحقيقة قيد أشد إحكاما لأنه لا يرى ولا يحاسب عليه أحد.

فالأخطر ليس دائما أن تفرض القيود بالقانون من الأعلى، بل أن تتحول الى ثقافة اجتماعية تجعل الناس يفرضونها على بعضهم بعضا، حتى يصبح الفرد أسيرا لذوق الجماعة قبل أن يكون أسيرا لقانون الدولة.

والسؤال المهم لماذا يعلن أحمد الشرع في مؤتمر إعلان انتصار الثورة وتوليه رئاسة المرحلة الانتقالية بتاريخ ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٥ عن دولة وطنية وليست إسلامية؟

الجواب ببساطة: لأن غالبية شعب سوريا علماني، وتجنب المواجهة المباشرة معه ضرورة سياسية. لذا ستتم أسلمة المجتمع من الأسفل؛ أي أن المؤسسات الدينية والاجتماعية المحافظة ستعمل على فرض الأسلمة بشكل تدريجي عبر العادات والتقاليد والأعراف، وبأدوات الضغط الاجتماعي وهي الطعن، الاتهام، الاستصغار، والتخوين لكل من يخالفها فكريا.

هكذا ينشأ صراع داخل المجتمع نفسه، ويجبر الأغلبية في النهاية على مسايرة هذه الأحكام خوفا من العزلة والاتهام. هذه هي "تغيير الثقافة" قبل تغيير القانون.

ثم تلقائيا تفرض الأسلمة على مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية والثقافية بشكل غير رسمي، دون الحاجة الى إعلان "دولة إسلامية".

هذه الطريقة أخطر وأكثر إدامة من أسلمة المجتمع من الأعلى مثل أفغانستان، لأنها لا تواجه مقاومة مباشرة، بل تتسلل بهدوء حتى تصبح جزءا من "الطبيعة" و"البديهيات".

والسؤال الأهم: هل "الأسلمة من الأسفل" هي الخطر الأكبر على سوريا، أم أن هناك تحديات أخرى أخطر إقليميا ودوليا؟

***

حسام عبد الحسين

هو دراسة أكاديمية مقارنة مستقبلية بين المفكر الجزائري مالك بن نبي والمفكر العراقي ماجد الغرباوي تأليف المتحدثة جهد استغرق ثلاث سنوات ننتظر أن يخرج إلى النور ويكون في متناول القارئ العربي، قدمت فيه المتحدثة رؤية شاملة للصراعات بين الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي حيث اختارت مفكرين يختلفان من حيث البيئة الفكرية التي نشأ فيها كل منهما لكنهما يتقاربان في نظرتهما للفكر الديني وارتباطه بسؤال النهضة والوعي الحضاري ومسائل أخرى تتعلق بنقدهما للفكر الإخواني والوهابية كذلك وحربها على الفكر الشيعي.

لقد أعْطِيَ لمفهوم القداسة مفهوما خاصا في محاولة تخطي المفهوم الدوغماتي المتداول، من خلال السلوك النموذجي للأنبياء والسير على نهجهم في بناء الإنسان وتحقيق العدالة، فالقرآن وضع آليات تهذيب النفس النفس البشرية وإعادة تشكيل الوعي أي تجديد الفكر الديني بشكل عام والإسلامي على وجه الخصوص، كان هذا خلاصة كتابنا الجديد حول "الفكر الديني وصراع الأصوليات" دراسة أكاديمية مقارنة مستقبلية بين المفكر الجزائري مالك بن نبي والمفكر العراقي ماجد الغرباوي، لوجود تقارب بينهما خاصة ما تعلق بسؤال النهضة والنهوض الحضاري في الفكر الديني،

و قد ربطه كل منهما بالفكرة الدينية، فالعقلانية النهضوية تسعى إلى تجديد الفكر في حل أزمة التخلف، فما يشهده العالم من تطور جعل التراث يتشابك مع التجديد، وتجديد الفكر الديني في الإسلام من أبرز القضايا النهضوية التي تدعو المسلمين إلى النهوض والإرتقاء بالنفس الإنسانية، وكما يقول المفكر محمد إقبال: بإمكان العالم الإسلامي الإنخراط في العالم الحديث وإتمام التجديد الذي ينتظره فالعالم الإسلامي في نظره مزود بتفكير عميق نفاذ وتجارب جديدة

يذهب في هذا الإتجاه المفكر الجزائري مالك بن نبي حيث يرى أن التجديد الحضاري شرط اساسي لنهضة الأمم وعلاج أزمتها، والتجديد الديني عند مالك بن نبي ليس مجرد إصلاح شكلي أو فقهي بحث ، بل هو الروح الفاعلة التي تبني الحضارة، كما أن الإسلام عند مالك بن نبي هو منبع الطاقة الروحية والأخلاقية للمجتمع، ويتفق المفكر العراقي ماجد الغرباوي هنا مع مالك بن نبي في قضية الأخلاق وكل القيم الإنسانية كالتسامح والعطاء والحرية والوعي والتجديد والتعقل والتديّن، باعتبار أن الدين وحده هو المركب الحقيقي للقيم الحضارية ذلك من خلال توفر القانون الأخلاقي الذي يمنح قيمة لما يقوم به الإنسان

ربط مالك بن نبي بين الدين والحضارة أثناء بحثه في شروط النهضة للأمة الإسلامية، ولذا نجده يربط بين تخلف المسلمين وبين فقدان الحقيقة الدينية لفاعليتها في المجتمع والتي قادت البعض إلى الإلحاد، الحديث في هذا الكتاب عن الأصولية العقلية والأصولية الحركية، الأولى ترمي إلى العودة إلى أصول الدين وفهم الإسلام كما فهمه المسلمون الأوائل اتباعا لأوامر القرآن والسنة النبوية، واتخاذ هذا الفهم سبيلا لتجديد الحياة الروحية للمسلمين، والثانية (الأصولية الحركية) هي التيار الذي يتبع الحركات السياسية دون تجديد حقيقي للدين وهي تنتهج الأساليب الحزبية من أجل الوصول إلى السلطة

والإختلاف طبعا سُنّة طبيعية حميدة، إذا ما التزم الناس بآدابه وأقروا بقوانينه، المشكلة إذا ما تحول هذا الإختلاف إلأى نزاع وجدل وشقاق، فالإسلام يعترف بالآخر دون أن يحدد هوية الآخر أو نمط تفكيره أو انتمائه أيًّا كانت أصوله وجذوره أو معتقداته التي تربى عليها إلا بالتقوى، وهذا ما يدعو إلأى الإنفتاح على الرأي والرأي الآخر في إطار التسامح والحوار والعيش المشترك

هو جهد استغرق مدة ثلاث (03) سنوات من البحث والتنقيب والحفر في الكتب لم نعد نفرق فيه بين الليل والنهار، ننتظر ان يرى كتابي النور، هو الآن بين أيدٍ أمينة، ليكون في متناول القارئ العربي / الجزائري، أهديه إلى كل شاب مسلم باحث عن الحقيقة.

***

علجية عيش

من نحن حقًا بعد الصدمات والتجارب المؤلمة؟

ماذا فعلت المعاناة بنا؟

هل هي مجرد أوقات صعبة وظروف قاهرة قلبت حياتنا رأسًا على عقب، وأيقظت أوجاعها ليالينا الهانئة، وجرفت معها أحلامنا، وكشفت هشاشتنا وضعفنا؟ أم أن هناك قوة حقيقية خفية تكمن فيها، قادرة على إحداث تحولات عظيمة في النفس والتاريخ والحضارة؟

خيمياء حقيقية لها القدرة العجيبة على التدمير والبناء؟

سنبحث قليلًا في الفلسفة القديمة، شرقها وغربها، فالموضوع قديم، وقد تناوله الكثير من الفلاسفة والمفكرين.

الكندي، فيلسوف العرب الشهير، تناول الفكرة في رسالته «دفع الأحزان».

لماذا نحزن؟

يرى الكندي أن أحد أهم مصادر الحزن هو التعلق بالأشياء التي يمكن أن تزول. فالأشياء التي نملكها، والأشخاص الذين نحبهم، والصحة، والمال، والمكانة… كلها أمور معرضة للتغير والزوال.

فإذا جعل الإنسان سعادته متوقفة على أشياء خارجية قابلة للفقد، فإنه يجعل نفسه عرضة للحزن.

لكنه لا يقول ببساطة: لا تحزن.

بل يحاول أن يقدم طريقة عقلية للتعامل مع الحزن؛ فالفقد جزء من طبيعة العالم، وليس خللًا طارئًا فيه، ولذلك لا بد أن نتعلم كيف نتعامل معه.

كما تناول أبو بكر الرازي موضوع الحزن والخوف والغضب والرغبات في كتابه الأخلاقي «الطب الروحاني». فهو يرى أن جزءًا من المعاناة النفسية ينتج عن أفكار ورغبات وتوقعات غير منضبطة، وأن الإنسان يستطيع تدريب نفسه على تقليل أثرها.

وكأنه يضعنا في عمق السؤال: كيف تعمل النفس عندما تتألم؟

ويبقى السؤال الذي شغل الفلاسفة منذ القدم:

هل الألم شر نهرب منه، أم تجربة عميقة تكشف جوهر الوجود وتفتح طريقًا إلى النضج والوعي؟

نيتشه أشار إلى قوة المعاناة في تشكيل الإنسان، وكتب عبارته الشهيرة:

«ما لا يقتلني يجعلني أقوى».

فالمعاناة عنده ليست بالضرورة مجرد شيء ينبغي التخلص منه؛ فقد تصبح، إذا استطاع الإنسان أن يتجاوزها ويمنحها معنى، قوة تدفعه إلى إعادة بناء ذاته، كالنار التي تصهر المعدن ليخرج أصلب وأشد صفاء.

ولكن… هل كل ألم له هذا المفعول؟

هنا تكمن الفكرة الأعمق: الألم وحده لا يصنع الإنسان الجديد، وإنما الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع ألمه قد تحوّل التجربة إلى قدرة على إعادة خلق الذات.

بعد الصدمة قد لا نعود الشخص نفسه، لكن يمكن أن نصبح شخصًا أكثر وعيًا بما نريد، وما لا نريد، وما نستطيع احتماله، وما لم نعد مستعدين لقبوله.

وعند كيركغارد، يمكن للأزمات والقلق واليأس أن تكشف للإنسان شيئًا عن ذاته لم يكن يراه في حياته العادية.

أما مارتن هايدغر، فيرى أن مواجهة الموت والحدود النهائية للوجود يمكن أن توقظ الإنسان من الحياة التي يعيشها بصورة آلية، وتدفعه إلى مواجهة سؤال وجوده وحياته بصورة أكثر أصالة.

أحيانًا نحتاج إلى أن نفقد شيئًا حتى ندرك قيمة الأشياء التي كنا نعيشها دون أن ننتبه إليها.

الصدمة إذن قد تكسر وهم الاستمرارية:

كنت أظن أن حياتي ستستمر بهذا الشكل، ثم حدث شيء جعلني أدرك أن لا شيء مضمون.

إنها تكشف هشاشتنا الوجودية، وتضعنا فجأة أمام حقيقة كنا نعرفها نظريًا، لكننا لم نشعر بها من قبل.

أما جان بول سارتر، فيرى أن الإنسان ليس مجرد نتيجة لما حدث له؛ فهو يستطيع أن يختار ماذا يفعل بما حدث.

وهذه فكرة عميقة في موضوع الصدمات:

الحدث جزء من قصتي، لكنه ليس بالضرورة القصة كلها.

قد لا أستطيع تغيير الماضي، لكن أستطيع أن أقرر ما الذي سيعنيه هذا الماضي بالنسبة إلى حياتي القادمة.

وقد يكون الرواقيون قد أشاروا إلى معنى قريب من ذلك:

الحدث لا يحددك بقدر ما تكشف استجابتك له عنك.

عند إبكتيتوس وماركوس أوريليوس، لا نستطيع التحكم بكل ما يحدث لنا، لكن نستطيع — بدرجات متفاوتة — التحكم في استجابتنا له.

الفقد يحدث.

المرض يحدث.

الخيانة تحدث.

الموت يحدث.

لكن السؤال الرواقي يصبح:

ماذا سأفعل بما حدث لي؟

وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه:

هل الألم يغيرنا، أم يكشفنا؟

وقد نجد أنفسنا، بعد الفقد والتجارب القاسية، نسأل أنفسنا:

لماذا لم أعد الشخص الذي كنت عليه؟

لماذا تغيرت الأشياء التي كانت تسعدني؟

ما الذي حدث لداخلي؟

أهي خسارة، أم أنها شكل آخر من أشكال النضج؟

وربما لا يكون الإنسان بعد الألم أفضل أو أسوأ بالضرورة…

ربما يكون فقط أكثر معرفة بنفسه، وأكثر إدراكًا لهشاشته، وأقل وهمًا باستمرار الأشياء.

ومن هنا يبدأ السؤال الأصعب:

من أنا بعد كل هذا؟

سؤال لم تكتمل فصوله…

***

منى الصالح

 

لا أحب السياسة كعمل، لكنني أتابع مجرياتها باهتمام، وهو أمر تعودت عليه منذ صغري. كان والدي سياسيًا "معتقًا"، من أولئك أصحاب المبادئ الذين نُسفوا مع مبادئهم، فتطايرت معهم أشلاء الوطن التي نحاول عبثًا جمعها بعد أن تلاقفتها أيدي طلبة محو الأمية السياسية الذين لفظتهم المدارس، فكان الوطن وكنا، وصار الوطن وصرنا مصدر رزقهم.

لسنوات مضت، كتبت في السياسة، أحيانًا دون قصد. فقد تفرّ الكلمات لتخفف من وطأة النار التي تحرق صدري وأنا أشهد انهيار البلد. لكنني لست وحيدة على الساحة، فقد صارت السياسة فكرة سهلة المنال لمن يكتب ومن لا يكتب، بينما ظل الإنسان وحيدًا في زاوية النسيان.

وفي بلدي، لا نحتاج إلى ساسة، فهم يتناسلون ويتكاثرون، ويتجمعون كالنمل حول جثة حارة. وجثة الوطن بردت منذ زمن بعيد، لكثرة ما تُركت في العراء.

لا حياة دون وطن، ولا وطن دون إنسان، ولا إنسان دون حب.

فلو كان السياسي يعرف الحب، لتمكن جيش السياسيين الذي يسرح في الخضراء من بناء هذا الوطن. ولو كان القاتل يعرف شيئًا عن ضحيته، لو نظر إلى عينيها لحظة القتل، وشعر بحجم الحزن والرعب، لو أدرك صرخة الـ"لماذا" المكتومة، لو عرف الحب يومًا، لأحجمت يده عن إيقاف ساعة القدر.

لا تُقاس الحياة بعدد المواقف والتجارب، بل بما نستقيه منها من دروس، وبمدى تأثيرها فينا. وكما قال أحدهم في أحد الأفلام، لا تُقاس الحياة بعدد الأنفاس التي نعبّها، بل بعدد اللحظات التي تشهق فيها أنفاسنا دهشة.

وعادةً ما تكون هذه اللحظات الفريدة متوّجة بالحب. فكل ما يدهشنا يتحول إلى شيء نحبه، نعتاده، نفرح بالوصول إليه، ونسعد بالحصول عليه، فيمنحنا ذلك السعادة التي لا نشعر بها ونحن نتنفس الهواء يوميًا لمجرد أن نحيا.

في كل ما مرّ بحياتي، وهو بالتأكيد أقل مما مرّ بغيري في هذا العالم، كنت أكتشف، يومًا بعد آخر، أن ما ينقصنا هو الشعور بالحب.

الحب ليس بمعناه المتعارف عليه فقط، ذلك المعنى الذي ما زال يُعامل أحيانًا كأنه أمر مخجل، وإنما حب كل ما يحيط بنا مما يتصل بالإنسان.

نحن شعب لا يعرف الحب، رغم أننا عاطفيون. تبكينا مشاهد كثيرة تخص أحبتنا: رقود أحدهم في سرير المرض، استقبال أو وداع آخر عند السفر، بل حتى مغادرة الفتاة بيت أهلها يوم زواجها قد تتحول إلى "فاتحة" لدى الأم.

لكن دموعنا تختفي باختفاء المشهد، ومشاعرنا تتأرجح مع ارتفاع أو انخفاض منسوب الأعراف والتقاليد والمزاج والعصبية والظروف، ومع أمور أخرى كثيرة تجبر الغالبية على التضحية بالحب.

فالحب هو الفرع الأضعف في عائلة المشاعر الإنسانية، ذلك الفرع الذي يمكن إسكات صوته بسهولة، ب(دفرة) كبرياء.

***

بشرى الهلالي

ما أبهجها من لحظات عندما تجد الأصدقاء القدامى في اِنتظارك وأنت قادم إليهم من تونس العاصمة وتنزل بينهم فيستقبلوك بالأحضان في مدينة المهدية هذه المدينة التونسية العريقة التي تتربع وسط السواحل التونسية تبعد عن تونس العاصمة مسافة 250 كلم وكانت عاصمة الدولة الفاطمية على كامل أنحاء إفريقية في القرن الرّابع الهجري إنّها مدينة المعزّ لدين الله وقائد جيشه جوهر الصقلي ومدينة الشاعر اِبن هانئ الأندلسي

ــ 2 ــ 

قصدت المهدية يوم السبت 17 فيفري 2024 لأحضر اِفتتاح المكتبة الخاصة لصديقنا الفقيد الأديب عبد المجيد يوسف رحمه الله وقد هيأتها عائلته الكريمة بعناية لتكون كتبها المختلفة في متناول الأدباء  والدارسين والباحثين وهذه بادرة جديرة بالتقدير لما ترمز إليه من اِعتزاز ووفاء لصديقنا العزيز من ناحية ومن ناحية أخرى لما تُتيحه من مجالات بحث في أدبه وفي الأدب التونسي والأدب العربي وحتى في بعض الآداب الأخرى لأن مدوّنة الأديب عبد المجيد يوسف تشمل أجناسا مختلفة من الكتابات شعرا وقصة ورواية ونقدا ومقالات في اللغة ومقدّمات وغيرها من المترجمات من اللّغة الفرنسية والإيطالية وقد حملتُ معي إلى هذه المكتبة صورة جميلة كبيرة لصديقي الرّاحل لتقابل كل من يدخل إليها  بسلام… فسلام وسلام على روحك يا صديقي وأرجو من ـ الصّالون الأدبي والفكري ـ الذي تسمّى باِسمك أن يواصل التعريف بمختلف إصداراتك وأن يعمل جاهدا لجمعها ونشرها ضمن طبعة ـ أعمال كاملة ـ كي لا تضيع ويطويها الإهمال والنسيان وما هذا بعزيز إذا صحّ العزم

ــ 3 ــ

كانت مناسبة إذن للإلتقاء بأصدقائي القدامى والجلوس معهم والفضل يعود لصديقي الطبيب الدكتور المولدي فرّوج الذي أعلمهم بقدومي وهو شاعر وروائي ومسرحي وكاتب صحفي عرفته منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين عندما كان طالبا في الطب ومن روّاد ـ  النادي الثقافي الطاهر الحداد ـ ثمّ تعارفنا أكثر بمناسبات اِتحاد الكتّاب التونسيين وجلسات نادي الشعر وعلى صفحات ـ جريدة الرأي ـ وفي ملتقيات الشعر بتوزر والمتلوي وغيرها وهاهو اليوم أجده في اِنتظاري فذكرنا بأسف ولوعة أصدقاءنا الشعراء والأدباء الذين فارقونا في المدة الأخيرة واِسترجعنا بعض الذكريات معهم ولم يغب عنا كذلك الخوض في أحوال اِتحاد الكتّاب التونسيين وما يشهده من ركود في نشاطه وتواصينا أن نساند في المؤتمر القادم المترشّحين الذين نتوسّم فيهم العمل الجدّي والإضافة للخروج بالاِتحاد من أزمته الحالية ليُحقّق طموحات الأدباء وليكون صوتا متميّزا وعاليا في كل ما يهمّ الشأن الثقافي خاصة والقضايا الوطنية عامة وقد تبادلنا الحديث في هذا الموضوع مع الأصدقاء الحبيب بن فضيلة عمار العموري وخالد الرداوي الذين عبّروا عن أملهم وتمسّكهم بالاِتحاد باعتباره مكسبا يمكن أن يكون ناجعا أكثر بفضل ما في رصيده من إنجازات وبما يزخر به من طاقات وخبرات .

ــ 4 ــ

عدت من المهدية بهدايا ثمينة هي إصدارات جديدة للصديق المولدي فرّوج

 * رواية ـ في الاِنتظار

* مجموعة شعرية ـ هذا كلام في الريح

ومجموعة قصصية للصديق الحبيب بن فضيلة

* أجراس صدئة

ــ 5 ــ

بعد الجلسة في المقهى دُعيت إلى الغداء في أحد المطاعم الفاخرة ولكني شكرتهم على كرم الضيافة واِخترت الأكلة التي تختصّ بها المهدية وهي ـ الشّاباتي ـ فأخذوني إلى دكّان مشهود له في هذه الأكلة التي تتكوّن مع عجين مطروح رقيق ثم يُحشى ببيضًا مسلوقا وجُبنًا وفُتاتَ التّن مع شيء من البهارات ويُلفّ الجميع على شكل قرص نصف دائرة ثم يوضع في الفرن وما ألذّه وأشهاه !

سألت صديقي الدكتور الطبيب مولدي فرّوج قبل أن أبدأ تناوله عن طريقة أكله ـ كي لا أوضع في حرج ـ فأرشدني ناصحًا أن أبدأ من زاويته السّفلى المكتنزة

 إنّ حكمة طريقة أكل لحمة الكتف إذن تشبه تماما طريق أكل ـ الشاباتي ـ إذ كلاهما يؤكل بداية من الزاوية السّفلى حتّى لا يسيل ماءُ لحمة الكتف على الثياب وكي لا يتساقط ما في ـ الشّاباتي ـ بين اليدين !

ولم أبدأ إلا بعدما رأيت صديقي يتناول ـ الشّاباتي ـ التي أو الذي ـ أمامه بخبرة ومهارة…كيف لا وهو الطبيب الأديب !!

***

سوف عبيد

 

الذين عبروا صدماتٍ كبرى لم يولدوا هشِّين، فاشلين ولا واهنين، هم عاشوا تحت سقف أمكنةٍ لم تعرف دفء السكينة ونعمة السلام النفسي، حيث الأيام تَنساب بلا طعمٍ للأمان، وبلا وعدٍ بالاستقرار.

نشأوا في بيئاتٍ تعصف بها رياح الاضطراب، تُخيِّمُ عليها ظلال العنف، يشحُّ فيها الاحتواء، فتلتف حولها غيومُ الإهمال الكثيفة.

عاشوا...عاشوا في حالة طوارئ دائمة؛ حيث لم يكن الخطر طارقًا عابرًا، بل مقيمًا بين جدران الذات.

صدماتٌ سبق الجسدُ العقلَ في احتضانها. فلم يَعُد للغدِ موضعٌ في التخطيط، ولا للحلمِ رحابةٌ في الخيال، ولا للأفقِ اتساعٌ في البُعد ؛ جسدٌ همُّه الأوحد أن يُصان ما تبقَّى من كينونته، كغصنٍ يائسٍ يتشبث بالأرض لئلا يطير به الريح.

 لذلك لم يتاح لهم أن ينضجوا على مهل، توقَّفَ نُموُّهم عند النقطة التي اضطُرَّتْ فيها النفس إلى خوض معركة البقاء مع مدار كل يوم، لا معركة الازدهار ولا التطور ولا الإنجاز.

فالعقل المُنهك بفعل النجاة يرى العالم من ثقب الخطر، يعيش في حالة تأهب ووضع إنذار دائم؛ بأنفاسٍ مكظومة، مثقلة بالهمِّ، الغَمِّ، الأسى والتوجس ينتظر أن تحدث المُعجزة، وكلّما سمعَ صوتَ العاصفةِ يختبئ مؤجلاً بذلك نموه وتطوره.

هو لن يُزهرَ، لن ينضج، ما دام كلُّ كيانهِ مشدودًا إلى اضطرابات لا تنتهي وإحساسٍ واحدٍ يتكرَّرُ: كيف أتنفَّسُ دون أن يُمزِّقني الخوف؟ كيف أبقى؟ كيف أستمر؟

يتحول الضغط المستمر إلى قائدٍ خفيٍّ للتصرُّفات كُلُّها؛ يسوق الخطى بصمت، ويتحول الوعي إلى حارسٍ مُرتجف، يراقب، يحذر، ويَتوقَّى السقوط في فخّ ألمٍ لم يأتِ بعد.

يُرجأ النمو لأن طاقتهم تُستنزف في ترميم التصدُّعات والانكسارات، في محاولة فَكِّ شيفرة فوضى لا تُفكَّكُ، وفي التكيُّفِ مع خللٍ كان أثقلَ من أعمارهم الصغيرة.

فالعقلُ المحاصرُ بالخطر لا يرى مسارَ الغد، بل يرى فقط باب النجاة الأقرب.

ويبدأ...

ويبدأ الشفاء حين يهدأ صرير الاحتدامات والتطاحن في الداخل، حين يتوقَّفُ العقلُ عن القتال ليتذوّقَ طعمَ الأمان للمرة الأولى.

عندها يكتشف الإنسان أن العالم ليس سجنًا يجب الفرار منه، بل فناءً واسعًا يمكن أن يُبنى فيه بيتٌ صالح للإقامة.

يتعلَّم كيف يثق، وكيف يهدِّئ جهازه العصبي المتعب، وكيف يقيم علاقةً رقيقة مع ذاته؛ علاقة لا تسعى لتعويض طفولةٍ مفقودة، بل لتزرع في ترابها المحروق زهرةً جديدةً تتفتَّح رغم الرماد.

إنهم لا يرمِّمون ما انكسر فحسب، بل يبنون شيئًا أسمى وعيًا ناضجًا.

 وعيٌ وُلد من عُمقِ هاويات المعاناة، ورحمة داخلية تعلّمت كيف تحمي ذاتها بلطف، بعد أن خبرت القسوة.

هذا ليس مجرَّدُ شفاء، بل ولادة ثانية؛ مختارة، وشجاعة… تخرج من رحم الألم لتلامس النور بأصابع مرتجفة، لكنها واثقة.

دوما القادم من طفولة شقية له حكاية.

قد تسقي دمعته جذور برعم زهرة.. تنمو، تتفتح وترحب بنحلةٍ.

منْ منكم يطعن في حق محمول جوفها؟

شيء...

شيء حزين أن يفكر الإنسان في اللامعنى من الحياة ولا... لا أشتهي أن أكون ضحية سائغة للتفكير في الخلاص على الأقل '' الآن'' و'' هنا '' قد تكون بلامعنى لها، إن رفعنا الراية البيضاء، كرمز للإستسلام ونتبث للإحباط أنه المنتصر وبأننا بالفعل لا نستحق أن نحيا وحان الوقت أن ينتبه الحفار للرائحة ويسارع بالدفن.

المعنى قوة وفرحة عندما يحطمنا الضعف وتسحقنا الأحزان، المعنى يزرع في صحراء نفوسنا زهرة، تسقيها الإرادة وتكون لها الحارسة الحريصة على نموها، هي تعرف أن سموم طفيليات اليأس قد تتسلل خلسة في لحظات سهوٍ إلى الجذور وتغير مسار الغوص والإنتشار وتتسلق الساق وتدميه، تلتهم الأوراق والبتلات وتحول الكل إلى رماد.

كل شيء في وقته ؛ إن مهمتي الوحيدة والسامية '' الآن'' و'' هنا '' أن أعترف بِكُلِّ... بِكُلِّ الزَلاَّتِ والمُوبِقات، الصغائر منها والكبائر، الأخطاء التي ارتكبتها، عن قصدٍ ووعيٍ أو تلك التي أُجبرتُ على إقترافها وقد يكون زمني، نظامه وأهله:  الشيطان.

طبعا ولا ندم بل مواجهة هذه الزَلاَّتِ والمُوبِقات والأخطاء، بِغرض المصالحة معها، هي أنا والإعتراف راحة

أحياناً...

نرسمُ بما تحمله رفوف رؤوسنا؛ ومنها ما فاضَ ثِقلُها بِجبالِ كُتُبٍ ولا يد عنها تنفض الغُبار، ومنها ما يتلذذُ بأنيابِ جردانٍ تقضمُ خشبَه ولا أنين، ومنها فراغٌ لا يقلُّ ثِقلاً.

ونحن...

سجناءُ غرفةٍ باردة، نوافذُها مغلقة، والباب وبإحكام بألفِ دورةٍ أغلقناه... نرسمُ: قرصَ شمس.

المفتاحَ، سهوًا أو عمدًا، في بئرٍ ألقيناه.

سمّاهُ البعضُ خسارة، وسمّاهُ البعضُ أملاً، والبعضُ مصيرًا، وما تبقى اختلفوا ثم توحدوا وقالوا: ربما لغايةٍ لا يفقه سرّها إلا خالق البشر.

وسمّاهُ هذا البعضُ قدرًا.

وكُلُّ "بعضٍ" خلقَ ألفةً مع ما اختار من الأسماء.

مُصيبةُ البعضِ من البشرِ يُدخلُ أنفَه في كلِّ شيء، دون أن ينتظروا الإشارةَ من رؤوسهم، أي أن يتوقفوا عن الركضِ في كلِّ الجهات، ولا يثبتونَ لحظةً ليفكِّروا قبل أن يُسلِّموا المفتاحَ لِّلِسانِ.

هُم يزغردونَ بغريزتهم لا بعقولهم.

الزغرودةُ تصدحُ ساعةَ المرحِ والفرحِ والابتهاج.

وتصدحُ أيضا ساعةَ موتِ شهيدٍ شابٍ أعزب، أمُّه وهي في قمةِ حزنِها تزغردُ لعروسٍ تتخيلُ جمالها، عروس لا تنتمي إلى نسل حواء بعد الطرد، تنتظره في السماء.

زَغْرُودَةُ الْغَرِيزَةِ؛ جامحة تعدو لَا حدودَ يقيّدها؛ إِلَّا إِذَا أَحْسنَّا الْقَبْضَ بِحِكْمَةٍ وَبَصِيرَةٍ عَلَى اللِّجَامِ، فَهِيَ عمياءُ.

 قوتها لا تكمن في كبحها أو قمعها، هي لَيْسَتْ عَدُوًّا، بَلْ طَاقَةٌ تَنْتَظِرُ أَنْ تُوجَّهَ، كَنَهْرٍ جَارٍ: إِنْ حُفِرَ لَهُ مَسْلَكٌ، سَقَى الْأَرْضَ وَيُحْيِيهَا، وَإِنْ تُرِكَ عَبَثًا، غَمَرَ الحقول وَأَهْلَكَ الزَّرْعَ.

هِيَ النَّارُ ومنها يولدُ الهَواء، وَالعَقلُ هُوَ القائِدُ الَّذِي يُنَظِّمُ هَذِهِ النَّار ويَجعَلُ مِنْهَا نورا ودفئا لِصاحبهِ ولمن حولهُ.

إِذَا أمسكَ العقلُ لِجامُها بِرِفْقٍ وَفَهْمٍ لَا تصيرله سِجْنًا، بَلْ جَنَاحَيْنِ. مفتاح للتحرر والارتقاء.

هُم...

يصنعونَ من عجينِ كلماتِهم لَبِنَاتٍ، وبها يبنونَ معاقلَهم؛ يحبسُون أنفسَهم فيها، يغلقونَ أبوابَها بمفتاحٍ واحدٍ يمرُّ على جميعِ أقفالِها.

الغريبُ في المشهدِ يحضرُ نفسَ المفتاحِ، ولا يسألونه عن مكانِ اختفائه، يحضرُ بنفسِ اللونِ والثِقلِ، يحضرُ عندما تتعفنُ جثة ما؛ ليس حبًا به يفتحون، بل لرائحتِها التي لا تُطاق، وهم ليسوا في حاجةٍ للمزيد.

وبعد أن يفتحون حفرةً في الأرض ويواروها الترابَ ويودُّعوها، إلى ظلمتهم يعودون، يُغلقُ البابُ، في انتظارِ راحلٍ جديد.

المفتاحُ أنواعٌ وأشكال؛ منها ما يفتحُ لك ويدهشُك بنورِه، ترى ما يبهجُ ويُريحُ الروح، يمسحُ من عينيك دمعةً، ويخففُ عنك ما يحزنك ويدميك، يزيلُ حسرةً ويزرعُ وردة.

ومنها ما يزلزلُ حياتك، يهزّك ومن رجليك في الهواءِ والرأس تتلاعبُ به الأقدامُ، ويُلقى بك في هاويةِ برودةِ ظلامٍ ويُقفلُ الباب.

الجسدُ قابلٌ للتآكلِ تحت وطأةِ العنفِ والقسوة، قابلٌ للانهيارِ من شدة الحَرِّ، البرودةِ، الجوع، وبالصمتِ الطويل.

لكن الحلم كيانٌ روحيٌّ لا ينكسر. 

***

عبد الحق طوع

 

في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها، نتكبد الكثير من المشقة والصعاب والابتلاءات والمحن، وقد يجد الحكيم نفسه حائراً أمام واقع معقد، لا يدري كيف يتصرف في ظل معطيات شديدة القسوة، تثقل كواهل الحكماء والعارفين وأصحاب النهى والعلم والمعرفة. فإذا كان هذا حالهم، فما بال عامة الناس؟ وكيف يفكرون ويتصرفون أمام صعوبات الحياة ونكدها وشظف العيش وظروفها التي تفرض على الإنسان، مهما اختلفت مكانته أو وظيفته أو مستواه، أن يبحث عن سبيل للاستمرار والتكيف والصمود؟ مصدقاً لقوله جل من قائل" أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ". العنكبوت:2

إن الأذى الذي يمر بنا، والتحديات والملمات التي تواجهنا، تدفعنا إلى الوقوف مع أنفسنا، ومنحها مساحة للتفكير والتأمل العميق في الأزمات والصراعات التي عشناها. بل إن الحروب التي عصفت بنا لم تترك شجراً ولا حجراً على حاله، فما بالنا بالبشر الذين تهددهم المصائب وويلات الفقد والموت والجراح والسجن وقهر الرجال، وتحرمهم من المأكل والمشرب والمأوى والأمان، بل تغيب ربما كل ظروف الحياة ومسراتها؟

نقف مع أنفسنا ملياً، وننظر إلى حاضرنا بعين مبصرة وواعية، ونتأمل ما مررنا به في الماضي من محن وابتلاءات جسام، فقد كانت لنا تجارب قاسية تعلمنا منها، إلا أن الظروف التي نعيشها اليوم ربما كانت مختلفة عما عرفناه من قبل. وهنا يبرز السؤال: هل المطلوب منا أن نستسلم، ونرفع راية العجز، ونتوشح بالسواد والظلمة، ونستسلم للإحباط واليأس، وندخل في دوائر مغلقة من البؤس والحسرة والاكتئاب النفسي؟ هل نجلس نندب حظنا، ونبكي على حياة مضت ربما نبالغ في تصويرها، ونستعيد ذكرياتنا بما حملته من سعادة أو شقاء؟

إن المطلوب منا أن نحكم أفكارنا، وأن نتمسك بالإيجابية والتفاؤل، لا إنكاراً للألم أو تجاهلاً للواقع، وإنما إيماناً بقدرتنا على التعامل معه بما نملك من إمكانات وطاقات. علينا أن نعمل جاهدين، وأن نقدم ما نستطيع من قدرات ومهارات، وأن نتقن ما نحسن صنعه، بدل أن نجمد مسؤولياتنا ونستسلم للعجز والضعف والخور.

ومن واجبنا أن نتحمل أعباءنا، وأن نأخذ بالأسباب التي أمرنا بها الله عز وجل، وأن نقدم ما نستطيع من جهد وعمل، حتى نعمر الأرض ونستثمر ما وهبنا الله من قدرات، مهما كانت مستوياتنا المادية أو المعنوية أو المهنية أو الوظيفية. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا. هود:61

فالطالب يجتهد في دراسته، ويصنع لنفسه أثراً وبصمة ونجاحاً متميزاً، ولا يلتفت إلى المثبطين والمحبطين، بل يعمل على توظيف كل ما يملك من طاقات في سبيل النجاح والتفوق. والطالب الجامعي مطالب بأن يبذل أقصى ما يستطيع لإتقان تخصصه والنجاح في دراسته الأكاديمية، وأن يكتسب العلم والمعرفة والمهارات والخبرات من خلال التدريب والتطوع والمبادرات المجتمعية التي تسهم في بناء شخصيته وصقلها بكل ما هو نافع وخير. وألا يترك فرصة للتعلم والتطوير إلا اغتنمها، حتى يكون أكثر تأهيلاً وتمكيناً لمهنته المستقبلية.

أما الوالدان، فعليهما أن يديرا حياتهما المالية والاجتماعية بكفاءة، وأن يوظفا ما يملكان من إمكانات في تدبير شؤون الأسرة وتربية الأبناء وفق المتاح والممكن. وأن يبحثا عن سبل العيش والإنتاج، وأن يستثمرا المساحات والإمكانات المتاحة، مهما كانت محدودة، فزراعة الأرض ولو في مساحات صغيرة أو على أسطح المنازل، بالإضافة وتربية الدواجن والطيور والماشية ، واستثمار الحرف اليدوية والمواهب وغيرها للبقاء والعيش بالرغم مما نعانية، يمكن أن تكون صورة من صور استثمار الممكن وإدارة دفة شؤون الأوضاع التي نواجهها وصناعة الأمل في نفوسنا وقلوبنا وواقعنا.

كما أن على الوالدين أن يهيئا داخل المنزل أجواءً من الإيجابية والتفاؤل، وأن يعملا على غرس الصبر والمرونة والقوة النفسية في نفوس أبنائهما، مع تعليمهم أن الحياة لا تستقيم على حال، وأنها بين مد وجزر، ويوم لنا ويوم علينا. وأن نرضى بما قسم الله لنا، ونعمل بما في أيدينا، وألا نبقى أسرى للحسرة على ما فات.

إن التربية في أوقات الشدة تحتاج إلى الصبر وصلابة النفس والقدرة على مواجهة الظروف مهما بلغت قسوتها وعنفوانها. ومن يربي أبناءه على هذه المعاني، ويمنحهم مساحات للتدريب والممارسة وتحمل المسؤولية، يسهم في نشأة جيل قوي، صابر، محتسب، قادر على الخروج من أزماته بعزة وشموخ، ويتمتع بمناعة نفسية وقوة روحية، وتكون صلته بالله قوية ومتينة ويستحق أن يكون خليفة في الأرض. مصداقاً لقول المولى عز وجل" وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" البقرة:30

وكما قيل: «اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم»؛ فالمقصود أن نربي أبناءنا على القدرة على مواجهة الحياة، وألا نغرس فيهم الخوف من صعوباتها، بل نمنحهم الثقة والقدرة على التعامل معها، ونحفزهم على الإقبال على الحياة والعمل فيها، مهما كانت قسوتها وآلامها.

فالحياة لا تريد منا أن نبقى على الهامش، أو في ذيل التاريخ، أو نسكن في ظلال اليأس وعتمته، بل أن نبحث عن الضوء، وأن نصنع حضورنا، ونترك بصمتنا وتأثيرنا، ونعيش بكرامة وتفاؤل، مهما انتشرت السلبية من حولنا، ومهما أدلهمت الخطوب والأوضاع.

علينا أن نكون داعمين لأنفسنا ولمن حولنا، وأن ندرك أن الإنسان وحده قد يضعف، بينما الجماعة تمنح القوة والمنعة والتكافل والقدرة على تجاوز الأزمات. فاليد الواحدة لا تصفق، وإنما تتكامل الجهود وتتضافر الطاقات لصناعة النجاح والوصول إلى الغايات.

وعلى القائد أو المسؤول أن يدعم موظفيه ويعينهم على الصعب والأزمات، ويقف بجوارهم يكون زميلاً وأخاً وصديقاً لهم، لا أن يتجبر فيهم، أن يحمل معهم أثقالهم وقسوة ما يعانوه من شظف في العيش ومحدودية في الرزق والقوت. وأن يكون الموظف نشطاً وديناميكياً، كفؤاً في وظيفته، متقناً لعمله، إيجابياً في تعامله، وأن يسهم في نشر روح التفاؤل بين زملائه ومرؤوسيه، وأن يحفز نفسه والآخرين على العمل والإتقان والجودة. فبذلك تتطور مؤسساتنا ووزاراتنا ومنظماتنا، وتدور عجلة الحياة المهنية بكفاءة ونجاح وتميز.

إن رسالتنا اليوم هي أن الحياة لا تبتسم لمن يستسلم لها، وإنما لمن يبش في وجهها، ويتحمل مسؤوليته، ويواجه قسوتها ومعاناتها بكل مرؤءة ورجولة، كما يستمتع بلحظات سعادتها وأملها. ولا بد لنا أن نمضي قدماً، وأن نعمر الأرض، وننشر الخير، ونواصل العطاء مهما كانت الظروف التي نعيشها مؤلمة وقاسية. فمن سبقنا عانى منها وتحمل ما تحمل في سبيل أن يكون له موطأ قدم وثبات ومكانة.

فالبسمة الحقيقية لا يعرف قيمتها إلا من استطاع أن يمتلك نفسه عند الألم، وأن يحافظ على إنسانيته وأمله رغم قسوة الظروف. والآمال لا تتحقق بالتمني وحده، وإنما بالفكرة السامية، والإرادة الإيجابية، والعمل الدؤوب، والإيمان بالقيم والمبادئ التي يحملها الإنسان في عقله ووجدانه.

فلنجعل من المحن دروساً، ومن الأزمات فرصاً لإعادة بناء أنفسنا، ومن الألم دافعًا للعمل، ومن الأمل طريقاً للمستقبل.

ولتكن حياتنا قامة شامخة، مهما اشتدت الظروف وقست الأيام.

دمتم سالمين، متفائلين، قادرين على صناعة الأمل وصنع الأثر.

***

د. أكرم عثمان

6-9-2026

من أنت بدون قناعك؟ سؤال يتجاهله البعض عمداً، ويفر منه الآخرون خوفاً؛ إذ يظن الكثيرون أنه عندما يزيل المرء قناعه، فإنه لن يرى سوى وجهه المشوه، أو شخصيته السلبية، أو صفاته السيئة. لكن الخطأ التام ليس هنا، بل يكمن في طريقة التفكير ذاتها، وفي نظرتنا القاصرة لكينونة النفس البشرية.اليوم، وفي غمرة الصخب الرقمي والتحولات المتسارعة، أصبح للإنسان أقنعة متعددة ومتلونة؛ يرتدي قناعاً في حياته الاجتماعية، وآخر في حياته العملية، وقناعاً مختلفاً في حياته العلمية والأكاديمية. يغير الوجوه والسلوكيات ليتكيف، وليجاري عالم الشاشات والمعايير الزائفة. ولكن، أين يكمن صلب الإنسان؟إن المكمن الرئيسي وجوهر الإنسان الحقيقي هو ذلك الذي يكون بلا قناع.. بينه وبين ذاته فقط. هي تلك الشخصية الحبيسة التي لا تظهر إلا في لحظات الصمت المطلق؛ بين الإنسان وعقله، بينه وبين روحه، تنحصر بينه وبين نفسه في تلك الزاوية السرية التي يستحيل على العالم الخارجي اختراقها.والحقيقة الوجودية المجرّدة هي أن هذه الشخصية لن تخرج أبداً للعلن، ومهما تقدم العلم، ومهما تطورت التكنولوجيا، ومهما بلغت وسائل المكاشفة الرقمية، فإن هذا العمق سيظل عصياً على الخروج بتاتاً. ولماذا يستحيل خروجها؟ لأن مكمن نية الإنسان وكينونته كـ "البذرة"؛ إنها تنبت في الخفاء، وتتفرع جذورها في الظلام، وتثمر فكراً وسلوكاً في العلن، لكن البذرة نفسها يجب أن تبقى مدفونة في عمق الأرض. إن خرجت البذرة إلى السطح وانكشفت للنور المباشر، لن تنمو.. بل ستموت وتتلاشى.ولكن، دعونا نصدم أنفسنا بالحقيقة الأعمق قبل أن نغلق هذا الستار: هذه البذرة هي نفسها للجميع. نحن نولد بالجوهر النقي ذاته، والنواة البيضاء ذاتها، لكنها طُمست وتفرعت ببيئة الإنسان. البيئة المحيطة، وثقافة العصر المشوهة، والإدمان الرقمي، هي التي لوثت التربة، وفرضت على البذرة الواحدة المشتركة أن تنبت أقنعة غريبة وصادمة. هنا تنتهي الكلمات.. وتبدأ معركتك أنت مع عقلك لتسأل نفسك: أي قناع ترتدي الآن؟ وما الذي فعلته بيئتك ببذرتك النقيّة؟

***

بقلم: إيمان خريسات

يقول زهير بن أبي سلمى (520 - 609) ميلادي:

"وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم

وما هو عنها بالحديث المرجّم

*

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة

وتضرى إذا أضريتموها فتضرم

هذا شاعر وصف الحرب في زمانه البعيد، وهو يترجم السلوك البشري المعبّر عن أمّارة السوء الفاعلة فيه، والساعية لسفك الدماء وزهق الأرواح، وتحسب ذلك نصرا وفخرا.

فالحرب ليست قصصا تروى كما يرى الشاعر، وإنما هي الوجه الآخر لما فينا من عدوانية تجاه أبناء جنسنا، فالبشر يقاتل البشر ويمحق بعضه بعضا، وهذا ديدن السلوك المتوارث عبر العصور، فأول ما أظهره هو جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل، كما يُروى.

وهذه إقترابات من زوايا متنوعة للحروب التي لن تتعافى منها البشرية، وهي من رواسخ طباع البشر.

أولا: حرب الحروب!!

كتبنا كثيرا عن الحروب وتوهمنا بأن الأفظع فيها الحروب التي ستستخدم فيها الأسلحة المتطورة، وخصوصا ما تم إختراعه في القرن الحادي والعشرين الذي يتلخص بقدرات إليكترونية عالية، وإمكانيات التحكم عن بعد في العديد من المخترعات الفاعلة في الأرض، ويأتي في مقدمتها المحلقات الذاتية التي يتم التحكم بها عن بعد بعيد، يفوق تصورات البشر، فيمكن التحكم بمقذوف طائر على سطح المريخ وأنت جالس في غرفة في الآرض.

وقبل أن تهب عاصفة الكورونا كنت أتحدث مع زميل عن بلاء الطائرات بدون طيار وما يتصل بها من مخترعات متناهية في الصغر، والتي ستصطاد البشر وتتسلل إلى بيوتهم وتخطفهم خطفا، وإذا بزوبعة كورونا تهب، وتزعزع تفكيرنا وتضعنا أمام مصير مجهول يتساوى فيه البشر، وتتأكد نهايته التي أغفلها طيلة حياته.

فهل ستعلمنا ما ينفعنا، أم أنها ستكون كسابقاتها تعصف بنا وتهدأ، ويمضي البشر على ذات السكة بعدوانية متنامية؟!

تتفاوت الأجوبة، وتتقاطع، ومنا مَن يقول بأننا سنتعلم ونكون أفضل في سلوكنا، ومنا من سيقول لن ينفعنا إلا أن نكون على شفا حفرة من الرحيل، والواقع يقول بأن البشرية محكومة بإرادة النفس الأمّارة بالسوء، ولا قدرة لها على التحرر من قبضتها وأهوال نوازعها ورغباتها المفلوتة.

والحقيقة المريرة التي نغفلها دوما ولا يعجبنا سماعها أو التفاعل معها، تتلخص بأن البشر عصي على التعلم والتفاعل الإنساني الرحيم، مهما توهمنا وشاهدنا من مواقف وحالات، لكنها شاذة وقليلة وغير سائدة، فالذي يسود هو التوحش ونداءات الغاب العاصفة في دنيانا، والتي تدفعنا إلى حيث تريد ونحسب أن ذلك ما نريد.

كم تحدثنا سابقا عن العدو الحقيقي للحياة، وما كان إلا حديثا منبوذا وصوتا مرفوضا، يدعو إلى السخرية، وعندما وقعت الواقعة تجمّد الناس وصاروا في حالة رعب مرير أمام مصيرهم وحتمية نهايتهم، التي لا يمكن التفاعل معها وتغيير نتائجها إلى بجهد عظيم.

فالبشرية لا قِبل لها على مواجهة العدو اللامرئي، وفي كل صولة يأخذ منها آلافا مؤلفة، وإن إستطاعت أن تنتصر على بعض الاوبئة لكن عواصفها لا تزال تهب وتحصد ما تريده من المخلوقات البشرية المبتلاة بالحياة.

والعجيب في أمر البشرية أنها تميل نحو تطرف مخيف في سلوكها، فالثراء الفاحش تطرف والفقر المدقع تطرف، وزيادة أعداد البليونورية تطرف وكذلك زيادة أعداد المفلسين الذين يحلمون بدولار يسد رمق وجودهم لبعض الوقت.

فهل ستستقيم الأمور وندرك أن الحرب الحقيقية هي ضد الظلم وإقامة العدل لكي ترحمنا الأوبئة.!!

ثانيا: حرب على حرب!!

حرب عجيبة رهيبة، العدو فيها لا يُرى، والعتاد لا ينفع، وأضراره لا تُعد ولا تُحصى، وما يفعله بالبشر لم يفعله فايروس قبله، وهو عنيد وبعيد عن الإصابة بما عندنا من الأدوية والوسائل العلاجية الأخرى.

فكيف للبشر القبض على هذا الفايروس وتحديد نشاطاته الإنتشارية الفتاكة؟

عدو يجتاح الأرض ويصيب أقوى دولها بمقتل!!

أوربا بعض دولها تستغيث وقد وصلت إلى حافات الإنهيار الكبير!!

أمريكا تصارع العدوان الفايروسي الذي يستنزف طاقاتها ويشل قدراتها، ويرهنها بموقف الدفاع الضعيف!!

البشر يهرب من الوياء وينزوي في البيوت، فالمدن الكبيرة تحت قرارات حذر التجوال، لأن الفايروس يصول وينتشر بسرعة مخيفة.

إنه أخطر فايروس عهدته البشرية على مر العصور، وهدفه القضاء على الملايين تلو الملايين، وبوسائل غريبة وفتاكة، فهو يشل عضلات التنفس ويقضي على فريسته الآدمية.

فما أن يشل العضلات التنفسية فأنه ينفي الحاجة لأجهزة التنفس الإصطناعي لأنها ستعحز عن تأهيل العضلات للعمل وإسناد الحياة.

مناظر الضحايا مرعبة ومهولة، وعجز القدرات البشرية أشد هولا، وما يرافق ذلك من تداعيات إنفعالية وسلوكيات إضطرابية يجعلنا أمام مصير واحد!!

فالبشرية في يقظة الموت، وبدت حقيقة الحياة أمامها، وإتضح ضعف البشر وعدم قدرته على الإنتصار على مخلوقات لا يراها، لكنها تتسلل إلى بدنه وتقضي عليه.

الموت هو الحاكم والسلطان!!

الموت يحكمنا، ويتسيّد على وجودنا!!

نعم إنه الموت !!

" وإذا المنية أنشبت أظفارها....ألفيت كل تميمة لا تنفع"!!

الموت الذي جاء البشرية بزي كورونا، وبصولته العولمية سيؤذينا!!

فهل سيعظنا ويحيينا؟!!

ثالثا: هل أنها حرب الإغتيالات؟!!

يقولون أن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت، والكثير من الخبراء والمفكرين يرون أنها حرب تكنولوجية وإليكترونية ولن تكون نووية، ويبدو أن المبتكرات بأنواعها، ومنذ أن إنطلقت بتسارع في القرن العشرين تميزت بإستخدامها للتعبير عن العدوان والشر.

فالطائرة إشتركت في الحرب العالمية الأولى بعد إختراعها ببضعة سنوات، والسيارة وغيرها من المبتكرات، وحتى وسائل التواصل المعروفة التي تألقت في القرن الحادي والعشرين.

ومن الواضح أن الطائرات المسيرة قد إكتسبت أهمية كبيرة وتطورت تقنياتها وتعقدت وصارت تصل إلى أهدافها بدقة متناهية، وهذا ما يحصل في العالم الذي يحقق بها صولات مروعة في أرجاء المعمورة.

وهذه الطائرات المسيرة تعددت أحجامها وتقنياتها وقدرات التحكم بها عن بعدٍ بعيد، إذ يمكن إرسالها إلى الكواكب الأخرى والتحكم بها من الأرض.

وقد تكون الحرب التي يُراد لها أن تتطور في المنطقة من هذه الطبيعة، التي تعني أن الإغتيالات تُواجه بإغتيالات متقابلة، والآلية التي سترد بها القوة التي تم إغتيال أحد قادتها، ربما ستكون بإغتيال ما يماثله من الطرف الذي إغتاله.

وهذا ربما يفسر التباطؤ في الرد وترك الأذرع المتحمسة المندقعة ترد، وفقا لما تقرره إنفعالاتها وتصوراتها القصيرة وتفاعلاتها الهوجاء.

ولسوف تخبرنا الأيام بإتجاهات ومسارات التواصل الإغتيالي ما بين أطراف لعبة الحرب العالمية الثالثة وميادينها المعروفة، والتي سيتحقق تخريبها وتدميرها بالكامل، فهذه الحرب لا تكون في أراضي الأطراف المتحاربة، وإنما على أرض طرف ثالث يتحقق تسخيره وتأهيله لكي يكون في غاية الحماس والإندفاع للسقوط في حبائل الويلات والتدعيات كالمنوّم أو المخمور بالضلال والبهتان.

أجل إن الحرب العالمية الثالثة تستند على معطيات الحربين العالميتين السابقتين لها، وخلاصة الدرس الكبير منهما أن لا حرب على أراضي المتحاربين، إنها أشبه بالمبارزة على أراضي المغرر بهم والملعوب بعقولهم ونفوسهم، وقد تم العمل بموجب هذا الدرس منذ الحرب الباردة التي أدت إلى إنهيار الإتحاد السوفياتي، واليوم الحرب أكثر سخونة بسبب التكنولوجيا المتطورة.

فهل لنا القدرة على الوقاية من السقوط في ميادينها؟!!

رابعا: حرب تأكل قرنا!!

الحرب العالمية الهائلة بدأت منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين، وهي متواصلة بآليات وأساليب متنوعة، وبقدرات متباينة وفقا لمعطيات الحالة التي تتفاعل معها، فهذه حرب تختلف عن جميع الحروب التقليدية التي أسدل الستار عليها القرن العشرون.

فالبشرية لا يمكنها أن تتواصل من غير حروب وهذا ديدنها منذ الأزل، وبموجب ما توفر من أدوات ووسائل تكنولوجية وإليكترونية وتواصلية متنوعة، فأن الحرب قد أخذت مناهج وإتجاهات ومنحنيات غير مسبوقة، فهي حرب على كافة المستويات وبقدرات معقدة ومتطورة.

إنها حرب نفسية وفكرية وعقلية وسلوكية ومائية وزراعية وتجارية وغذائية ودوائية وجرثومية وبايولوجية وإليكترونية ، وتستحضر ما يمكنها من أدوات التحارب والتدمير.

فكل ما يخطر على البال وما لا يخطر سيحضر في هذه الحرب المروعة، التي تشب في بقاع الدنيا وتطغى أحداثها ونوباتها القاسية على الأخبار المسموعة والمقروءة والمرئية.

ووفقا لما يبدو عليه الواقع الأرضي فأن المجتمعات عليها أن تعي بأنها تعيش حالة حرب شرسة ومتطورة ، وعليها أن تعتصم بإرادة وطنية واحدة، وتُفاعل عقولها وتستثمر في إمكاناتها وتبني ما يحافظ على ديمومتها وتواصلها، قبل أن تتحول إلى قشة في تيار الحرب القاهرة المستعرة.

الحرب تتخذ صفحات متنوعة فهي اليوم في سوحها الكبرى تجارية، وفي تفاصيلها الأخرى دموية تدميرية كما هو الحال في المجتمعات المسلوبة الإرادة والسيادة، وفي أخرى مشاعية الأسلحة الأوتوماتيكية الفتاكة، وعند آخرين صاروخية نووية إليكترونية بايولوجية ترهيبية آثمة.

وبين حين وحين تصعد موجة وتهبط أخرى، وينشغل الكتاب والمفكرون بما ينجم عن الأمواج المتلاحقة ويغفلون التيار وما يصب في نهر الوجيع البشري الدفاق.

والكثير من المجتمعات والشعوب تتحول إلى حطب لها ووسائل لتنفيذ أجنداتها وبرامجها الخلاقة، التي وجدت في مجتمعاتنا الطائفية والمذهبية والدين الذي تقرن به أحداثا ذات إنفعالية طاغية تعمي الأبصار وتشل العقول وتحجب قدراتها على النظر والتقدير.

ولكل حالة أدواتها ومفرداتها التحاربية التي يتحقق تأجيجها والإستثمار الفائق فيها، وما يجري في مجتمعاتنا يمضي وفقا لإرادة هذه الحرب، التي ستتواصل على مدى القرن الحادي والعشرين، وغايتها أن تنمحق الشعوب المطمورة بالأضاليل والبهتان، وتدوسها سنابك القوى الشرسة الإفتراس.

فهل سنتمكن من إستيعاب الصورة الحقيقية للأحداث والتداعيات، ونتفاعل معها بقدرات إحترازية ودفاعية ذات قيمة حضارية وإرادة وطنية حرة؟!!

خامسا: حرب المئة عام بين المسلمين!!

جبل الثلج الطافي فوق مياه التبويق الإعلامي لا يظهر منه إلا رأسه، والنسبة العظمى غاطسة في بحار الأوهام والأضاليل والخدع، والآليات الساعية للإعداد للحرب الطويلة الأمد ما بين المسلمين.

الأقلام تكتب والخطابات تتوالى ووسائل الإعلام بأنواعها تتراكض نحو الوعيد، وكأنها في ميادين تسابق نحو الجحيم.

فمن الذي سيربح من أجيج النيران إذا شبت في المنطقة؟

ومن الذي سيخسر؟

لماذا هذا الإندفاع الأهوج نحو الواقعة؟

العرب لن يتنعموا بحياة أمن وسلام ما داموا من المغرر بهم، ومن الذين يتحقق إمتطاؤهم لتنفيذ المشاريع المضادة لمصالحهم، وما دام المنصبين على وجودهم يتأمّرون ويتآمرون عليهم وهم العبيد لأسيادهم، الذين يحافظون على بقائهم في السلطة لأنهم ينفذون الأوامر ويؤكدون المصالح.

فاللعبة الجارية في الميادين العربية، والتي بدأت بمنزلق اليمن، غايتها أن تمضي الأرض العربية مستعرة على مدى القرن الحادي والعشرين، وأن تكون الحرب ما بين العرب وإيران متواصلة، وما بين العرب والعرب الذين يتم وصفهم بأنهم الأذرع لإيران في المنطقة، مما يعني أنها القارعة وما أدراك ما هي!!

قد يقول قائل أن في هذا الطرح نوع من الهذيان والخيال الجامح، لكن العارف بآليات السلوك الدولي والتفاعلاىت ما بين القوى التي تمتلك خبرات الحروب العظمى، سيعرف أن الأمور تجري بهذا الإتجاه، وأن الدروس المستخلصة من الحرب العراقية الإيرانية، أثبتت أن العرب والمسلمين يمكنهم أن يسقطوا في هوة الحروب الطويلة الأمد، ما دامت أموالهم مسخرة ضدهم.

وبادرة هذه الويلات ما حصل في اليوم والذي توهم القائمون عليها بأنها حرب بضعة أيام أو اسابيع، لكنها تواصلت وتطورت وستتطور أكثر وستمتد نيرانها لتشمل المنطقة بأسرها، وسيتحقق إمدادها بالأسلحة والمعدات والخبرات، والعمل الجاد على تنميتها وزيادة قدراتها التدميرية.

واليوم المسعى لنشوب حرب خليجية إيرانية وخليجية خليجية، مما يعني المسير على سكة إنهاكية ترويعية إستنزافية تدميرية، ستصنع خرابا هائلا وتبذيرا مروعا للثروات العربية، وستفقد دول المنطلقة سياداتها وقدراتها على العيش بلا إعتماد على مستعبد لها.

فالحرب القادمة مئوية المواصفات والتطلعات، وعلى العرب والقوى الإقليمية إدراك اللعبة قبل السقوط في أتونها والتمحن بتداعياتها المريرة القاسية.

فالخاسر هم العرب والإيرانيون، والرابحون قوى معروفة وتريد الهيمنة على المنطقة بأسرها.

فلماذا يجنح المسلمون إلى إفناء بعضهم، ولا يعتصمون بحبل الله الذي به يؤمنون؟!!

أ ليس من الأصلح للجميع أن تسود المحبة والأخوة وقيم حسن الجوار؟!!

فلا تكونن من الغافلين!!

وختاما علينا أن نعرف مواطن قوتنا ومصادر إقتدارنا، وأن نتحد في رؤانا وتفاعلاتنا اللازمة لتأمين مصالحنا والحفاظ على وجودنا العزيز، بدلا من إنزلاقاتنا المتكررة المعدة لإلهائنا ببعضنا، وتشتيت قوانا وتحويلنا إلى ضحايا قابلة للإفارس اللذيذ.

حروبٌ في مَواجعها نضيعُ

كأنّا من جَهالتنا نطيعُ

أرادونا كمُنطلقٍ لوهمٍ

لتضليلٍ وتكفيرٍ نبيعُ

لماذا أمّةُ الفرقانِ تاهَتْ

وأوْهنها التفرّقُ والفَجيعُ

***

د. صادق السامرائي

تُمثّل القراءة للتاريخ ضرورةً منهجية لحماية الوعي الإنساني  من التضليل، إذ إن استعادة الأحداث والانساب وتجريدها من الموروثات الظرفية تُعد الخطوة الأولى نحو بناء معرفة تاريخية تتسم بأعلى درجات المقاربة للموضوعية.

يتطلب علم الأنساب والدراسات التاريخية معالجةً دقيقة لا تعتمد الموثوقية المطلقة لأي مصدر أو وثيقة إلا بعد إخضاعها للتحقيق المعمق والتدقيق المحايد. إن اعتبار الوثيقة التاريخية معطياتٍ يقينية مجرد ورودها في أمهات الكتب أو الرقع القديمة يوقع الباحث في فخ التعميم؛ فكثير من المرويات التي وصلت إلينا تنطوي على حقائق مغيبة وتزييف للواقع الملموس.

العوامل المؤثرة في تشكيل الرواية التاريخية

لم تسلم حركة التدوين التاريخي (لا سيما في التراث العربي)

من دوافع ومؤثرات أثرت في دقة المضمون وصحته. وتتلخص أبرز هذه المؤثرات في العوامل التالية:

الضغوط السياسية وسلطة النفوذ خوف المدونين من بطش السلطان أو رغبتهم في نيل عطاياه ومكافآته المالية

الانحيازات الشخصية والجاهلية التحامل القبلي أو المذهبي الذي يوجه القلم لنفي نسب أو إثبات آخر، إضافة إلى الجهل بالظرف التاريخي للواقعة

عوامل التحريف الزمني واللغوي الأخطاء الناجمة عن الترجمة، أو النقل المباشر دون دراية بملابسات العصر، فضلاً عن التصحيف والتسلسل عبر الأجيال.

منهجية التحقيق والتحري المعاصر

لا يقف منهج النقد التاريخي عند النصوص الموروثة قديمًا فحسب، بل يمتد ليشمل الوثائق العائلية والخاصة في العصر الحديث. إن العثور على وثيقة خطية مدونة بقلم الأجداد لا يمنحها حجةً قطعية ما لم تُقارن بالوثائق المعاصرة لها وتُعرض على السياق التاريخي العام

إن اعتماد معلومة واحدة دون تمحيص يؤدي إلى اختلاط المفاهيم وتداخل الحقائق الادعاءات. لذا، تبقى إعادة قراءة التاريخ بتجرد وفق أدوات البحث العلمي القائمة على المقارنة والتحليل المادي والنقدي السبيل الوحيد للوصول إلى استنتاجات صريحة وحقائق صلبة تحمي الذاكرة من التشويه والتزيف.

***

بقلم الاستاذ أسعد الجوراني

قرأت ما كتبه الدكتور سعيد إسماعيل علي عن تجربتيه مع عملاقين من عمالقة الفكر العربى، الدكتور عبد الرحمن بدوى والدكتور جمال حمدان، فوقفت طويلاً أمام هذه الشهادة الصادقة التى تكشف وجهًا آخر من وجوه عظمائنا. وجهًا لا نعرفه، ولا نريد أن نعرفه، لأننا ببساطة نفضل أن نعيش فى أسطورة العبقرى الإنسانى النبيل الذى يجمع بين نبوغ العقل وسمو الأخلاق. لكن الحقيقة المرة التى تكشفها هذه الشهادات أن العبقرية فى عالمنا العربى كثيرًا ما تكون عبئًا على صاحبها قبل أن تكون إضافة للفكر، وأنها كثيرًا ما تنمو فى تربة الوحدة والانعزال، حتى تصير نوعًا من الوحدة المرضية التى تحول صاحبها إلى جزيرة معزولة عن بحر الإنسانية.

إننى لا أكتب هذه السطور لأجلد الدكتور بدوى أو الدكتور حمدان، رحمهما الله، فهما بحق من أعلام الفكر العربى الذين لا يمكن تجاهل إسهاماتهم. لكننى أكتب لأطرح سؤالاً أظنه مشروعًا وهو ما الثمن الذى يدفعه المجتمع العربى نظير هذه العبقريات المعزولة؟ وما الثمن الذى يدفعه العبقرى نفسه حين يصبح سجين عبقريته؟!

لنبدأ من الدكتور عبد الرحمن بدوى، الفيلسوف الذى جمع من العلم ما يعجز عنه عشرات الأساتذة مجتمعين. المفكر الذى ترجم وألف وحقق ما يفوق قدرة أى مؤسسة علمية كاملة. حين تقرأ قصته مع الدكتور سعيد إسماعيل علي، تجد أن بدوى لم يتعامل مع زائر له ببرود فحسب، بل بتعالي واستعلاء يصل إلى حد الازدراء. لم ينظر إليه، لم يرحب به، لم يدعه للجلوس. سلوك لا يمكن تبريره بأى منطق علمى أو فلسفى. فيلسوف الوجودية العربية الكبير، الذى كتب عن الحرية والاغتراب، كان هو نفسه ممارسًا للاغتراب بأسوأ صوره؛ اغتراب لا ينتج فكرًا، بل ينتج جفاء إنسانيًا لا مبرر له.

والسؤال هنا هو هل كانت عبقرية عبد الرحمن بدوى سببًا فى هذا السلوك أم أن هذا السلوك كان ثمنًا للعبقرية؟ إننى أميل إلى أن بدوى كان ضحية لمفهوم خاطئ عن العبقرية، مفهوم يظن أن العبقرى يجب أن يبتعد عن الناس لأنهم لا يفهمونه، وأن من واجبه أن يحافظ على (قداسته) ببناء الأسوار بينه وبين الآخرين. وهذه معضلة أرى أنها عربية بامتياز، ففى ثقافتنا نميل إلى تقديس العظماء حتى نعزلهم عن الحياة، ثم نلومهم عندما يتحولون إلى طغاة معرفيين يحتقرون من عداهم.

أما الدكتور جمال حمدان، فرغم أن قصته تبدو مختلفة، إذ كان رقيقًا مهذبًا، فإن منطق رفضه للهدية يكشف عن أزمة أعمق. إنسان يرفض علاقة إنسانية كاملة، حتى لو كانت مجرد تبادل إهداءات كتب، لأنه ببساطة "لا يريد علاقة مع أحد". هذا ليس سلوكًا عاديًا لعالم معتزل، بل هو إعلان حرب غير مباشرة على فكرة التواصل الإنسانى نفسها. والدكتور حمدان، مؤلف (شخصية مصر)، الذى حلل الشخصية المصرية بعمق غير مسبوق، عجز عن فهم شخصيته هو، أو ربما فهمها أكثر مما ينبغى فاختار الهروب من البشر تمامًا.

ما يجمع بين القصتين أن كلاً من العبقريين انتهى إلى نوع من الانفصال عن الواقع الإنسانى، بينما كانا يكتبان عن الإنسان ووجوده وشخصيته. وهذه مفارقة يمكن أن نسميها (مفارقة العبقرية العربية)؛ أن يكتب مفكرونا عن الإنسان من برج عاجى عالي لا يرون فيه الإنسان ذاته. كتب بدوى عن الوجودية، لكنه لم يستطع أن يمارس أبسط قواعد الوجود المشترك مع الآخرين. وكتب حمدان عن شخصية مصر، لكنه لم يستطع أن يتعامل مع شخصية واحدة من أبناء مصر.

إننى أتذكر هنا كلمات الفيلسوف الألمانى نيتشه عن "الإنسان الأعلى"، ذلك الكائن الذى يسمو عن البشر لكنه يدفع ثمن سموه هذا وحدته القاتلة. ولعل بدوى وحمدان كانا نسختين عربيتين من هذه الفكرة؛ عباقرة حقيقيون، لكنهم عباقرة سجناء وحدتهم، لا يجدون فيها راحة ولا يتصالحون معها.

والمشكلة الأكبر أن المجتمع العربى يقدس هذا النموذج ويروج له. نحن نحب العبقرى المعتزل الغامض، نصنع منه أسطورة، ونروى حكايات غرائبه بفخر، دون أن نسأل أنفسنا هل هذه العبقرية المعزولة تخدم المجتمع حقًا؟ كم من طالب أراد أن يتعلم من بدوى فصد ببرود؟ وكم من باحث شاب أراد أن يسترشد بحمدان فوجده هاربًا من البشر؟ إن العبقرية التى لا تتواصل مع مجتمعها تتحول إلى متحف مغلق، نعجب به من الخارج لكننا لا نستفيد منه.

لست أدعو هنا إلى مصادرة خصوصية العباقرة أو إلزامهم بالاختلاط بالناس رغمًا عنهم. فمن حق أى إنسان أن يعتزل إذا شاء، ومن حقه أن يحافظ على وقته وجهده. لكن ما لاحظته فى هاتين القصتين ليس مجرد اعتزال محترم للوقت والجهد، بل هو سلوك غير إنسانى يجرح مشاعر الآخرين وينتهك أبسط أصول اللياقة. والفرق بين الأمرين واسع

وإنى لعلى يقين بأن الدكتور عبد الرحمن بدوى حين مد يده المتراخية دون أن ينظر إلى زائره، لم يكن يفكر فى أن هذا الزائر سيحفظ هذه اللحظة لعقود من الزمن، وسيرويها كشهادة على أن العبقرية قد تكون وحشًا جميل المظهر مخيف المخبر. كما أن الدكتور جمال حمدان حين رفض الهدية بمنطقه العجيب، لم يدرك أنه كان يكتب فصلًا جديدًا فى قصة العزلة العربية التى تبدأ بالانفصال عن البشر وتنتهى بالانفصال عن الذات!.

وفى النهاية، أقولها بصراحة إننا كمجتمع عربى بحاجة إلى إعادة تعريف العبقرية نفسها. العبقرية ليست فقط قدرة استثنائية على التفكير والإبداع، بل هى أيضًا قدرة على التواصل الإنسانى، وعلى تحويل الأفكار إلى قيم حياتية، وعلى التعامل مع الآخرين باحترام مهما بلغ شأن صاحبها. والعبقرى هو من يستطيع أن ينزل من برجه العاجى دون أن يفقد قدرته على الارتفاع الفكرى.

أما أولئك الذين يظنون أن العبقرية رخصة لاحتقار الآخرين أو الهروب منهم، فهم بحاجة إلى أن يقرأوا التاريخ جيدًا ليعرفوا أن أعظم العقول البشرية كانت أيضًا أعظم القلوب إنسانية. آينشتاين الذى غير فهمنا للكون كان يرد على رسائل الأطفال ويجيب على أسئلة طلبة المدارس بكل صبر. وطه حسين الذى خاض معارك فكرية ضخمة لم يغلق بابه يومًا أمام طالب يطلب العلم.

رحم الله بدوى وحمدان، وغفر لهما ما كان من جفاء. وسامح الله أولئك الذين صنعوا من هذا الجفاء أسطورة، وجعلوا من العبقرية سجنًا، ومن الوحدة قيدًا. إننا بحاجة إلى عباقرة يحبون البشر، لا إلى عباقرة يحتقرونهم أو يهربون منهم. فالفكرة التى لا تلامس الإنسان ليست فكرة عظيمة، والعبقرية التى لا تخدم البشرية ليست عبقرية تستحق الاحتفاء.

***

عبد السلام فاروق

 

(هل أنا هي نفسها بعد كل تجربة؟)

لا أعتقد أن هناك من لم يختبر تلك المشاعر التي تجتاح الروح حين تمر بها الصدمات، وإن كان بعضنا يهاب الاعتراف بها: لماذا يا ربي؟ لماذا أنا بالذات؟ ما الذي فعلته حتى أستحق منك كل هذا العذاب؟ كيف سأتحمل الليالي وهي تنهش ما تبقى فيّ من حياة؟

وإن كنا نتباين فيما بيننا، كطفل يفقد لعبته؛ فمنّا من يصرخ غاضبًا ويدمّر كل ما حوله، ومنّا من ينزوي، يسكب دمعه ويبتلع غضبه كبركان ينتظر لحظة الانفجار.

يأخذنا الفقد، أو الصدمة أيًّا كان نوعها، إلى مطارح لم نكن نعرفها، وربما لم نتخيل يومًا أننا سنكون فيها، مخلفًا وراءه بقايا من ذواتنا بتنا نجهلها. نقف أمام مرآة الحياة، نبحث عن وجه كنا نظن أننا نعرفه، وعن سقوف أمان لم يخطر ببالنا أن تتساقط فوق رؤوسنا، وعن جدران توقعنا قدرتها على مقاومة الزمن وحماية من نحب.

انغمسنا في الحياة حتى نسينا أننا جزء من ديناميكيتها، وأن أيامها تعمل فينا بقوانينها التي لا تستثني أحدًا. فلا أحد يمكنه أن يمر في الحياة دون أن تعصف به رياحها، أو تختبره سننها.

نعيش الوهم في كثير من لحظات حياتنا بأننا في مأمن من الفقد بأشكاله المختلفة. فنحن أصحاء، ونتخيل أن المرض يصيب من حولنا، ولا نستوعب هشاشتنا إلا حين نواجهه عن قرب. نتشارك مشاعر التعاطف والحزن حين يغيب الموت عزيزًا، ثم نستبعده لا شعوريًا، وكأننا نهاب مواجهته.  ننظّر ل التربية وكيفية بناء جيل من الأبناء وكأننا وضعناهم في حصون منيعة تحميهم من الفشل والإخفاق، بل كأن السماء، حين تمطر وترعد، ستتجاوزنا كما تجاوزت سفينة نوح الغرق.

ثم يتعمق السؤال:

ما الذي حدث لي بعد كل هذه التجارب القاسية؟

ماذا يفعل الألم بصاحبه؟

وهل القوة في المقاومة؟ والصلابة في الاعتراض؟

وهل أنا الشخص نفسه بعد كل تجربة مررت بها؟

سؤال يحتاج منا الكثير من التأمل .

***

منى الصالح

لم أتخيل أن "كشف أسنان" يوجعني لهذا الحد!

أعترف بأنه وجع ملهم، فلم يكن إحساسي حينها بالوخز فحسب، وإنما هو صحوة روح وإعادة نظر في تفاصيل تتألم بداخلي منذ زمن بعيد، والمؤسف أنني أهملتها ولم أكترث لعذاب أضاع مني أجمل أيام حياتي.

بدأ الأمر حين تغافلت عن وجع ضرسي لوقت طويل، تطورت الأزمة خلاله من نغزات عابرة إلى تسوس عميق جعلني عاجزة عن المضغ أو حتى الضغط عليه ولو بالخطأ.

لطالما هربت من الحقيقة وقلت: "عادي، مفيش حاجة"، ومن ثم ألتهم صينية "مكرونة بالبشاميل" وكأن شيئًا لم يكن.

كنت أواجه الألم بالمسكنات والمضمضة والإنكار، وربما الخوف من "شكة" حقنة البنج وملل الانتظار في عيادة الأسنان هي الأسباب الجوهرية التي منعتني من خطوة العلاج، وها أنا أدفع الثمن في النهاية.. ولكن، رُب ضارة نافعة.

لقد نضجت الآن بما يكفي، فهمت أن الألم في ذلك الوقت كان إشارة للتغيير، ليس مجرد كشف ومضادات حيوية محسوبة بالدقيقة، وإنما المعنى أكبر من روشتة واستشارة.. المعنى يكمن في روحي المتألمة.

مرت أيام وأنا أشكو من وجع مميت في النصف الأيمن من وجهي، فقد تشعبت المعاناة بين الضروس والأسنان حتى فقدت القدرة على العيش بهدوء، وبعد محاولات جدية للهرب، استسلمت.. لا مفر من الحقنة يا نوارة!

وبالفعل، حجزت موعد المعركة في تمام الثامنة مساءً، وبدأت في تنفيذ المهمة نحو عيادة الدكتور الذي أعرفه وتعرفه أسناني من قبل في مواجهات مصيرية مثلها، فلم تكن حقنة البنج غريبة عني، لقد عشت لحظات تشبه ذلك اليوم حين خلعت ضرسي المكسور منذ عدة سنوات، ولذلك، فإن الخطوة مألوفة نوعًا ما، ولكن الخوف جعلها مجهولة وزاد من ألمي أكثر!

انتظرت دوري في قائمة الكشف، كلهن أمهات يتوجعن من ضرس العقل أو لثة ملتهبة، ورغم ذلك يصرخن في أطفالهن بعين تطق شرار: "اقعدووا، بلاش لعب عيال".

وأما أنا، فكانت صرخة روحي أعلى من أحبالهن الصوتية الممزقة من فرط المسؤوليات، وعقلي يقظ، لم يسكت لحظة واحدة ويرحمني من أفكار لا حصر لها، ومع ذلك مطلوب مني التركيز مع صوت الممرضة فلا يضيع اسمي في قائمة طويلة عريضة ويضيع معه معنى حاربت بكل ما أملك من أجله..

ماذا عن تسوس روحي؟!

حاولت بكل طاقتي إسكات صوت عقلي في موقف لا يحتمل دوشة وتوتر: "مش وقته خالص، نتفلسف بعدين".

ولكنه رفض السكوت واستمر في تساؤلاته التي لم أتوقعها في مكان يختنق بالمرضى والصراخ ورائحة الكلور النفاذة.

"تعالي يا نورا".

قالتها الممرضة أخيرًا بعد نصف ساعة من وجع الضرس ووجع الروح أيضًا، اعتبرت النداء هدنة من عقلي الذي لم يكف عن الضجيج باستفهاماته الوجودية في وضع لا أُحسد عليه، وبمجرد الدخول لأرض المواجهة سألني من جديد بصوت يشتاط غضبًا: جميل، هُنا نتخلص من تسوس الضرس، فماذا عن تسوس الروح؟؟؟

"محتاجة حشو عصب! بنج وعشر دقايق ونبدأ.. جاهزة؟".

لم أكن خائفة تلك اللحظة، تبخر الرعب في غمضة عين، ربما لأني على أول طريق العلاج وبعد ساعة نقتلع الألم من الجذور، آه، كم كنت بحاجة للخلاص من تلك الأوجاع التي أوهمت نفسي كثيرًا أني أستطيع تحملها للأبد، ولكن الأبد هذا لم يكن سوى بضعة أشهر ومن بعدها انهارت صلابتي!

كانت مرحلة فاصلة في حياتي، أدركت فيها بأن الوهم نصف الداء، والشجاعة هي كل الدواء.

تجمدت شفتاي رويدًا رويدًا، بدأ المخدر في عمله، وهو أجمل شعور بالنسبة لروح يفتك بها المرض، أن يخفت الأنين بالتدريج، حتى يتلاشى تمامًا، وليفعل الدكتور ما يشاء، المهم أن أخرج من عيادته مرفوعة الرأس منتصرة على الخراب الذي أصاب ضرسي وسلب مني لذة الأكل والنوم والضحك من القلب.

ولكن مهلاً، فإن عقلي لم يأخذ حقنة بنج..

وتسوس روحي؟!

هل أتركه يدمرني هكذا دون النطق بكلمة؟!

يبدو أنني بحاجة إلى تنظيف فوري لجذور إنسانيتي!

نظرت لنفسي وقتها نظرة تأمل وحيرة..

أنا هُنا، ألبس فستاني الربيعي، أضع أحمر شفاه لامع، وأتمايل بين الخلق بكامل أناقتي، لكنها نظرة سطحية جدًا.. فمن يعلم أن هذه الشابة الرقيقة تحمل في ضرسها تسوس يحارب العصب أساسًا!

صدقت يا عقلي، فكم أخفيت وجع روحي بمظهر مثالي لا تشوبه شائبة!

كل الأمور تسير على ما يرام من الخارج فقط، أما الداخل، فهو ينزف بغزارة ولا يشعر به أي إنسان، وربما هي أزمة الكثير منا.. نهتم بما يراه الناس من ملامح زائلة، وما خفي هو السر!

إنها التراكمات يا عزيزي، هي "سوسة" الروح بالفعل، تبدأ صغيرة ولا تؤلمنا في أول الهجوم، حتى تكبر، وتكبر، وتسيطر على أرواحنا من الأعماق، فنشعر حينها أننا في مرحلة خطرة، ولكن بعد فوات الأوان.. لقد وقعنا في الفخ وبحق!

نحاول أن ننجو منها بمسكنات مؤقتة، نهرب من أثر الوجع ونوهم أنفسنا أننا بخير، نقولها بقوة مزيفة: وماذا يعني؟ إنها مجرد نصف حياة لم تتخلص الذاكرة منها، ليس أكثر!

وهي أصل المشكلة، فنحن لم نتحرر من صورة الماضي، وظل يرافقنا في حاضرنا كما لو أنه يومنا الذي نحياه!

إنها وببساطة بقايا عالقة بالروح تسيطر على إنسانيتنا، ولعل السؤال الأهم الآن.. حين يتفاقم الأمر وتصل البقايا لمرحلة الهلاك، من يداوينا؟!

"أشوفك بعد يومين نكمل تاني جلسة".

قالها الدكتور بعد زمن بعمري كله، لمست فيه جروحي الغائرة التي لم تلتئم بعد، وصناديق محطمة بها "كراكيب" كان لا بد من إحراقها في الحال.. وبصراحة، هي المرة الأولى التي أدفع فيها ثمن الكشف وأنا أبتسم ولا أحمل هموم المصاريف والمشاوير.

دكتور شاطر، أنعش ضرسي من بعد الاحتضار، وألهمني بالعلاج السليم لروحي أيضًا.

لقد كانت زيارة طبية بمثابة النجاة، وهي ليست جلسة علاجية فحسب، بل انتصار معنوي على شيء أكثر فتكًا من نقطة سوداء هاجمت أسناني بعد قطعة حلوى، إنها رحلة الوعي والإفاقة، أن أغوص للداخل فأكتشف الضرر الذي أصابني بفعل إهمالي لنفسي، ويبدو أن الوقت قد حان لمحاربة هذا التسوس الإنساني.

أحسست بالنصر، نعم، مع كل لحظة تمر في عيادة الأسنان كنت أشعر بالتحسن والانسلاخ من نفسي القديمة، وحتى الحرية وقتها لها طعم لذيذ، أجمل من مرارة القيود التي سجنتني في زمن مضى.

لقد أنقذني الدكتور من مأساة لن أحتملها، فإن خسارة الخلع أصعب من حقنة وجلستين تنظيف، وأما عن خسارة نفسي، فهي أصعب من أي خسارة أخرى!

فهمت اليوم أن غسيل الأسنان كل ليلة هو أمر لا نقاش فيه، فلم تكن مزحة حين قالوا لنا في الصغر: "اغسل سنانك قبل ما تنام وإلا هتجري السوسة وراك!"، كانوا على حق، وأنا الآن كبرت وفهمت ولا أنتظر سماعها من أحد، صرت أراقب تصرفاتي عن قرب وأقولها لنفسي كل يوم، وحين تمر ليلة دون أن أنظف أسناني تطاردني "أمنا الغولة" في الأحلام!

لقد وجدت متعة مختلفة في تنظيف ضروسي من بعد "رمرمة" اليوم، وروحي كذلك، عاهدتها أن أنظفها من بقايا الواقع، من كل الكلمات السامة والتراكمات والمواقف التي علقت بداخلي وحاربتني بشراسة، أقسمت لها بأن أحميها من السراب ومن أي تلوث دنيوي يضعفها ويطيح بها بمرور الوقت، فلا تصيبها "سوسة" ولا أضطر لحقنة بنج جديدة.

باختصار، إن المعركة بداخلنا تستحق أن نحارب فيها بأكثر من فرشة ومعجون.

***

بقلم: نورا حنفي - كاتبة مصرية

ثمة أشياء ثمينة لا نضعها في خزائن، ولا نخبئها في أماكن لا تطالها الأيدي، بل نودعها في مكان أكثر أمانًا من كل الأمكنة.. في الجهة الخفية من الذاكرة، حيث لا يصل إليها عبث الزمن، ولا تستطيع الأيام أن تنتزعها منا بسهولة.

عادةً ما يكون في ذاكرة التفاصيل القديمة مخبأٌ سري، نحتفظ فيه بكل ما اعتززنا به يومًا، بكل ما منحناه من دفء في الخفاء، بعيدًا عن أعين الآخرين وأسئلتهم. نضع فيه الأشخاص الذين تركوا في أرواحنا أثرًا لا يشبه سواه، والأحاديث التي ما زالت عالقة بين سطور الذاكرة، والضحكات التي لم نعد نسمعها إلا من بعيد، والأماكن التي انتهت أيامها وبقيت رائحتها في القلب.

نحن لا نحتفظ بتلك الأشياء لأننا عاجزون عن النسيان، بل لأن بعضها كان أجمل من أن يُنسى، وأصدق من أن يُمحى لمجرد أن الزمن مضى.

نحاول أن نرعاها في داخلنا دون أن نتركها تبلى، نتفقدها بين حين وآخر، كما يتفقد المرء شيئًا عزيزًا يخشى عليه من غبار السنين. ونحرص ألا تفلت من أيدينا في غفلة من عراك الحياة، لأننا نعرف أن بعض الأشياء، إن ضاعت مرة، لا تعود بالصورة ذاتها مهما حاولنا البحث عنها.

وستظل تلك الأشياء هي الأقرب إلى القلب.. وربما كانت هي القلب نفسه.

يكفي أن يمر طيفها ذات مساء، أو أن يعيدنا عطرٌ عابر إلى مكان قديم، أو أن تصادفنا كلمة تشبه كلمة قيلت ذات يوم، حتى تشتعل الذاكرة من جديد، ويأخذنا الحنين إليها قسرًا، فنكتشف أن ما ظنناه خمد منذ سنوات لم يكن قد انطفأ، بل كان ينتظر لحظة واحدة ليعلن عن وجوده.

ومن الغريب أن الحب الذي منحناه بصدق، حتى وإن انتهى، يبقى في الذاكرة أنبل من كثير من العلاقات التي جاءت بعده. ليس لأن الماضي كان كاملًا، بل لأن مشاعرنا فيه كانت حقيقية. وما كان صادقًا فينا لا يصبح كاذبًا لمجرد أن نهايته لم تكن كما تمنينا.

وربما لهذا السبب لا نستطيع أن نكره بعض الأشياء التي أوجعتنا؛ لأنها، رغم وجعها، كانت يومًا مصدرًا لفرح حقيقي، ولحظات جعلتنا نشعر أننا نعيش بكامل أرواحنا.

قد تكون تلك الأشياء غير ملموسة على الإطلاق.. لا صورة لها، ولا عنوان، ولا مكان يمكننا العودة إليه. لكنها مع ذلك تستطيع أن تسكننا أكثر من كل ما نلمسه بأيدينا. وحين تختفي، لا نسمع صوت رحيلها، ولا نرى لها أثرًا على الطريق؛ تختفي بهدوء، تاركةً خلفها فراغًا لا يشبه الفراغ، وصمتًا تعجز الكلمات عن ملئه.

فالأشياء الثمينة لا ترحل دائمًا بضجيج.. بعضها ينسحب بلطف، ويتركنا نكتشف بعد فوات الأوان مقدار المساحة التي كان يشغلها في أرواحنا.

نحن لا نموت بالفراق وحده، وإنما نتعب من التفكير فيه، من الأسئلة التي لا تجد إجابة، ومن الاحتمالات التي نعيد صياغتها في رؤوسنا، ومن ذلك السؤال الذي يظل معلقًا: ماذا لو بقي كل شيء كما كان؟

ولا نصدأ بالصمت، فالصمت أحيانًا يكون ملاذًا ونجاة، لكننا نتعب من الأشياء التي وهبناها بصدق ثم وجدناها تتسرب من بين أيدينا كالماء، أو تختفي أمام أعيننا كالسراب.

ومع ذلك.. يبقى في القلب شيء لا يتعلم الرحيل بسهولة.

شيءٌ يظل واقفًا عند العتبة، لا لأنه لا يعرف أن الانتظار موجع، بل لأنه لا يعرف كيف يغلق الباب تمامًا.

وبين كل ذلك، أظل صامدًا بانتظارك في كل مرة، لا انتظارًا يشبه الضعف، ولا تعلقًا بما مضى، وإنما لأن بعض الوجوه حين تغيب لا تغادرنا تمامًا، وبعض الحكايات حين تنتهي تترك فينا فصلًا مفتوحًا لا نعرف كيف نطويه.

أما انسحابك.. فيبدو أنه صار قانون خريفك الشاق؛ كلما اقتربت من الدفء، عدت إلى المسافة، وكلما أوشكت الحكاية أن تستعيد نبضها، أخذتك خطاك بعيدًا.

وربما كان ذلك هو قدري معك..

أن أضعك في ذلك المخبأ السري من الذاكرة، حيث لا أبحث عنك كل يوم، لكنني لا أستطيع أيضًا أن أنكر أنك ما زلت هناك.

في مكان لا تطاله الأيام..

ولا يملكه النسيان.

مكانٌ أودعتك فيه ذات يوم، ثم مضيت..

وتركت للحنين مهمة أن يفتح الصندوق كلما اشتقت إليك....

***

ذكرى البياتي

 

في المثقف اليوم