في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها، نتكبد الكثير من المشقة والصعاب والابتلاءات والمحن، وقد يجد الحكيم نفسه حائراً أمام واقع معقد، لا يدري كيف يتصرف في ظل معطيات شديدة القسوة، تثقل كواهل الحكماء والعارفين وأصحاب النهى والعلم والمعرفة. فإذا كان هذا حالهم، فما بال عامة الناس؟ وكيف يفكرون ويتصرفون أمام صعوبات الحياة ونكدها وشظف العيش وظروفها التي تفرض على الإنسان، مهما اختلفت مكانته أو وظيفته أو مستواه، أن يبحث عن سبيل للاستمرار والتكيف والصمود؟ مصدقاً لقوله جل من قائل" أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ". العنكبوت:2
إن الأذى الذي يمر بنا، والتحديات والملمات التي تواجهنا، تدفعنا إلى الوقوف مع أنفسنا، ومنحها مساحة للتفكير والتأمل العميق في الأزمات والصراعات التي عشناها. بل إن الحروب التي عصفت بنا لم تترك شجراً ولا حجراً على حاله، فما بالنا بالبشر الذين تهددهم المصائب وويلات الفقد والموت والجراح والسجن وقهر الرجال، وتحرمهم من المأكل والمشرب والمأوى والأمان، بل تغيب ربما كل ظروف الحياة ومسراتها؟
نقف مع أنفسنا ملياً، وننظر إلى حاضرنا بعين مبصرة وواعية، ونتأمل ما مررنا به في الماضي من محن وابتلاءات جسام، فقد كانت لنا تجارب قاسية تعلمنا منها، إلا أن الظروف التي نعيشها اليوم ربما كانت مختلفة عما عرفناه من قبل. وهنا يبرز السؤال: هل المطلوب منا أن نستسلم، ونرفع راية العجز، ونتوشح بالسواد والظلمة، ونستسلم للإحباط واليأس، وندخل في دوائر مغلقة من البؤس والحسرة والاكتئاب النفسي؟ هل نجلس نندب حظنا، ونبكي على حياة مضت ربما نبالغ في تصويرها، ونستعيد ذكرياتنا بما حملته من سعادة أو شقاء؟
إن المطلوب منا أن نحكم أفكارنا، وأن نتمسك بالإيجابية والتفاؤل، لا إنكاراً للألم أو تجاهلاً للواقع، وإنما إيماناً بقدرتنا على التعامل معه بما نملك من إمكانات وطاقات. علينا أن نعمل جاهدين، وأن نقدم ما نستطيع من قدرات ومهارات، وأن نتقن ما نحسن صنعه، بدل أن نجمد مسؤولياتنا ونستسلم للعجز والضعف والخور.
ومن واجبنا أن نتحمل أعباءنا، وأن نأخذ بالأسباب التي أمرنا بها الله عز وجل، وأن نقدم ما نستطيع من جهد وعمل، حتى نعمر الأرض ونستثمر ما وهبنا الله من قدرات، مهما كانت مستوياتنا المادية أو المعنوية أو المهنية أو الوظيفية. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا. هود:61
فالطالب يجتهد في دراسته، ويصنع لنفسه أثراً وبصمة ونجاحاً متميزاً، ولا يلتفت إلى المثبطين والمحبطين، بل يعمل على توظيف كل ما يملك من طاقات في سبيل النجاح والتفوق. والطالب الجامعي مطالب بأن يبذل أقصى ما يستطيع لإتقان تخصصه والنجاح في دراسته الأكاديمية، وأن يكتسب العلم والمعرفة والمهارات والخبرات من خلال التدريب والتطوع والمبادرات المجتمعية التي تسهم في بناء شخصيته وصقلها بكل ما هو نافع وخير. وألا يترك فرصة للتعلم والتطوير إلا اغتنمها، حتى يكون أكثر تأهيلاً وتمكيناً لمهنته المستقبلية.
أما الوالدان، فعليهما أن يديرا حياتهما المالية والاجتماعية بكفاءة، وأن يوظفا ما يملكان من إمكانات في تدبير شؤون الأسرة وتربية الأبناء وفق المتاح والممكن. وأن يبحثا عن سبل العيش والإنتاج، وأن يستثمرا المساحات والإمكانات المتاحة، مهما كانت محدودة، فزراعة الأرض ولو في مساحات صغيرة أو على أسطح المنازل، بالإضافة وتربية الدواجن والطيور والماشية ، واستثمار الحرف اليدوية والمواهب وغيرها للبقاء والعيش بالرغم مما نعانية، يمكن أن تكون صورة من صور استثمار الممكن وإدارة دفة شؤون الأوضاع التي نواجهها وصناعة الأمل في نفوسنا وقلوبنا وواقعنا.
كما أن على الوالدين أن يهيئا داخل المنزل أجواءً من الإيجابية والتفاؤل، وأن يعملا على غرس الصبر والمرونة والقوة النفسية في نفوس أبنائهما، مع تعليمهم أن الحياة لا تستقيم على حال، وأنها بين مد وجزر، ويوم لنا ويوم علينا. وأن نرضى بما قسم الله لنا، ونعمل بما في أيدينا، وألا نبقى أسرى للحسرة على ما فات.
إن التربية في أوقات الشدة تحتاج إلى الصبر وصلابة النفس والقدرة على مواجهة الظروف مهما بلغت قسوتها وعنفوانها. ومن يربي أبناءه على هذه المعاني، ويمنحهم مساحات للتدريب والممارسة وتحمل المسؤولية، يسهم في نشأة جيل قوي، صابر، محتسب، قادر على الخروج من أزماته بعزة وشموخ، ويتمتع بمناعة نفسية وقوة روحية، وتكون صلته بالله قوية ومتينة ويستحق أن يكون خليفة في الأرض. مصداقاً لقول المولى عز وجل" وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" البقرة:30
وكما قيل: «اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم»؛ فالمقصود أن نربي أبناءنا على القدرة على مواجهة الحياة، وألا نغرس فيهم الخوف من صعوباتها، بل نمنحهم الثقة والقدرة على التعامل معها، ونحفزهم على الإقبال على الحياة والعمل فيها، مهما كانت قسوتها وآلامها.
فالحياة لا تريد منا أن نبقى على الهامش، أو في ذيل التاريخ، أو نسكن في ظلال اليأس وعتمته، بل أن نبحث عن الضوء، وأن نصنع حضورنا، ونترك بصمتنا وتأثيرنا، ونعيش بكرامة وتفاؤل، مهما انتشرت السلبية من حولنا، ومهما أدلهمت الخطوب والأوضاع.
علينا أن نكون داعمين لأنفسنا ولمن حولنا، وأن ندرك أن الإنسان وحده قد يضعف، بينما الجماعة تمنح القوة والمنعة والتكافل والقدرة على تجاوز الأزمات. فاليد الواحدة لا تصفق، وإنما تتكامل الجهود وتتضافر الطاقات لصناعة النجاح والوصول إلى الغايات.
وعلى القائد أو المسؤول أن يدعم موظفيه ويعينهم على الصعب والأزمات، ويقف بجوارهم يكون زميلاً وأخاً وصديقاً لهم، لا أن يتجبر فيهم، أن يحمل معهم أثقالهم وقسوة ما يعانوه من شظف في العيش ومحدودية في الرزق والقوت. وأن يكون الموظف نشطاً وديناميكياً، كفؤاً في وظيفته، متقناً لعمله، إيجابياً في تعامله، وأن يسهم في نشر روح التفاؤل بين زملائه ومرؤوسيه، وأن يحفز نفسه والآخرين على العمل والإتقان والجودة. فبذلك تتطور مؤسساتنا ووزاراتنا ومنظماتنا، وتدور عجلة الحياة المهنية بكفاءة ونجاح وتميز.
إن رسالتنا اليوم هي أن الحياة لا تبتسم لمن يستسلم لها، وإنما لمن يبش في وجهها، ويتحمل مسؤوليته، ويواجه قسوتها ومعاناتها بكل مرؤءة ورجولة، كما يستمتع بلحظات سعادتها وأملها. ولا بد لنا أن نمضي قدماً، وأن نعمر الأرض، وننشر الخير، ونواصل العطاء مهما كانت الظروف التي نعيشها مؤلمة وقاسية. فمن سبقنا عانى منها وتحمل ما تحمل في سبيل أن يكون له موطأ قدم وثبات ومكانة.
فالبسمة الحقيقية لا يعرف قيمتها إلا من استطاع أن يمتلك نفسه عند الألم، وأن يحافظ على إنسانيته وأمله رغم قسوة الظروف. والآمال لا تتحقق بالتمني وحده، وإنما بالفكرة السامية، والإرادة الإيجابية، والعمل الدؤوب، والإيمان بالقيم والمبادئ التي يحملها الإنسان في عقله ووجدانه.
فلنجعل من المحن دروساً، ومن الأزمات فرصاً لإعادة بناء أنفسنا، ومن الألم دافعًا للعمل، ومن الأمل طريقاً للمستقبل.
ولتكن حياتنا قامة شامخة، مهما اشتدت الظروف وقست الأيام.
دمتم سالمين، متفائلين، قادرين على صناعة الأمل وصنع الأثر.
***
د. أكرم عثمان
6-9-2026








