عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أكرم عثمان: ابتسامة محفورة في القلب

منذ نحو ثلاثة أسابيع، كنت في إحدى المدن الفلسطينية، وكانت الساعة تقترب من السابعة والنصف صباحاً. لاحظت حركة السيارات في الشارع؛ وجوه مختلفة، وحكايات لا نعرفها ولا تعرفنا. كان بعض أصحابها يبدون متجهمين عابسين، وآخرون يقودون سياراتهم في هدوء، بينما كان البعض يضغط على الزمور، رغم أن الطريق كان سالكًا ولا يستدعي كل هذا التوتر والاحتقان.

سألت أحد أصدقائي: لماذا نحن هكذا؟

فأجابني ببساطة: الناس مهمومة ومتعبة.

توقفت عند هذه الإجابة طويلاً.  نعم، نحن جميعاً نحمل هموم اًثقيلة، ونعيش ضغوطاً وتحديات أثقلت تفاصيل حياتنا. لكن السؤال الأهم: ماذا نفعل عندما تتعب نفوسنا، ويشغل بالنا التفكير في الظروف التي نحياها؟

عندما يتعب الجسد، نسارع إلى الطبيب ونبحث عن العلاج الذي يخفف ألمنا ويعالج مصابنا. فلماذا لا نفعل الشيء ذاته مع أرواحنا ونفوسنا عندما يثقلها القلق والإحباط، وتتراكم عليها المسؤوليات؟ لماذا نترك أنفسنا نهلك في التفكير والتوتر، وكأن التعب النفسي أمر لا يستحق الاهتمام والانتباه؟

إن الإنسان بحاجة إلى أن يمنح نفسه مساحة للراحة والطمأنينة والتأمل، وأن يبحث عن لحظات صغيرة يستعيد فيها هدوءه وتوازنه، وشيئًا من بهجته وسروره. نحن لا نحتاج إلى ابتسامة مرسومة على الشفاه فحسب، بل إلى ابتسامة صادقة تخرج من الأعماق محفورة في القلب؛ ابتسامة تقول لنا إن الحياة، رغم قسوتها وألمها ومرارة العيش فيها، ما زالت تستحق أن نعيش تفاصيلها، وأن فيها متسعاً للأمل والعمل والخير.

قد لا نستطيع تغيير الظروف المحيطة بنا، وقد يستحيل علينا أن نصنع فيها تغييراً يقلب الأمور رأساً على عقب، لكننا نستطيع أن نختار طريقة تعاملنا معها وأسلوب حياتنا فيها. نستطيع أن نخفف عن أنفسنا، ونربت على قلوبنا، ونقول لها: إن الفرج قريب، والخير قادم لا محالة. وأن نكون أكثر رحمة بأنفسنا، وأن نتوقف قليلاً عندما نشعر بأن الضغوط تجاوزت قدرتنا على الاحتمال والصبر والتحمل.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا ولمن حولنا في هذه الأيام هو شيء بسيط لا غنى عنه: كلمة طيبة، وابتسامة صادقة تخرج من أعماق مشاعرنا، وقليل من التفاؤل والإيجابية التي قد نحتاج إليها في أوقاتنا الصعبة والمؤلمة.

فقد يكون الشخص الذي أمامك في الطريق، أو زميلك في العمل، أو جارك، يحمل هماً وإحباطاً يثقل الجبال. وربما تكون ابتسامتك ولطافتك وكلمتك الطيبة سبباً في إزاحة مصاب أو جرح أو يأس استقر في قلبه.

لذلك، اعتنوا بأنفسكم كما تعتنون بأجسادكم، ولا تجعلوا الهم أسلوب مدمراً. امنحوا قلوبكم فرصة للتنفس، والتعبير عما يجيش في صدوركم، وابحثوا عن الضوء مهما اشتدت العتمة. وكونوا رفقاء بأنفسكم وبمن ترونه أو تتعاملون معه.

فربما نظرة تنقذ صاحبها من تراكم الهم، وإشارة تمنحه الهدوء والسكينة، وابتسامة تفرج عنه كرباً أو تخفف مصاباً. فكونوا معاول بناء ونمو وارتقاء في حياة من حولكم.

ابتسموا… ليس لأن الحياة خالية من الألم، بل لأن في داخلنا قدرة على صناعة الأمل رغم الألم.

***

د. أكرم عثمان

13-9-2026

في المثقف اليوم