عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: الإسقاطات النفسية

مرآة اللاوعي في الأدب والسينما

لم يكن الأدب يوماً مرآةً صافية للواقع، بل كان دوماً مرآةً مشروخة، تتكسّر فيها الصور لتكشف وجوهاً باطنةً لا تُدرك بالعين المجرّدة. وهنا يظهر الإسقاط النفسي، ليس كآلية دفاعية في حقل التحليل النفسي فحسب، بل كأداة جمالية تُعيد تشكيل الوعي عبر اللغة والصورة والحكاية.

- يرى فرويد أن الحلم هو الطريق الملكي إلى اللاوعي، وبالقياس يمكن القول إن القصة والرواية والسينما هي "أحلامٌ يقظة جماعية"، تُفصح عن رغبات مكبوتة ومخاوف دفينة عبر رموزٍ وحبكاتٍ تُنسب إلى الآخر لكنها في الأصل ارتدادات من أعماق النفس. وفي هذا السياق، تصبح الشخصيات الروائية أو السينمائية بمثابة مرايا، نرى فيها أنفسنا ونحن نختبئ خلف أقنعة السرد.

- أما كارل غوستاف يونغ فقد كشف أنّ الرموز والأساطير ليست مجرد زخرف بل أنماط أولية تُقيم في اللاوعي الجمعي، تعود لتُهيمن على السرديات الكبرى وتشكّل بنية الخيال الأدبي والسينمائي. وهكذا، يتجاوز الإسقاط البُعد الفردي ليصبح جزءاً من نسيج ثقافي مشترك، حيث تتحول شخصية البطل التراجيدي أو الشرير أو المنقذ إلى وعاء تتسرّب عبره رغبات وأزمات الجماعة.

لقد وعى الأدباء الكبار هذه القوة الخفية في الإسقاطات النفسية، فكان دوستويفسكي مثلاً لا يكتب شخصياته ليصفها من الخارج، بل ليغوص في جحيمها الداخلي، كاشفاً عن لحظات الجنون والهوس والذنب التي تعيد إنتاج إنسانٍ مأزوم تحكمه صراعات لا تنتهي. وفي السينما، أدرك إنغمار برغمان وألفريد هيتشكوك أن المشهد البصري لا يكتمل إلا حين يصبح انعكاساً لعالم باطني، فيتحول الخوف أو الرغبة أو الذنب إلى صورة نابضة تشدّ المتلقي إلى مواجهة ذاته.

وفي هذا، نقترب من رؤية ألبير كامو حين وصف العبث بأنه فجوة بين توق الإنسان للمعنى وصمت العالم، وهو توصيف ينطبق على كثير من الأعمال التي تجعل الإسقاط النفسي مسرحاً تُعرض عليه تناقضات الوجود، حيث لا يكون الصراع بين الشخصيات إلا ستاراً لصراعٍ أعمق في النفس الإنسانية.

إنّ الإسقاط النفسي في الأدب والسينما ليس ترفاً فنياً، بل هو انكشافٌ للطبقات الدفينة من التجربة البشرية. إنّه يفتح الباب لتأويلٍ متعدد، يربط بين الظاهر الحكائي والباطن النفسي، بين الواقعي والرمزي، وبين الفردي والجماعي. وهو بهذا المعنى يحقق ما أشار إليه بول ريكور في حديثه عن "الرمز الذي يعطي للفكر ما يفكّر به"، إذ يُتيح للنص أن يكون أوسع من نوايا كاتبه، وأن يُصبح نصاً مفتوحاً على قراءات لا متناهية.

وهكذا، فإنّ حضور الإسقاطات النفسية في السرد والسينما يعكس وظيفة الفن العميقة: أن يجعلنا نواجه ما نخاف أن نراه في ذواتنا، وأن يعرّي اللاوعي الجمعي أمام مرآة الإبداع، فيغدو النص فضاءً للتطهير والتعرّف وإعادة اكتشاف الإنسان في أبعاده الملتبسة والمتناقضة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم