(هل أنا هي نفسها بعد كل تجربة؟)
لا أعتقد أن هناك من لم يختبر تلك المشاعر التي تجتاح الروح حين تمر بها الصدمات، وإن كان بعضنا يهاب الاعتراف بها: لماذا يا ربي؟ لماذا أنا بالذات؟ ما الذي فعلته حتى أستحق منك كل هذا العذاب؟ كيف سأتحمل الليالي وهي تنهش ما تبقى فيّ من حياة؟
وإن كنا نتباين فيما بيننا، كطفل يفقد لعبته؛ فمنّا من يصرخ غاضبًا ويدمّر كل ما حوله، ومنّا من ينزوي، يسكب دمعه ويبتلع غضبه كبركان ينتظر لحظة الانفجار.
يأخذنا الفقد، أو الصدمة أيًّا كان نوعها، إلى مطارح لم نكن نعرفها، وربما لم نتخيل يومًا أننا سنكون فيها، مخلفًا وراءه بقايا من ذواتنا بتنا نجهلها. نقف أمام مرآة الحياة، نبحث عن وجه كنا نظن أننا نعرفه، وعن سقوف أمان لم يخطر ببالنا أن تتساقط فوق رؤوسنا، وعن جدران توقعنا قدرتها على مقاومة الزمن وحماية من نحب.
انغمسنا في الحياة حتى نسينا أننا جزء من ديناميكيتها، وأن أيامها تعمل فينا بقوانينها التي لا تستثني أحدًا. فلا أحد يمكنه أن يمر في الحياة دون أن تعصف به رياحها، أو تختبره سننها.
نعيش الوهم في كثير من لحظات حياتنا بأننا في مأمن من الفقد بأشكاله المختلفة. فنحن أصحاء، ونتخيل أن المرض يصيب من حولنا، ولا نستوعب هشاشتنا إلا حين نواجهه عن قرب. نتشارك مشاعر التعاطف والحزن حين يغيب الموت عزيزًا، ثم نستبعده لا شعوريًا، وكأننا نهاب مواجهته. ننظّر ل التربية وكيفية بناء جيل من الأبناء وكأننا وضعناهم في حصون منيعة تحميهم من الفشل والإخفاق، بل كأن السماء، حين تمطر وترعد، ستتجاوزنا كما تجاوزت سفينة نوح الغرق.
ثم يتعمق السؤال:
ما الذي حدث لي بعد كل هذه التجارب القاسية؟
ماذا يفعل الألم بصاحبه؟
وهل القوة في المقاومة؟ والصلابة في الاعتراض؟
وهل أنا الشخص نفسه بعد كل تجربة مررت بها؟
سؤال يحتاج منا الكثير من التأمل .
***
منى الصالح








