عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

عبد الحق طوع: ترميمُ الهاويات

الذين عبروا صدماتٍ كبرى لم يولدوا هشِّين، فاشلين ولا واهنين، هم عاشوا تحت سقف أمكنةٍ لم تعرف دفء السكينة ونعمة السلام النفسي، حيث الأيام تَنساب بلا طعمٍ للأمان، وبلا وعدٍ بالاستقرار.

نشأوا في بيئاتٍ تعصف بها رياح الاضطراب، تُخيِّمُ عليها ظلال العنف، يشحُّ فيها الاحتواء، فتلتف حولها غيومُ الإهمال الكثيفة.

عاشوا...عاشوا في حالة طوارئ دائمة؛ حيث لم يكن الخطر طارقًا عابرًا، بل مقيمًا بين جدران الذات.

صدماتٌ سبق الجسدُ العقلَ في احتضانها. فلم يَعُد للغدِ موضعٌ في التخطيط، ولا للحلمِ رحابةٌ في الخيال، ولا للأفقِ اتساعٌ في البُعد ؛ جسدٌ همُّه الأوحد أن يُصان ما تبقَّى من كينونته، كغصنٍ يائسٍ يتشبث بالأرض لئلا يطير به الريح.

 لذلك لم يتاح لهم أن ينضجوا على مهل، توقَّفَ نُموُّهم عند النقطة التي اضطُرَّتْ فيها النفس إلى خوض معركة البقاء مع مدار كل يوم، لا معركة الازدهار ولا التطور ولا الإنجاز.

فالعقل المُنهك بفعل النجاة يرى العالم من ثقب الخطر، يعيش في حالة تأهب ووضع إنذار دائم؛ بأنفاسٍ مكظومة، مثقلة بالهمِّ، الغَمِّ، الأسى والتوجس ينتظر أن تحدث المُعجزة، وكلّما سمعَ صوتَ العاصفةِ يختبئ مؤجلاً بذلك نموه وتطوره.

هو لن يُزهرَ، لن ينضج، ما دام كلُّ كيانهِ مشدودًا إلى اضطرابات لا تنتهي وإحساسٍ واحدٍ يتكرَّرُ: كيف أتنفَّسُ دون أن يُمزِّقني الخوف؟ كيف أبقى؟ كيف أستمر؟

يتحول الضغط المستمر إلى قائدٍ خفيٍّ للتصرُّفات كُلُّها؛ يسوق الخطى بصمت، ويتحول الوعي إلى حارسٍ مُرتجف، يراقب، يحذر، ويَتوقَّى السقوط في فخّ ألمٍ لم يأتِ بعد.

يُرجأ النمو لأن طاقتهم تُستنزف في ترميم التصدُّعات والانكسارات، في محاولة فَكِّ شيفرة فوضى لا تُفكَّكُ، وفي التكيُّفِ مع خللٍ كان أثقلَ من أعمارهم الصغيرة.

فالعقلُ المحاصرُ بالخطر لا يرى مسارَ الغد، بل يرى فقط باب النجاة الأقرب.

ويبدأ...

ويبدأ الشفاء حين يهدأ صرير الاحتدامات والتطاحن في الداخل، حين يتوقَّفُ العقلُ عن القتال ليتذوّقَ طعمَ الأمان للمرة الأولى.

عندها يكتشف الإنسان أن العالم ليس سجنًا يجب الفرار منه، بل فناءً واسعًا يمكن أن يُبنى فيه بيتٌ صالح للإقامة.

يتعلَّم كيف يثق، وكيف يهدِّئ جهازه العصبي المتعب، وكيف يقيم علاقةً رقيقة مع ذاته؛ علاقة لا تسعى لتعويض طفولةٍ مفقودة، بل لتزرع في ترابها المحروق زهرةً جديدةً تتفتَّح رغم الرماد.

إنهم لا يرمِّمون ما انكسر فحسب، بل يبنون شيئًا أسمى وعيًا ناضجًا.

 وعيٌ وُلد من عُمقِ هاويات المعاناة، ورحمة داخلية تعلّمت كيف تحمي ذاتها بلطف، بعد أن خبرت القسوة.

هذا ليس مجرَّدُ شفاء، بل ولادة ثانية؛ مختارة، وشجاعة… تخرج من رحم الألم لتلامس النور بأصابع مرتجفة، لكنها واثقة.

دوما القادم من طفولة شقية له حكاية.

قد تسقي دمعته جذور برعم زهرة.. تنمو، تتفتح وترحب بنحلةٍ.

منْ منكم يطعن في حق محمول جوفها؟

شيء...

شيء حزين أن يفكر الإنسان في اللامعنى من الحياة ولا... لا أشتهي أن أكون ضحية سائغة للتفكير في الخلاص على الأقل '' الآن'' و'' هنا '' قد تكون بلامعنى لها، إن رفعنا الراية البيضاء، كرمز للإستسلام ونتبث للإحباط أنه المنتصر وبأننا بالفعل لا نستحق أن نحيا وحان الوقت أن ينتبه الحفار للرائحة ويسارع بالدفن.

المعنى قوة وفرحة عندما يحطمنا الضعف وتسحقنا الأحزان، المعنى يزرع في صحراء نفوسنا زهرة، تسقيها الإرادة وتكون لها الحارسة الحريصة على نموها، هي تعرف أن سموم طفيليات اليأس قد تتسلل خلسة في لحظات سهوٍ إلى الجذور وتغير مسار الغوص والإنتشار وتتسلق الساق وتدميه، تلتهم الأوراق والبتلات وتحول الكل إلى رماد.

كل شيء في وقته ؛ إن مهمتي الوحيدة والسامية '' الآن'' و'' هنا '' أن أعترف بِكُلِّ... بِكُلِّ الزَلاَّتِ والمُوبِقات، الصغائر منها والكبائر، الأخطاء التي ارتكبتها، عن قصدٍ ووعيٍ أو تلك التي أُجبرتُ على إقترافها وقد يكون زمني، نظامه وأهله:  الشيطان.

طبعا ولا ندم بل مواجهة هذه الزَلاَّتِ والمُوبِقات والأخطاء، بِغرض المصالحة معها، هي أنا والإعتراف راحة

أحياناً...

نرسمُ بما تحمله رفوف رؤوسنا؛ ومنها ما فاضَ ثِقلُها بِجبالِ كُتُبٍ ولا يد عنها تنفض الغُبار، ومنها ما يتلذذُ بأنيابِ جردانٍ تقضمُ خشبَه ولا أنين، ومنها فراغٌ لا يقلُّ ثِقلاً.

ونحن...

سجناءُ غرفةٍ باردة، نوافذُها مغلقة، والباب وبإحكام بألفِ دورةٍ أغلقناه... نرسمُ: قرصَ شمس.

المفتاحَ، سهوًا أو عمدًا، في بئرٍ ألقيناه.

سمّاهُ البعضُ خسارة، وسمّاهُ البعضُ أملاً، والبعضُ مصيرًا، وما تبقى اختلفوا ثم توحدوا وقالوا: ربما لغايةٍ لا يفقه سرّها إلا خالق البشر.

وسمّاهُ هذا البعضُ قدرًا.

وكُلُّ "بعضٍ" خلقَ ألفةً مع ما اختار من الأسماء.

مُصيبةُ البعضِ من البشرِ يُدخلُ أنفَه في كلِّ شيء، دون أن ينتظروا الإشارةَ من رؤوسهم، أي أن يتوقفوا عن الركضِ في كلِّ الجهات، ولا يثبتونَ لحظةً ليفكِّروا قبل أن يُسلِّموا المفتاحَ لِّلِسانِ.

هُم يزغردونَ بغريزتهم لا بعقولهم.

الزغرودةُ تصدحُ ساعةَ المرحِ والفرحِ والابتهاج.

وتصدحُ أيضا ساعةَ موتِ شهيدٍ شابٍ أعزب، أمُّه وهي في قمةِ حزنِها تزغردُ لعروسٍ تتخيلُ جمالها، عروس لا تنتمي إلى نسل حواء بعد الطرد، تنتظره في السماء.

زَغْرُودَةُ الْغَرِيزَةِ؛ جامحة تعدو لَا حدودَ يقيّدها؛ إِلَّا إِذَا أَحْسنَّا الْقَبْضَ بِحِكْمَةٍ وَبَصِيرَةٍ عَلَى اللِّجَامِ، فَهِيَ عمياءُ.

 قوتها لا تكمن في كبحها أو قمعها، هي لَيْسَتْ عَدُوًّا، بَلْ طَاقَةٌ تَنْتَظِرُ أَنْ تُوجَّهَ، كَنَهْرٍ جَارٍ: إِنْ حُفِرَ لَهُ مَسْلَكٌ، سَقَى الْأَرْضَ وَيُحْيِيهَا، وَإِنْ تُرِكَ عَبَثًا، غَمَرَ الحقول وَأَهْلَكَ الزَّرْعَ.

هِيَ النَّارُ ومنها يولدُ الهَواء، وَالعَقلُ هُوَ القائِدُ الَّذِي يُنَظِّمُ هَذِهِ النَّار ويَجعَلُ مِنْهَا نورا ودفئا لِصاحبهِ ولمن حولهُ.

إِذَا أمسكَ العقلُ لِجامُها بِرِفْقٍ وَفَهْمٍ لَا تصيرله سِجْنًا، بَلْ جَنَاحَيْنِ. مفتاح للتحرر والارتقاء.

هُم...

يصنعونَ من عجينِ كلماتِهم لَبِنَاتٍ، وبها يبنونَ معاقلَهم؛ يحبسُون أنفسَهم فيها، يغلقونَ أبوابَها بمفتاحٍ واحدٍ يمرُّ على جميعِ أقفالِها.

الغريبُ في المشهدِ يحضرُ نفسَ المفتاحِ، ولا يسألونه عن مكانِ اختفائه، يحضرُ بنفسِ اللونِ والثِقلِ، يحضرُ عندما تتعفنُ جثة ما؛ ليس حبًا به يفتحون، بل لرائحتِها التي لا تُطاق، وهم ليسوا في حاجةٍ للمزيد.

وبعد أن يفتحون حفرةً في الأرض ويواروها الترابَ ويودُّعوها، إلى ظلمتهم يعودون، يُغلقُ البابُ، في انتظارِ راحلٍ جديد.

المفتاحُ أنواعٌ وأشكال؛ منها ما يفتحُ لك ويدهشُك بنورِه، ترى ما يبهجُ ويُريحُ الروح، يمسحُ من عينيك دمعةً، ويخففُ عنك ما يحزنك ويدميك، يزيلُ حسرةً ويزرعُ وردة.

ومنها ما يزلزلُ حياتك، يهزّك ومن رجليك في الهواءِ والرأس تتلاعبُ به الأقدامُ، ويُلقى بك في هاويةِ برودةِ ظلامٍ ويُقفلُ الباب.

الجسدُ قابلٌ للتآكلِ تحت وطأةِ العنفِ والقسوة، قابلٌ للانهيارِ من شدة الحَرِّ، البرودةِ، الجوع، وبالصمتِ الطويل.

لكن الحلم كيانٌ روحيٌّ لا ينكسر. 

***

عبد الحق طوع

 

في المثقف اليوم