عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

يونس الديدي: لماذا تؤجل ارتداء ذلك القميص الجميل؟

في ركن مظلم من خزانة ملابسك، يقبع ذلك القميص. ربما كان من الكتان الأبيض الناصع، أو الحرير الداكن المتقن، أو ربما سترة صوفية صُنعت بعناية تفوق حاجتك اليومية. لا يزال يحتفظ برائحة المتجر، وربما ببطاقة السعر المتدلية منه كحبل مشنقة صغير. كل صباح، تمر أصابعك عليه بحنان خفي، تتأمله لثانية، ثم تدفعه جانبا لتلتقط قميصك الرمادي المعتاد، ذا الياقة المنهكة والنسيج المألوف، وتهمس لنفسك بذات التعويذة الكاذبة: «ليس اليوم... سأتركه لمناسبة خاصة».

لكن ما هي تلك «المناسبة الخاصة» التي تنتظرها حقا؟

نحن نمارس في هذا الطقس اليومي الصامت واحدة من أكثر الخدع النفسية مأساوية: نحن لا نؤجل ارتداء القميص لأن المناسبة لم تحن، بل لأننا في أعماقنا نشعر بأننا لم نصبح بعد الشخص الجدير بارتدائه. نظن أن ذلك الثوب الفاخر ينتمي إلى نسختنا المستقبلية الأكثر لمعانا؛ تلك النسخة التي فقدت خمسة كيلوغرامات من وزنها، وحققت استقرارها المالي، وتخلصت من نوبات القلق، وصارت تبتسم بثقة سينمائية أمام الكاميرات.

إننا نعيش حياتنا بوصفها «مسودة أولية» قابلة للمحو والتعديل، مؤمنين بأن العرض الحقيقي لم يبدأ بعد. نحتفظ بالعطر الباهظ حتى يتبخر في زجاجته، ونكدس الأواني الخزفية الفاخرة خلف الزجاج حتى يكسوها الغبار، ونحبس كلمات الحب الأكثر صدقا حتى تموت على شفاهنا، في انتظار مسرح مكتمل وشروط مثالية لا تأتي أبدا.

تسمي الفلسفة الوجودية هذا الانفصام بـ «تأجيل الوجود». إن ثقافة الاستهلاك الحديثة دربتنا ببراعة على الركض الدائم نحو أفق وهمي؛ فالحياة الحقيقية -وفق إعلاناتها- تبدأ دائما غدا: بعد الترقية، بعد شراء البيت، بعد التقاعد، بعد أن نصبح كاملين. وهكذا، يتحول الحاضر إلى مجرد غرفة انتظار رخيصة، ممر ضيق نركض فيه بأثوابنا الرثة، متطلعين إلى الصالة الكبرى التي لا نصل إليها قط.

لكن، انظر إلى القميص مرة أخرى ببرود تأملي: الأقمشة مخلوقة لتبلى، لا لتُخلّد. الخيوط التي غُزلت بشغف صُممت لتلامس جلدك، وتتعرض لضوء الشمس، وتشهد عرقك وضحكاتك، وربما لتتسخ ببقعة قهوة عابثة تسجل ذكرى حية. المأساة الحقيقية ليست أن يبلى قميصك الجميل، بل أن تكتشف يوما أنك تركت أثمن سنواتك معلقة على مشجب الانتظار، بينما نسيج روحك هو الذي أصابه التلف.

ما من مناسبة أكثر قداسة من أنك مستيقظ اليوم، تتنفس، وتملك جسدا حيا يتحرك في هذا العالم الشاسع. إن شروق شمس يوم ثلاثاء باهت هو بحد ذاته معجزة فلكية تستحق أرقى ما في خزانتك. الذهاب إلى المخبز، أو الجلوس وحيدا في مقهى تقرأ كتابا، أو المشي تحت سماء غائمة، ليست تفاصيل عادية تحتاج ملابس منسية؛ بل هي جوهر حياتك الصافي الذي يستحق الاحتفاء.

إن ارتداء ذلك القميص غدا صباحا ليس ترفا شكليا، بل هو إعلان تحرر فلسفي. إنه اعتراف شجاع بأنك، بنواقصك كلها، وبخوفك، وبتعب عينيك، كافٍ تماما في هذه اللحظة، وتستحق الجمال هنا والآن. إنه تمرد على وهم الكمال، ورفض لابتزاز المستقبل الذي يسرق منا اللحظة الوحيدة التي نملكها حقا.

افتح خزانتك الآن. مد يدك إلى ذلك القميص المنسي في الظل. اقطع تلك البطاقة البلاستيكية الباردة وارمها بعيدا. ارتده غدا وأنت ذاهب إلى عملك الروتيني، أو وأنت تطهو طعامك البسيط. دع النسيج يلامس جلدك العاري، واشعر بخفته وأناقته.

وإذا انسكبت عليه قطرة شاي، فلا تبتئس؛ فتلك ليست بقعة تشوه، بل هي توقيع الحياة ذاتها على ثوبك... دليل دامغ على أنك توقفت أخيرا عن التحديق في فاترينة الوجود، وقررت أن تعيشه بكامل فوضاه وعنفوانه.

***

ذ. يونس الديدي - باحث أكاديمي

في المثقف اليوم