أقلام حرة
صادق السامرائي: بحور النفس!!
الشعر العربي موجود قبل الخليل بن أحمد الفراهيدي (100- 170) هجرية، بوقت طويل ربما يُقاس بالقرون، وما فعله الفراهيدي بناءً على ثقافته الرياضية والموسيقية، أنه صنف إيقاعاته ووضعها في قوالبها اللحنية المتداولة، فهو الذي إكتشف علم العَروض الجاري العمل به عبر الأجيال، وحوّله إلى موضوع يستحق الدراسة والبحث والتدوين.
ومن الواضح أن أجهزة الكائن الحي لها إيقاعاتها المتناغمة مع بعضها لتؤلف سلوكا معبرا عن الذات المولودة من لبنات تلك الإيقاعات.
ولو نظرنا إلى تخطيط القلب، لوجدناه واحدا في جميع الأجناس البشرية، ولا أظن تخطيط قلب إنسان إنياندرتال يختلف عن تخطيط قلب أي بشر معاصر، فالنبضات المتآلفة في المخلوق، تصنع إيقاعا نفسيا، فالجهاز النفسي البشري له إيقاعاته المتمثلة بالبحور الشعرية.
ومنذ الأزل والبشر يترنم بأناشيده وتواشيحه، ويرتل ما تجود به قريحته في المعابد وفي المناسبات المتنوعة، أي أن النفس تفصح عن إيقاعاتها المتوائمة مع نبضات الأجهزة المكونة للمخلوق.
فالبحور الشعرية لسان حال النفوس، وقد يهيمن بحرٌ على شخص أو تتداخل في إبداعاته عدة بحور، وكلما تعددت أشارت لإضطراب ما، وكلما تقلصت عبّرت عن توازن وإنسجام وثبات تعبيري تفاعلي.
وقد أنشد العرب أشعارهم في فترة ما على البحر الطويل، وأحيانا على الكامل، والبسيط، وفي كل عصر يهيمن بحر على الشعر، ولكل شاعر بحره المفضل الذي يجيد الكتابة عليه.
والحداثة مصطلح قديم كان العرب يسمونه "المُحدَث" وبرز شعراء في هذا الميدان ومنهم بشار بن برد، أبو نؤاس، وأبو تمام وغيرهم، وفي كل مرحلة هناك شعر "مُحدَث"، تتغير فيه المفردات، والأفكار وكيفيات تواشج الكلمات ونسيج العبارات، وحتى في الكتابات النثرية على مر العصور هناك "مُحدثات"، وبموجبها تطورت الكتابة بأنواعها.
فليس عيبا أن يكتب الشاعر على بحر واحد أو أكثر، فكلما زاد عدد البحور الشعرية التي يكتب بها، تناسب ذلك مع درجة الإضطراب النفسي الفاعل فيه.
ويمكن تشخيص الحالة النفسية لأي مبدع مما يسطره بأي صيغة كانت، شعرا أو نثرا.
إن النقد النفسي لأي نص، يشرّحه ويُظهر مرتكزاته ودوافعه وما يختلج في أعماق صاحبه، وكل نص قابل للتشريح النفسي، لأنه إنسكاب تعبيري عمّا يجيش في الأعماق المُعتلجة.
ووفقا للقراءة التأريخية لإيقاع الحياة في الزمن السومري وما قبله من الحضارات القديمة، يمكن التخمين بأن إيقاعات النفس السائدة آنذاك يهيمن عليها البحر السريع (مستفعلن مستفعلن فاعلن) والبحر المتقارب (فعولن فعولن...)، وتلك رؤية نفسية مكثفة من زوايا تأملية حادة.
بحورُ الشعرِ مِن نفسٍ تهيمُ
ومِنْ ألمٍ بأعْماقٍ يُقيمُ
تفتَّقَ جَوهرٌ وبدى أصيلاً
كأنَّ الروحَ في نبضٍ كَظيمُ
لكلِّ مَسيرةٍ بَحْرٌ فريدٌ
يوافقُها فيرْعاها العَظيمُ
***
د. صادق السامرائي







