عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

رحلة ابن فضلان والمخطوطات العربية والرحلة الدَنمركية الى اليمن السعيد في القرن الثامن عشر

بروفسوران ودكتوران وملازم ومستشرق في جولة عربية لا يعود منها حيا غير واحد منهم

***

إذا أردنا ان نؤرخ للعلاقات العربية الدَنمركية، فلابد لنا من التطرق الى ثلاث ظاهرات هامة:

الأولى: رحلة بن فضلان إلى بلاد البلغار والثانية المخطوطات، اما الثالثة فهي الرحلة العربية 1761-1767 الى اليمن. وقد ترجمها الى الدنمركية المستعرب البروفيسور يورجِن بيك سيمونسِن، ونلقي الضوء هنا على المخطوطات والرحلة الدَنمركية الى اليمن السعيد.

الظاهرة الثانية: المخطوطات العربية في الدَنمرك: يكاد لا يخلو بلد من بلدان العالم من المخطوطات العربية، بغض النظر عن قِدمها وأهميتها. ولكن قد يكون لوجود المخطوطات العربية في الدَنمرك غرابته، وقد يصاب المرء بالدهشة عند اطّلاعه عليها، بسبب بُعد هذه الجزر عن العرب وصغرها قياسا الى بلدان اخرى مثل روسيا وبريطانيا مثلا، اللذين تميزا بعلاقات قديمة مع الشرق والمسلمين.

 ومع ذلك فان المكتبة الملكية الدَنمركية تمتلك مجموعة قيمة من المخطوطات العربية، تعتز بها وتعتني بها عناية كبيرة وتقدم كل التسهيلات لكل من يرغب بتحقيقها.

 نذكر من هذه المخطوطات على سبيل المثال لا الحصر: إتحاف الإخصاء بفضائل المسجد الاقصى، أزهار الروضتين في أخبار الدولتين، أنوار العقول في أشعار وصي الرسول، بانت سعاد، دفتر الكتب في جامع الأزهر، ديوان ابي الحسن عمارة بن ابي الحسن، ابن الخياط، ابن المعتز، ابن الفارض، ذكر بلاد أفريقيا ولماذا سميت أفريقيا، المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار، وغيرها الكثير من المخطوطات التي تناولت التاريخ والفقه والسيرة والادب والحياة الاجتماعية عند العرب.

من أين جاءت هذه المخطوطات وكيف؟

قد يكون لهذا التساؤل اهمية خاصة عندما يدور الحديث عن دول الشمال مثل الجزر الإسكندنافية لبعدها كما قلنا، لكنه السحر العربي والشرقي وراء اقتناء هذه المخطوطات والرغبة في اكتشاف هذا العالم المليء بالمعلومات والجوانب الحضارية والتاريخية. وهذا بالذات هو ما دفع الملك الدنمركي لاحقا الى تشجيع بعثة علمية ودعمها للتوجه الى اليمن السعيد. وهو ما سنتحدث عنه فيما بعد في هذا المقال.

وعلى الرغم من أنه لا يمكننا المبالغة والقول بان هذه المخطوطات تضاهي نظيراتها في بلدان اخرى مثل روسيا، التي كتب عنها المستشرق الروسي أغناطيوس كراتشكوفسكي ويهتم بها ويحققها "جيش" من الباحثين المستشرقين المسلمين والروس وغيرهم.

مخطوطات المكتبة الملكية ليست نادرة، إذا ما استثنينا بعضها مثل مخطوطة تتحدث عن تاريخ اليمن وتعد من الوثائق المهمة للغاية، او مخطوطة دفتر الكتب في جامع الازهر، التي تعود الى عام 1762 ونسخ القرآن الكريم وتفسيره للبيضاوي. وقد صدر أول فهرس لهذه المخطوطات عام 1851 متضمنا 309 مخطوطة عربية، ثم صدر فهرس اخر عام 1857 شاملا كل المخطوطات.

ولكن من يقوم يا ترى بتحقيق هذه المخطوطات؟

إنه سؤال محير، لا سيما وأننا نتحدث عن دولة صغيرة ومغلقة إلى حدّ ما مثل الدَنمَرك، لديها إمكانيات كثيرة لكنها محدودة وتتحرك ضمن قوانين بيروقراطية وتكاليف مادية باهظة فيما إذا رغب أحد المتخصصين هنا بتحقيق مخطوطة ما وطباعتها فيما بعد.

عدد الاختصاصين المستشرقين الدنمركيين قليل جداً، أما الأكاديميون العرب أصحاب الشهادات العليا القادمون حديثا الى هنا فيلاقون تهميشاً وصعوباتٍ وحواجزَ كثيرةً فينصرفون عن تحقيقها لاسباب كثيرة.

ومع ذلك فقد ظهر بعض المستشرقين الدنمركيين الذين حققوا واستخدموا بعض المخطوطات. نذكر من هؤلاء الاستاذ يورجين بيك سيمونسِن، المدير السابق لمعهد كارستن نيبوهور للدراسات الشرقية، الذي كتب اطروحة دكتوراه في التاريخ عن الخراج الإسلامي واستعان بمخطوطات اخرى في دراسته الاكاديمية.

وكان من قبله المستشرق المعروف يوهانس بيترسن قد حقق قبل أكثر من ثلاثين سنة مخطوطة "طبقات الصوفية" للسلمي ونشرها في كتاب مستقل، الا انها لم تترجم الى الدنمركية، لكن الحديث عن تحقيق هذه المخطوطات يقودنا الى الكلام عن العلاقات العربية الدنمركية وبداياتها، مثل تعليم اللغة العربية في جامعة كوبنهاغن في القرن الخامس عشر.

ظهرت ضرورة تدريس اللغة العربية بسبب الدراسات اللاهوتية والعبرية والسريانية من اجل فهم الإنجيل واعادة تفسيره وفهمه جيدا. ودراسة العربية كانت جزءا من هذه النشاطات الدينية في اغلب الدول الاوروبية الغربية بما فيها الدَنمَرك.

اما ملك الدَنمَرك فريذريك الثالث فقد حصل عام 1664 على هدية كبيرة هي القرآن الكريم، ولم يُعرف عن الدنمركيين كُرهُهُم للعرب أو عدوانيتهم لكن بعضهم شاركَ كمسيحيين في الحروب الصليبية ضد المسلمين، ولهذا فان نشاطاتهم الاستشراقية كانت لأسباب علمية ولحب الاطلاّع عليهم.

وهناك مخطوطات عربية وصلت عن طريق السياح الأوروبيين والمسافرين، أو بسبب الحروب المختلفة مثل الحرب الروسية- التركية. وتوجد في المكتبة الملكية حوالي 43 نسخة من القرآن الكريم وكلها من المجموعات القديمة. ويبلغ عدد المخطوطات العربية هنا حاليا حوالي 500 مخطوطة.

والظاهرة الثالثة هي الرحلة العربية، بعثة بمنظار علمي:

يمكن القول إن الاهتمام بالعرب وحضارتهم توج بقرار ملك الدَنمَرك والنرويج فريذريك الخامس بتمويل رحلة يقوم بها مجموعة من الاختصاصيين الدنمركيين وغيرهم الى اليمن السعيد.

كان ذلك عام 1756 وتقرر فيما بعد ان تضم الرحلة كلا من البروفيسور فريذريك كريستيان فون هافن وهو متخصص في علوم اللغة، والبروفيسور بيتروس فورسكول عالم الطبيعيات والنبات، والملازم المهندس المتخصص بالرياضيات المستشرق الالماني كارستين نيبوهر والرسام جورج باورينفانيد والدكتور كريستيان كارل كراكرة، إضافة الى السويدي بيرك كرين. وقد توفى الجميع في هذه الرحلة ولم تُكتب النجاة الا لنيبوهر حيث تمكن من الاستمرار في الرحلة قاصدا عمان، بلاد فارس، العراق، سورية، قبرص، القسطنطينية، أوروبا ثم الدَنمَرك حيث وصلها سالما عام 1767، اي بعد ستة اعوام حيث بدأت الرحلة العربية عام 1761.

هذا وقد اتحفَ الكاتب الدنمركي توركل هانس المكتبة الدنمركية بكتابه القصصي الجميل رواية "العربية السعيدة" حيث اصدرها عام 1962م ومن المؤسف انها لم تترجم الى العربية حتى وقتنا الحاضر.

اما المستشرق ستيج راسموسين فقد عمل منذ عام 1984 حيث زارت ملكة الدَنمَرك مارغريته الثانية المملكة العربية السعودية فقام بجمع كل ما يمكن جمعه من مخطوطات ووثائق عن هذه الرحلة وغيرها. وقد تمكن من انجاز كتابه الكبير:الرحلة العربية 1761-1767 عام 1990

وقد أصدرته دارمونك سكورد ويقع في 413 صفحة من القطع الكبير والورق الصقيل وتضمن المعلومات الكاملة عن رحلة كارستين نيبور الى العرب وجميع اكتشافاتهم ورسومهم وانطباعاتهم عن العرب والمسلمين.

أصبح كارستين نيبوهر علما بارزا في الاستشراق الدنمركي، يحمل اسمه أكبر معهد للدراسات الشرقية في الدنمرك، حيث تدرس العربية وعلومها ويحصل طلابه على شهادات اكاديمية فيها.

وأود أن اشير في نهاية هذا المقال إلى أني كنت في بداية التسعينات أرغب في ترجمة هذا الكتاب، "الرحلة العربية 1761-1767" وطلبت دار نشر مونك سكورد مبلغا كبيراً جداً، الا ان الكتاب لا يقدر بثمن وسيكون صغيراً لو بادرت كل المؤسسات العربية الثقافية في كل الدول العربية بالمساهمة في جميع المبلغ، او على الاقل التوجه الى الدار والبحث في إمكانية التفاهم معها حول هذا الموضوع.

ولابدّ من الإشارة هنا إلى سفارة الشاعر والسياسي العربي الأندلسي الشهير يحيى الغزال إلى الدنمرك في منتصف القرن التاسع بعد انتصار الأندلسيين على الفايكينج -القراصنة، والتقائه بقائدهم هوريك والملكة نود. لكن رحلة ابن فضلان ذات أهمية خاصة باعتبارها من أولى الوثائق الإثنوغرافية التاريخية التي سلطت الضوء بالتفصيل على تقاليد شعوب تلك المنطقة وطقوسهم بمن فيهم الفايكينج-القراصنة (الإسكندنافيين)، حيث سنحت لابن فضلان الفرصة لوصف مراسيم دفن احد قادتهم بالتفصيل.

***

د. زهير ياسين شليبه

.............................

- مقال قديم من التسعينات، نُشر في إحدى الصحف العربية

لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ العصور السومرية التي خطت أول الحروف، وصولاً إلى العصر العباسي الذي جعل من بغداد قبلة العالم العلمية. إن الوقوف السلبي على أطلال الماضي لم يعد كافياً لبناء مستقبل، واستبدال الحقائق المريرة بالشعارات العاطفية الرنانة عن "عبقرية الإنسان العراقي" دون توفير البيئة الحاضنة له، لم يزدنا إلا غرقاً في مستنقع التخلف التقني والتبعية العلمية المطلقة. لذا، تأتي هذه السطور كإسهام في، تنوير الطريق، للأجيال القادمة، ليس عبر تزييف الواقع أو تجميله، بل من خلال كشف العوائق البنيوية والمؤسساتية العميقة التي كبّلت نهضتنا وعطلت ماكنة العقل العراقي عن الدوران في جسد الدولة الحديثة.

إنني اؤمن يقيناً بأن معرفة أسباب الفشل هي أولى خطوات النجاح، وأن المصارحة القاسية هي أسمى أنواع الوطنية في زمن سادت فيه المجاملات السياسية المضللة. فمن دون تشخيص دقيق وعلمي للمحنة التي نمر بها، ومن دون تفكيك العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي جعلت من بلادنا بيئة طاردة للابتكار ومقبرة للطموح، ستبقى كل محاولات التغيير مجرد صرخات في وادٍ سحيق أو حرث في البحر. إن الهدف الجوهري هنا هو وضع خارطة طريق ذهنية للأجيال الشابة، ليفهموا طبيعة القيود المعقدة التي منعت آباءهم من اللحاق بركب التطور العالمي، عسى أن يمتلكوا هم الوعي الكافي والجرأة اللازمة لتحطيم هذه الأغلال وبناء عراق جديد لا يكتفي بدور المستهلك السلبي لتكنولوجيا الآخرين، بل يفرض نفسه كمنتج ومشارك في صنع الحضارة الرقمية الكونية.

أولاً: العلم كزينة اجتماعية لا كقاعدة بناء هيكلية

المشكلة الجوهرية التي تعيق انطلاقتنا تكمن في غياب الفلسفة الحقيقية للعلم في الوعي الجمعي والمؤسساتي، إذ لا يوجد تفهم حقيقي بأن العلوم هي العمود الفقري والقلب النابض لتطور الدول الحديثة، وليست مجرد برستيج بروتوكولي أو زينة تُجمل بها المؤسسات صورتها أمام المجتمع الدولي. في العراق، ساد مفهوم قاصر ومشوه يحصر قيمة العلم في الشهادة الأكاديمية بوصفها وجاهة اجتماعية (لقب دكتور أو أستاذ) أو مجرد ورقة قانونية لغرض الترقية الوظيفية وزيادة الراتب. لقد تحولت الجامعات، مع الأسف، من منارات للبحث العلمي والابتكار إلى مصانع ضخمة لإنتاج حملة شهادات يفتقر الكثير منهم إلى الحد الأدنى من المهارة التقنية التي يتطلبها القرن الحادي والعشرون، مما خلق فجوة هائلة بين ما يدرسه الطالب وبين ما يحتاجه الواقع المرير.

إن النهضة التكنولوجية الحقيقية تتطلب إيماناً مؤسساتياً راسخاً بأن المختبر هو الذي يجب أن يقود المصنع، وأن الأزمات الوطنية الكبرى – سواء كانت اقتصادية، بيئية، أو خدمية – لا تُحل بالخطابات الإنشائية، بل بالحلول التقنية المبتكرة القائمة على تحليل البيانات والبحث الرصين. ومع ذلك، يصطدم هذا الطموح بجدارٍ من الغياب التام لهذا الوعي في مراكز صنع القرار، حيث لا تزال البلاد تُدار بعقلية المحاصصة المقيتة والولاءات الضيقة التي تختزل الوطن في غنيمة، وتغرق في وحل تصريف الأعمال اليومية، متجاهلةً عن عمدٍ أو جهل الضرورة القصوى للاستثمار الاستراتيجي في رأس المال البشري  بوصفه النفط الحقيقي الذي لا ينضب.

أمثلة واقعية من قلب الأزمة:

معضلة الطاقة والكهرباء المزمنة: بينما تتسابق دول العالم نحو بناء شبكات ذكية (Smart Grids) وتوظيف الذكاء الاصطناعي لإدارة الأحمال وتوزيعها بكفاءة، يجد العراق نفسه أسيراً لقرارات مرتجلة تُفضّل الحلول المستوردة على بناء مراكز بحثية وطنية رصينة قادرة على إنقاذ قطاع الطاقة. ليس السبب عجزاً في العقل المحلي، بل لأن هذه العقود الخارجية تمثل القناة المثالية لاستنزاف الأموال وتحويلها إلى جيوب الفاسدين. والنتيجة الكارثية هي أن المناقصات، بعد أن تُنهب مواردها، تفقد القدرة على تمويل مشاريع جادة أو استيراد أجهزة متقدمة، فننتهي منظومات تقنية لا تصمد أمام التحديات، وببنى تحتية عاجزة عن إنتاج معرفة أو ابتكار، مما يكرّس حلقة مفرغة من الفشل التقني والتبديد المالي، ويُبقي العراق رهينة مختبرات وطنية متعثرة لا تواكب أبسط متطلبات العصر.

تآكل القطاع الصناعي والزراعي: بينما تستخدم دول العالم المتقدمة، تقنيات الزراعة الذكية القائمة على الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد، وتوظف علوم النانوتكنولوجي لتحويل الأراضي القاحلة إلى سلال غذاء كبرى، لا تزال مؤسساتنا الزراعية تقبع تحت رحمة تقنيات السبعينيات المتهالكة التي أكل عليها الدهر وشرب. الانفصام هنا يتخذ شكلاً مركباً، فبينما يعاني الطالب من مناهج دراسية متخلفة لا تزال تدرس مواضيع عفا عليها الزمن ولا تواكب القفزات الأكاديمية العالمية، تُصرّ الحكومة من جهة أخرى على تبني أساليب ري بدائية وسياسات زراعية تقليدية دون أي رؤية استراتيجية لربط ما يتبقى من فتات البحث العلمي بخطوط الإنتاج الزراعي. نحن أمام منظومة تعليمية تُخرج شباباً بمهارات منتهية الصلاحية تقنياً، ومنظومة تنفيذية تستورد تكنولوجيا هالكة مادياً، مما يجعل الحديث عن نهضة تكنولوجية في ظل هذا التضاد ضرباً من الخيال.

هدر الألقاب العلمية في البيروقراطية: يُحزننا أن نرى آلافاً من حملة شهادات الماجستير والدكتوراه في العلوم يعملون في وظائف إدارية روتينية، ككتابة الكتب الرسمية الصادرة والواردة أو الأرشفة اليدوية، بدلاً من انخراطهم في وحدات البحث والتطوير (R&D) التي تكاد تكون معدومة في وزاراتنا السيادية. هذا التوظيف الخاطئ يحول العلم من قوة منتجة للقيمة إلى عبء إداري ثقيل ومكلف على الدولة.

ثانياً: الفساد كمعول لهدم القيم العلمية والأكاديمية

الفساد في العراق ليس مجرد اختلاس أموال من خزينة الدولة أو رشاوي لموظفين صغار، بل هو سرطان قيمي وأخلاقي ضرب النخاع الشوكي للمؤسسة الأكاديمية والبحثية. إن أخطر أنواع الفساد هو ذلك الذي يتسلل إلى المحاريب العلمية، لأنه لا يسرق الحاضر المادي فقط، بل يغتال المستقبل عبر تدمير المعيارية وتزييف الوعي الجمعي. حين يصبح العلم سلعة تُباع وتُشترى في مزادات السياسة والمحاصصة، نكون قد أعلنا رسمياً وفاة أي أمل بنهضة تكنولوجية، فالتكنولوجيا هي ابنة الدقة، الأمانة، والشفافية، بينما الفساد هو ابن الزيف، التمويه، والفوضى.

لقد تحول الفساد الأكاديمي إلى منظومة تجهيل وتزييف منظمة، تتجاوز في خطورتها مجرد منح الألقاب والمناصب بناءً على الولاء الحزبي أو القرابة العائلية. إن الكارثة الحقيقية تكمن في أن هذه البيئة باتت تعاني من شحة حادة في المبتكرين الحقيقيين، فالمنظومة الحالية لا تكتفي بطرد الكفاءات، بل تمنع تشكلها أصلاً عبر تشجيع ثقافة الادعاء والتظاهر الكاذب. لقد خُلقت بيئة مشجعة للانتهازية العلمية، حيث يُكافأ من يتقن فن التزوير والسرقات الأدبية وادعاء المعرفة، بينما يُحاصر العقل التحليلي الجاد. هذا الواقع لم يترك الساحة شاغرة، بل ملأها بـ أشباه العلماء الذين يتقنون لغة الشعارات الأكاديمية وهم أبعد ما يكونون عن جوهر العلم، مما جعل المؤسسات العلمية مجرد مسارح للاستعراض الشكلي الذي يفتقر لأي أثر حقيقي على أرض الواقع.

أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج:

تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة. هذا الفساد لا ينتج باحثاً، بل ينتج، سارقاً أكاديمياً، يتبوأ لاحقاً مناصب قيادية، وهو لا يملك أدنى مقومات التفكير التحليلي أو الأخلاق المهنية، مما أدى إلى انحدار مرعب في مستوى التعليم العالي.

الشهادات الوهمية والممنوحة بالضغط السياسي: نجد في مفاصل الدولة العليا شخصيات تحمل شهادات عليا من جامعات غير رصينة أو وهمية تبيع الشهادات. والأدهى من ذلك هو الضغط الذي يمارسه المتنفذون على الجامعات الاهلية لمنح شهادات لأبنائهم أو أتباعهم دون استحقاق، مما كسر هيبة الأستاذ الجامعي وجعل الدرجة العلمية تخضع لمنطق القوة لا لمنطق المختبر.

فساد النشر العلمي (المجلات المفترسة): بدلاً من السعي وراء جودة البحث وأصالته، يلجأ الكثير من الأكاديميين للنشر في مجلات مفترسة (Predatory Journals) تمنح قبول النشر مقابل المال. الغرض هنا هو تجميع نقاط وهمية لغرض الترقية، مما جعل الأرشيف العلمي العراقي ضخماً في الكم ولكنه فارغ تماماً من القيمة الابتكارية أو التأثير العالمي.

السرقات العلمية والاستلال غير القانوني: تآكلت الأمانة العلمية بفعل التكنولوجيا التي سُخرت للنسخ واللصق. وحين تغيب العقوبات الرادعة أو يتم التستر على الفاسدين أكاديمياً بسبب حصاناتهم الحزبية، تصبح السرقة هي الطريق الأسرع والوحيد للنجاح، مما يحبط الباحث المجتهد ويقتله معنوياً.

ثالثاً: التيه بين المطرقة السياسية وسندان الموروث الاجتماعي

لا يمكن للعلم أن ينمو ويؤتي ثماره في بيئة يسودها الاضطراب وعدم اليقين، فالتطور التكنولوجي يحتاج إلى بيئة حاضنة توفر الحرية الأكاديمية والاستقرار الاستراتيجي. وفي العراق، نجد أن العقل المصطدم بجدارين صلبين يمنعان حركته:

تسييس المعرفة والمحاصصة الحزبية:  تحولت المؤسسات العلمية والتقنية في العراق إلى إقطاعيات حزبية مغلقة، حيث يُدار التعليم والبحث بعقلية الولاء لا بعقلية الكفاءة. عندما تُدار جامعة أو مركز بحثي بمنطق المحاصصة، يصبح الانتماء الأيديولوجي أهم من الإبداع العلمي، وتُختزل المعرفة إلى أداة للنفوذ السياسي. هذا التسييس لم يُنتج خططاً علمية أصلاً، بل قضى على إمكانية وجودها، فالمشاريع الكبرى التي تحتاج إلى تراكم واستمرارية لعقود – مثل برامج المياه، الطاقة النووية، أو الرقمنة الشاملة – لم تدخل يوماً في أجندة الدولة، لأن كل دورة انتخابية تبدأ من الصفر، بلا ذاكرة مؤسسية ولا رؤية وطنية.

العوائق الاجتماعية وسيادة التفكير التقليدي: يعاني المجتمع العراقي من انفصام حاد، فهو يستهلك أحدث منتجات التكنولوجيا (كالهواتف الذكية ومنصات التواصل) بشراهة، لكنه في الوقت ذاته يرفض العقلية العلمية التي أنتجت هذه الأدوات. إن غياب المنهج النقدي في التربية والتعليم منذ الطفولة جعل المجتمع يميل إلى التفكير الغيبي في مواجهة المشكلات التقنية. العلم يحتاج إلى بيئة تقدس السؤال والشك المنهجي، بينما بيئتنا الاجتماعية غالباً ما تمجد الامتثال والنقل، على حساب العقل، مما يجعل من الصعب توطين تكنولوجيا تحتاج إلى عقول حرة ومتمردة على السائد.

رابعاً: صناعة التبعية التكنولوجية الدائمة

إن الحديث عن نهضة العراق لا يمكن أن يُختزل في شماعة الضغوط الدولية أو الإقليمية، فالمشكلة الحقيقية كامنة في الداخل. العراق، رغم موارده الطبيعية الهائلة وعقول أبنائه التي أثبتت كفاءتها في الخارج، ظل أسيراً لعقلية كسولة تفضل الاستهلاك على الإنتاج، والارتجال على التخطيط، والولاء الحزبي على الكفاءة المؤسسية. المسؤولية هنا ليست مؤامرة خارجية، بل عجز داخلي عن تحويل الثروة إلى معرفة، وعن بناء مؤسسات قادرة على الاستمرارية والابتكار. والنتيجة أن العراق بقي محصوراً في دائرة الدولة الاستهلاكية، عاجزاً عن الانتقال إلى دائرة الدولة المنتجة التي تصنع مستقبلها بيدها.

1. هجرة العقول وشحة الكفاءات النوعية:  إن الكارثة في العراق ليست في عدد المهاجرين فحسب، بل في نوعية النزيف، ففي الوقت الذي تعاني فيه البلاد من شحة حادة في المبتكرين الحقيقيين بسبب بيئة الادعاء الكاذب، نجد أن القلة القليلة التي نجت من فخ التزييف ولم تلوثها منظومة الفساد الأكاديمي، تُدفع دفعاً نحو الرحيل. هذه العقول النادرة تصطدم في الداخل ببيروقراطية تقدس الولاء وتهمش الإبداع، فتجد نفسها مضطرة للهجرة نحو بيئات عالمية تحترم العقل والمنطق العلمي. النتيجة هي أن العراق يخسر النخبة النوعية التي كان من المفترض أن تضع حجر الأساس للنهضة.

2. تكريس التبعية وصناعة الفراغ التقني الوطني:  إن الحديث عن منح العقود لشركات أجنبية يكشف عن مأساة مزدوجة، فمن جهة، نجد غياباً شبه تام لشركات وطنية رصينة في مجالات البرمجيات أو الهندسة المتقدمة، لأن بيئة الفساد والمحاصصة لا تسمح بنمو قطاع خاص تقني ونزيه يقوم على الكفاءة والابتكار. ومن جهة أخرى، يجد صانع القرار في العقود الأجنبية الكبرى وسيلة مثالية لتمرير صفقات مشبوهة بعيداً عن الرقابة الوطنية الحقيقية، مستغلاً هذا الفراغ التقني المحلي الذي ساهم هو في صنعه. والنتيجة الكارثية هي أن الأمن القومي التقني للعراق — من بيانات واتصالات وبنية تحتية سيادية — يصبح رهينةً بالكامل لإرادات وقرارات خارج الحدود، لا لعدم قدرة العراقي على الإبداع، بل لأن المنظومة الحاكمة أجهضت فرص ولادة أي كيان تكنولوجي وطني يمكنه حماية سيادة البلاد الرقمية

خامساً: الفجوة الرقمية وأمية القرن الجديد

من المعوقات الصامتة التي نادراً ما يتم تسليط الضوء عليها هي الأمية الرقمية التي تضرب مفاصل الدولة. فبينما يتحدث العالم عن الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، لا تزال معظم مؤسساتنا تعتمد على الورق والتوقيع اليدوي والبيروقراطية المملة. هذا التخلف الإداري ليس مجرد بطء في الإنجاز، بل هو عائق أمام أي تطور تكنولوجي، فالتكنولوجيا تحتاج إلى بيئة رقمية متكاملة لكي تنمو وتزدهر.

هل من ضوء في نهاية هذا النفق المظلم؟

إن هذا التشخيص، رغم مرارته وقسوته، ليس إعلاناً للهزيمة أو دعوة للاستسلام للواقع القائم، بل هو صرخة يقظة ضرورية. إن عملية التغيير في العراق ستبقى مهمة مستحيلة طالما ظلت هذه العوامل المعيقة (الفساد، التسييس، التجهيل) هي المهيمنة على مقدرات البلاد. ولكن، بمجرد أن تدرك الأجيال القادمة أن عدوها الأول ليس نقص الأموال، بل هو الفساد الأكاديمي، وتهميش العقل، حينها فقط سيبدأ المسار الصحيح نحو النهضة.

إن النهضة تبدأ من ثورة في الوعي ثورة تعيد للأستاذ الجامعي كرامته واستقلاليته، وللمختبر هيبته العلمية، وللكفاءة مكانتها الوحيدة في سلم الترقية. إن الطريق طويل وشاق، وصعوبة التغيير تكمن في عمق الجراح التاريخية والسياسية، لكن الوعي بحقيقة المحنة هو أول خيط في فجر الخلاص.

رسالة إلى الأجيال القادمة:

يا شباب المستقبل، إن كشف هذه الحقائق أمامكم ليس لزرع اليأس في قلوبكم، بل لتحديد مواقع الألغام التي يجب عليكم تجنبها أو تفكيكها بصبر وشجاعة. النهضة لن تأتي بقرار سياسي فوقي مفاجئ، بل تبدأ منكم عبر:

استعادة قدسية العلم: ورفض أن تكون الشهادة مجرد ورقة للوجاهة.

فك الارتباط المصيري: بين المؤسسة العلمية وبين الصراعات الحزبية الضيقة.

محاربة الفساد الأكاديمي: باعتباره جريمة خيانة عظمى بحق مستقبل الوطن.

إن العراق الذي نحلم به، العراق العلمي والتكنولوجي، لا يزال ممكناً، ولكنه ينتظر جيلاً يرفض الأكاذيب ويواجه الحقائق مهما كانت مؤلمة.

***

محمد الربيعي

بروفسور متمرس ومستشار دولي - جامعة دبلن

 

في القبوِ الخلفيِّ لوجودٍ قاحل، حيثُ المرايا وجوهٌ مطفأة والآجامُ أجسادٌ بلا ظلال، وقفَ مسحوقٌ يتجردُ من أسمالِ ذاكرتِه، لا يملكُ إلا الرمادَ كأثرٍ يتأملهُ شبحٌ غريب. كانت السماءُ هناكَ ندبةً حمراءَ تشهقُ غبارَ الصمت، حتى انفتقَ رتقُ الكونِ فجأة؛ فتداعت حلقاتُ المريخ.. لم تسقط ككواكب، بل هبطت كشظايا مسنونة، ناضحةً باحمرارٍ أزليٍّ كنزيفِ المدنِ التي نساها الله خلفَ الحصار.

ذلك الشبحُ الذي جفَّت في عروقِه حواسُّ الدفء، توهّمها أمطاراً حامضيةً تنهشُ ما تبقى من أثيرِه الممزق. لم يدرك أن 'آريس' -إلهُ الحربِ المكلوم- يفرغُ الآن جيوبَه المثقوبة من ذهبِ الأساطيرِ العتيق، وينثرُ لوعتَه فوقَ رأسٍ لا يسكنُه سوى صدى الجوعِ وهواجسِ المنافي.

"كل حلقة تسقط، هي صرخة مؤجلة في حنجرة الفراغ، هي بيتٌ ينهار في قاع الذاكرة".

لم تكن الحلقات ماءً، بل كانت توابيت من الضوء الميت، تشبه تلك التي تُشيع بلا أسماء. حين لامست مفرق رأسه، لم يحترق، بل استيقظت فيه غريزة الانتماء إلى "التلاشي" الأول، حيث الفقر هو التجرد المطلق. بصقةٌ من القرف أطلقها بوجه السكون، وقرر الهجرة المعاكسة؛ نبذ الاستقرار البارد في الموت، وسحل أذيال كينونته عائداً.. مخترقاً فجوات الزمن التي تشبه جروحاً لم تندمل في جسد الأوطان. كان يركض نحو مصب بحر الأمنيات، ليس حباً في الأماني، بل رغبةً في الغرق داخل لزوجة الاحتمالات ثانيةً، لعلَّ في الغرق صوتاً لا يسمعه الطغاة.

هناك، عند المصب، حيث تلتقي المياه الكبريتية بدموع التماثيل المنسية في الميادين المهجورة، وقف الشبح عارياً من وهم الخلود، ينتظر أن تبتلعه الأمواج التي لا تجيء، محاطاً بحطام المريخ الذي صار الآن.. مجرد ركام في ذاكرةٍ لم تعد تملك رأساً ليفكر، كفقيرٍ فقد بيته ولم يعد يملك حتى سقفاً للخيال.

عند مصب بحر الأمنيات، حيث تتقيأ الأمواج بقايا أحلام الغرقى الفارين عبر البحار، لم يكن الشبح يبحث عن نجاة، بل عن تفتتٍ منظم. كانت شظايا حلقات المريخ التي علقت بمسامه الأثيرية تتأكسد، تتحول من أمطار حامضية إلى "علقة" كونية حمراء، تشبه تخثر الدم فوق ركام المدن.

هناك، وسط الهياكل الكلسية للأماني المجهضة، انشقت الأرض عن "ننماخ". لم تأتِ كآلهة مغسولة بالضوء، بل برزت من رحم الطمي العظيم، طين الخنادق والملاجئ كصرخة جسدية. يداها الملطختان بصلصال الأزل تمسكان بخيوط "الأنكي" المقطوعة، كأنها تحاول رتق أرواح قتلى الحروب. كان الصمت مكتملاً كالبيض، ننماخ لم تكسر البيضة لتصنع من قشورها خناجر للولادة، بل لتصنع منها دروعاً لفقراء لا يحميهم أحد.

دنت "ننماخ" من الشبح المتهاوي. لم تمنحه قبلة الحياة، بل غرست أصابعها السبع في تجويف صدره الخالي من الرغيف والوطن. انتزعت وهم العدم، وحولته إلى رحمٍ مكشوف؛ حلقات المريخ التي ظنها دماراً، صارت تحت لمساتها أحزمةً من المشيمة، تربط ضحايا الحروب بالأرض التي تأبى لفظهم.

الولادة الأولى:

 لم تكن طفلاً، بل كانت "معنى" يزحف على ركبتيه، كلاجئٍ يبحث عن حدودٍ لا تقتله. تداعت جدران الفراغ، وبدأ بحر الأمنيات يضخ "اللا زمن" في عروق الشبح التي نبتت فجأة من ملوحة الأرض الجريحة. لقد استعادته "ننماخ" من الضياع لتضعه في جحيم التكوين. الشبح الذي أراد الهرب من الأمطار الحامضية، وجد نفسه الآن الجنين الأبدي الذي يقتات على فضلات النجوم ومخلفات المعارك، محكوماً عليه بأن يولد في كل لحظة انفجار، دون أن يكتمل أبداً.

على وسادة التكوين، يتقيأ بقايا طيفه، وبأصابع ننماخ التي تشبه مخالب القدر، لم تكن تمنحه شكلاً، بل كانت تنتزعه من الفراغ انتزاعاً. قبضت بيدها اليمنى على حفنة من الطين الأحمر ذلك الهباء الذي تداعى من حلقات المريخ الممتزجة بتراب المقابر الجماعية ومزجته بلعاب "بحر الأمنيات" المالح. كان الطين يعوي تحت أصابعها، وكأن ذرات الحديد فيه ذكريات ضحايا تأبى أن تُصاغ ثانيةً كوقودٍ للحروب.

غرزت "ننماخ" ركبتيها في صدر الشبح الهلامي، وبدأت برتق الفتوق:

الرأس:

لم يكن كروياً، بل صاغته من حطام الحلقات الحامضية؛ فصار جمجمة من حجر بركاني أسود، تنعكس على جدرانها خيبات الفقراء في كل العصور.

العينان:

 فقأت عين العدم في وجهه، وزرعت مكانهما فصين من الكبريت المريخي، لينظر بهما إلى الوجود فلا يرى إلا احتراق المعنى في فوهة البندقية.

الجسد:

 لطخت أثيره الشاحب بطبقات من الطين الثقيل، حتى صار الشبح سجناً من الفخار الحي، نُصباً تذكارياً للألم الذي يرفض الموت.

حين اكتمل الجسد، لم تنفخ فيه روحاً، بل نفخت فيه رعبها من التكرار الأبدي للمأساة. تقشرت القشرة الحمراء عن جلده الجديد، فظهر الشبح كأنه جرحٌ يمشي على قدمين. الحلقات التي ظنها أمطاراً حامضية أصبحت الآن عموده الفقري، تئن مع كل خطوة يخطوها مبتعداً عن شواطئ الأمنيات، عائداً إلى صخب الوجود كآلة بيولوجية صنعها الفقر من فضلات الكواكب الميتة.

لقد صار الشبح الآن "ابن الطين الأحمر"، يحمل في مسامه ملوحة الدم وغبار المريخ، محكوماً عليه بأن يظل شاهداً على أن الولادة في زمن الصراع هي أقسى أنواع العقاب السريالي.

على حافة المنحدر الذي يفصل بين الهلامية والصلصال، وقف الشبح المسخ بجلده المريخي المشقق، يلتفت خلفه بنظرة كبريتية أخيرة. هناك، في الفراغ المطلق، تجسد "سيروان" كعدمٍ يتثاءب، بلا ملامح وبلا صدى، وناداه:

عدتَ سجيناً يا هارب.. كنتَ سيداً في لا-شيئي، والآن أنتَ عبدٌ لمخاض 'ننماخ'. تلبّستَ بصدأ المريخ، وتوضأت بملوحة الأمنيات، فماذا ربحتَ غير ثقل الجسد الذي ستأكله المدافع؟ الحلقات التي ظننتها مطراً، صارت الآن أغلالك الفقرية.

أجابه الشبح، وهو يلمس جرحه الجديد:

في عدمك كنتُ مكتملاً كالدائرة، لكنني كنتُ ميتاً كالحجر الصامت. فضلتُ أن أكون جرحاً ينزف طيناً مريخياً على أن أكون فكرةً منسية في ردهات صمتك. 'ننماخ' لم تمنحني حياةً مخملية، بل منحتني ألم الارتطام بالواقع، وهذا يكفيني لأعرف أنني أقاوم.

قال سيروان بسخرية باردة:

 أنت الآن مادة.. والمادة تخون، ان الذي جلبته من حروب المريخ، سيجف في هجير الحقيقة. ستتمنى لو عدتَ طيفاً في مملكتي العدمية حين تكتشف أن 'بحر الأمنيات' ليس سوى سرابٍ من دموع أسلافك الذين قتلتهم نفس الحلقات.

رد الشبح وهو يغرس قدمه الحمراء في أرض التكوين:

ليجف الطين، وليتكسر الجسد.. ففي كل شقٍّ في جلدي المريخي، سأزرع أسطورة جديدة لفقيرٍ لم يركع. لقد تركتُ لك 'الكمال البارد' في قصورك الوهمية، وأخذتُ معي 'القرف المقدس' للولادة وسط الركام. اذهب إلى صمتك فأنا الآن أملك ظلاً.. والظل هو أول اعتراف بالضوء الذي يحجبه دخان المعارك.

بصق الشبح كتلة من العلق الأحمر في وجه الفراغ، واستدار بظهره. الحلقات التي تداعت على رأسه ذات يوم، استقرت الآن كتاجٍ من شوك النجوم أو أسلاك شائكة فوق جبهته الطينية، ومضى يجرّ كينونته الجديدة نحو شمسٍ لم تغرب بعد، تاركاً وراءه أبدية من العدم المنفي.

في تلك النقطة المحرمة، حيث تنتهي كظلامٍ يلتهم نفسه، ويبدأ الشبح ككتلة من طين المريخ الأحمر المتخثر، حدث الارتطام. لم يكن ارتطام أجساد، بل كان انكسار "فكرة السلام" على صخرة "المادة المحترقة". وقف الشبح، الذي أعادت "ننماخ" رتقه بحطام الحلقات، يقطر دماً معدنياً، بينما كان يمتص الضوء من حوله كأنه ثقب أسود يبتلع التاريخ. إنه الجرح الذي لا يندمل لأن لا لحم له، بل له قضية.

بدأت حلقات المريخ التي استقرت فوق رأسه تدور بسرعة جنونية، لم تعد أمطاراً حامضية، بل صارت نصالاً من الزمان تقطع سكون الطغاة. مدّ الشبح يده المصنوعة من طمي "ننماخ" الثقيل، وطبع كفه المحروقة على وجه العدم. في تلك اللحظة، ولأول مرة، صار للعدم وجهٌ مشوه بملوحة بحر الأمنيات الميتة، وجهٌ يصرخ بصوت الفقراء الذين يأبون التلاشي.

سيروان يمتص ذرات المريخ من جسد الشبح، والشبح يمتص "التلاشي" من قلب سيروان. صارا كياناً واحداً هجيناً:

 "عدماً متجسداً في صورة ضحية". لم ينتصر أحد. سقط الشبح في المصب، لكنه لم يعد شبحاً، بل صار "تمثالاً من الوجع" يقف حارساً على بوابة البرزخ بين الفقر والموت. أما "سيروان"، فقد تلوث بذرة من الطين الأحمر، وصار محكوماً عليه بأن "يشعر" بثقل وجود الجياع إلى الأبد.

كانت ننماخ تراقب من بعيد، تبتسم بمرارة، وهي ترى أن الولادة ليست سوى عملية "تلطيخ" للعدم بدم الحقيقة الجارحة. لم يسقط الهجين في الماء، بل غاص في مخاضٍ سائل؛ كان بحر الأمنيات في تلك اللحظة يشبه رحماً كونياً مفتوحاً، مياهه هي دموع الأمهات الثكالى ووعود السياسيين المنتهية الصلاحية. وحين لامس جسده القاع، بدأت طبقات طين المريخ تتقشر كجلد ثعبان يرفض موته.

حلقات المريخ التي كانت تاجاً وشوكاً، ذابت وصارت خيوطاً من البرق تلتف حول عنقه كحبل سُريّ يربطه بأرضه المنهوبة. لم يختنق، فتح فمه ليدخل ملح الأمنيات المرة إلى رئتيه، فاستحالت أنفاسه إلى بلورات من الكبريت الصامد.

الغرق هنا ليس نهاية، بل هو تراكم الطبقات فوق الروح حتى تصبح مادةً صلبة كاليقين بالحق.

في القاع السحيق، حيث تجلس "ننماخ" صامتة تغزل من عشب البحر أجساداً لمشردين جدد، استقر الهجين. لم يعد شبحاً، بل صار "نطفةً معدنية" تنتظر الثورة الكونية القادمة. لقد امتص بحر الأمنيات وحوّله إلى ثقلٍ نوعي. والآن، كلما اهتز سطح البحر بفعل القذائف، يعرف العابرون أن هناك، في الأسفل، شظية من المريخ تحاول أن تولد من جديد، وأن الشبح الذي فر من الفقر قد صار هو نفسه "المطر" الذي سينهمر يوماً ليغسل ركام العالم.

توقف الهمس، لكن أثره ظل يغلي في الطين الأحمر. الهجين، في قاع البحر، لم يفتح عينيه الكبريتيتين، لكنه شعر ببرودة تسكن في نخاعه الفخاري. لقد صار هو "البرزخ" نفسه؛ يداه من طين الخلق، وقلبه من فراغ العدم، وحنجرته تختنق بملح أماني الجوعى.

بشهقةٍ معدنيةٍ شقّت صمت القاع، هزّ أركان بحر الأمنيات، قرّر أن يضع حداً لحوارية الطين والعدم. لم يعد "البرزخ" يتسع للتناقض، انفجر صدر الهجين، لا عن أحشاء، بل عن مجراتٍ مجهضة من الأحلام التي وُئدت في المهد.

انطلقت حلقات المريخ التي كانت مستقرة في عموده الفقري كشفراتٍ ضوئية، قطعت مياه بحر الأمنيات وحولتها إلى بخارٍ مسموم يلاحق القتلة. طين ننماخ تفتت إلى ذراتٍ، كل ذرة منها تحمل "صرخة ولادة" و"همسة احتجاج". صار القاع غباراً أحمر يبتلع ضوء الزيف.

الانفجار هو الطريقة الوحيدة التي يعتذر بها الطين للعدم عن كونه وُجد في عالمٍ لا يحترم الفقراء.

لم يبقَ من الشبح، ولا من المريخ، ولا حتى من الهمس شيءٌ ملموس سوى الذاكرة. فوق سطح بحر الأمنيات، طفت رغوةٌ كبريتية حمراء، تشبه وشماً مؤقتاً على وجه الماء الغادر. وفي القاع، بقيت فجوةٌ أبدية، أثرٌ لبرزخٍ قرر أن ينتحر ليتحرر من عبء "التكوين القسري".

تفتحت النافذة على عين "ننماخ"، الآلهة التي لم تعد تملك طيناً لتشكله بعد أن استنفد الفقراء كل التراب. وقفت على حافة البحر الذي صار لونه بلون النحاس المحروق، تمسح عن كفيها بقايا "العلقة المريخية". بالنسبة لها، لم يكن الهجين مجرد كائن، بل كان صرخة الضحية الأخيرة.

من شظايا الانفجار، لم تخرج جثث، بل خرجت "أجنة من هواء" أرواح الفقراء التي تسبح في الفضاء. حلقات المريخ لم تختفِ، بل تحولت إلى "غبار زمني" يسقط فوق جفون العالم الظالم. كل ذرة غبار هي مشهد من حياة فقير لم تُعش؛ مطر حامضي يغسل القصور المنيعة.

ننماخ لا تبكي، لكن مسام جلدها تفرز ملحاً أسود كلما تذكرت أنها كانت يوماً.. هجيناً يرفض السقوط تحت أقدام الحروب.

نظرت ننماخ إلى الأفق، رأت ظلاً جديداً يتشكل من "صدى الانفجار" نفسه. هذا الظل هو "ذاكرة الألم المريخي" وقد استقلت عن جسدها. إنه التمرد الأخير؛ فبينما أراد الطغاة الصفر المطلق للفقراء، قرر هذا الظل أن يكون "الواحد المتكرر" في خيال التاريخ.

لا عزاء للأشباح التي تظن أن الطين سقفٌ يحميها.. الطين هو القبر الذي نمشي فوقه، أو الخندق الذي نولد فيه. ارحلوا الآن عن هذا البرزخ، فالهجين لم يمت.. إنه الآن يسكن في مسام جلودكم، يهمس بملوحة البحر وغبار الكوكب الأحمر، شاهداً على أننا جميعاً، نحن الفقراء والأشباح، لسنا سوى "أخطاءٍ ميتا سريالية" في ذاكرة آلهةٍ نسيت كيف تمسح يديها من دماء الخلق.

 خامساً: ما تم إضافته لتعميق الرمزية

***

نص ميتا سريالي

غالب المسعودي

كلما ارتفع الإنسان وعيا، كلما ارتقى عن أقرانه، فيرتقي ويرتقي فوق جبال المعرفة حتى يصير طائرا بوعيه كالنسر الثقافي الذي يرى الأشياء بمنظور أكثر شمولية ودقة، فيفهم الأشياء بشكل أوعى وأعمق وإن بدا مختلفا عن أقرانه. هذا الارتقاء ليس دربا مفروشا بالورود، بل هو مسار شاق يتطلب جرأة على التفكير وتحديا للمألوف. فكما قال الفيلسوف برتراند راسل، "الوعي يخلق حالة من الفوضى الداخلية، في حين أن الجهل يوفر لنا استقرارًا نسبيًا" . هذا التناقض يبرز الثمن الذي يدفعه المرء في سبيل اليقظة الفكرية، فبقدر ما تتسع المدارك، قد يشعر الفرد بالغربة في عالم يفضل فيه الكثيرون راحة الجهل. وقد عبر عن هذا المعنى أيضًا آرثر شوبنهاور بقوله: "الوعي يجعلنا غرباء في عالمنا، فالجهل يوفر لنا مأوى ومألوفية" .التطور. إنه يذكرنا بـ أسطورة الكهف لأفلاطون، حيث يمثل السجناء المقيدون الذين يرون الظلال على جدار الكهف غالبية البشر الذين يكتفون بالظواهر السطحية، بينما يمثل الفيلسوف الذي يتحرر ويخرج ليرى نور الشمس الحقيقة الكاملة، ذلك الإنسان الذي ارتقى بوعيه. وعندما يعود هذا المتحرر إلى الكهف ليخبر رفاقه بما رآه، فإنه يواجه الرفض والسخرية، لأنهم لا يستطيعون استيعاب حقيقة تتجاوز ظلالهم المألوفة. هذه التجربة الفلسفية القديمة تجسد الصراع الأزلي بين الوعي المتسع والجمود الفكري. المستمرة. يقول الأديب نجيب محفوظ: "التفكر العميق يعني أن تتجاوز حدود الراحة العقلية وتتحدى الأفكار المألوفة. إنه مشقة تستحقها لأنها تقود إلى النمو والتطور الشخصي" . فالعقل لا ينمو إلا بالتجارب المتراكمة، والتحديات التي تصقل الفكر وتوسع الأفق. لم يبلغ الحكماء على مر العصور  حكمتهم إلا بعد أن خاضوا غمار الحياة بتجاربها المريرة والحلوة، فكانت كل تجربة بمثابة لبنة في صرح وعيهم المتنامي. فالوعي محتاج إلى العقل، والعقل محتاج إلى التجربة، ولا حكيم إلا ذو تجربة يصبح قادرًا على رؤية الروابط الخفية بين الأشياء، وفهم التعقيدات التي تبدو للآخرين مجرد فوضى. إنه يدرك أن الحقيقة ليست أحادية الجانب، بل هي نسيج معقد من المنظورات المتعددة. هذا المنظور الشمولي يمنحه القدرة على تجاوز الأحكام المسبقة والتحيزات، ليغوص في أعماق المعاني، ويكشف عن جوهر الوجود. إنه يصبح كمن يرى الخريطة بأكملها، بينما يرى الآخرون جزءًا صغيرا منها فقط. هذا هو جوهر الارتقاء بالوعي: انها رحلة مستمرة نحو فهم أعمق للذات والعالم، حتى وإن كانت هذه الرحلة تفرض على صاحبها بعض العزلة أو الاختلاف عن السائد، ففي هذا الاختلاف يكمن جوهر التميز والريادة الفكرية.

***

د محمد غاني

تُعد فكرة العدل من أقدم الفضائل الإنسانية التي تعبر عن رغبة أصيلة لدى الإنسان في إحقاق الحق ورد كل ماهو ظالم وغير معقول.

وقياساً الى الحقوق الطبيعية للبشر فإن جوهر العدالة ثابت غير متغير بإعتبارها نظرية اخلاقية مجردة توفر الحماية للحق في الحياة والحرية والكرامة والمُلكية والحقوق المكتسبة ....

إلا ان فكرة العدل وقياساً على الحقوق الوضعية تعد فكرة نسبية أكتسبت عبر التاريخ كثير من الدلالات المختلفة بإختلاف الزمان والمكان، وترتبط، كما يقول القديس توما الاكويني ارتباطاً كاملاً بأسلوب وتفكير الإنسان عبر العصور .

فالعدل في حقيقته ومعناه ليس بخاصية من خصائص القانون وليس هو ظاهرة من ظواهر المجتمع، بل هو فضيلة وسلوك للانسان في علاقاته الاجتماعية ينبغي ان تتحقق ولو لم يكن هناك قانون او دولة ...

ويذهب الإمبراطور الروماني جسستنيان في مدونته الى القول: (العــدل هو حمل النفس على إيتاء كل ذي حـق حقـه والتــزام ذلـك عـلى وجـه الـدوام والاسـتمرار).

ذلك ان الفضيلة تعني استعداداً دائماً ومستمراً للنفس البشرية لفعل الخير ورد الشر، فالفضيلة تحمل طابع الدوام والثبات، اما إذا اتخذ السلوك صفة التقطع فلا يعد فضيلة، لان التقطع يرتبط بالانتهازية والتحيز

وعلى هذا النحو فان الإنسان اما ان يكن عادلا وفاضلاً على طول الخط او لا يكون.

وهكذا ميز الفلاسفة بين اربعة فضائل أساسية ينبغي ان تحكم سلوك الإنسان هي: التبصر، العدل، ضبط السلوك الاجتماعي، والجَلد والشجاعة.

ومن بين هذه الفضائل الأربعة يرتبط التبصر والعـدل بعلم القانون، والتبصر وهو فضيلة عليا تتمثل في القدرة على إعمال العقل والتفكير السليم الموجه للتصرفات والأعمال للوصول الى الغاية المنشودة، وينبغي ان يقوم العمل التشريعي والقضائي ومعيار السلوك المطلوب من الأفراد على اساس التبصر .

ويميز الفقه الحديث بين فكرة العدل التوزيعي والتبادلي وفكرة العدالة ؛

ويقوم العدل التوزيعي على المساواة النسبية تبعاً لقدرات وفروق كل فرد ومهامه في المجتمع. اذ يفيد معنى المساواة في المراكز القانونية المتماثلة، وهي مساواة قانونية وليست فعلية، فالمفروض ان يطبق القانون بمساواة جميع الاشخاص في مركز قانوني معين فالمثل يعامل كمثله، وغير المتساويين لا يلقون معاملة متساوية، وهو الذي يبرر لنا عدم المساواة المطلقة بين الأفراد

فحقوق الوظيفة العامة مثلاً مرتبطة بمستوى التأهيل العلمي، والضريبة ترتبط بمقدار الثروة ...

وعبر جستنيان عن ذلك بالقول (مساواة غير المتساويين ظلم).

العدل التبادلي:- وهو الذي يسود في علاقة الأفراد فيما بينهم ويقوم على المساواة الحسابية التامة

، فإذا قام شخص بإحداث ضرراً للغير، التزم بإصلاح الضرر الذي أصاب المضرور اياً كانت وضعه الإجتماعي ومؤهلاته، اوتعويضه نقدياً بمايعادل الضرر،

ويتحقق ذلك من خلال قواعد قانونية عامة مجردة تطبق على الجميع بنزاهة ويقتصر دور العدل هنا على بيان أن الإجراءات كانت عادلة لان احدا لم يستثنى او يستبعد بشكل غير عادل من تطبيق القانون، لا فرق بين ام تسرق لإطعام أطفالها الجياع وبين من يسرق لإرضاء ملذاته.

لأن العدل القانوني يعتد بالوضع الغالب الظاهر لا بالوضع الداخلي الخاص بالمخاطبين بحكمه.

اما العدالـة: فتعني الإنصاف وهو شعور كامن في النفس يوحي به الضمير النقي ويكشف عنه العقل السليم وتستلهم منها مجموعة من القواعد تعرف باسم قواعد العدالة بما توحي به من حلول منصفة ومساواة واقعية تقوم على مراعاة دقائق ظروف الناس وحاجاتهم، وفي هذا الصدد يقول الامام علي (ع): "إنّ العدلَ ميزانُ الله سبحانه الذي وَضَعَه للخَلْق، ونَصَبَه لإقامةِ الحقّ، فلا تُخالِفْه في ميزانِه، ولا تُعارضْه في سلطانِه"

ان التمييز بين فكرتي العــدل والعدالــة هو الذي اوحى الى الأنظمة القانونية بالحاجة الى إصلاح صرامة القانون من خلال الدعوة الى تفسيره بروح العدالة بدلا من التركيز على حرفية النصوص وهذه الحالة نجد تعبيرها في القول المأثور (الرحمة فوق القانون) الذي يعني ان على القاضي ان يعالج الحالة الفردية بروح العدالة.

وتُعد الحقوق المكتسبة من مقتضيات العدالة الأساسية، فهي تضمن استقرار المراكز القانونية للأفراد وتحميهم من تعسف السلطة أو التغيرات التشريعية المفاجئة، وتستند إلى مبادئ العدالة نفسها التي تقتضي عدم حرمان شخص من حق استقر له في الماضي، مما يحقق الأمن القانوني ويمنع الظلم.

وتُعدّ ضمانة للحماية القانونية وتطبيقاً لمبدأ عدم رجعية القوانين.

وتظهر الحاجة إليها بقوة في القانون الإداري لحماية الأفراد من القرارات الإدارية التي قد تمس حقوق اكتسبوها بالالغاء مثل الحقوق الوظيفية والتدرج الإداري والعقوبات الانضباطية التعسفية والحقوق التقاعدية والمنازعات المتعلقة بالعقود الإدارية، وغير ذلك من القرارات التي تمس حقوقاً مكتسبة، وكل ما يعد تعدياً على العدالة.

ويلاحظ ارسطو ان الناس جميعاً يتفقون على ان العدالة في التوزيع يجب ان تجري وفقاً للإستحقاق، إلا انهم يختلفون في فهم المقصود من الإستحقاق.

***

فارس حامد عبد الكريم

.........................

The goal of justice and fairness in the philosophy of law

2010

كثر الجدل في الآونة الأخيرة فيما يُعرف ب(نظرية الصفر اللغوي) - التي نشرتُها في كتابي (نظرية الصفر اللغوي للنحو الكلي وتطبيقاتها في العربية) - بين من رآها فتحًا علميًا في الدرس اللغوي، ومن رفضها دون الوقوف على مرتكزاتها العلمية، وكما هو حال الأفكار الجديدة دائما، لا يُحسم الجدل حولها إلا بالفهم العميق لطبيعتها ومقاصدها العلمية التي قد تُصلِح ما يحتاج إلى إصلاح، وتغيّر ما يحتاج الى تغيير، وتنتقل بالعلم نقلة أخرى فتقدم منافعَ في مجالات علمية متعددة، وهو ما تحاول هذه المقالة تقديمه في قراءة موجزة لجذور النظرية وآفاقها العالمية

وإني إذ أذكر باختصار بعض مفاهيم النظرية، تجدر الإشارة إلى إن نظرية الصفر اللغوي منبثقة من التراث العربي، وهي امتداد لنظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني (471هج) في كتابه دلائل الإعجاز، فقد كرر في كتابه ارتباط اللغة بالعقل، وأكد أنّ النظم يقتضي توخي معاني النحو بين الكلم، وعندما تتوصل نظرية الصفر اللغوي الى قواعد النحو الكلي (Universal Gramma) فهذا يعني أنها تقفز بالتراث اللغوي العربي وتأخذ به إلى العالمية لتقف شامخة أمام أشهر النظريات الغربية المعروفة (النظرية التوليدية التحويلية) للعالم الأمريكي نعوم تشومسكي .

ماهية نظرية الصفر اللغوي وسبب تسميتها

نظرية الصفر اللغوي تقدم كشفًا علميًا مهمًا يتعلق بنظام آليّة عمل الدماغ البشري لإنتاج اللغة، فهي تؤكد أن دماغ الإنسان يمتلك جهازًا مختصًا بإنتاج اللغة التي هي عبارة عن جُمل مترابطة، وهذا الجهاز يعمل وفق نظام دقيق، وتحدد النظرية مراحل إنتاج الجُملة بثلاث مراحل أساسية، تتناسب مع إدراك الإنسان للأشياء (من الكل إلى الجزء)، وفقًا لمبادئ نظرية الجشتالت في علم النفس الإدراكي، وليس من الجزء إلى الكل كما كان يُعتقد سابقًا.

هذا النهج هو ما يميّز نظرية الصفر اللغوي، حيث يكون التركيز على دراسة الجُملة في سياقها أولاً، ومن ثم تحليل كلماتها وقواعدها بما يناسب سياقها لا على أنها وحدات مستقلة بذاتها، وبذلك تُصحِح نظرية الصفر اللغوي بعضَ مخرجات النحو التقليدي ولا تلغيه.

أما سبب تسميتها بنظرية الصفر اللغوي فهو لأن مرحلة الصفر دائمًا هي مرحلة البدء، وبما أن إنتاج اللغة يبدأ من الدماغ، والنظرية تصف نظام آليّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة فطابقت تسميتُها مرحلتَها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الصفر عادة يكون بين مرحلتين، فالصفر العددي يتوسط بين الأعداد الموجبة والأعداد السالبة ومن الصفر يبدأ العد الى ما لا نهاية سلبًا أو ايجابًا، كذلك مرحلة إنتاج اللغة في الدماغ تتوسط بين: الأفكار المراد التعبير عنها، والجُمل المعبرة عن تلك الأفكار إلى ما لا نهاية، فحق لها أن تكون مرحلة الصفر في إنتاج اللغة.

نظام آليّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة

تمر الفكرة في جهاز إنتاج اللغة بثلاث مراحل

1.  تحديد نوع الفكرة:

في المرحلة الأولى، يحدد الدماغ نوع الفكرة، فيما إذا كانت مثبّتة أم منفية أم استفهامية أم غير ذلك . ويقوم الدماغ باختيار الأداة المناسبة لكل فكرة ، أما إذا كانت الفكرة إخبارية مثبتة فيجعلها خالية من الأداة، وخلوها من الأداة تمييز لها عن غيرها.

2.  ربط مدلولات أجزاء الفكرة:

في المرحلة الثانية، يربط الدماغ بين مدلولات أجزاء الفكرة أي -الصور الذهنية والمفاهيم- والربط بمعاني النحو الرئيسة التي لا تزيد بمجموعها على أربعة روابط رئيسة مشتركة بين جميع اللغات، وهي: الإسناد، التخصيص، الإضافة، التوضيح. ومن هذه الروابط تتفرع كافة المعاني النحوية الأخرى.

3.  اختيار الكلمات المناسبة:

في المرحلة الثالثة، يختار الدماغ الدوال أي الكلمات المناسبة لكل مدلول من المعجم الذهني حيث يخزن الإنسان كلمات منذ طفولته ويزداد الخزين بحسب ما يكتسب الإنسان من مفردات طوال حياته.

ومن الجدير بالذكر أن كل ما يتعلق بالأبنية الصرفية للكلمات يكون في هذه المرحلة حيث يختار الدماغ الكلمة وهي تحمل تصريفها المحدد.

بهذا النظام يتمكن جهاز إنتاج اللغة من إنتاج جمل مترابطة لا نهاية لها من خلال مجموعة محدودة من القواعد، حيث يتكرر عمل هذا الجهاز بهذا النظام وهذه الآليّة كلما أراد الإنسان الإنتاج.

الطفل وجهاز إنتاج اللغة

أما الطفل فإنه يبدأ في مراحله الأولى باكتساب بعض الكلمات فيخزنها في دماغه، في معجمه الذهني، لذلك هو ينطق كلمات منفردة وقد يخطئ في نطقها، إذا إنها لم تستقر بعد بصورتها النهائية في معجمه الذهني، كما أن مدرجه الصوتي مازال غير متدرب على نطق الأصوات من مخارجها الصحيحة، وبمرور الوقت يبدأ بتدريب جهازه وتأهيله للعمل والإنتاج بالطريقة التي يسمع فيها اللغة من بيئته، فيتدرب جهازه على الربط أي ربط الكلمات وعلى اختيار الكلمات المطلوبة، وكلما ازداد مخزونه من الكلمات ازدادت قدرته على إنتاج جمل متنوعة. وبالتأكيد يحتاج هذا الأمر إلى بضع سنوات.

الصفر اللغوي وتشومسكي: تكامل وتفوّق

لقد حاول العالم الأمريكي نعوم تشومسكي في نظريته التوليدية التحويلية الوصول إلى نظام تركيب اللغة في الدماغ حين تحدث عن البنية العميقة والبنية السطحية منذ عام 1957 ، ورغم المراحل التي مرت بها نظريته، ورغم حديثه الموسع عن وجود النحو الكلّي، ورغم برنامجه الأدنوي الأخير، لم تتمكن نظريته من تحديد قواعد ثابتة للنحو الكلي يمكن تطبيقها على جميع اللغات فكان يحوم حول النظام محاولًا إيجاد القواعد المشتركة دونما وصول إلى نتيجة تحدد القواعد بمسمياتها النحوية، أما نظرية الصفر اللغوي فقد نجحت في التوصل إلى قواعد محددة للنحو الكلّي، وحددت مسمياتها بمصطلحات نحوية، وتمكنت من تطبيقها على لغات متعددة، مع مراعاة خصوصية كل لغة من حيث الاشتراك مع غيرها في القواعد العامة والاختلاف في إدارة هذه القواعد.

المشترَك والمختلِف في اللغات

إن القواعد العامة المتمثلة في نظام آليّة إنتاج اللغة المذكور سابقا إنما هي قواعد مشتركة بين جميع اللغات الطبيعية، أما الاختلاف فيتعلق بالقواعد الخاصة بكل لغة، فمثلاً، في العربية تتأخر الصفة عن الموصوف، بينما في الإنجليزية تسبق الصفة الموصوف، وفي العربية تتوفر إمكانية تغيير مواقع بعض الكلمات بسبب توفر العلامة الإعرابية التي تشير إلى وظيفة الكلمة في الجملة في حين لا تتوفر مثل هذه الخصيصة في بعض اللغات فتستقر كل كلمة في موقع ثابت حرصًا على وصول الفكرة مفهومة، فالاختلاف إذن هو اختلاف في إدارة القواعد العامة من أجل وصول الفكرة واضحة ومفهومة للمتلقي.

تطبيقات نظرية الصفر اللغوي

تمكنت هذه النظرية من تطبيق نظامها على عدة لغات، كما اتضح ذلك في الكتاب، وأثبتت فعاليتها في الترجمة بين اللغات، مؤكدة أن القواعد المحددة التي ذكرتها هي قواعد النحو الكلي (Universal Grammar) وذلك ما يجعلها أداة عملية للتعامل في الترجمة بين اللغات الطبيعية.

نتائج وفوائد نظرية الصفر اللغوي

لا حياة ولا بقاء لنظرية ليس لها فوائد عملية عند التطبيق، ونظرية الصفر اللغوي تثبت أهميتها العملية والتطبيقية من خلال النتائج التالية:

1-  الإسهام في كشف الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم: تقدم النظرية إطارًا لفهم التركيب النحوي بشكل دقيق من خلال سياقات القرآن، ما يبرز الإعجاز النحوي العميق في النص القرآني.

2-  تجديد النحو العربي: اللغة ليست مجرد كلمات بل هي مرآة العقل والتفكير، وفهم نظامها وآليّة إنتاجها هو الخطوة الأولى نحو تعليم أكثر فعالية وإبداعا، فالمنهج الذي انتهجته نظرية الصفر اللغوي (من الكل إلى الجزء) أي من السياق إلى الجملة ومن الجملة إلى كلماتها يؤدي إلى تطوير قواعد النحو لتتلاءم مع طريقة إنتاج الجملة في دماغ الإنسان، مع مراعاة خصوصية اللغة العربية من حيث الإعراب. وبذلك فهي تسير في طريق الإصلاح، وقد جاهد كثير من العلماء من أجل اصلاح الدرس النحوي وعلى رأس القائمة أستاذي الدكتور مهدي المخزومي.

3-  تطبيقات الذكاء الاصطناعي: قلة القواعد الرئيسة المشتركة بين اللغات (اربعة فقط) تسمح باستخدامها في تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد اللغة وفي الترجمة، حيث يطمح الذكاء الاصطناعي إلى محاكاة نظام انتاج اللغة في الدماغ البشري، وهذا الكشف يفتح آفاقًا لتطوير برمجيات لغوية أكثر دقة وفعالية.

4-  تسهيل تعلم اللغات الأجنبية: بالنظر إلى أن النظرية تنطلق من القواعد المشتركة بين جميع اللغات الطبيعية، فإنها تسهل تعلم أي لغة للناطقين بغيرها.

5-  تقدم النظرية مدخلا لمعرفة أنواع أمراض الكلام التي تحصل بسبب تعطّل مرحلة أو أكثر من مراحل جهاز أنتاج اللغة في دماغ المصاب.

بهذا، تُقدّم نظرية الصفر اللغوي كشفًا علميًا أصوله من التراث العربي وبإمكانه أن يقف شامخا أمام النظريات الغربية ويتحدى كل الباحثين لوضع نظام بديل لإنتاج اللغة في دماغ الإنسان، مع إمكانية تطبيقه على اللغات المختلفة بنجاح. والباحثون شرقا وغربا مدعوون لتقديم نموذج بديل من يستطيع منهم ذلك.

{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} صدق الله العظيم

***

د. سناء حميد البياتي

 

السِّجْنُ هُوَ العَالَم المُغلَق الذي يفرض على الإنسانِ مُواجهةَ ذاتِه بلا هَوادة. وقد كانَ لِكُلٍّ مِن الروائي الأردني أيمن العتوم (وُلِدَ 1972) والروائيِّ الروسي فيودور دوستويفسكي (1821- 1881) تَجْرِبة فريدة تتجاوز الجُدرانَ والأقفالَ لتُصبح تَحليلًا للنَّفْسِ البشرية، وَمِرْآةً للرُّوحِ، ومُخْتَبَرًا لِتَجْرِبةِ الحريةِ والمُعاناةِ والوجود. ففي مُواجهةِ السِّجْنِ، لا تتوقف العُقوبةُ عِند القُيودِ الجسدية، بَلْ تمتدُّ لتصل إلى أعماقِ الفِكْرِ، وتكشفَ عن قُوَّةِ الرُّوحِ وضَعْفِها على حَدٍّ سَواء.

عِند العتوم، يَظهر السِّجْنُ كفضاء مفتوح على الانكسارِ والتمرد، فضاء يَختبر حُدودَ الصبرِ والإرادةِ الإنسانية. السجينُ هُنا لَيْسَ مُجرَّد جسدٍ محبوس، بَلْ هُوَ كائنٌ مَشحون بالأسئلةِ الوجودية، يَبحثُ عن مَعنى في عَالَم يرفضُ تقديمَ إجابات سهلة.

العتوم يُصوِّر السِّجْنَ كَمِرْآةٍ صارخة للحِرْمان مِن الحُرية، لكنَّه في الوقتِ ذَاتِه ساحة لاكتشافِ الذات، حَيث يَختبر الإنسانُ حُدودَ خَوْفِه، وألَمَ الفقد، ومَرارةَ الوَحْدة. التَّجْرِبةُ هُنا لَيْسَتْ مُجرَّد تَحَمُّل للعُقوبة، بَلْ هِيَ صِراعٌ داخلي معَ النَّفْسِ، ومُواجَهةٌ معَ الظِّل، ورِحلةٌ نَحْوَ فهم أعمق للوجود.

أمَّا عِند دوستويفسكي، فإنَّ السِّجْنَ يتحوَّل إلى مُخْتَبَر نَفْسي وفلسفي. العُقوبةُ الجسدية تُصبح وسيلةً للكشفِ عن أعماقِ النَّفْسِ البشرية، والصِّراعِ بين الخَيْرِ والشَّر، والصِّدامِ بَين الإيمانِ واليأس، والمُواجَهةِ بين الرَّغبةِ في الحياةِ والخَوْفِ مِن المَوْتِ الرمزي. التِّجْرِبةُ السِّجْنيةُ عِنده لَيست حادثةً حياتيةً فَحَسْب، بَلْ أيضًا تَجْرِبة وجودية عميقة تهزُّ القِيَمَ والمُعْتَقَدَات، وتضعُ الإنسانَ أمامَ ذَاتِه الصافية، بلا أيِّ سِتارٍ أوْ مُوَارَبَة.

داخل الجُدران الحجرية، تنكشفُ الحقيقةُ المُؤلمة أنَّ الحُرية لَيست حالةً مادية فقط، بَلْ أيضًا حالة رُوحية وفِكرية، وأنَّ القيود الخارجية لا تكاد تُعادِل القيودَ الداخلية التي يَفْرضها الخَوْفُ والندمُ والألمُ النَّفْسي.

القاسمُ المُشترَكُ بين العتوم ودوستويفسكي هُوَ التأمُّل في الطبيعة الإنسانية تَحت وَطأةِ الحِرمان القَسْري مِن الحُرية. كِلاهُما يَستخدم السِّجْنَ كأداةٍ للكشفِ عَن الجَوهرِ الإنسانيِّ، لكنْ كُلٌّ بأسلوبه الخاص.

العتوم يتأمَّل بأسلوب شاعري يُحاكي الألمَ والحنينَ والاشتياقَ للوجودِ والحُرية، بَينما دوستويفسكي يَغُوص في التحليل النَّفْسي والفلسفي، مُتَتَبِّعًا شَرْخَ النَّفْسِ، ومَكامنَ الخطيئةِ والفضيلة. كما أنَّ تَجْرِبة السِّجْنِ عِندهما لَيست تَجْرِبةً فردية فَحَسْب، بَلْ لها أبعاد اجتماعية وسِياسية وإنسانية واسعة.

السِّجْنُ يَكشفُ هَشاشةَ المُجتمعاتِ، وقَسوةَ الأنظمة، والتَّوَتُّرَ بَين الإنسانِ والسُّلطة. وفي الوقتِ نَفْسِه، يَطرحُ الأسئلةَ العميقة حَول مَعنى العَدالةِ والرَّحمةِ والحَياةِ الإنسانيةِ في مُواجهةِ الظُّلْمِ والاضطهاد. التَّجْرِبةُ السِّجْنية - بهذا المعنى - تُصبح مساحة للتأمُّلِ النَّقْدي في الواقعِ والوجودِ، وتَجْرِبة مُكثَّفة للوَعْيِ والذاتِ.

يظلُّ السِّجْنُ بالنِّسبةِ لِهَذَيْن الكاتبَيْن أكثر مِنْ مُجرَّد مكان، إنَّه تَجْرِبَةُ تَحَوُّلٍ، ومَعركةٌ داخلية، وَسَفَرٌ إلى أعماقِ النَّفْسِ الإنسانية، وامتحانٌ للرُّوحِ قبل الجسد، ودَعوةٌ لإعادةِ النظر في مفاهيم الألمِ والحُرية. ومَا يَجعل تَجربة العتوم ودوستويفسكي فريدة هُوَ قُدرتهما على تَحويلِ الألمِ والقَيْدِ إلى إدراكٍ أعمق للذات، وكِتابةٍ تَخترقُ القُلوبَ والعقولَ، فتجعل القارئَ يعيشُ معَ السَّجينِ رِحلةَ الألم، والانكسار، والتَّشَظِّي، والمُقاوَمة، وُصولًا إلى الضَّوءِ الداخلي الذي يظلُّ يَلمعُ خَلْفَ أقسى الجُدران. تَجْرِبةُ السِّجْنِ، في ضِفافها المُظلمة، لَيْسَتْ مُجرَّد حَبْس الجسد، بَلْ مُحاكمة للرُّوح.

بَين صَفَحَاتِ التاريخ الأدبي، نجد أصواتًا مُتعددة تَخرج مِنْ أعماقِ الزنازين، تنقشُ الألمَ بِجُرأةِ الصَّراحة، وتغوصُ في النَّفْسِ البشرية، فتكشف عن الضَّعْفِ الإنسانيِّ أمام قُيودٍ لا تُرى.

في كُلِّ لحظةٍ مِن الحَبْس، يتشابكُ الزمنُ معَ الوَعْي، ويُصبح القَيْدُ مَرايا للذات، والظلامُ مُرْشِدًا للفِكْر، والخَوْفُ مُحَفِّزًا لتأمُّلات عميقة حَول الحُرية والعدالة والوجود.

كِلا الكاتبَيْن - رَغْمَ اختلافِ الزمانِ والمكان - يتشارك رُؤية واحدة، وهي أنَّ السِّجْنَ يُجرِّد الإنسانَ مِنْ طَبَقَاتِ النِّسْيانِ الزائف، ويَتركه عاريًا أمامَ ذَاتِه. هُنا يُولَد الصِّراعُ بَين الأملِ واليأس، وبَين الغضبِ والسَّكِينة، وبَين الانكسارِ والإبداع. تَجْرِبةُ السِّجْنِ تُصبح اختبارًا للضميرِ، وامتحانًا لِقُدرةِ الرُّوحِ على الصُّمود، ودافعًا لكتابة مَا لَمْ يَكُنْ لِيُولَد إلا تحت ضُغوط القُيود. إنَّها شَهادة على قُدرة الأدب على تَحويلِ الألمِ إلى قُوَّة، والظُّلْمِ إلى تأمُّل، والوَحْدَةِ إلى رُؤية شاملة للوُجودِ الإنسانيِّ. ولا يُقَاسُ السِّجْنُ بالأيامِ التي تَمْضي، بَلْ بِعُمق الرِّحْلةِ الداخلية التي يَخُوضها المَرْءُ فيه، رِحْلة تتجاوزُ الزِّنزانةَ لِتَسْكُنَ الوِجْدَانَ والوَعْيَ للأبد.

السِّجْنُ - في تَجْرِبة العتوم ودوستويفسكي - لَيْسَ مُجرَّد مكان مَحكوم بالحديدِ والجُدرانِ، إنَّه مَسْرَحٌ داخلي تُصْقَلُ فيه الذات بَين صِراعِ الألمِ والوَعْيِ. لَدى العتوم، تبدو التَّجْرِبة أشبه بِغُرفة انعكاسات لا تَنتهي، حَيث يَتحوَّل الزمنُ إلى مِرْآةٍ للشَّجَنِ الإنسانيِّ، يَنهش الرُّوحَ، ويُعيد تشكيلَها. أمَّا عِند دوستويفسكي، فالسِّجْنُ يُصبح مُخْتَبَرًا فلسفيًّا لِوَعْيِ الفرد، وتَبْرُز أسئلةُ الهُوِيَّةِ والإنسانيةِ، كما لَوْ كانَ الألمُ مَدرسةً للرُّوح.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

أشرت في المقالة السابقة عن قيامنا بمحاولة لجمع العبارات التي جاءت في آيات القرآن الكريم والتي استعملت للتعبير عن مثل أو حكمة أو قول ماثور في لغة الناس المحكية او كتابات الكُتاب وخطابات الخُطباء أو في وسائل الاعلام والصحف أو الأدب أو البيانات المؤسساتية والعسكرية في الحروب أو غيرها سواءا في العربية الفصحى أو الدارجة وهذه المقالة الثانية وتتضمن عددا من السور من سورة آلعمران حتى سورة يوسف. في المقالة السابقة كتبت الآية كلها ووضعت العبارة المقصودة بين قوسين. في هذه المقالة أجتزأت العبارة المقصودة ووضعتها بين قوسين ولم أكتب ألآية الكريمة كلها تسهيلا على القراء وتركيزا على العبارة المقصودة تخصيصا واختصارا. وفي حالة أن العبارة المقصودة تشمل كل الآية فقد تم كتابة الآية كلها ولم أضعها بين قوسين.

سورة العمران

-وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) وتستعمل كمثل للدلالة على المكر وأنه مهما يمكر الشخص فأن الله له بالمرصاد. وتستخدم في المناظرات بين الخصوم.

-(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (103) وتستعمل كحكمة وأمر بضرورة الاعتصام بالوحدة وعدم التفرق وتستخدم في الخطب والكتابات والبيانات.

- (وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ)) (119)وتستخدم في الادب عض اصابعه او انامله للدلالة على الندم من موقف معين او الغضب.

-(قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) (119) يقال (موت بقهرك) أي موت من القهر بسبب الغيض من موقف او شخص وتستخدم لكيد الخصوم.

-(وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (140) وتستعمل كمثل للدلالة على أن الزمن يسير وتتبدل المواقف والامور بمرور الزمن. ويضرب للشخص الذي يعاني من مشكله لتخفيف وطئتها عليه.

- (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (159) وتستعمل كحكمة بضرورة المشاورة قبل أتخاذ قرار او خطوة .

-(فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ) (159) وتستعمل كحكمة للدلالة على النصيحة بأنك اذا اتخذت قرارا فتوكل ونفذ.

-وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) وتستعمل كقول مأثور حيث تستخدم للشهداء للدلالة على ما لهم من منزلة لانهم احياء عند ربهم.

-(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (185) شائعة كمثل يضرب للحث على تقبل الموت وانه مصير جميع البشر.

-(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (185) كحكمة للدلالة على أن الحياة متاع للمغترين.

سورة النساء

-(فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) (4) هنيئا مريئا تستعمل كقول مأثور وكدعاء لشخص يتناول طعاما او في عزيمة او دعوة على طعام فيقال هني مري أو هنيء مريء.

- (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (28) كحكمة للدلالة على ضعف الانسان.

- (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (36) للحث على البر بالوالدين كنصيحة وحكمة.

-(إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) (36) كحكمة للحث على الامتناع عن التفاخر والاختيال.

-(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (58) وتستعمل كحكمة ونصيحة للحث على أداء الامانة.

(وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (58) وتستعمل كشعار في مكاتب المحاكم والحكام للدلالة على ضرورة الحكم بالعدل بين الناس.

- (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (76) وتستعمل كحكمة في الاشارة الى كيد الشيطان عندما يقع أحدهم في مكيدة من خصم للأشارة لدور الشيطان في تدبير المكائد وأنه يبقى كيدا ضعيفا.

-(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) (78) تستعمل كحكمة للاشارة الى أن الموت مصير كل انسان.

-(وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (86) تستعمل كحكمة لأهمية السلام او التحية ووجوب الرد بما يناسب.

- (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (128) وتقال كمثل وتستعمل في حالة الاصلاح بين متخاصمين أو زوجين بينهما مشاكل.

-(وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) (128) للأشارة الى أن نفس الانسان مجبولة على الشح والاقتصاد او البخل.

سورة المائدة

- (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (2) وتضرب كمثل للدلالة على ضرورة التعاون في الخير وتجنب القيام كجماعة في الأثم والعدوان على الاخرين.

-وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) (45) وهو مثل شائع وعبارة مستعملة كثيرا في الكلام والكتابات والخطابات في حالة الاشارة الى الثأر في حالات الاعتداء بين الناس.

-وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ (54) وتستعمل عبارة لومة لائم في اشارات كثيرة حيث ترد كقول مأثور ويقال لاتخف في ذلك لومة لائم.

سورة الانعام

–(وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) (132) وتستعمل كحكمة بأن من يعمل يحصل على درجات رفيعة.

(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)(151) وتستعمل كحكمة ونصيحة بضرورة بر الوالدين.

- (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (164) وتستعمل كحكمة بأن كل انسان مسؤول عن ما يعمله ويتحمل نتائج أعماله ولايتحمل الاخرين نتائج اعمال شخص آخر.

سورة الأعراف

-(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (199) وتستعمل كمثل بضرورة العفو والعمل بالعرف والاعراض عن الجاهلين.

سورة الأنفال

-(وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) (10) وتستعمل كقول مأثور وتستخدم في البيانات والخطب في حالات الحرب للأستبشار بالنصر.

–(وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ) (17) وتستعمل كمثل في البيانات والخطب في حالات الحرب.

-(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً )(25) وتستعمل كمثل للدلالة على أن الفتنة تعم على الجميع في حالة أثارتها ولاتصيب المتسبب فقط.

-(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (30) وتستعمل كمثل وتستخدم كثيرا في الكلام والخطابات والبيانات للدلالة على أن الله بالمرصاد للماكرين من الخصوم.

-(لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (37) وتستعمل كمثل لقدرة الله على عزل الخبيث عن الطيب وتستخدم في الكلام والكتابات.

- (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) (38) تستعمل كمثل وتضرب للاشارة أن الامور تتغير مع تغير الزمان.

-(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (60) وتستعمل كثيرا كمثل في الاشارة الى ضرورة الاستعداد للحرب وتستخدم في الخطابات والبيانات.

 -(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) (61) وتستعمل كحكمة للدلالة على ضرورة التوجه الى السلم اذا كان الخصم يريد السلم وتستخدم في الكتابات والخطابات.

سورة التوبة

-(فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (38) وتستعمل كمثل وتشير الى أن ما تتمتع به في الدنيا قليل بالنسبة الى ما في الاخرة وتستخدم في الخطب الدينية وخطب الجمع.

-(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (105) وتستعمل كقول مأثور في الخطب الدينية وخطب الجمعة.

سورة يونس

-(إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (36) عبارة تستعمل كحكمة لبيان ضرورة عدم الاعتماد على الظن وأنه لا يعوض عن الحق.

سورة هود

-(بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) (41) عبارة تستعمل كدعاء في السفر وهي كثيرة الاستخدام من قبل الجمهور.

-(وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (117) وتستعمل كحكمة للدلالة على أهمية الاصلاح الجماعي وأن الله لا يهلك الجماعات المصلحة.

سورة يوسف

-وَجَاءُوا عَلَى (قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) قَالَ (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) يستخدم قميص يوسف كثيرا في الأدب للدلالة على الدليل الكاذب ومن أجمل العبارات التي وردت في سورة يوسف(سولت لكم أنفسكم) وتستعمل كقول مأثور على أن النفس تسول لصاحبها أمرا ما. كما أن عبارة فصبر جميل يتم أستخدامها للدلالة على أهمية الصبر ووصفه بالجميل.

-(إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) (28) يستعمل كثيرا كمثل وقول مأثور على كيد النساء ويستخدم في الأدب والمسرح والتمثيل وفي الكلام المتداول.

-( قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) (41) وتستعمل كقول مأثور للدلالة على أنتهاء أمر ما يتم الاستفسار أو تداوله.

-(الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) (51) تستعمل كمثل أو قول مأثور للدلالة على ظهور الحق وجلاء الحقيقة في مسألة ما.

–(إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) (53) حكمة تستعمل للدلالة على أن النفس تميل الى أن تأمر صاحبها بالسوء.

-( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ) (64) قول مأثور أستعمل كدعاء للدلالة على أن الله هو افضل من يحفظ.

وتستخدم كمثل للدلالة على ما في النفس من حاجة. –(إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) (68

-( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (76) تستعمل كمثل للدلالة على أن الله هو الأعلم وأنه مهما بلغ أنسان ما من علم فأن هناك من هو أعلم منه.

-(وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (87) كحكمة للدلالة على عدم اليأس.

 -(وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) (99) وتستعمل كقول مأثور وتوضع في مصر على جدران المنافذ الحدودية والمطارات.

***

د. احمد المغير

 

يعد البحث في اللغة مدخلاً مهما لفهم الخصائص الهوياتية والثقافة الإنسانية، حيث تحمل في طياتها الذاكرة الجمعية والإطار الثقافي الذي يشمل القيمَ، وأنماطَ التفكير التي ميّزت الجماعات البشرية عبر الزمن، ومن خلال تتبّع الخصائص اللغوية للهجة البرنوسية يمكن الكشف عن البنية الثقافية لهاته الجماعة، وفهم كيفية تشكّل هويتها، ويمثّل الاشتغال على المفردات المحلية أحد أهم السبل لفهم هذه الهوية، لأن اللهجة َكثيراً ما تكُون أثراً ثقافياً أكثر منها بنية لوحدات لغوية منعزلة، فأفراد قبيلة البرانس، باعتبارها أحدَ المكوّنات التاريخية في المغرب القديم، تركوا بصمتهم في المجال المحلي لتازة من خلال منظومةٍ لغوية خاصة تعكس بيئتَها، وأنماطَ عيشها، والوقوف على بعض مفردات هذه اللهجات يتيح لنا استعادةَ مستوى من ذاكرة لا نجدها دائماً في المصادر التاريخية، وإنما تظهر في الاستعمال اليومي للهجة وما تحمله من إشارات إلى الانتماء القبلي، والعادات والتقاليد...إلخ

ولا يمكن النظر إلى هذه اللهجة باعتبارها بقايا لغوية معزولة، لكنها نتاجٌ لمسار طويل من التفاعل بين الأمازيغية واللغات المجاورة خاصة العربية، فهي لهجة هجينة، وغالبا نشأت في المجتمعات متعددة الثقافات، فرضتها الحاجةُ إلى التواصل بين متحدثين ينتمون إلى لغتين أو أكثر، مختلفة، وتطورت بصورة عملية لحل مشكلات التواصل، وقد ساهم هذا الاحتكاكُ في تشكيل لهجة هجينة ذات طابع خاص، يمكن فهمه في ضوء مفاهيم اللسانيات الاجتماعية بظاهرتي البيدجين التي تنشأ من الحاجة إلى لغة مشتركة بين جماعات مختلفة لمواجهة الحواجز التواصلية، ثم قد تتطور إلى كريول لتصبح اللغةَ الأمّ لجماعة مستقرة، ترتبط بشكل كبير بالهوية الثقافية للجماعة اللغوية التي تتحدثها، وعند النظر في تاريخ هذه القبيلة، نجد أن لهجتها الهجينة تحمل آثاراً واضحة لهذا النوع من التفاعل الذي يعكس التطور الطبيعي للغة/ اللهجة ضمن سياق ثقافي محدد، أي؛ جذور أمازيغية ثابتة في مقابل تأثيرات عربية وقبائلية، وكلمات أنتجها الاحتكاك بين اللغات. 

إن تتبّع ألفاظ اللهجة يكشف لنا عن حركية لغوية تجمع بين الاحتفاظ بالسمة الصوتية الأمازيغية، واستيعاب مفردات وافدة تتشكل وفق النسق المحلي، إذ نجد على سبيل التمثيل لا الحصر: قبوب (أقبوب) كلمة أمازيغية؛ خيمة صغيرة تصنع من أغصان وأوراق الأشجار أو القصب ويستغل في الفصل الحار للحراسة، أزري كلمة أمازيغية؛ تعني ممرا ضيقا يتوسط الأراضي الفلاحية المشتركة (المشاع لجميع سكان القبيلة)،وكدم (أكَدم) بالأمازيغية؛ مكان مرتفع عن الأرض يحد بين حقلين وتحيل أيضا إلى سور يفصل البيت عن منحدر بجانبه، وكلمة مزواغ (أمزواغ) بالأمازيغية؛ تدل على مكان يؤخذ منه الصلصال ذي اللون الأزرق، يوضع فوق السطوح لمنع تسرب مياه الأمطار، الحنديرة( تاحنديرت)؛ معطف مزخرف، كَداور (أكَداور) بالأمازيغية، وتعني اللباس الفضفاض، أو اللباس بشكل عام عند قبيلة باب مروج...إلخ.

 وهكذا تتبدّى هذه المفردات ضمن اللهجة البرنوسية كنتاج لتاريخ طويل من التفاعل اللغوي والثقافي، وهو ما يجعلها نظاماً قائماً بذاته، يعكس قدرة الجماعة اللغوية على التكيّف.

كما تتجلى هذه الحركية بشكل واضح من خلال استجلاء واقع لهجي تتماهى فيه مكونات ثقافات جمعتها جغرافية المكان والتفاعل الاجتماعي، ففي التداول اليومي تظهر العديد من الكلمات العربية التي تكتسب نطقا خاصا- ربما يمتد إلى قبائل أخرى مجاورة بحسب علمنا المتواضع، لكن ما يميزها خصوصية اللاصقة المستعملة في بداية الأفعال: أدعمل (ضمير المخاطب المفرد) من فعل عمل – أيقطع (ضمير الغائب المفرد) من فعل قطع- أنقول (ضمير المتكلم المفرد) من فعل قول وقال – أنكتب (ضمير المتكلم المفرد) من فعل كتب...إلخ.

وهناك أيضا اللاصقة الألف والياء في نهاية كلمات مثل: مفخباريشاي- معنديشاي- ما يهمنيشاي...إلخ، إذ تضيف العديد من اللهجات في العديد من ربوع المغرب، السابقة (الميم) واللاحقة (الشين) إلى الجذر العربي للدلالة على نفي الشيء وإنكاره وإبطاله، لكن الخصوصية اللهجية للمنطقة تكمن في إدراج اللاصقة (اي) والتي غالبا ما تعكس نظاما صوتيا صرفيا دلالته مرتبطة بالسياق التداولي والخصائص النطقية التي اكتسبها الأفراد، مثلما نجد مثلا في قبائل الشمال عندما ينطقون: مافخباريشي، ماعنديشي، ما يهمنيشي...إلخ

تنقلنا صفوة القول إلى أن الوقوف على ما تنطوي عليه هذه اللهجة ليس فقط الاختلاف الصوتي مع باقي القبائل، لكنها تحمل أبعادا ثقافية خاصة وموروثا محليا فريدا، لكن ما ينبغي الخلوص إليه هو أن البرانس، بالرغم من تأثير القبائل العربية التي تم استقدامها إلى المغرب، وكذا التأثيرات الخارجية؛ الدينية والاجتماعية، وفقدانها للكثير من لغتها الأمازيغية تحت هذا التأثير، إلا أن بعض المفردات التي لا زالت متداولة حتى اليوم تعكس لنا جانبا من الهوية المحلية والرأسمال اللغوي الذي لم يطَله الزمن.

***

الطالبة الباحثة: غزلان زينون

عرض المجلد الأول (208) من موسوعة الموسم الهولندية، إسهامات د. إبراهيم العاتي البحثية التي تضمنت العديد من مجالات المعرفة، ومشاركاته في المؤتمرات والندوات وحصيلة إنتاجه الفكري والتأثير الثقافي ودوره في إعادة قراءة التراث بمنهجية حديثة عكست طبيعة مشاريعه البحثية وشبكة علاقاته العلمية المعرفية الأمر الذي جعله يُصنّف ضمن الأكاديميين الموسوعيين.

أَمّا المجلد الثاني، الذي أشرف على تحريره وتوثيقه الأُستاذ محمد سعيد الطريحي رئيس تحرير الموسوعة، فقد خُصِص لأبرز مؤلفات د. العاتي، مع رؤية موضوعية إلى أهمية نتاجه العلمي وتأثيراته في الحقول البحثية المختلفة للأجيال الجديدة من الباحثين، التي تُظهر التوازن بين النزعة التأملية الذاتية والرغبة في تقديم شهادة معرفية راقية تؤكد بأن التكوين الموسوعي لم يكن نتيجة تراكم معرفي عشوائي، بل نتاج رؤية منهجية واعية تسعى إلى بناء معرفة متطورة تتداخل فيها عناصر التوثيق العلمي والتحليل المنهجي والتأمل الذاتي ومدى أهمية طروحاته الفكرية في كيفية التفاعل مع التيارات الفكرية المختلفة في إطار بنية معرفية حديثة قادرة على التعامل مع الظواهر الاجتماعية والثقافية المعقدة.

اتسمت مؤلفات العاتي بأهمية تحقيق التوازن بين الوفاء للتراث الفكري والانخراط في أسئلة الحاضر، فهي لا تتعامل مع التراث بروح جامدة، بل باعتباره مخزوناً معرفياً قابلاً لإعادة القراءة، لذلك نجد في كتاباته دعوة إلى تجديد أدوات الفهم والتأويل بإطار خطاب معرفي يواكب التحولات الاجتماعية والفكرية. والتحليل النقدي لديه لا يقتصر على مراجعة الأفكار السائدة، بل يمتد إلى مراجعة آليات التفكير ذاتها، مما جعل مؤلفاته أقرب إلى مختبر فكري تتفاعل فيه المفاهيم ويتم صياغتها باسلوبه الذي امتاز بلغة تجمع بين الدقة العلمية والثراء البلاغي. والنص مشحون بالمصطلحات الدقيقة لديه دون أن يفقد سلاسته التعبيرية، بحيث تُظهر كتاباته مهارة في توظيف البلاغة لخدمة الفكرة.

تضمن المجلد الثاني ثلاثة مؤلفات مهمة للدكتور إبراهيم العاتي، أولها: (الإنسان في فلسفة الفارابي)، الذي يُعدّ قراءة فلسفية منهجية لفكر الفارابي الذي تميز بطابعه الإنساني (أهم ما يميز الفارابي عن غيره من الفلاسفة، هو الطابع الإنساني الذي طَبَعَ به فلسفته، حيث لا يخلو فيها باب واحد من اهتمامٍ بالإنسان أو تحليل لسلوكه ومعاشه وعلاقته بالأغيار)، العاتي، المقدمة ص22. الكتاب عمل موسوعي صدر عام 1998م عن دار النبوغ للطباعة والنشر في بيروت، سعى العاتي من خلاله إلى إبراز دور الفلاسفة في تعظيم قيمة الإنسان كمعجزة إلهية كبرى، مؤكداً بأن الفارابي أهم الفلاسفة المسلمين الذين انخرطوا في فهم الإنسان وموقعه في الكون والفكر الإسلامي من خلال مقاربة شاملة لرؤية الإنسان في فلسفته، من كل الأبعاد العضوية والنفسية والعقلية والأخلاقية والاجتماعية، بالإطارالإسلامي في فهم الإنسان ككائن مفكر وفاعل ضمن النظام الكلي للوجود.

بهذا يمكن القول بأن فلسفة الإنسان عند الفارابي مشروعاً فكرياً وأخلاقياً وسياسياً في آن واحد، فهو يرى أن الإنسان لا يكتفي بالوجود البيولوجي فقط، بل يسعى إلى الكمال الفكري والأخلاقي، ما جعله كائناً اجتماعياً يعتمد على التناغم مع قيم الحقيقة والخير لبناء الحياة المثلى. لم يكتفِ الكتاب بعرض فلسفة الفارابي بشكل نظري فحسب، بل محاولة تحليلها ضمن سياقها الفكري، وفي كيفية إسهامها في بناء صورة متكاملة عن الإنسان تفوق المقاربات الأخرى في التراث الإسلامي، لأنها تربط بين العقل، والأخلاق، والسلوك الاجتماعي.

برع العاتي في تقديم إطار تحليلي رصين يرصد كيف تتأسس فلسفة الإنسان عند الفارابي على تصورات عامة عن المعرفة والوجود، مؤكداً بأن الإنسان عند الفارابي ليس عنصراً منفصلاً في النظام الفلسفي، بل هو نقطة التقاء بين ما هو نظري وعملي. لقد كشفت قراءة العاتي للإنسان في فلسفة الفارابي عن تصور للإنسان بوصفه كائناً عاقلاً، غائياً، مدنياً، متطلعاً إلى الكمال عبر المعرفة، أي الإنسان ليس مجرد موجود بين موجودات، بل هو الكائن الذي يعي نظام الوجود ويسعى إلى التشبه بأسمى مراتبه. ومن خلال هذا الوعي تتحقق سعادته القصوى (فالسعادة غاية، وكمال، وخير، بل هي أجدى الخيرات، وأقربها إلى النفس الإنسانية، وهي الغاية التي تؤثر لأجل ذاتها) العاتي: ص 226. فالكتاب نجح في إبراز الطابع التكاملي لفلسفة الفارابي، حتى وإن ظل المجال مفتوحاً لمزيد من النقد والمقارنة والتطوير.

لقد أجاد العاتي في إبراز علاقة الإنسان بالله عند الفارابي، موضحاً بأنها ليست علاقة وعظية أو تعبدية بالمعنى الفقهي، بل علاقة وجودية معرفية تقوم على التشبه بالعقل الفعّال من خلال تحصيل الكمال العقلي (الوجود والواجب والإمكان من المعاني التي تتصور لا بتوسط تصور آخر قبلها، بل هي معان واضحة في الذهن. وإن عرفت بقول فإنما يكون على سبيل التنبيه عليها لا على سبيل أنها تعرف بمعان أظهر منها)، الفارابي: تجريد رسالة الدعاوى القلبية، نقلاً عن العاتي ص77. 

ذكر الفارابي أن الغاية القصوى للإنسان هي السعادة، وهذه لا تتحقق إلا باتصال العقل الإنساني بالعقل الفعّال، أي بالترقي المعرفي والأخلاقي، أي الارتقاء من القوة إلى الفعل في مراتب الإدراك، وجعل الإرادة جنباً إلى جنب مع الاختيار في تحديد طبيعة العمل الخلقي: (فالخير في الحقيقة ينال بالاختيار والإرادة، وكذلك الشرور إنما تكون بالإرادة والاختيار) الفارابي، المدينة الفاضلة، ص97، نقلاً عن العاتي: ص 230.

وأكد العاتي أن الإنسان عند الفارابي لا يُفهم إلا في إطار رؤية كونية شاملة، مؤكداً بأن العالم بنظامه التراتبي ليس مسرحاً محايداً، بل بنية ذات غاية، والإنسان جزء من هذا النظام الغائي. فالوجود عند الفارابي مشدود إلى نظام عقلي، والإنسان كائن قادر على فهم هذا النظام والانسجام معه. فتميز تحليل العاتي في ربطه بين الطبيعة الإنسانية والمدينة الفاضلة، مؤكداً بأن العالم محكوم بنظام، وكذلك الاجتماع الإنساني ينبغي أن يُبنى على نظام عقلي، وبهذا المعنى، يصبح الإنسان كائناً مدنياً بالطبع، لا يكتمل وجوده إلا في إطار جماعي منظم، غايته السعادة المتحققة عبر الفضيلة.

من أبرز معالم الكتاب منهجية تحليل العاتي لبنية النفس الإنسانية لدى الفارابي: نفس عضوية، نفس عقلية، ونفس عاقلة، من خلال عرض تقسيم الفارابي للنفس إلى قوى نباتية وحيوانية وعاقلة، مع إبراز مركزية العقل بوصفه مبدأ التميز الإنساني، مبيناً أن الإنسان ليس مجرد تركيب مادي - روحي، بل كائن يتدرج في مراتب الإدراك، من الحس إلى الخيال إلى العقل المستفاد (وللإنسان من جملة الحيوان، خواص، بأن له نفساً يظهر منها قوى بها تفعل أفعالها بالآلات الجسمانية، وله زيادة قوة بأن يفعل لا بآلة جسمانية، وتلك قوة العقل) الفارابي: عيون المسائل، نقلاً عن العاتي: ص112. لقد وظف العاتي بعض نصوص الفارابي لإظهار الإنسان بأنه يمثل ذات عقلانية تتناغم فيها الروح والعقل والمجتمع، ما يجعل فهم الإنسان لدى الفارابي شمولياً، نظرياً وأخلاقياً وسياسياً، وبذلك امتاز تحليله بالدقة في إظهار أن الكمال الإنساني عند الفارابي ليس أخلاقياً فقط، بل معرفي في جوهره.

ويرى العاتي أن نظرية المعرفة عند الفارابي تمثل محوراً جامعاً بين الإلهيات والأنثروبولوجيا، فالمعرفة ليست مجرد تمثل ذهني، بل تحقق وجودي يرقى فيه الإنسان إلى مرتبة أعلى من الكمال. وأن الإدراك يبدأ بالحس، ثم يتوسطه الخيال، لينتهي إلى التجريد العقلي، حيث يصبح العقل مستعداً للاتصال بالعقل الفعّال. وبهذا المعنى، المعرفة ليست نشاطاً منفصلاً عن الوجود، بل صورة من صور التحقق الوجودي(تنقسم المعرفة عند أبي نصر الفارابي إلى ثلاثة أقسام أو درجات هي: المعرفة الحسية، والمعرفة العقلية، والمعرفة الذوقية أو الإشرافية. وهذا التقسيم لا يعني أن هناك انفصالاً بينها، بل هي متصلة ويكمل بعضها بعضاً) العاتي: ص 136.

يمثل كتاب العاتي جهداً أكاديمياً رصيناً في قراءة الإنسان في فلسفة الفارابي قراءة شمولية، تكشف قوة التحليل في إبراز الترابط البنيوي بين المعرفة والسعادة، وتداخل الميتافيزيقا بالأنثروبولوجيا، والمعرفة بالأخلاق، والسياسة بالوجود، وقوته الأساسية تكمن في: وحدة الرؤية المنهجية، والتحليل الدقيق للنصوص الفارابية، وإبراز مركزية الإنسان داخل النسق.

لقد أسهم مؤلف العاتي في إثراء النقاشات الفكرية عبر تقديم قراءات جديدة لموضوعات تقليدية بطرح أسئلة منهجية حول طبيعة البحث العلمي، وتعزيز الحوار بين التخصصات المختلفة. وبذلك يشكل كتاب العاتي إضافة نوعية لما يحمله من محاولة جادة لتجديد الخطاب المعرفي. ويمثل إضافة مهمة للدراسات الفارابية، لأنه قدم تحليلاً فلسفياً عميقاً لفكر الفارابي في موضوع الإنسان بعيداً عن السرد التاريخي أو التقديم السطحي. سلّط الضوء على كيفية تفاعل الفلسفة الإسلامية مع قضايا الإنسان الكبرى مثل العقل، السعادة، الاجتماع، والأخلاق. استخلص فيه القيم الإيجابية للإنسان، موضحاً رأي الفارابي كفيلسوف: بأن هناك ثلاثة أبعادٍ تحدد تصوره للإنسان هي: بُعْدٌ إلهي وكوني، وبُعْدٌ ابستمولوجي، وبُعْدٌ أخلاقي اجتماعي وسياسي، بحيث هذه الأبعاد الثلاثة يكمل بعضها بعضاً، وتبرز طبيعة التكامل بين الفلسفة والدين في تحديد موقع الإنسان في الكون والوصول إلى السعادة.

ساعد الكتاب الكثير من الباحثين في فهم الأبعاد المعرفية والوجودية للفكر الفارابي من منظور عربي– إسلامي معاصر، يمكن اعتباره جسراً معرفياً بين التراث الفارابي العميق وبين القراءات المعاصرة لقضايا الإنسان في الفكر الإسلامي، إنه قراءة فلسفية تغوص في عمق سؤال الإنسان: مَنْ هُوَ؟ وكيف يتحقق ككائن عاقل وأخلاقي في عالم الفكر والحياة ؟. بهذا، يبقى هذا الكتاب مرجعاً أكاديمياً مفيداً لمعرفة الفلسفة الإسلامية، فلسفة الإنسان، أو تاريخ الفكر الإسلامي.

تكشف قراءة كتب د. إبراهيم العاتي عن مشروع فكري يسعى إلى بناء معرفة نقدية واعية بذاتها وبسياقها التاريخي، فبين المنهجية الرفيعة واللغة البليغة، تتشكل تجربة معرفية تدعو المتلقي إلى التفكير والمراجعة، وتؤكد أن كتابات العاتي الأكاديمية ليست مجرد نقل للمعرفة، بل إعادة خلق لها في ضوء أسئلة جديدة تتسم بطابع الإثارة، أي تتحول الكتابة لديه من مجرد سرد معرفي إلى ممارسة نقدية تسعى إلى الكشف عن البنى العميقة للأفكار.

***

د. عبد الحسين صالح الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

كثُرت الدراسات في الآونة الأخيرة حول الذكاء الاصطناعي، حتى أنه لا يكاد يخلو مجال من المجالات المعرفية الا وتناول هذا الموضوع، بل أنه أصبح حديث الناس، وأثار دهشتهم في الوقت نفسه، نظرًا لسهولة استخدامه وسرعة استجابته وغيرها من الميزات الأخرى.

واذا عدنا الى الذكاء في الأصل نجد أنه سمة انسانية ومن تمثيلاته سرعة التعلم، استحضار المعلومات، التحليل، النقد، الاستدلال، المقارنة، وغيرها من العمليات. لكن الأمر المذهل الذي حصل ان الآلة التي نصنعها بعضها على صورتنا، وهناك من لها مسحة من الذكاء تحاكي به الذكاء البشري هذا ان لم تفقه في أغلب الأحيان، وهو ما أطلق عليه فلاسفة ما بعد الانسانية "بالتحسين المعرفي"، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، الآلة كما هو معروف "أداة" تستخدم لإعانة الانسان على انجاز الأعمال، الا أن الذكاء الاصطناعي بوصفه آلة وانجازًا علميًا هيأ للإنسان فرصًا جديدة :-ففي المجال الطبي ابتكرت روبوتات لتشخيص الأمراض واجراء العمليات الدقيقة مثل (Da Vinci Xi)، وفي المجال اللغوي هناك برامج مثل برنامج ((Grammarly، الذي يساعد الباحث للتأكد من دقة البناء النحوي للنص، أو في مجال الترجمة هناك برامج تناسب التخصصات لترجمة النصوص واعطاء أكثر من خيار للوصول الى المعنى الصحيح، وفي أية لغة مثل برنامج ((Deepl، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن هذه البرامج تتعامل مع اللغات عالية الموارد وتُستثني الواطئة منها.أما في المجال الحقوقي، فمن لديه دعوى ويرغب بأخذ استشارة قانونية بإمكانه استشارة الذكاء الاصطناعي وتساعد امكانيات تحليل المستندات المتعددة الاستخدامات ((CoCounsel Legal المحامين على مراجعة المعلومات من جميع الأنواع، والوصول الى رؤى قابلة للتنفيذ على نحو سريع، والعثور على الثغرات القانونية بين الملايين من الصفحات. وبإمكان هذا البرنامج الاجابة على أسئلة معقدة حول الوثائق ومقارنتها ومقابلتها، وتقديم ملخصات مصممة خصيصًا، والبحث في قواعد البيانات الضخمة، وتحليل الحجج، واكتشاف التوصيفات الخاطئة.

لكن الانجازات العلمية على الرغم من الآفاق الجديدة التي تهيؤها الا أنها تطرح تحديات أخلاقية وقانونية، بدليل أنها تسببت بارتكاب أخطاء جمة في حقوق الانسان. والسبب في ذلك التسارع المهول في تطوير هذه التقنيات، مما أثار شعورًا بالقلق الوجودي تجاه نشر ها. والمراقب الذكي بإمكانه أن يحدد السنوات (2021-2022-2023)،التي لوحظ فيها ذلك الانتشار وقد مثلت هذه الفترة لحظة تحول نوعي في 1-تطوير هذه التقنيات بعيدًا عن الرقابة الأخلاقية والقانونية 2-خروجها من المختبرات التكنولوجية المغلقة الى الاستخدام الشعبي الواسع 3-الادمان التكنولوجي Technology addiction على الأجهزة الرقمية.وهو نوع من الإدمان السلوكي يتميز بالاستخدام المفرط وغير المنضبط للأجهزة الإلكترونية. فالأدوات مثل Midjourney AI، Generative AI & Chat GPT)) وغيرها عندما خرجت من المختبرات الى الاستخدام الشعبي الواسع أتاحت لمستخدمين عاديين انتاج صور ونصوص بكفاءة غير مسبوقة مما طرح تساؤلات عدة منها: التساؤل عن مكانة الانسان بوصفه مفكرًا ومبدعًا حاملًا للذوق الجمالي ومصدرًا للتجربة الانسانية المتجددة في زمن الألة، وعن كيفية حماية حقوق الملكية الفكرية. فهذه النماذج التي تتغذى على محتوى أبدعه بشر تُعيد انتاجه من دون اذن أو تعويض، فضلًا عن التساؤل عن تداعيات هيمنة التقنيات الذكية على ماهية الانسان، ومن هنا حذر فلاسفة التقنية مثل برنارد ستيغلر من الوقوع في خطرين يتمثل الخطر الأول ب"الاستلاب الرقمي" اذ ان هذه التكنولوجيا تؤثر على الفعل الانساني والهوية والذاكرة، وتهدد باختزالنا من كائنات منتجة الى مستهلكه، وهذا يعني اغتراب الانسان عن ذاته ومجتمعه تحت وطأة الهيمنة الرقمية، ومن ثم الوقوع بالخطر الثاني المتمثل ب"التشيؤ التقني" اذ يُخشى من هيمنة هذه التكنولوجيا على ماهية الانسان واختزالها في منظومة تقنية لا تراعي قيمته الوجودية فيتحول الى مجرد رقم في منظومة آلية تستخرج منها البيانات وتُعاد قولبتها لأغراض ربحية. هكذا يبدو الذكاء الاصطناعي ليس أداةً وحسب، بل هو قوة بنيوية تعيد تشكيل مفهوم الانسان وحقوقه.

ومن هنا تبرز ضرورة تفعيل الرقابة القانونية والمحاكمة الأخلاقية، لأن مثل هذه المخاطر تُهدد أهم حق من حقوق الانسان المتمثلة (بفهم معنى أن نكون بشرًا)، فالشركات التكنولوجية تسعى الى خلق علاقة وجدانية بين الانسان والآلة تسمى (اسقاط المشاعر على الأشياء الاصطناعية)، ومن مظاهر هذه الحالة الحوار مع الآلة كما لو كانت ذاتًا واعية، وهذا المسعى ليس بريئًا اذ يًعد أخطر ما أحدثته التكنولوجيا’ اذ أدى الى تضاؤل الاحساس بالذات أمام الآلات تتظاهر بالفهم والتعاطف. وكان نتيجة ذلك اضعاف ادراكنا لخصوصية المشاعر الانسانية ذلك انها غير قابلة للبرمجة، فضلا عن أن هذه الشركات استثمرت ذلك في تقديم التكنولوجيا كمعالج نفسي، في حين أنها تبقى مجر د آلة مصممة للاستجابة على نحو مشروط لا واع. ومن الجدير بالذكر ان نفوذ الشركات الى هذا الحد أدى الى التشكيك في حدود السلطة بين الآلة والبشر، وتفعيل فكرة (سلطة الآلة على الانسان)، أو ما بات يعرف ب(تطبيع الرقابة) لتصبح حالة طبيعية وجزء من الحياة اليومية، وهو الدور الذي تؤديه شركات مثل (كوكل-ميتا، أمازون أوبن اي) في تشكيل بيئة الذكاء الاصطناعي. من خلال أنظمة التعرف على الوجوه بكاميرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتقنيات تتبع الحركة، والتحليل السلوكي ان كل ما تقدم يؤكد الفكرة المحورية لهذا المقال، فهذه الشركات لم تعد تجارية وحسب، بل انها قوى فوق دولية تمتلك كمًا هائلًا من البيانات، ولها القدرة على التأثير في الرأي العام، ويبدو ذلك من خلال التواطؤ بين هذه الشركات والسياسات التي تطمح الى تقويض حقوق الانسان وتعزيز السيطرة السياسية ليس على شعوبها وحسب بل على العالم بأسره. لذلك ينبغي الحذر كل الحذر من مساعي بعض التقنيين لمنح الآلة بعض الحقوق، في وقت سُلبت به حقوق الانسان ومُنحت للآلة، والهدف من كل ذلك تحجيم قدرات الانسان (المستهلك) لها.

ان كل ما تقدم، وغيره من المخاطر والأخطاء دفعت الأمم المتحدة لحقوق الانسان مؤخرًا في تقريرها الصادر في 20 من شباط 2026، من التحذير من تحول الذكاء الاصطناعي الجامح الى "وحش فرانكشتاين"، وهذا يحدث اذا افتقر مطوروه الى فهم عميق للمبادئ الاخلاقية والاجتماعية الأساسية. لأنهم سيطورون شيئا لا يمكنهم السيطرة عليه فيما بعد، اذا لم يكونوا على دراية بمخاطر هذه الثورة التكنولوجية.

***

أ. د. نوال طه ياسين - أستاذ الفلسفة المعاصرة

جامعة البصرة-كلية الآداب-قسم الفلسفة

لا يمكن قراءة البيان الاخير الصادر عن المكتب الاعلامي لرئيس مجلس الوزراء بشأن اجتماع "متابعة الجامعات الاهلية" الا بوصفه تمرينا في البلاغة الانشائية التي تحاول حجب الواقع بغربال من الكلمات الرنانة. فعلى الرغم من "هيبة" المشهد الذي حشد المستشارين والمديرين العامين، الا ان مخرجات الاجتماع جاءت خالية من اي "مونة" سياساتية، فبدلا من اعلان حالة طوارئ تعليمية لمواجهة انحدار الجودة، غرق المجتمعون في صياغة توجيهات عامة حول "اتساق القانون" و"استيفاء الشروط"، وهي بديهيات ادارية لا تستوجب اجتماعا بهذا المستوى. ان هذا "الاستعراض السطحي" لا يحل ازمة، بل يرحلها خلف "مهلة العشرة ايام" الشهيرة، متجاهلا ان العلة تكمن في جوهر الفلسفة التعليمية الحالية التي حوّلت الجامعات الى "ماكينات ربح" بلا كوابح.

حين نقرأ في الخبر عن 'استعراض منظومة العمل' و'استيفاء شروط الرصانة'، نكتشف فخاً لغوياً، فالرصانة في الأعراف الأكاديمية ليست مجرد 'حالة' تُعلن في اجتماع، بل هي نتاج نظام اعتماد صارم. ومع ذلك، يُحسب للاجتماع التفاتته الجادة والمحقة للجانب التنظيمي، من خلال حضور الجهات الإدارية والمالية، والتشديد الصارم على ضرورة تسوية القيود الضريبية والحقوق الضمانية للتدريسيين، فهذه ليست مجرد إجراءات ورقية، بل هي صمام أمان لحفظ كرامة الكوادر التعليمية وحماية المال العام من الهدر. لكن الإشكالية تبقى في الاكتفاء بهذا الجانب، حيث غابت 'لغة الأرقام' و'معايير الجودة النوعية' التي تفرق بين المؤسسة التعليمية الرصينة الملتزمة بواجباتها القانونية، وبين 'دكاكين الشهادات' التي استباحت المعايير العلمية من أجل تعظيم الأرباح.

الجودة الضائعة في زحام "التوجيهات"

الاعتماد الاكاديمي لا يتحقق بـ "ايعاز" او بـ "مقترحات تُقدم خلال عشرة ايام". هذا التوقيت الزمني الضيق يعكس استخفافا بملف معقد، فالاعتماد يحتاج لبناء نظم تقييم، وتدريب كوادر، ورقابة ميدانية مستقلة، لا لـ "ترقيعات ادارية" سريعة تُرفع للمسؤول لغرض الاستهلاك الاعلامي وتغطية الفشل في مواجهة جشع المستثمرين.

البديل الاصلاحي الحقيقي

بدلا من هذا الاستعراض السطحي، نضع امام صناع القرار "خارطة انقاذ" ترتكز على الجودة والاعتماد، بعيدا عن منطق الربح والجباية:

1. كبح "جماح القبول" وربطه بسوق العمل

يجب التوقف فورا عن سياسة "الابواب المفتوحة" التي تنتهجها الجامعات الاهلية لاشباع نهمها المالي. المقترح هو تحديد سقف المقبولين في كل برنامج تعليمي بناءً على "دراسة احتياج حقيقية" لسوق العمل، وليس بناءً على قدرة الجامعة على حشر الطلاب في القاعات. لا يمكن السماح بتحويل الشباب الى "جيوش عاطلين" لمجرد سد "اشلاء جوع" المستثمرين الذين يتاجرون بمستقبل الاجيال.

2. التحول الالزامي الى "مؤسسات غير ربحية"

ان الاوان لنقل الجامعات الاهلية من نموذج "الشركات التجارية" الى نموذج "المؤسسات غير ربحية"، كما هو الحال في ارصن جامعات العالم. هذا التحول يعني ايقاف استنزاف جيوب العوائل لصالح حسابات المستثمرين، واعادة توجيه كافة الارباح والفائض المالي لتطوير البحث العلمي، وتحديث المختبرات، ودعم الابتكار، بدلا من توزيعها كأرباح على "شركاء" لا علاقة لهم بالعلم من قريب او بعيد.

3. مأسسة الجودة ونظام "الانياب" القانونية

يجب الزام كل كلية بالحصول على اعتماد برامجي عالمي مستقل كشرط لبقائها، مع تفعيل نظام عقوبات تصاعدي يبدا بـ تعليق القبول في الاقسام المترهلة، ويصل الى سحب اجازة التأسيس للجامعات التي تصر على تغليب الربح المالي على المعيار العلمي.

4. حوكمة الجامعات ومأسسة مجالس الأمناء

يتعزز الهيكل التنظيمي لهذا الإصلاح عبر تشكيل مجالس الأمناء، بحيث يكون لكل جامعة أهلية مجلس يُختار أعضاؤه من كبار العلماء والأساتذة المتخصصين والخبراء والشخصيات العامة، على أن يضم المجلس في عضويته رئيس الجامعة وممثلاً عن الحكومة يختاره وزير التعليم العالي لضمان الرقابة الرسمية. ويتولى هذا المجلس، بشراكة تشاورية مع مجلس الجامعة، صياغة اللوائح الداخلية لإدارة شؤون الجامعة وتسيير أعمالها، بما يضمن وضع قواعد صارمة لاستخدام صافي الناتج عن نشاط الجامعة وتوجيهه نحو التطوير الأكاديمي والبحثي وفق ميزانيتها السنوية المصادق عليها.

5. الدمج الاكاديمي

تكتمل خارطة الإنقاذ بتبني "الدمج الأكاديمي" للكليات المتشابهة لتحويلها إلى جامعات كبرى رصينة، أسوةً بالتجارب الناجحة في فرنسا وألمانيا. يهدف هذا التوجه إلى رفع الجودة وتوحيد المعايير، مع تقليل التكاليف التشغيلية لخفض الأجور الدراسية، فضلاً عن مكافحة الفساد عبر تبسيط الرقابة وخلق بيئة بحثية متكاملة. وبذلك، يتجسد الإصلاح الجذري في أربعة أعمدة: ضبط القبول وفق سوق العمل، التحول للمؤسسات غير الربحية، فرض الاعتماد الدولي الصارم، والهيكلة بالدمج لصناعة كيانات جامعية تليق بالعراق.

اخيرا "التعليم امانة وليس بضاعة"

ان اصلاح التعليم الاهلي في العراق لا يمر عبر اجتماعات "الصور التذكارية" والبيانات التي "لا تسمن ولا تغني من جوع". اننا بحاجة الى ثورة في الفلسفة التعليمية، تبدا بتحويل الجامعات الاهلية الى مؤسسات علمية غير ربحية، وتنتهي بفرض معايير جودة لا تجامل احدا.

السؤال الموجه لصناع القرار: هل لديكم الجراة لتحويل هذه "الاستثمارات" الى "مؤسسات علمية حقيقية" تخضع لسوق العمل، ام سنستمر في مشاهدة ضياع التعليم في دهاليز الارباح والكلمات الرنانة؟

***

د. محمد الربيعي

 بروفسور متمرس ومستشار دولي، جامعة دبلن

ليس رمضان شهراً عابراً في تقويم الأيام، بل هو محطة سنوية لإعادة تشكيل الإنسان من الداخل. إنه ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو إعادة ترتيب للأولويات، وضبط للإيقاع الداخلي، ومراجعة شاملة للعادات والسلوكيات والأفكار والمشاعر. في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتزداد فيه الضغوط، يأتي رمضان كمساحة هادئة يعيد فيها الإنسان اكتشاف ذاته، وصناعة نفسه وتشكيلها ويتصالح مع روحه، ويستأنف رحلته نحو الأفضل والأميز.

حين نتأمل طبيعة هذا الشهر نجد أنه يحمل في جوهره فلسفة التغيير العميق وترك عتبة الماضي وهفواته وأخطائه. فالإنسان الذي يستطيع أن يمتنع ساعات طويلة عن المباحات بدافع الإيمان والانضباط، قادر على أن يمتنع عن السلوكيات السلبية والعادات الضارة التي لا تنفعه وتتسب في بعده عن خالقه، إذا امتلك الوعي والعزيمة والإصرار على التغيير. الصيام تدريب عملي على الإرادة، وإعادة برمجة للسلوك، وتعويد للنفس على ضبط الرغبات وتأجيل الإشباع، وهذه في علم النفس من أهم ركائز بناء الشخصية المتوازنة.

إن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الخارج، ولا يفرض من الآخرين، بل ينبع من الداخل الحي والنابض في النفوس التواقه للتجديد والتطوير وبناء الذات الإيجابية التي تتطلع للأحسن والأجود في حياتها. كثيرون يحلمون بتغيير العالم من حولهم، لكنهم يغفلون عن أبسط وأصعب مهمة: تغيير أنفسهم وصقلها بكل نافع وخير. والقرآن الكريم يضع القاعدة الحاسمة حين يقول: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ الرعد :1، فكل تحول جماعي سبقه تحول فردي، وكل نهضة اجتماعية انطلقت من يقظة داخلية صادقة وشفافة. رمضان يمنحنا هذه اليقظة وبناء حالة من الوعي، ويوقظ فينا الشعور بالمسؤولية تجاه الذات قبل المجتمع الذي يكون مجموعنا وجماعاتنا.

في هذا الشهر تتجلى قوة الإرادة بصورة عملية يومية. الإنسان الذي كان يظن أنه لا يستطيع ترك عادة معينة يكتشف أنه قادر على ضبطها وتأجيلها لساعات طويلة دون جزع أو وجل. فالمدخن يمتنع، والغاضب يكظم غيظه، والمندفع يهدأ ولا يتهور، والمتكاسل ينهض لصلاة الفجر وقيام الليل دون تسويف أو أعذار وتأجيل. هذه ليست طقوساً شكلية عابرة، بل رسائل يومية يبعثها الإنسان إلى عقله الباطن مفادها أنه يملك القدرة على التحكم في ذاته. والسيطرة على ضعفها وهوانها بيقظة إيمانية تعبء نفسه بكل معاني القوة والمنعة لكسب الخير والأجر العظيم في هذا الشهر الفضيل ومع التكرار اليومي تتشكل قناعات جديدة، وتزرع بذور عادات مختلفة، وتتأصل سلوكيات رائعة وعظيمة، ويبدأ مسار داخلي جديد يتعمق شيئاً فشيئاً.

رمضان أيضاً مدرسة في إعادة تعريف النجاح. فالنجاح ليس في كثرة الإنجاز المادي فحسب، بل في القدرة على تهذيب النفس، وضبط اللسان، وتطهير القلب من الحسد والضغينة، وبناء علاقة أكثر صفاء وقرباً مع الله عز وجل ومن ثم مع الناس. الصائم الحقيقي لا يصوم عن الطعام فقط، بل يصوم عن الأذى والشر، عن الكلمة الجارحة المؤذية، عن تجنب النظرة المتعالية التي تتسم بالتواضع وحسن الخلق، وعن السلوك الذي يجرح إنسانية الآخرين، بل يثبت إنسانية التعامل وأخلاقية التصرف الحسن. في هذه المساحة الروحية يتعلم الإنسان أن قيمة وجوده تتجاوز مصالحه الشخصية والآنية، وأن صفاء القلب أعظم من أي مكسب عابر وسريع.

ومع كل ليلة قيام، وكل لحظة دعاء، تتعزز في النفس مشاعر الأمل وحسن الظن بالله. حين يؤمن الإنسان أن الله قريب، يسمع دعاءه، ويعلم ضعفه وهوانه، ويكافئ محاولاته وسبر الخطى إليه، فإن ذلك يمنحه طاقة نفسية هائلة للاستمرار وعدم اليأس أو القنوط. حسن الظن بالله ليس شعوراً عاطفياً مجرداً، بل هو قوة دافعة تحرك الإنسان ليحاول مرة أخرى، ويستغفر بعد الزلة وخطأ يرتبكه، ويواصل الطريق بعد العثرة والإنزلاق. وهنا يتحول التغيير من مشروع مؤقت إلى أسلوب حياة دائم ومتجدد.

غير أن أعظم ما في رمضان أنه يكشف للإنسان حقيقته وذاته. يكشف له مواطن ضعفه فيعالجها، ويظهر له جوانب قوته فينميها ويثري وجودها وحضورها. يجعله يكتشف أنه ليس أسيراً لعاداته كما كان يظن، بل قادراً على إعادة تشكيلها وبناء قوتها وعظمة حضوره ووجوده. ومع مرور الأيام تتكون صورة جديدة للذات، صورة أكثر انضباطاً، أكثر وعياً، وأكثر صفاء وجمالاً. وإذا أحسن الإنسان استثمار هذه الأيام في شهر الصيام، فإنه لا يخرج منها كما دخل، بل يخرج بنسخة أكثر نضجاً واتزاناً وتغيراً.

فالتغيير في رمضان ليس هدفه أن نكون مختلفين لمدة شهر، بل أن نؤسس لمرحلة جديدة تستمر بعده. فالقضية ليست أن نعيش أجواء إيمانية مؤقتة، بل تستمر إيمانيتنا دوماً وتشع نوراً وضياءاً، وأن نكتسب مهارات دائمة في إدارة الذات، وضبط الانفعالات، وتنظيم الوقت، وترتيب الأولويات. عندما يتحول الصيام إلى وعي، والقيام إلى طاقة روحية، والذكر إلى سكينة داخلية وصفاء الروح، فإن الإنسان يعيد صناعة نفسه على أسس أكثر رسوخاً ومتانة وقوة.

في نهاية المطاف، رمضان ليس مجرد موسم للعبادة فحسب، بل هو موسم لإعادة كتابة قصة حياتنا. هو فرصة لنراجع مسارنا، ونحدد رؤيتنا، ونسأل أنفسنا بصدق: من أريد أن أكون بعد هذا الشهر؟ فإذا كانت الإجابة واضحة، وكانت النية صادقة، وكانت المحاولة مستمرة، فإن التغيير يصبح واقعاً لا حلماً.

رمضان يعيد إلينا الإيمان بأننا نستطيع. نتمكن أن نترك ما يضعفنا، وأن نتمسك بما يرفعنا ويجل خطواتنا ومسارنا، وأن نبدأ من جديد مهما تراكمت الأخطاء والزلات. إنه شهر لا يغير التقويم فقط، بل يغير الإنسان ذاته، ويمنحه فرصة حقيقية ليولد من جديد أكثر وعياً، وأكثر نقاء، وأكثر قرباً من الله عز وجل.

***

د. أكرم عثمان

1-3-2026

لم نجد في تاريخ الأخلاق قاعدة أخلاقية تفسر سلوك العرب اتجاه تخاذلهم أمام القضية الفلسطينية بشكل عام وغزة بشكل خاص، وتردي أخلاقهم في التعاطي مع القضية الفلسطينية لا على مستوى النسب العروبي ولا على القاعدة الدينية المشتركة ولا على مستوى الجغرافيا! خلف هذا الموقف الضحل والمتخاذل ردت فعل عنيفة في تحليل بنية العقل العربي الخامل عن قضاياه النشطة، وخيبة أمل كبيرة من المشتركات التي كان يعول عليها. وتراجع كبير عن كل مواثيق حقوق الإنسان التي سجلوا بها في المنظمات الدولية. وتردي في الموقف الضميري اتجاه جياع غزة وشهدائهم من النساء والأطفال والرجال ويعتلي ذلك خسة التراجع عن كل موقف مناصر، أو أمل المناصرة. بل زادوا في التردي درجة عندما طبعوا مع الكيان الصهيوني وساندوا الصهاينة وحلفائها على حساب أهل فلسطين والقضية برمتها، وزادوا في الامر ضحالة عندما دفعوا الأموال في سبيل قتل أهل غزة وإبادتهم وإجبارهم على الاستسلام، بل وفي دفع الأموال لكي يدخلوا في مجلس سلام مظلل يخدم الصهاينة أكثر مما يخدم أهل فلسطين.

هذه الأزمة الأخلاقية التي تسببت بظهورها - وإن كانت بادية من ذي قبل ولكن بدرجة أقل - حرب 7 أكتوبر ضد الصهاينة، وضعت العقل العربي في تحدي كبير في طبيعة التعامل مع قضاياه القومية والاقليمية والدينية، وأظهرت ضحالة التفكير العربي والفكر القومي العربي وسطحية العقلية العربية أمام المخططات الإستراتيجية الدولية في منطقهم وبلدانهم وسياساتهم. وعرت في الوقت نفسه من موثوقية القيم التي كان العرب ومازال يتبجح بها من نخوة وشجاعة وغيرها. صحيح يجب أن نفرق هنا بين موقف الحكام وموقف الشعوب، ولكن الشعوب العربية في الغالب امتلك مواقف الكلمة بعد أحداث الربيع العربي الذي أزال الأنظمة الشمولية التي كانت الأمان للكيان الصهيوني في نشأته على أرض فلسطين حتى تمكن من بناء قدراته فتولى عليهم وارجع شعوبهم إلى الفوضى عبر إزالة هذه الأنظمة والوصول بأنظمة مطبعة. فكانت الشعوب العربية تشبه أنظمتها إلى حد كبير وإن كانت هنالك مواقف متذبذبة بين حين وآخر من تظاهر وشجب وغيرها، الا إن المواقف العربية جميعا ما عدا اليمن لا يمكن لها أن توازي مواقف الشعوب الغربية في أمريكا وأوربا وأن كانت تتعرض للمضايقات والرفض من قبل أجهزة الأمن في تلك الدول التي اخذت مواقف متشددة اتجاه مواطنيها الذين أعلنوا عن مواقفهم لمناصرة القضية الفلسطينية.

فضحالة المواقف العربية كانت بسبب طبيعة تفكير الأنظمة في التعاطي مع القضايا القومية من جهة والدينية من جهة أخرى – بينما كان الصهاينة يصرحون بين آونة وأخرى أن حربهم ضد المسلمين في فلسطين وما جاورها هي حرب دينية- ولا هي تدخل في إطار الحنكة السياسية في حماية المصالح القومية والأمن العربي الذي خسرته الجامعة العربية سيئة الصيت في هذا الموقف تحديدا وإن كانت تعقد جلسات مسبقة المواقف ومعلنة البيانات، ومخجلة الآراء، ومرضية للكيان، ومخيبة للفلسطينيين. فالأخلاق لم تكن معياراً في كل هذه المواقف ولا يحسب لها حساب، بل طبعت سمات جديدة في الأخلاقيات العربية هددت بها كل تاريخ قيمها وأخلاقها المزعومة. وهنا يجب أن يعاد النظر فلسفيا في كل المواقف الأخلاقية التي ترتبط بالسياسية من جهة والأخلاق القائمة على المشتركات العروبية من جهة أخرى. فالأخلاق العروبية هي أخلاق مريضة، ومشوهة، ومعلقة على شرط الولاء السياسي، والمذهبي، والديني، والقبلي، والرضا من قبل الكيان والسياسية الأمريكية التي اشترطت الصداقة مع الكيان الصهيوني، والتطبيع في أي علاقة انفتاح لأي دولة من دول العرب، بل والامر من ذلك إن تدفع هذه الدول العربية الأموال لحمايتها من توسع الكيان الصهيوني ومن العدو المشترك للحفاء الأصدقاء واقصد الدولة العربية المطبعة مع الكيان الصهيوني بكون المشتركات الأمنية باتت قضية واحدة.

فلم نجد أي مبرر أخلاقي لانتكاسة العرب الأخلاقية إزاء القضية الفلسطينية، ولم نجد ما يفسر ذلك التراجع في القيمة العربية لمفهوم العروبة واخلاقها أو أخلاق الإسلام كدين يدعون الالتزام به. ولم نجد لهم اخلاقيات مسؤولية عامة أو مسؤولية إغاثة، أو مسؤولية تضامن تكفي لحمايتهم من المجازر الصهيونية، أو مساعدتهم لتجاوز محنة الغزة الإسرائيلي والحرب عليهم والنزوح أو الهجرة.

فالفكر العربي الأخلاقي الذي ينتمي إلى مدارس اشتراكية او قومية او ناصرية او مادية او وجودية او صوفية او اخوانية او أي توجه آخر، لم تصنع لنا كل تلك التوجهات موقفاً موحداً يحمل طابعا أخلاقياً عقلانياً إزاء الظروف التي مرت على أهل فلسطين وغزة تحديداً. كان ذلك بادياً من مهاترات العرب على شاشاتهم البائسة التي لم تنقل أخبار فلسطين وحوادث حرب السابع من أكتوبر ومأسي غزة الا ونقلت معها تأكيد الخزي العربي والضحالة الأخلاقية التي وقعوا بها في اللا موقف اتجه ضحايا غزة.

موقف يحيى السنوار، ومواقف الالاف الشهداء قبله وبعده كان كفيل بنزع رداء الأخلاق العربية اتجاه القضية الفلسطينية عموماً ما عدا أهل اليمن !

فالأخلاق العربية بعد أحداث السابع من أكتوبر بحاجة إلى دراسة حقيقية عسى أن تكون في دراستها جدوى تصحيح المسار الأخلاقي قبل النزوع في الضحالة إلى أعماقها.

***

د. رائد عبيس

المفتتح الإشكالي: مَن نحن حقًا؟ منذ ولادتنا تُطلَق علينا أسماء وهويات، ويُقال لنا نحن جزائريون أو عرب أو أمازيغ… تحددنا بطاقات الهوية، جوازات السفر، خرائط البلدان، وحتى اللهجات المنطوقة. نكبر ونحن نظن أننا نفهم أنفسنا من خلالها، وأن هذه التصنيفات تكفي لتحديد "من نحن".        

  لكن، هل هذا صحيح فعلاً؟ هل يمكن اختزال الإنسان في مجموعة من الأسماء والحدود، أم أن خلف هذا الظاهر تكمن فسيفساء معقدة من جذور وأصول وتجارب تمتد عبر الزمان والمكان؟ هل يكفي أن نعرف أصلنا الجغرافي لنفهم ذواتنا، أم أن الهوية أعمق من ذلك، تشمل تجارب الحياة، الاختيارات الفردية، وحتى الصراعات الداخلية؟

هذا السؤال الإشكالي يقودنا إلى الغوص في مفهوم الهوية من منظور فلسفي، اجتماعي، وثقافي، مع محاولة فهم كيف تتشكل الذات البشرية بين ما هو وراثي وثقافي وتجريبي، وكيف تتفاعل مع الزمن والمجتمع والتجارب الفردية. إن الهوية ليست ثابتة، بل حالة مستمرة من التشكل، تجمع بين الماضي والحاضر، وبين ما نرثه وما نختبره بأنفسنا. فكيف يمكن للإنسان أن يعرف نفسه حقًا إذا كانت هويته متغيرة ومركبة؟ وكيف يمكن لمجتمع أن يفهم أفراده إذا كانت كل شخصية فسيفساء من الأصول والتجارب؟.

 الاسم والبطاقة: أول طبقات التعريف

قد نظن أن أسماءنا وبطاقات هويتنا تعكس من نحن حقًا، لكنها في الواقع مجرد واجهة يعرفنا من خلالها الآخرون والدولة، وسيلة لتمييزنا كي لا نظل مجهولين أو نُعامل كنكرات. فقد يحمل شخص اسمًا عربيًا مثل "محمد"، بينما تكشف جذوره العائلية عن أصول أمازيغية أو أوروبية ممتدة عبر الأجيال. وحتى عندما يُصنَّف قانونيًا على أنه "جزائري"، فإن هذا التصنيف لا يلغي تعدد خلفياته التاريخية والثقافية، التي قد تمتد إلى فضاءات حضارية مختلفة مثل الأندلس أو المشرق العربي أو أوروبا الجنوبية.

الأسماء وبطاقات الهوية هي نقطة البداية لفهم الذات، لكنها ليست كل شيء. فقد يكتشف شاب صدفة أو من خلال بحث عائلي أو اختبار جيني، أنه يحمل دماءً أوروبية وإفريقية، فيبدأ في إعادة التفكير في معنى الانتماء فعليًا. يبقى الاسم الرسمي كما هو، لكن فهم الشخص لذاته يصبح أعمق، لأنه يتكوّن من تاريخ ممتد وتجارب متعددة، لا من بطاقة أو اسم فقط.

 الأنساب والذاكرة العائلية: بين الحقيقة والوهم

الأنساب تمنحنا شعورًا بالانتماء للماضي، لكنها ليست دائمًا دقيقة. كثير من العائلات في الجزائر تروي قصص أجدادهم الذين جاءوا من الأندلس أو عاشوا هجرات متعددة، أو امتزجت دماؤهم بين العرب والأمازيغ والأوروبيين، وأحيانًا تتحول هذه القصص إلى حكايات شبه أسطورية. فمثلاً، شخص قد يفتخر بأن جدّه كان من الأندلس، رغم عدم وجود وثائق تاريخية تثبت ذلك، لكن هذا الشعور بالانتماء يجعل القصة جزءًا من هويته اليومية.

من جانب آخر، هذه الذاكرة تمنح الإنسان إحساسًا بالاستمرارية، لكنها ليست كل شيء. الهوية تتشكل أيضًا من تجارب الفرد اليومية وتفاعله مع محيطه، فحتى لو كانت القصص العائلية غير دقيقة، فهي تساعد الشخص على فهم نفسه، ومزج الماضي بالحاضر بطريقة تمنحه شعورًا متكاملاً بهويته. الإنسان إذًا ليس مجرد مجموع أجداده، بل هو نتاج تجربة حية تجمع بين التاريخ والواقع وما يختاره لنفسه في حياته اليومية.

الجسد والوراثة: التاريخ المخبأ في عروقنا

الجسد ليس مجرد وعاء بيولوجي فحسب، بل سجل حي للتاريخ، يحمل آثار الهجرات والتزاوجات التي مرت بها الأجيال السابقة. الصفات الجسدية، من لون البشرة إلى شكل الملامح، وحتى بعض الاستعدادات الصحية، تعكس تفاعل الأنساب عبر العصور والتنوعات الثقافية التي صاغت كل فرد. في الجزائر، على سبيل المثال: قد تجد شخصًا يجمع بين ملامح أمازيغية وعربية وأوروبية في نفس الوقت، أو عائلة يتنوع أبناؤها في لون الشعر والبشرة بشكل ملحوظ نتيجة امتزاج دماء مختلفة عبر الأجيال، فتصبح أجسادهم وثائق صامتة لتاريخ طويل من الاختلاط البشري.

لكن من جانب آخر، الجسد وحده لا يحدد الهوية. الإنسان قد يحمل دماء من ثقافات متعددة، لكنه يشعر بالانتماء الكامل لمجتمعه المحلي وثقافته اليومية، ويعيش عاداته وتقاليده كما تربى عليها. هذا يوضح أن الهوية ليست نتيجة مباشرة للوراثة البيولوجية، بل هي نتيجة تفاعل مستمر بين الجسد، التجربة، والانتماء الاجتماعي والثقافي.

الجسد إذًا جزء من الهوية، لكنه ليس كل شيء؛ والفهم الواعي له يضع الفرد أمام مسؤولية مستمرة في استيعاب جذوره، وفهم تأثيرها على شخصيته وسلوكه في العالم المعاصر.

اللغة: بوابة الهوية والتواصل

اللغة ليست مجرد وسيلة للتحدث أو التفاهم، بل هي أداة تكشف عن طبيعة الإنسان وتجربته في العالم. من خلالها نُعبّر عن أفكارنا، مشاعرنا، وطرقنا في التفكير، ونستطيع إعادة تشكيل إدراكنا للذات وللآخر. اللغة تمنحنا القدرة على بناء الانتماء الثقافي، لكنها في الوقت نفسه تتيح حرية التجربة والابتعاد عن قيود الأصل أو الانتماء الثابت.

في واقعنا، كثير من الأفراد يعيشون تجربة هوية متعددة من خلال لغاتهم: قد يتحدثون لغة الأجداد في البيت، ولغة وطنية في المدرسة، ولغة أجنبية في العمل أو الدراسة. هذا التنقل بين اللغات يمكّنهم من اختبار جوانب مختلفة من شخصياتهم، ويتيح لهم الانخراط في مجتمعات متعددة، وتجربة طرق مختلفة للتواصل مع العالم، مما يجعل الهوية أكثر مرونة وغنى.

لكن من جانب آخر، اللغة ليست مجرد وسيلة للاكتشاف الذاتي، بل تعمل كجسر يربط الفرد بالمجتمع ويشكّل شعور الانتماء. فهي تمنح القدرة على المشاركة في الثقافة المشتركة، وعلى التعبير عن الذات ضمن سياقات اجتماعية محددة. اللغة إذًا هي عنصر أساسي في بناء الهوية اليومية، تجمع بين الحرية والتقليد، بين تجربة الذات والتفاعل مع الآخرين، لتبقى هوية الفرد عملية مستمرة من إعادة البناء والتكيف.

 الثقافة: حيث يختلط القديم بالجديد

الثقافة ليست مجرد مجموعة تقاليد ورثناها عن أجدادنا، بل هي فضاء حي تتلاقى فيه التجارب الفردية والجماعية. هي الطريقة التي نحيا بها حياتنا اليومية، من عاداتنا وأطعمتنا إلى الموسيقى والفنون التي نختارها ونمارسها. شخص يعيش في الجزائر اليوم قد يحتفظ بعادات أسرية قديمة، مثل الاحتفال بمناسبات دينية محلية، لكنه يشارك في فعاليات ثقافية عالمية، يستمع لموسيقى غربية، ويقرأ أدبًا أجنبيًا، ويطبخ أحيانًا وصفات مستعارة من ثقافات أخرى، فتتشكل هويته الثقافية من هذا التداخل.

لكن من جانب آخر، هذه المرونة تجعل الثقافة متحركة وليست ثابتة. هويتنا الثقافية تتشكل من اختياراتنا اليومية، ومن طريقة تعاملنا مع ما ورثناه وما اكتسبناه، ومن قدرتنا على المزج بين الماضي والحاضر، بين الانتماء لجذورنا والانفتاح على الجديد. هذا يعني أن الثقافة ليست مجرد نسخة عن الماضي، بل عملية مستمرة من التجديد، حيث يختبر كل فرد ذاته ويعيد صياغة هويته باستمرار، لتصبح هويته الثقافية انعكاسًا حيًا لتجربته الشخصية في العالم.

الهجرة والاختلاط: عن تاريخ مشترك ومعاصر

الحروب، التجارة، الهجرة، والاستعمار شكلت تاريخ البشرية وجعلت الأفراد نتاجًا مستمرًا للاختلاط الثقافي والعرقي. كل إنسان يحمل في عروقه أثر تاريخ طويل من التنقلات والاندماجات، فالهجرة لم تكن مجرد حركة مكانية، بل عملية نقل ثقافي واجتماعي، وأدت إلى تشابك الهويات على مر القرون. في الجزائر، على سبيل المثال، يمكن أن يجتمع في شخص واحد دماء أمازيغية وعربية وأوروبية وشرقية نتيجة الهجرات المتعاقبة والتاريخ الاستعماري، فيعيش في مجتمع متنوع ثقافيًا ولغويًا، يتحدث العربية والأمازيغية، ويستخدم الفرنسية في التعليم والعمل، بينما يحتفظ بتقاليد أسرية قديمة. هذه التداخلات تجعل أي فكرة عن "النقاء" العرقي أو الثقافي غير واقعية، فالهوية البشرية دائمًا فسيفساء من الخبرات والجذور المختلفة.

لكن من جانب آخر، هذا الاختلاط يمكن أن يولّد شعورًا بالغربة أو الانقسام الداخلي، إذ يجد الفرد نفسه أحيانًا بعيدًا عن أي ثقافة بعينها، أو مضطرًا لإعادة التوازن بين الانتماءات المتعددة. الهوية هنا تصبح عملية مستمرة من التأقلم والتكيف، حيث يسعى الشخص لمواءمة جذوره وتاريخه الشخصي مع الواقع الاجتماعي والثقافي الجديد، ما يجعل رحلة البحث عن الذات تجربة دينامية ومتجددة باستمرار.

 الهوية الفردية والجماعية: وحدة أم تعدّد؟

الهوية تتشكل من شبكة معقدة من التجارب الشخصية والخلفيات الجماعية، فهي ليست ثابتة أو محددة بمجرد الانتماء إلى ثقافة أو لغة معينة. الفرد يعيش حياته اليومية في بيئات متعددة تتداخل فيها الثقافات، وتتقاطع فيها العادات، وتتفاعل معها خبراته الخاصة، فتتشكل هويته كخليط حي من الانتماءات المختلفة.

شاب جزائري من أصول أمازيغية قد يتحدث العربية في المدرسة، الفرنسية في الجامعة، ويحافظ على الأمازيغية في البيت والعائلة. خلال حياته اليومية، يشارك أصدقاءه ثقافتهم وموسيقاهم، ويتعلم من طرق تفكيرهم وأساليبهم في التعامل مع المجتمع، فيصبح هويته مزيجًا متغيرًا بين الجذور والبيئة الحديثة. طالبة جزائرية أخرى تعيش في المغرب تتنقل بين لغات وثقافات متعددة، وتكتسب منها أدوات جديدة لفهم العالم، لكنها تحتفظ بعاداتها وقيمها الأصلية، ما يجعل هويتها فسيفساء دينامية تعكس التفاعل المستمر بين الفرد والمجتمع. حتى المهاجر الجزائري في كندا، الذي يختلط بمجتمعات مختلفة ويشارك تقاليدها اليومية، يبقى مرتبطًا بعاداته الأسرية وذاكرته الثقافية، فتتشكل هويته من التوازن بين الجذور والانتماءات الجديدة.

لكن من جانب آخر، هذا التوازن قد يولد صراعًا داخليًا، إذ يشعر الفرد أحيانًا بالغربة أو الصعوبة في الجمع بين الانتماءات المتعددة. الهوية هنا ليست مجرد تسجيل في بطاقة أو الانتماء لمجتمع محدد، بل عملية مستمرة من التكيف وإعادة البناء، حيث يسعى الفرد لمواءمة تجاربه المتنوعة مع شعوره بذاته، ويكتشف نفسه في الحوار المستمر بين الماضي والحاضر، وبين الأصول والانفتاح على الجديد.

نقاء الأصل: أسطورة أم وهم؟

السعي وراء "نقاء الأصل" غالبًا ما يكون وهمًا ثقافيًا واجتماعيًا، إذ لا توجد هوية بشرية معزولة عن التداخلات التاريخية والاجتماعية. كل إنسان يحمل في جذوره آثار الهجرات، والاختلاطات العرقية، والتفاعل مع ثقافات متعددة عبر العصور، ما يجعل فكرة الهوية النقية أكثر رمزية منها حقيقة ملموسة(أي أنها تمثل رمزًا أو فكرة نظرية أكثر مما تمثل واقعًا فعليًا يمكن قياسه أو إثباته على الأرض).إذ غالبًا ما تُستغل تصورات النقاء لتحديد الانتماءات أو فرض معايير اجتماعية وثقافية، لكنها لا تعكس التعقيد الحقيقي للتجربة الإنسانية.

على سبيل المثال، يمكن لعائلة جزائرية أن تحمل دماء عربية، أمازيغية، وأوروبية نتيجة الهجرات والتاريخ الاستعماري، ومع ذلك يُنظر إليها ضمن تصنيف واحد بحسب المعايير الرسمية أو الاجتماعية. هذه الفكرة تظهر أن النقاء العرقي أو الثقافي مجرد إطار وهمي لا يغطي الواقع المعقد للفرد.

لكن من جانب آخر، إدراك الإنسان للهجنة وقبول تعدد أصوله الثقافية والاجتماعية يمنحه حرية تشكيل هوية غنية ومعقدة، تتجاوز الحدود الضيقة، وتتيح له الانتماء إلى أكثر من مجتمع أو ثقافة في آن واحد. الهجنة تجعل الهوية عملية مستمرة من التحول، تمنح الفرد مساحة لإعادة التفكير في ذاته، وتفتح المجال لاختيار الانتماء بوعي، بحيث تصبح الهوية انعكاسًا للتجربة، للمرونة، وللاختلاف المتنوع بدل أن تكون مجرد أصل ثابت أو معيار جامد.

الوجود كعملية: الهوية كفعل وليس ثابت

الهوية ليست شيئًا جامدًا يُسجَّل عند الولادة، بل هي رحلة مستمرة من التشكل والتجربة والتفاعل مع العالم من حولنا. كل تجربة نمر بها، كل لغة نتقنها، وكل ثقافة نختبرها، تضيف ألوانًا وأبعادًا جديدة لهويتنا، وتشكل فهمنا لذواتنا من جديد. الهوية إذًا ليست مجرد وراثة أو انتماء اجتماعي؛ إنها فعل حي وديناميكي تتغير مع مرور الزمن، وتتكيف مع كل تجربة وكل لقاء، لتصبح انعكاسًا حيًا لتفاعلنا العميق مع محيطنا ومع ذواتنا.

على سبيل المثال، يمكن لشخص ينحدر من أصول أمازيغية وعربية أن يعيش في بيئة متعددة الثقافات، حيث يتعلم لغات جديدة، ويتفاعل مع عادات وممارسات مختلفة، ويشارك في مجتمعات متنوعة. هذه التجارب المتراكمة تعيد صياغة هويته باستمرار، لكنها لا تلغي جذوره أو ذاكرته الثقافية؛ بل تجعل الهوية فسيفساء حيّة تتأقلم مع الظروف وتتنوع مع الخبرات.

لكن من جانب آخر، هذه الطبيعة المفتوحة للهويّة تضع الفرد أمام مسؤولية مستمرة: كيف يعيش هويته بوعي؟ كيف يتقبل تنوعها دون الانغماس في صراع داخلي أو التمسك بأصالة وهمية؟ إن إدراك هذه التحديات يمنح الإنسان القدرة على صياغة هويته بوعي، ويحوّل رحلة البحث عن الذات إلى تجربة مستمرة من التعلم والتكيف والنضج الشخصي، حيث تصبح الهوية فعلًا حيًا يعكس حرية الفرد وانتماءه معًا.

الخاتمة

وفي الأخير،نستنتج أن سؤالنا عن الهوية: "من نحن؟ وهل تعرف من أنت؟" لا يملك إجابة نهائية، بل يفتح أمامنا رحلة من البحث والتأمل المستمر. نحن نتشكل من أزمنة وأماكن وثقافات وتجارب متشابكة، وكل تجربة جديدة تضيف بعدًا جديدًا لذاتنا، فتتغير الهوية مع مرور الوقت كما تتغير الأنهار وتعيد تشكيل ضفافها باستمرار.

الهجنة الثقافية والاختلاط الاجتماعي يجعل من الهوية ظاهرة مرنة، ليست ملكًا ثابتًا للفرد، بل عملية تفاعل مستمرة بين الماضي والحاضر، بين الوراثة والتجربة، بين الذات والآخر. هذا يجعل من مهمة فهم الذات تحديًا دائمًا، إذ لا يمكن اختزال الإنسان في أصل واحد أو إطار ثابت.

فهل يمكن للإنسان أن يلتمس جوهر هويته بالكامل؟ وهل يمكن للمجتمع أن يدرك أفراده حقًا، في ظل هذا التنوع المعقد والتداخل المستمر بين الأصول والتجارب؟ أم أن الهوية ستظل دائمًا فسيفساء متحركة، تعكس تجارب الفرد وتفاعله مع محيطه، والصراع المستمر بين الانتماء والاختلاف؟.

***

الباحثة: بهلولي جيهان - فلسفة تطبيقية

قسم الفلسفة / جامعة باجي مختار -عنابة - الجزائر

«الخيال هو بداية الإبداع، إنك تتخيل ما ترغب فيه، وترغب فيما تتخيله، وأخيرًا تصنع ما ترغب فيه..» (جورج برنارد شو)

تقديم: تفرّد الإنسان بمزايا كثيرة ساهمت في تمكينه من تنظيم وفهم وتطوير وتشكيل حياته، وتطويع مصاعبها من أجل حياة أفضل، من أهمّ هذه المزايا، مزية التّخيّل Imagination التي تشكّل ذهنيته على أساس من القدرة والفعل، أي بين ما يسكن الذهن والفكر، وما يُصاغ واقعاً لاستساغة عيشه وتشكيله بما يناسب حياته، ويبني مستقبله أوْسَع من حدود اللحظة.

في زمن تراجعت فيه الحكايات، وانحسر بريقها وتلاشى صداها، وشحّ خيال الجدّات والأمّهات، ولم تَعُدْن حكّاءات ماهرات كما كُنَّ من قبل، يبرعْن في السفر بخيال الأطفال إلى عوالم يصعب الوصول إليها شهادةً، لا لأنّ الحكاية فقدت سحرها، بل لأن العالم غيّر وِجهته وطريقته في التّلقّي والإصغاء. فحين كان للحكاية أسْرارها، كانت الوجوه تتقابل، والأصوات تتشارك وتتقاطع، والذّاكرة تُصاغ وتُبنى. غير أنه وانسجاما مع السرعة التي تبنتها الحياة عقيدة، اختُزل العالم اليوم، في شاشة تتَّسع لراحة اليد، انمحت الدّهشة، وتحوّلت الحكاية من فعل جمالي وجماعي حي، إلى ومضات عابرة تُمرّر بلمسة من أصبع، وتُدفن في ركن مظلم من الذّاكرة، وتُنسى بسرعة، من دون أن تبني ذاكرة أو عالما يعوّل عليه، إذ حين يركب الأطفال بالخيال صهوة الحكايات، لا يوقفهم حدّ، يجوبون عوالم غريبة، فنتازية، مستحيلة، يستقون منها ما يبنون به عالمهم وواقعهم، ويؤثثون معارفهم، ويبنون غدهم.

حين تراجعت الحكايات، واختُزِل العالم في شاشة سرقت من الجدّات الحكايات، تفرَّق من حولهن السّامعون والمتعطّشون للحكي الجميل الذي يصبغ أيامهم ألوانا وإيقاعات، ممّا جعل شروط الحكي تتغيّر، ولم يعُد الحكي فعلَ قربٍ واقتراب وسكينة، بل تسلّل الصَّخب والضّوضاء الرّقمي إلى البيوت الآمنة، والسّاحات العامرة بالدّفء، والتّجمّعات والمدارس، ومضارب الحكي في الحلقات، حتى صارت الحكايات تعيش اغترابا في زمنٍ لا يعترف بالبطْء، ولا بالتّفكير النقدي أو الخيال، بل بالسرعة الفارغة من المعنى، تمشي بين النّاس فلا يصغي إليها أحد،  زمنٍ يقصي التّفاصيل التي تمنح المعنى دفئه، ويُنظر إلى الخيال بوصفه ترفا يُعرقل العبور إلى الغد المشرق، زمنٍ لم يعد يقبل السؤال مفتاحاً للتفكير النقدي، ولا الخيال بانياً لواقعٍ يؤسّس لنظرة جريئة للحال، ولا القلب مفتاحاً للدّهشة بدايةً ومُنْتهى.

وإذا كانت الحكاية هي الأصل، والصّيغة الأولى التي أسّست لواقع الإنسان، وبها استأنس وآنس غضب الطبيعة، حين كان البرق لُغزاً، والريح كائناً غاضبا حين يُزمجر، والليل مرتعا للخوف وامتحانا له، الْتَجأ الانسان إلى الحكاية والخيال فروّض المجهول، وصنع للأصوات معنى، وللظّواهر أسماء، وفتح بذلك قنوات للمغامرة والتّحدّي، فصار العالم من حوله أقل وحشة، وأكثر قابلية للعيش والفهم، وكانت وعداً خفيا بأن الغد يمكن تخيّله، ثم صناعته لعيش أفضل. فكان الخيال أداةً لتوسيع مجال هذا الاستئناس وتطويع الواقع، وحصْر الخوف من غضب الطبيعة والإنسان، فأصبحت الحكاية وما يؤجّجُ سحرها أداة بناءٍ وترتيبٍ لحياةٍ وواقعٍ يُبنى في حدودها، ويتجاوزها تخييلاً وفعلاً تمهيداً لغدٍ آمن.

وبما أن العالم قابل لصياغة جديدة، لأنه في تحوُّل مستمر، فإنّ الحكاية بهذا المعنى، تختزن التجارب والأفكار والتّصوّرات والأحداث، وتحرر الواقع من ثقل الزمان والمكان، وتبني بينهما جسورا للامتداد عبر الخيال الذي لا يعني الإثارة والإيهام والأحلام فقط، بل يدفع إلى فهم العالم بمعانيه وعلائقه ورموزه وإشاراته وإيقاعاته، إذ يلعب دورا مهما في تكوين أبنية الأفكار والاحتمالات والمسارات، وإقدار الإنسان على تجاوز اللحظة، وتوجيه السلوك، وصياغة المعنى، وتحديد الغايات.

يعدّ الخيال أحد أهمّ الجسور التي يعبرها الطفل من عالم الشهادة إلى عالم التخييل الذي يصنعه بذهنه ويملأه بالصّور والمعاني والمعلومات التي يستقبلها من الحكايات عبر تحويل وقائعها إلى رموز يفسّرها بطريقته التي تُقرّبه من العالم، فيبدأ في ممارسة التفكير النّقدي الذي سيكون أساسا لكل إبداع لاحقا.

والطفل لا يمكنه أن يستوعب المعلومات والحقائق إلاّ مستعينا بمخيلته التي تصور له كل العناصر في تركيب خاص، دون الحاجة إلى إعادة الأحداث من جديد، لأن الخيال يضعه خارج اللحظة، وخارج حواسّه فيتخيَّل ما ليس له وجود أصلا، وبهذا يصل إلى المعنى، وفهم ما يدور في محيطه وبيئته فهما صحيحا، وبالتالي يصل إلى الإبداع والتفكير النقدي الخلاق، إذ بالخيال، ومع مرور السنوات، تتحول الأشياء إلى عوالم تبني مستقبله، تُبَلْوِر أفكاره إلى معارف وسلوكات تستمر معه لتجاوز ما هو تقليدي بسيط، إذ في لحظة التّخيل، لا يخضع الطفل لقوانين الواقع، بل يندمج في قوانين الخيال، ويركب المستحيل، فتتولّد الفكرة، وتتّضح الصّورة، ويتشكّل الواقع، ويظهر الإبداع.

الطفل في حضرة الخيال..

تشكل الطفولة مرحلة أساسية في بناء الإنسان، حيث تتكون خلالها البنى الأولى للتفكير واللغة والوجدان، ويعتبر الخيال أهم مكونات هذا البناء، إذ يُتيح للطفل إعادة تشكيل الواقع، وتجاوزه، وإعطائه دلالات جديدة، إذ يتجلّى الخيال عند الأطفال في اللعب، والحكايات، والرسم والرقص، ولعب الأدوار، والتقليد والمحاكاة. يرى بياجي أن الخيال يرتبط بمرحلة التفكير ما قبل العمليات، حيث يستخدم الطفل الرموز لتعويض محدودية التفكير المنطقي، بينما يرى فيغوتسكي الخيال نشاطاً اجتماعياًـــــ ثقافياً يتطوّر عبر التفاعل مع المحيط واللغة.

في حضرة الخيال، يغدو الطفل في قلب العالم لا على هامشه، فالخيال بالنسبة للأطفال ليس ترفاً ذهنيا ولا هروباً من الواقع، بل أداة لفهمه وإعادة تركيبه، وإقامة علاقات بين ما يراه وما يشعر به، ليبني عالمه الخاص، فيصير اللعب تفكيراً، والحكاية بناء لعالمٍ تسكنه الألوان والمغامرات والإيقاعات.

في حضرة الخيال، يتعلّم الطفل الحرية قبل القواعد، ويختبر الإمكان قبل الواقع، إنه الفضاء الذي يجرب فيه فشله وخوفه، ويصوغ أسئلته الكبرى عن الخير والشر، والحب والكُره، والذات والآخر.

في حضرة الخيال، يربط الطفل بين رغباته ومشاعره وأحلامه وبين رؤيته لغده، فينسج ملامحه بدافع فطري، لا بوعي مكتمل، ولا منطق جاهز، فهو يستعدّ ويهيئُ أسلحته لتخطّي الحواجز وطرح الأسئلة.

في حضرة الخيال، يشعر الطّفل بالأمان، أمام السؤال المقلق والمدهش والغريب، أمام الخطأ الذي منه يتعلم، وأمام العالم حين يواجهه، فيرى العالم من حوله مفتوحاً على ممكناتٍ تجعل منه المنطلق والمنتهى، حين يُسكِنُ هذا العالم في لعبة، في إيقاع، في حكاية لا تنتهي عندها الحدود.

في حضرة الخيال، يواجه الطّفل قلقه، ويمنح الأشياء معنى، يُمرّن ذهنه على إعادة إبداع عالمه وهو في كامل حريته، ينصت لذاته ولصوته الدّاخلي، بعيداً عن اللغة، بعيداً عن الكلمات والقواعد الجافّة، يُشعره بالأمان، وأنّه أحقّ بالحلم الذي يولد من فراغ، بل من خيال يكبر داخله، فيتعلّم أن المستقبل ليس زمناً بعيداً، بل قريباً منه حين يعيشُ لحظة خيال.

الخيال وصناعة الإبداع..

إذا رجعنا إلى ما قاله الأولون عن الخيال بوصفه إعادة خلقٍ للعالم وتطويرٍ له، نجد أن الجاحظ، وعبد القاهر الجرجاني، وحازم القرطاجني، والفرابي، وابن عربي، وغيرهم، لم ينظروا إلى الخيال باعتباره هروبا من الواقع، بل باعتباره وسيلة لإعادة تشكيله وفهمه، وقوة خالقة تصنع الصورة، وتُحدث الانفعال، وتعمّق المعرفة، وتكشف الحقيقة، إنه القدرة على أن نرى ما وراء الظواهر، وأن نعيد بناء العالم داخلنا قبل أن نعيد بناءه في الواقع. وإذا كان الإبداع هو تجاوز المألوف، فإن هؤلاء، قد أدركوا أن هذا التّجاوز يبدأ دائما من الخيال.

يقول كريستوفر فراي «إن أول قدرة يجب أن نهتم بها قبل أن تصدأ بسبب عدم الاستعمال، هو الخيال، فالخيال هو الذي يجعل العالم يبدو لنا كل يوم جديدا» فبين الخيال والإبداع علاقة قوية، فالخيال أولى مراحل الإبداع، وشرارته التي تفتح باب المغامرة، أوليس الإبداع مغامرة؟ بل هو أهم آلياته حين يتخطّى المعقول والمحسوس والمرئي، للوصول إلى الربط بين الوقائع والأحداث والإمكانيات للوصول إلى الأفضل والأصلح، وإلى رؤية بمنظور جديد.

بناء على ما سبق، كيف يمكن للطفل أن يتجاوز ما يعيشه الآن، على مستوى التفكير والممارسة والتخييل، من تكرار ما كان، ومحاكاة وتقليد ما تركته السنوات العجاف من أفكار ومشاريع مكرّرة؟ بل، كيف نُخرجه من حالة الجمود الخيالي التي تفرضها التقاليد التي تكبّل المدرسة؟ كيف نحول الدهشة والسؤال لدى الطفل، إلى بذرة تشعل الخيال وتغذيه بما هو جميل، بعيداً عن التقليد وتكديس المعلومات في عقله؟ بمعنى آخر، كيف نُبعد الطفل عن أن يعيش في جلباب من سبقوه، يعيد ما فعلوه، ويمجُّ ما تركوه من إرثٍ ذابلٍ بعيدٍ عن الخيال؟

الطفل تُدهشه الحكاية بأسرارها وأحداثها وإيقاعاتها، وتُطفئُ فتيل الملل بداخله، لذا يظل الخيال نسغ الحكي، وروح الإبداع، واستمرار الدهشة، ومُحرِّكُ الأسئلة الثاوية في عوالمه التي تعُجُّ بالأسرار، لحلّ مشكلاته، ومواجهة تحديات الحياة التي تعترضه. بهذا نبني مبدعاً، مفكّراً، لا نموذجا مُكرّرا لمن مضى، لهذا، كما يقول بيكاسو «كل طفل هو مبدع، لكن المشكلة كيف نبقيه مبدعا حين يكبر» فاحتقار عقل الطفل، والنّظر إليه على أنه قاصر محدود الخيال، يقبل كل ما يُقدم إليه، وأنه قالب يأخذ كل شيء من دون ردّ، بل نفتح له آفاقا لا يكرّر عبرها ما هو كائن، ونحبّب له ما يدفعه إلى الاجتهاد، وتفعيل ملكاته الخيالية والإبداعية، وإعمال العقل ليتحرّر من المألوف والمكرور، في محاولات لإعادة تشكيله، وعلى أنقاضه يبني عالماً يتماشى مع المتغيرات المتسارعة التي يعرفها عصره، وإبداع ما يمكن أن يكون. فالطفل لا يكتفي بأن يكون متلقيا لما هو كائن، بل يمارس فعل البناء على أنقاض الكائن والجاهز، فبالخيال يجد الطفل مساحته الآمنة ليُعيد ترتيب «الفوضى»، وليمنح المعنى لما يبدو غامضاً أو متناقضاً. لذا، يُعدّ الخيال آلية لفهم ومقاومة في آن واحد، إذ يُعيد تشكيل العالم بما يتلاءم مع قدرته على الاستيعاب، ومُختبراً سرّياً يُجرّب فيه الطفل أدوارا جديدة حين يدخل المغامرة فيكتشف إمكانات لم تتحقّق بعد.

وبعد، فالطّفل في حاجة إلى أن نمنحه أسلحةَ مواجهة التّحوّلات المتسارعة التي يعرفها عصره، لذا، يُعدّ الخيال ضرورة تربوية، لا تقلُّ أهمية عن المعرفة ذاتها، لأنه يمنح الطفل القدرة على التّكيُّف من دون أن يفقد ذاته، وعلى الابتكار من دون أن يقطع صلته بواقعه. فالطّفل الذي يتخيل، لا يعيد تشكيل العالم فحسب، بل يعيد تشكيل نفسه أيضا. إنه يبني عالما يوازي الواقع، لكنه أكثر رحابة، وأكثر إنسانية، وأكثر استعدادا للمستقبل.

***

عبد الهادي عبد المطَّلب

الدار البيضاء/المغرب

شهدت كتابات المفكر العراقي الشهير "عبد الجبار الرفاعي"، عددا كبيرا من المفاهيم الذي لم نراه من ذي قبل لدى طائفة من المفكرين الآخرين، وذلك من قبيل ‏القطيعة الأنطولوجية، الظمأ الأنطولوجي، الاغتراب الميتافيزيقي، الإنسانية الإيمانية، وغيرها.

 إن مشروع بناء المفاهيم وتجديدها لدى المفكر عبد الجبار الرفاعي ليس مشروعًا معرفيًّا فقط بل هو مشروع حضاري حداثي أيضًا، يريد أن يُشيّد للذات الإسلامية العربية حداثتها بِردّ الذات إلى ذاتها؛ إذ كما أن هناك حداثة غير إسلامية، فكذلك ينبغي أن تكون هناك حداثة إسلامية.

 وهذه الحداثة تكشف لنا على أن النواة الفاعلة في تجديد الخطاب الفلسفي الحضاري وقيمه الأخلاقية والعملية لدى المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، هي المفاهيم باعتبارها الدافعية الأساسية للتفكير ومركز المسؤولية في تجديد الفلسفة الإسلامية العربية، وتوجيه القيم داخلها وتأسيس هويتها الاصطلاحية بما يخدم كونيتها المخصوصة، وابتعادها عن المحاكاة والتقليد.

 من جهة أخرى فإن نحت المصطلحات والمفاهيم عند عبد الجبار الرفاعي إن دل على شيء فإنما يدل على مدى قدرته على توضيح المفاهيم حيث أنه عندما ننظر إلي أي نسق معرفي في تراثنا الحضاري نجد أنه يتألف علي وجه التقريب من مجموعة حقول معرفية متنوعة.

 فهناك المعرفة الدينية والمعرفة الميتافيزيقية، والمعرفة التجريبية، والمعرفة الرياضية والمنطقية، والمعرفة الإنسانية والاجتماعية، وهلم جرا. ويتألف كل حقل من هذه الحقول من مجموعة من المفاهيم التي ترتبط فيما بينها بعلاقات معينة، كما ترتبط هذه الحقول بروابط ضرورية تؤدي إلي تماسك أجزاء النسق المعرفي كله.

 وعلي هذا النحو فإن تحليل بنية المحتوي المعرفي في تراثنا الحضاري يرتكز علي ثلاثة عناصر في غالب الأمر هي: المفاهيم، والعلاقات التي تؤلف من المفاهيم حقلاً، والعلاقات التي تشكل من الحقول نسقا.

 ولعل السؤال الذي يطرح نفسه علينا كما يقول عبد الجبار الرفاعي هو: "ما الذي نعنيه بالمفهوم؟

 إن المفهوم بمعناه المنطقي هو مجموعة الصفات والخصائص التي تحدد الموضوعات التي ينطبق عليها اللفظ تحديدا يكفي لتمييزها عن الموضوعات الأخرى . فمفهوم الإنسان" بالمعني الأرسطي، مثلاً، مؤداه أنه كائن ناطق، وما صدقاته هي علي وسامي وسائر أفراد الناس.

 ولكننا عبد الجبار الرفاعي مع حفظ الألقاب ينظر إلي المفهوم نظرة أوسع من نظرة رجل المنطق إليه، لأن المفهوم يتألف أيضاً من المعاني والمشاعر التي يستدعيها اللفظ في أذهان الناس، ولهذه النظرة الواسعة ميزة في رأينا وهي أنها تفسح المجال أمام القول بأن الغالبية العظمي من المفاهيم لا تقبل تعريفاً جامعاً مانعاً بلغة المنطق، وإنما تتسم بمرونة مطلقة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، فتتسع دلالتها أحيانا وتضيق أخري. والمفهوم في هذه الحالة يشبه البحر الواسع الذي يجوز لكل جيل من البشر أن ينهل منه ويبحر فيه بقدر ما تسعفه طاقته .

 وعلي هذا النحو فإن عبد الجبار الرفاعي يعني بالمفاهيم حسب اعتقادي : المعاني العقلية الكلية أو الأفكار العامة المجردة، وأبرز الأمثلة لها هي مفهوم ‏"القطيعة الأنطولوجية"، "الظمأ الأنطولوجي"، "الاغتراب الميتافيزيقي"، "الإنسانية الإيمانية"، وغيرها.

 وفي اعتقادي أن الفرق بين المفهوم الواضح والمفهوم الغامض في فكر عبد الجبار الرفاعي كالفرق بين خريطة واضحة المعالم لبلد معين يصطحبها المسافر عند سفره، وورقة خط عليها طفل مجموعة خطوط لا تدل علي شيء، وقيل للمسافر هذه خريطة –علي معان جلية وقيم ومبادئ واضحة يدفع إلي تقدم المعرفة عند ربطه بمفاهيم أخري في نسق، أو يهدي إلي سواء السبيل عندما يسلك المرء علي أساسه .

 أما المفهوم الغامض، مثل الورقة التي خط عليها الطفل خطوطاً غامضة، فإنه إذا دخل في نسق أفسد نظامه وعلاقاته مما يؤدي إلي تراجع معرفي، وإذا وجه سلوكاً لشخص أضله لأنه لا يهدي إلي شيء ولا يدل علي شيء.

 علي أن عملية توضيح المفاهيم بالمعني الذي يريده عبد الجبار الرفاعي في كتابه دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة" لها لا تقتصر علي تحديد المعاني المتنوعة التي قد يدل عليها المفهوم تحديداً يحول دون وقوع اللبس والغموض بين الكتاب أو المتكلمين، وإنما تتسع هذه العملية بحيث تشمل الكشف عما تتعرض له المفاهيم في حالة تخلف الأمة حضارياً وظهور الصراع بين الحضارات وممارسة الغزو الثقافي للحضارة الغالبة علي الحضارات المغلوبة، ففي هذه الحالة يتم تشويه دلالات المفاهيم الأصلية أول الأمر، ثم تفرغ شيئاً فشيئاً من محتواها، ثم يعاد ملء المفهوم بالدلالات المرادة... وللحديث بقية..

***

أ. د. محمود محمد علي - مفكر مصري

يشهد العالم تحوّلا عميقا في أنماط إنتاج المعنى وتداوله، نتيجة الانتقال من المجال الاتصالي التقليدي إلى الفضاء الرقمي الشبكي. هذا التحول لم يقتصر على تطوير أدوات التواصل، بل مسّ البنية الرمزية التي تتشكل ضمنها الهوية الفردية والجماعية. فالإنسان المعاصر يعيش في بيئة رقمية كثيفة، تتقاطع فيها الصور واللغات والخطابات، وتُعاد فيها صياغة الانتماءات بصورة مستمرة. من هنا تبرز الحاجة إلى مساءلة فلسفية ومعرفية لطبيعة التأثير الذي يمارسه الإعلام الرقمي في تشكيل الهوية، ولموقع الفاعل الثقافي داخل هذه السيرورة المتسارعة.

الهوية مفهوم ديناميكي يرتبط بالذاكرة واللغة والرموز وأنماط العيش المشتركة. كانت تتشكل تاريخيا عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية مثل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية. أما اليوم فقد دخل فاعل جديد بقوة في عملية التنشئة: المنصات الرقمية.

في البيئة الشبكية، تتعرض الهوية إلى ما يمكن تسميته بـ"السيولة الرمزية". فالمحتوى العابر للحدود وسرعة التداول والاتصال الدائم، كلها عوامل تجعل الانتماء أقل استقرارا وأكثر قابلية لإعادة التكوين. لم تعد الهوية تُبنى في إطار جغرافي محدد، بل ضمن فضاء افتراضي متعدد المرجعيات.

هذا التحول أفرز نمطا من الهوية المركّبة، تتداخل فيها العناصر المحلية والعالمية، ويتجاور فيها التراثي مع الحداثي في لحظة واحدة. غير أن هذا التركيب لا يخلو من توترات، خاصة عندما تتراجع المرجعيات العميقة لصالح أنماط استهلاكية سريعة.

على مستوى التأثيرات البنيوية للإعلام الرقمي في تشكيل الهوية، من الضروري الحديث عن ثلاثة اعتبارات: الأول يتعلق بتحولات اللغة والمعنى. اللغة، باعتبارها الحامل الأول للهوية، عرفت تغيرات ملموسة في الفضاء الرقمي. هيمنة الصورة، والرموز التعبيرية، والاختزال اللغوي، أدت إلى اقتصاد في التعبير. هذا الاقتصاد يحمل بعدين متناقضين: من جهة، يتيح مرونة وابتكارا في التواصل. ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى تراجع العمق الدلالي والتأمل النقدي. كما أن هيمنة لغات عالمية في المنصات الكبرى تؤثر في أنماط التعبير المحلي، ما يطرح سؤال التوازن بين الانفتاح والحفاظ على الخصوصية اللغوية.

الاعتبار الثاني، إعادة تشكيل القيم والسلوك، حيث تعمل الخوارزميات على توجيه الاهتمام من خلال ترشيح المحتوى بناءً على التفاعل والانتشار. فينتج عن ذلك إعادة ترتيب ضمنية لسلم القيم، حيث تتقدم عناصر الإثارة والسرعة والاختزال على حساب العمق والرصانة. تتشكل معايير جديدة للنجاح والاعتراف، ترتبط بالحضور الرقمي وعدد المتابعين، ما يؤثر في تمثلات الذات وتقديرها.

أما الثالث والأخير فيرتبط بتحولات الانتماء والوعي الجمعي، على أساس أن الفضاء الرقمي ينتج جماعات افتراضية عابرة للجغرافيا، تقوم على الاهتمام المشترك أكثر من الارتباط المكاني. هذا النمط يعزز الانفتاح والتعدد، غير أنه قد يضعف الروابط التقليدية إذا لم يُواكَب بوعي نقدي. كما أن سرعة انتشار الخطابات قد تخلق وعياً جمعياً آنياً، يتأثر بالموجات الإعلامية أكثر من التأمل المستدام.

ومن أبرز التحديات التي تطرحها البيئة الرقمية، تسليع الهوية وتحويل الرموز الثقافية إلى محتوى استهلاكي خاضع لمنطق السوق الرقمي. والهيمنة الخوارزمية، حيث تتحكم أنظمة تقنية في ترتيب المعرفة وإبرازها، بما يؤثر في تشكيل الرأي والذوق. بالإضافة إلى تآكل المرجعيات العميقة نتيجة هيمنة الإيقاع السريع والمحتوى اللحظي. وهذه المخاطر لا تعني حتمية الانحلال الثقافي، لكنها تستدعي يقظة فكرية ومؤسساتية.

وتُعدّ التربية الإعلامية ركيزة أساسية لتمكين الأفراد من فهم آليات المنصات، وكيفية اشتغال الخوارزميات، وطرق التحقق من المعلومات. والوعي هنا ليس مجرد معرفة تقنية، بل قدرة على القراءة النقدية للمحتوى. على أن إدماج التراث في البيئة الرقمية يحوله إلى عنصر فاعل في التداول المعاصر. توثيق المخزون الثقافي، وإتاحته بوسائط جذابة، يضمن حضوره في الفضاء العام ويمنع اختزاله أو تشويهه. كما تصير الحاجة ملحة إلى تعزيز المحتوى العلمي والثقافي باللغة الوطنية، وتشجيع البحث والإبداع الرقمي، ما يسهم في تحقيق توازن بين العالمية والخصوصية.

وفي هذا الإطار يتطلب الأمر استراتيجيات وطنية تدمج البعد التكنولوجي بالبعد الثقافي، وتربط بين التحول الرقمي والسيادة الرمزية. فالمسألة لا تتعلق بموقف دفاعي من التكنولوجيا، بل بإعادة تعريف العلاقة معها. الإعلام الرقمي مجال مفتوح لإنتاج المعنى، ويمكن أن يكون فضاءً لتعزيز التنوع الثقافي بقدر ما قد يهدده. يتوقف ذلك على مستوى الوعي الفردي، وعلى قدرة المؤسسات على مواكبة التحول. فالهوية في العصر الرقمي ليست معطى منغلقاً، بل مشروعاً مستمراً يتطلب مشاركة واعية. إنّ القدرة على الجمع بين الانفتاح العالمي والتجذر المحلي تمثل الرهان الحقيقي.

تعيش الهوية اليوم مرحلة إعادة تشكيل عميقة تحت تأثير الإعلام الرقمي، حيث تتقاطع التكنولوجيا بالثقافة، والاقتصاد بالرمز، والفرد بالجماعة. التحدي المطروح لا يتمثل في إيقاف هذا التحول، بل في توجيهه بما يحفظ التوازن بين التطور التقني والاستمرارية الثقافية. إن بناء وعي نقدي، وتعزيز الحضور الثقافي في الفضاء الرقمي، يمثلان المدخل الأساس لصون الهوية في زمن الشبكات.

***

د. مصطفى غَلْمان

 

مقال في إهدار الوعي الجمعي

وكأن الزمن يمر بنا مرور الغريب، بينما نمكث نحن في تفاصيله الصغيرة، نختلف حول الصوت والهيئة والمشهد العابر، ونترك السؤال الأكبر معلقا: ما الذي نصنعه بمستقبلنا؟

لسنا متأخرين لأننا فقراء، بل لأننا نبدد أثمن ما نملك: وعينا. نقف على قارعة الزمن نختلف حول صوت ميكروفون، وحركة ساق في مقعد مترو، وبرنامج تلفزيوني موسمي، بينما تدور في مكان آخر من هذا الكوكب عقول لا تنام، تنقب في المجهول، تفكك الشيفرات، وتعيد تعريف حدود الإنسان..  ويتم صياغه خرائط المستقبل. بينما نحن نسأل: هل هذا الاختراع حلال أم حرام؟

هم يسألون: هل يخفف ألما؟

 هل ينقذ حياة؟

 هل يضيف معنى إلى الوجود؟

الإنسان هناك هو القيمة العليا، والكرامة البشرية هي المقدس الوحيد الذي تبنى حوله الفلسفات والسياسات والعلوم. أما نحن، فنستنزف طاقتنا في معارك رمزية، ننتصر فيها صوتيا وننهزم حضاريا. نقيم الدنيا لأجل تافهين السوشيال ميديا، ولا نقيمها لأن مختبرا أُغلق، أو لأن عقلا هاجر، أو لأن باحثا يائسا ترك حلمه تحت ضغط السخرية وقلة التقدير.

المشكلة في ترتيب الأولويات، حين تصبح لدينا  القشور قضايا وجود، ويغدو الهامش مركزا، ويتحول الجدل إلى بديل عن الإنجاز، ندرك أننا لم نخرج من التاريخ، بل خرج التاريخ منا.

للأسف هناك عقل يسابق المستقبل، وهنا عقل يحرس الماضي كأنه آخر حصون الهوية. نحن نصنع  من التفاصيل الصغيرة معارك كبرى، بينما المعارك الحقيقية  مع الفقر، والجهل، والمرض، والتراجع العلمي  مؤجلة دائما إلى إشعار آخر.

غرقنا في جدل لا ينتج سوى مزيدا من الدوران في الحلقة ذاتها

في مختبراتهم مثل معهد ماكس بلانك تفكك أسرار الحياة نفسها

بينما نحن ما زلنا نفكك نوايا بعضنا البعض.

عندما قال فرانسيس بيكون عبارته الشهيرة: «المعرفة قوة». لم يكن يقصد قوة السيطرة فحسب، بل قوة التحرر من الخرافة، ومن الخوف، ومن العجز. وقال إيمانويل كانط في تعريفه للتنوير: «لتجرؤ على استخدام عقلك». الجرأة هنا ليست تمردا أخلاقيا، بل شجاعة حضارية؛ شجاعة أن نخضع أفكارنا للفحص، وأن نخضع عاداتنا للسؤال، وأن نخضع أولوياتنا لميزان الإنسان لا لميزان الضجيج.

أما كارل بوبر فكان يرى أن المجتمع المنفتح هو ذاك الذي يسمح بالنقد، لأن النقد هو شرط التقدم. وفي المقابل، كل مجتمع يخشى السؤال، إنما يخشى التقدم ذاته. لقد عرفت أوروبا عصورا كاملة انشغلت فيها بمحاكمات الأفكار بدل تطويرها، حتى جاء زمن قيل فيه إن لا مقدس فوق الإنسان وحقه في المعرفة.

هناك تغيّر المسار. هناك انتقلت الأولوية من حماية الرمز إلى حماية الكرامة البشرية. للأسف نستنزف وعينا في معارك رمزية، ونترك المعارك الحقيقية بلا جنود:

معركة التعليم الرديء،

معركة البحث العلمي المهمل،

معركة العقل الذي يهاجر لأنه لم يجد بيئة تحترمه.

حين يصبح الإنسان هو القيمة العليا، يتغير ترتيب الأشياء.

يصبح السؤال: كيف نخفف الألم؟

كيف نمنح الطفل تعليما أفضل؟

كيف نحفظ كرامة المرأة والرجل معا؟

كيف نصنع معرفة تنتج قوة لا تبعية؟

الحضارة ليست مباني شاهقة،

ولا شاشات مضيئة،

بل قدرة على توجيه الطاقة الجمعية نحو هدف أسمى من الجدل.. هي أن يتحول القلق إلى بحث، والإيمان إلى عمل، والحرية إلى مسؤولية

ولنعلم ان أمةً تقدس الجدل أكثر مما تقدس الإنجاز، وتحاكم السلوك الفردي أكثر مما تحاكم الفشل المؤسسي، إنما تؤجل سقوطها وهي تظن أنها تدافع عن هويتها.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

أين تقوم مشكلتنا الثقافية ـ الإجتماعية كعرب، على مستوى العلاقة بين الرجل والمرأة على وجه التحديد؟

من وجهة ثقافية صرف، قد يكون البناء الفلسفي للذائقة العربية هو المسؤول الأول عن تردي نوعية وسمو، أطر وأوجه التعبير والسلوك، لهذه العلاقة الجوهرية، التي تمثل أساس البنى الإجتماعية والأخلاقية والقيمية للبناء الإجتماعي ككل، وبنائه الثقافي ـ السلوكي على وجه التخصيص.

هناك قضية أثبتها العلم وبما لا يدع مجالا للشك في حقيقتها، وهي أن كل إنسان يتكون من بناء جيني، ذكري وأنثوي، في صلب تكوينه الفسلجي، وغلبة أي من هذه الجينات على صاحبتها هو من يمنح الجنين جنسه أو تركيبته وهويته الجنسية، ذكرا أو أنثى.. بمعنى إن كانت الغلبة لقوة وحجم الجينات الذكرية فسيكون جنس الجنين ذكرا، وإن جاءت الغلبة البنيوية للتركيبة الجينية للجينات الأنثوية، فهذا يعني أن جنس المولود الجديد سيكون أنثى..، ولكن غلبة أو طغيان أي من هذه الجينات ولدرجة منحها للجنين هويته الجنسية، لا يعني بالمطلق موت أو غياب جينات تركيبته التي تمثل الجنس الآخر، وإنما عملية تغييبها تكون فعلا (ثقافيا) صرفا... في التكوين، وفيما بعد بالثقافة الإجتماعية.. بمعنى أن البنية الثقافية، بإرثها ومرجعياتها الفكرية، هي المسؤولة عن تغييبها (من ناحية التركيب والأثر والتقبل السيكلوجي)، وبحسب بنية الوعي والبنية الثقافية والذوقية للعملية الإجتماعية التي تحكم حياة أي مجتمع من المجتمعات البشرية.

وفي ما يخص البنية الثقافية العربية ومرجعياتها في هذا الجانب، وهي بنية بدوية صحراوية تقوم على فكرة القوة والغلبة؛ فهذا يعني أن البنية الثقافية العربية، ولعدم إستنادها على بنية فلسفية (بحثية وتحليلية) تكون هي المسؤولة عن إعدام التركيبة الجينية المتراجعة أو الخاسرة في معركة تحديد جنس المولود (وإستبعادها بإعتبارها عارا أخلاقيا وقيميا يحط من قيمة صاحبه)، ولإعتبارات إجتماعية صرف تقوم على فكرة الخجل من إظهاره أو الإعتراف بالدور التكويني لتلك الجينات المتراجعة الدور للمرتبة الثانية وأثرها الذي يبقى يطل برأسه في بعض المناسبات السلوكية، على مستوى الحاجات، والذي تفهمه المرأة وتختصرها بمقولة (الرجل، أي رجل في حضور المرأة ـ على مستوى الحاجات النفسية ـ هو مجرد طفل كبير).

وعلى أساس هذا الفهم تقوم فكرة التربية للعائلة العربية على إعدام (بالتجاهل والمحق الظاهري طبعا) دور الجينات المتراجعة في روع وثقافة المولود بالتنشئة والتربية الإجتماعية والأخلاقية، بدفع المولود الذكر لأن يكون شديد ومكتمل الرجولة، وأن تكون الأنثى شديدة الوعي بإنوثتها لتكون امرأة كاملة.

أما تمظهر هذا البناء الإشكالي على أرض الواقع فيكون نابعا ومحصورا ومحكوما بفهم الخوف من التراجع في أي لحظة.. بمعنى أن الرجل يعمد للمبالغة في بناء ثقافته الذكورية لبسط سيطرته وهيمنة قبضته على المرأة، وهو ما يجبر المرأة على حصر تفكيرها في هذا الجانب، كرد فعل، على التسلح بما يسمح لها بالتمتع بجزء من سطوة أو حاجة جيناتها الذكرية، ومن هنا تظهر مشكلة الصراع وجنوح أوجه تمظهر وأوجه تعبير تلك الحاجات عن نفسها في جانب العلاقة عن قرب، في وجهها الحميمي وشكل تعبيره عن نفسه في نساج العلاقة الجنسية على وجه الخصوص، وهو الصراع الأزلي الذي عادة ما يتحول إلى صراع ارادات، ينتهي بفوز أحد طرفي العلاقة وخضوع الطرف الثاني، إستنادا إلى قوة فعل الجينات المتراجعة الدور وإيمان صاحبها بحاجته لها ولدورها في تركيبته النفسية.

ونظرا لهيمنة سلطة الخوف من سوء فهم الشريك وإستخدام (لحظة الضعف تلك) في الكشف عن الحاجة لتلبية حاجة البناء الجيني المتراجع خطوة إلى الوراء، للشريك (الآخر)، في العلاقة الحميمية على وجه الخصوص، كورقة ضغط (في حالات الخصام على وجه الخصوص) نرى أن كلا الشريكين يضطر لإشباع تلك الحاجة بطريقة ملتوية أحيانا قليلة، أو بطريقة الثورة المضادة أو العكسية، في أغلب الأحيان، والتي تنتج حالات التصرف السادي من قبل الذكر، وحالة التقبل الماسوشي من قبل الأنثى... وطبعا بطريقة مبالغ فيها وتصل حد الإنتقام في الذكر، وحالة جلد الذات والتلذذ بفظاعة الألم في حالة الأنثى، وطبعا كلا الطريفين محكومين بفكرة العار أمام المجتمع، في حالة تشهير الطرف الثاني بحاجة شريكه.

طبعا من نافلة القول أن نذكر هنا أن هذه القضية الإشكالية هي من المحرمات الإجتماعية، ويعتبر الخوض فيها وعرضها وطرحها للنقاش، أمرا محرجا... بل وخادشا للحياء والكرامة... ولكبرياء الرجل، على وجه الخصوص؛ ولذا فإنها بقيت دون نظر وتنظير يضعها في دائرة الضوء ويعالجها على مستوى الإعتراف والفهم والتقبل من قبل المنظومة الإجتماعية، والثقافية فيما بعد؛ ولذا فإنها بقيت معلقة، دون أن تتنازل عن حقها في الفهم والتقبل، رغم أنها لا تطالب بأكثر من تأسيس أرضية واعية لتفهم وجودها والإعتراف بدورها المؤثر في بناء شخصية الإنسان.

إذا الذات الإنسانية، بوجودها العياني الظاهر، هي مجموعة من التصورات الثقافية ـ الإجتماعية المفروضة من الخارج، وليست مجموعة التركيبات والبنى الفطرية المكونة للذات، وخاصة في الجانب السيكلوجي للإنسان؛ وعليه نرى أن أغلب الناس ينطوون على مجموعة من الأمراض والعقد النفسية التي تبقى معلقة، والتي تقود الفرد بإتجاهات الإنحرافات الجنسية، التي تتحول بدورها إلى أمراض وحالات عقدية مكبوتة تسبب الإنحرافات والنوازع النفسية الشاذة.. وفي المحصلة فإن كل هذا هو إشكالية ثقافية على مستوى البنى والفهم وطرق التعامل والمعالجة.

***

سامي البدري

قراءة في فلسفة الفساد وهندسة الوعي المأزوم

ماهية الرخاوة وتجلياتها الإبستمولوجية؟

يمثل مفهوم "الدولة الرخوة" حجر الزاوية في فهم التحولات البنيوية العميقة التي تعصف بالمجتمعات النامية، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا. إن الرخاوة، كما صاغها عالم الاقتصاد الحائز على نوبل غونار ميردال، لا تعني بالضرورة ضعف الأدوات القمعية للسلطة، بل تعني غياب الانضباط الاجتماعي، وسيادة الانتقائية في تطبيق القانون، وتفشي المحسوبية التي تآكل جسد الدولة.

إن التشويه الذي يطال الحياة الاجتماعية في هذه الدول ليس مجرد خلل عارض في مسار التحديث، بل هو إشكالية وجودية تكمن في تقاطع نيران أيديولوجيات التطرف العنيف من جهة، واستراتيجيات التثبيت السلطوي التي تعمد إلى صياغة وعي جمعي مأزوم من جهة أخرى. إن تقصي الآليات التي تتحول من خلالها رخاوة الدولة إلى أداة لتدمير النسيج الاجتماعي يضعنا أمام تساؤل جوهري: هل هذا التشويه هو نتاج حتمي للفوضى، أم أنه "هندسة اجتماعية سلبية" مقصودة تهدف إلى تجهيل المجتمع لضمان ديمومة السلطة المأزومة؟

سوسيولوجيا الانهيار: الفساد كبنية مشوهة للحياة الاجتماعية

في ظل الدولة الرخوة، يتوقف الفساد عن كونه "استثناءً" ليصبح هو "القاعدة" التي تنظم العلاقات الاجتماعية. هذا التحول البنيوي يؤدي إلى تشويه عميق في منظومة القيم؛ حيث تنهار الأخلاق الكلية أمام ضغوط الحاجة والتهميش. من منظور فلسفي، يمكن استحضار رؤية عبد الوهاب المسيري حول "العلمانية الشاملة"، حيث يتم "تنميط الإنسان" وتحويله إلى مادة استعمالية، فتفقد العلاقات الإنسانية قدسيتها وتتحول إلى تبادل نفعي صرف.

آليات تسرب الفساد من القمة إلى القاعدة

يبدأ الفساد من مراكز اتخاذ القرار في السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويمتد كمرض عضال ليشمل القضاء والمؤسسات الأكاديمية، وصولاً إلى أدنى مستويات التعامل اليومي. وفي هذا السياق، يبرز مستويان من الفساد يساهمان في تشويه الحياة الاجتماعية:

فساد النخب (فساد الحيتان): وهو المرتبط بالاستيلاء على المال العام والتهرب الضريبي، مما يؤدي إلى "الاغتراب الاجتماعي" حيث يشعر المواطن بأنه غريب في وطنه الذي تنهب مقدراته.

الفساد المجتمعي (الفساد الصغير): حيث يصبح الفرد مجبراً على دفع الرشاوي لقضاء أبسط حوائجه. هنا يتحول الفساد إلى "آلية بقاء"، ويحدث ما يسميه علماء الاجتماع "تطبيع الرذيلة"، إذ يكف المجتمع عن استهجان السلوك الفاسد طالما أنه يحقق غاية آنية.

تفكيك الركائز الاجتماعية: الأسرة والتعليم والإعلام

يتجلى هذا التشويه المتعمد في استهداف الحواضن الثلاث الكبرى لبناء الإنسان:

تهتك النسيج الأسري: نتيجة الضغوط المادية، يفقد الكيان الأسري قدرته على التنشئة السوية، وتتحول الأسرة من وحدة تضامن إلى وحدة صراع، مما يسهل اختراق أفرادها من قبل الجماعات المختلفة.

انهيار العملية التعليمية: تتحول الجامعات من منابر للتحرر العقلي -كما نادى باولو فريري في كتابه "تعليم المقهورين"- إلى مؤسسات متهالكة تفتقر للمعايير، حيث تنتشر "تجارة الشهادات" ويسود "الهدر المعرفي"، مما ينتج أجيالاً تمتلك المؤهلات وتفتقر للوعي النقدي.

تزييف الوعي الإعلامي: يتحول الإعلام إلى أداة للسيطرة على العقول عبر نشر السطحية وتغييب الحقائق، مما يخدم توجهات السلطة في بناء "مجتمع الفرجة" الذي ينشغل بالهوامش عن الجواهر.

أيديولوجيا التطرف كاستجابة للرخاوة المؤسسية

يطرح الواقع تساؤلاً حول ما إذا كان التطرف هو السبب في تشويه الحياة الاجتماعية أم هو نتيجة لهذا التشويه. تشير القراءات النقدية إلى أن غياب سيادة القانون يخلق "مناطق رمادية" وجيوباً اجتماعية لا تصلها سلطة الدولة، مما يجعلها ملاذاً آمناً للتنظيمات المتطرفة.

المظلومية والعدالة البديلة

عندما يفشل النظام القانوني الرسمي في حماية الحقوق، ينمو شعور حاد بـ "المظلومية الاجتماعية". هنا تقدم الجماعات المتطرفة نفسها كـ "مخلص" يوفر منظومة قانونية موازية. إن الفرد في الدولة الرخوة لا ينجذب للتطرف إيماناً بأيديولوجيته بقدر ما ينجذب إليه بحثاً عن "يقين زائف" أو "عدالة مفقودة" في ظل دولة عاجزة.

الهندسة الاجتماعية السلبية: الوعي المأزوم كاستراتيجية بقاء

تشير التحليلات العميقة إلى الانتقال من اعتبار التشويه "فشلاً تقنياً" للدولة، إلى اعتباره "استراتيجية بقاء". تبرز هنا فكرة "الهندسة الاجتماعية السلبية" التي تسعى لإعادة صياغة المجال العام لضمان عدم قدرة المجتمع على الفعل التغييري من خلال:

التجهيل كأداة للضبط السياسي: عبر إغراق المجتمع في صراعات هوية ثانوية (طائفية، فئوية) لضرب الوعي السياسي الذي يُعتبر العدو الأول للنظم المأزومة.

تفريغ الإرادة (الاستلاب): تحويل المواطن من "فاعل سياسي" إلى مجرد "زبون" يبحث عن إشباع حاجاته الاستهلاكية، مما يفقده استقلاله الذاتي وكرامته، وهو ما ينسجم مع أطروحة إتيان دي لا بويسي حول "العبودية المختارة".

الاستغراق في الواقع الافتراضي: استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ليس كأدوات للتحرر، بل كقنوات لنشر التفاهة وتزييف الواقع، حيث يبدو القهر وكأنه خيار ذاتي أو قدر لا مفر منه.

إدارة مدركات الفساد والشرعية

تستخدم الأنظمة السلطوية "مدركات الفساد" كأداة سياسية؛ فهي قد تسمح بانتشار الحديث عن الفساد لزعزعة الثقة في البدائل السياسية، أو لتبرير إجراءات استثنائية وقمعية بدعوى "محاربة الفساد". هذا التلاعب يساهم في خلق شعور عام بالعدمية واللاجدوى، مما يُنتج مواطناً يفضل "الخلاص الفردي" على "الفعل الجماعي".

الوعي السياسي الجمعي: من التأزم إلى التحرر

إن الخروج من حالة "الوعي المأزوم" يتطلب بناء وعي جمعي فاعل قادر على الفصل بين "الدولة" ككيان وطني دائم و"النظام" كإدارة سياسية مؤقتة. هذا الوعي يتطلب ما يسميه يورغن هابرماس "الفعل التواصلي"، الذي يقوم على الحوار العقلاني والشفافية لإعادة بناء المجال العام المخطوف.

 ترميم النسيج المهترئ

إن تشويه الحياة الاجتماعية في الدولة الرخوة ليس حادثاً عرضياً، بل هو نتاج تآزر مدمر بين أيديولوجيات التطرف واستراتيجيات سلطوية تعمد إلى هندسة "وعي مأزوم". ومع ذلك، فإن هذه الحالة ليست قدراً محتوماً؛ فبناء الوعي السياسي، وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة الفاعلة، والتمسك بسيادة القانون، هي الأدوات الوحيدة القادرة على ترميم النسيج الاجتماعي وبناء دولة تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه. إن التحدي الأكبر يكمن في كسر حاجز الخوف والجهل، والانتقال من حالة "الخلاص الفردي" إلى حالة "الفعل الجماعي" الذي يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

***

غالب المسعودي

.......................

المراجع

ميردال، غونار (1968): الدراما الآسيوية: بحث في فقر الأمم.

المسيري، عبد الوهاب (2002): العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية، دار الشروق.

فريري، باولو (1970): تعليم المقهورين، ترجمة يوسف نور عوض.

دي لا بويسي، إتيان (1576): مقال في العبودية المختارة.

فوكو، ميشيل (1975): المراقبة والمعاقبة، (في سياق تحليل السلطة الحيوية).

في سياق الجهد الفكري والمعرفي الذي بذله المفكر الجزائري مالك بن نبي، على فحص وتحليل ظاهرة الاستعمار ولقد أبدع بن نبي حينما صاغ مفردة ومفهوم {القابلية على الاستعمار} وأن هذه القابلية هي التي تهيإ الأرضية والمناخ السياسي والاجتماعي للقبول الفعلي بالحركة الاستعمارية. وانه لا يمكن مواجهة الاستعمار مواجهة فعلية وحقيقية بدون إنهاء حالة القابلية للاستعمار في نفوس وعقول الناس. ولقد اعتبر هذا المفهوم مثابة المفتاح السياسي لفهم الكثير من الظواهر والممارسات التي رافقت الاستعمار في العديد من البلاد العربي ة والإسلامية. وانطلاقا من مضمون هذا المفهوم الذي صاغه بن نبي، نتمكن من فهم العديد من الظواهر التاريخية والاجتماعية والسياسية في البلدان العربية والإسلامية. ولو تأملنا في كل الظواهر السياسية التي سادت في المنطقة العربية نتمكن من فهمها بشكل دقيق من خلال العدة النظرية والمفهومية التي صاغها بن نبي حين الحديث عن القابلية على الاستعمار. بحيث أضحت هذه العدة النظرية بمثابة خريطة الطريقة لفهم العديد من الظواهر السياسية والاجتماعية في الفضاءين العربي والإسلامي. وفي سياق ابتلاء المنطقة العربية والإسلامية اليوم بظاهرة الطائفية وقدرة هذه الظاهرة الخطيرة على تمزيق كل المجتمعات والشعوب، لنتمكن من دحر خطر هذه الظاهرة أو الحد من غلوائها من دون العمل على تفكيك حالة القابلية الموجودة في النفوس والعقول للانخراط في الفعل والممارسة الطائفية. ولا يمكن على المستوى الواقعي من مواجهة الطائفية بكل صورها وأشكالها، إلا بإنهاء وتفكيك ظاهرة القابلية إليها والخضوع إلى مقتضياتها. ولو تعمقنا في ظاهرة الممارسات الطائفية، لوجدنا إن أكثر المتورطين بهذه الممارسات يحملون القابلية النفسية والثقافية للانخراط في كل الممارسات الطائفية. وان هذه الممارسات لن يتمكن احد من إنهاءها إلا بتفكيك ظاهرة القابلية النفسية والثقافية للانخراط في السلوك والممارسات الطائفية. ولكي تتضح كل أبعاد هذه القابلية، سنحاول أن نوضح هذه الأبعاد من خلال النقاط التالية:

1.  واهم من يعتقد انه يدافع عن حقوقه وذاته الاجتماعية حينما يخرط في الفعل والممارسة الطائفية. لان الخضوع للفعل الطائفي هو احد مصادر تضييع الحقوق. ومن ينخرط في الممارسة الطائفية بدعوى الدفاع عن الذات وحقوقها، هو يوفر المناخ المؤاتي لإنهاء أو تدمير كل خطوط الدفاع عن الذات وحقوقها ومصالحها. الطائفية مرض خطي در ف ك ل أح وال ه ا وظروفها، ولا يمكن أن تدافع عن مجتمع بإسقاطه فمرض الطائفية. فالأمراض لا تدافع عن الحقوق والمصالح. لذلك نهب بكل الإفراد والمجتمعات الذين يطمحون إلى الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، لعدم الوقوع في رذيلة الطائفية. لان هذه الرذيلة تدمر كل ممكنات الانعتاق من كل هذه الأمراض التي تدمر كل المناخ الصحي الذي يحفظ الحقوق والمصالح للجميع. ومن يعتقد انه حينما يخضع للمقولات الطائفية هو يدافع عن حقوق جماعته ومصالح مجتمعه هو يزيف وعي الجميع. من يريد أن يدافع عن جماعته ومجتمعه، عليه أن يطهر نفسه وعقله من كل جراثيم الطائفية.

2.  من هنا تتأكد الحاجة النفسية والمعرفية للانعتاق من كل الممارسات الطائفية سواء كانت هذه الممارسات تنتمي إلى حقل الطائفية الناعمة أو تنتمي إلى حقل الطائفية الصلبة أو الخشنة. والمجتمع الذي يخضع لكل المقولات الطائفية هو يمارس التدمير الذاتي ويساهم بشكل مباشر في تنمية كل عوامل الفرقة والتشظي في حياته الداخلية. الطائفية مرض خطير ووجود غلبة لهذا الطرف أو ذاك، أو وجود ممارسة طائفية من هذا الطرف أو ذاك، ينبغي أن لا يشجع احد على الوقوع في مهاوي الطائفية. فلنعمل بوعي وحكمة لتطهير نفوسنا وعقولنا من كل جراثيم الطائفية ومن خلال عملية التطهير نتمكن من تحصين واقعنا الاجتماعي والثقافي من الوقوع في مهاوي الطائفية. ونقولها بصراحة تامة، لا تعالج المشاكل الطائفية بصنع مشكلات مماثلة ومقابلة للطرف الذي يؤجج الأزمات الطائفية. الطائفية بكل رموزها وزخمها التمزيقي، لا تدافع عن حق أو مجتمع ومن يعتقد أنه لا يمكن وقف صعود هذه القوة أو تلك بإشغالها بالأزمات الطائفية، هو يعمل بدون وعي على توسيع دائرة الحريق في الأمة والمجتمعات العربية والإسلامية.

بعيدا عن التلاوم المتبادل وتوزيع تهم من بدأ ومارس الطائفية ومن ذهب إليها كردة فعل. نقول بعيدا عن هذا التلاوم الذي يؤكد المنطق الطائفي ولا يتحرر منه. تعالوا معا نبرأ لله سبحانه تعالى من كل الممارسات الطائفية ونقف معا على أرضية احترام التنوع الموجود في الأمة مع صيانة عزة الأمة ووحدتها الداخلية. فالطائفية قيد على الجميع، ولا يمكن أن نعتقد أن القيود تحقق انتصارات أو مكاسب. وجود ممارسات طائفية ينبغي أن لا يدفعنا إلى الخضوع إلى المنطق الطائفي بل على العكس ينبغي أن يدفعنا على

التعالي على كل الجراحات المذهبية والطائفية. بهكذا ممارسة نفكك كل عناصر القابلية النفسية والثقافية للخضوع للمنطق الطائفي. وان التساهل مع الحرائق الطائفية سيدمر كل عوامل الوحدة والتماسك في كل مجتمعاتنا العربية والإسلامية. وعليه فإن كل من يريد أن يحافظ على وحدة وطنه ومجتمعه، عليه أن يعمل نفسيا وثقافيا لتحرير مجتمعنا من كل سمات القابلية على التطرف والطائفية، فهو سبيلنا للتحرر من كل موبقات الطائفية ومتوالياتها المدمرة لكل أسباب الاستقرار السياسي والاجتماعي.  

***

محمد محفوظ

 

في قصة كافكا (أمام القانون)، وردت المحاورة الآتية:

(أمام القانون يجلس حارس البوّابة، يأتي إلى هذا الحارس رجلٌ من الريف يطلب منه الدخول على القانون.

لكنّ حارس البوّابة يقول إنه لايستطيع منحه حقّ الدخول في الوقت الحالي.

يفكّر الرجل في الأمر، ثم يسأله عمّا إذا كان سيسمح له بالدخول في وقتٍ لاحق.

(هذا ممكن) يقول حارس البوّابة، (ولكن ليس في الوقت الحالي). ......

.... جرّب الدخول بالرغم من ممانعتي

ولكن انتبه، أنا قويٌ للغاية، أنا حارس بوّابة متواضع فحسب.

ولكن ما بين غرفة وأخرى يوجد حًرّاس بوابة، كلٌ واحدٍ منهم أقوى من الآخر. لايمكنني تحمّل نظرة واحدة فقط من الحارس الثالث).

لم يتوقّع الرجل الريفي مثل هذه الصعوبات: من حقّ الجميع الوصول إلى القانون، ويجب أن يكون ذلك سهلاً وفورياً، كما يعتقد.(1)

اذاً حسب كافكا، الأديب ورجل القانون، هنا محل الشرح الكافي؛ فإن الريفي (المواطن البسيط الخال من الثروة والنفوذ) يريد ان يحصل على الإنصاف عبر القانون ولكن هناك (حراس متعددون) وطرق (اجراءات) وعرة يجب ان يقطعها ليمضي في طريقه للوصول الى الإنصاف.

السؤال هنا؛ هل الطريق الى الإنصاف يجب ان يكون منصفاً ايضاً اخذاً بالاعتبار (الحياد الإجرائي والكرامة الإنسانية؟) ام أن الامر لايهم مادام ان المواطن سيحصل على حقه في النهاية.

مجلس الدولة الفرنسي الذي رغم رفضه مراراً اعتبار الآداب العامة عنصراً من عناصر النظام العام (2)، حتى لا تتوسع صلاحيات الشرطة والإدارة وتحد من حريات المواطنين، ولكنه في عهد قريب، اضاف عنصراً رابعاً هو (حفظ الكرامة الإنسانية) كقاعدة عامة في الاجراءات الادارية والرقابة على الإعلام والاعمال الفنية والأدبية. (3)

لكي نستوعب الفكرة التي تتحدث عن الإنصاف في الإجراءات، هنا لابد ان نبدي بعض الملاحظات:

إذا أصدر القاضي حكماً لصالحك او ليس في صالحك في شكوى ضدك بسبب مخالفتك للقانون، أو اذا اوقفك رجل المرور وقام بتغريمك بسبب وقوفك في مكان ممنوع الوقوف فيه، واذا راجعت جهة ادارية طلباً لوثيقة معينة وقامت بمنحك اياها او امتناعها لسبب قانوني،

وإذا كنت استاذاً جامعياً وقدمت بحثاً للترقية، وقُبل بحثك أو طلب منك اعادة النظر فيه موضوعياً او شكلياً ...،

فإن ما حصل انما يدخل في نطاق العدالة الموضوعية (4)، ولو من حيث الظاهر.

ولكن ماهي العدالة الإجرائية؟

لو رجعنا الى مثال رجل المرور الذي قام بتغريمك فالعدالة الاجرائية هي فعل سابق للحكم بالغرامة، فالعدالة الإجرائية تتمثل بالإجابة على الاسئلة التالية:

هل عاملك بإحترام؟، هل كانت هناك علامة مرورية تمنع الوقوف في هذا المكان؟ هل سألك عن سبب وقوفك في مكان ممنوع (فقد يكون سبب الوقوف هو عطل السيارة)... في النهاية هل كان رجل المرور محايداً غير متحيز، بمعنى هل عاقبك بينما مرر المخالفين الآخرين دون عقوبة؟

الإجابة على هذه الأسئلة هي في الواقع تشكل بمجموعها ما يعرف بالعدالة الاجرائية التي تسبق النتيجة.

ما هي فلسفة وأهمية العدالة الإجرائية؟

تشير فكرة مفهوم العدالة الإجرائية إلى أن معاملة الناس بإنصاف وعدل خلال الإجراءات القضائية والإدارية وغيرها من المعاملات الروتينية تعزز التصورات الإيجابية لهذه الأجراءات، بغض النظر عن النتيجة.

ويؤكد هذا المفهوم على الاحترام، والمصداقية، والحياد، والإستماع بشكل كاف للآراء عند اتخاذ القرارات واتباع الإجراءات، مما يساعد في نهاية المطاف على بناء الثقة وتعزيز مفاهيم العدالة.

وبطبيعة الحال يمكن تطبيق العدالة الإجرائية في مختلف الأنظمة التي تتخذ فيها الشخصيات ذات السلطة القرارات، كما هو الحال في علاقات العمل بين أصحاب العمل والعمال والموظفين، والنزاعات في البيئات التعليمية، ونظام العدالة، ومرتكز الشرطة والمؤسسات العقابية.

وعندما يشعر الناس بأنهم قد عوملوا بإنصاف واحترام أثناء عملية صنع القرار، فإن ذلك يتمم بناء الثقة والامتثال للقانون والإجراءات

اصل مفهوم العدالة الاجرائية:

طُرح مفهوم العدالة الإجرائية لأول مرة كمفهوم نفسي في أوائل سبعينيات القرن العشرين. وكان علماء النفس جون ثيبو، ولورنس ووكر، وتوم آر. تايلر من أوائل الخبراء الذين طرحوا هذه الفكرة على الرأي العام. وقد قاموا بتحليل تجريبي للإجراءات المستخدمة في حل النزاعات الجنائية، بما في ذلك التحكيم والفصل في القضايا، وسرعان ما بدأوا في إيجاد روابط ارتباطية مثيرة للاهتمام بين التكتيكات المستخدمة أثناء التحكيم والفصل في القضايا، وردود الفعل الذاتية للأفراد المعنيين بتلك التفاعلات.

وبدأ الباحثون بدراسة هذه التفاعلات، وخلصوا في النهاية إلى أن الممارسات العادلة والنزيهة من قبل الأشخاص ذو السلطة ترتبط بردود فعل أكثر إيجابية من الأشخاص الذين يتعاملون معهم.

وبمرور الوقت وانتشار البحث في هذه المسألة، أدرك الباحثون الذين يدرسون هذه الظاهرة أن الطريقة التي تُدار بها القضايا في المحاكم من قِبل السلطات القضائية مثلاً، لها تأثير كبير على ردود فعل الأشخاص الذين يلجؤون إلى النظام القضائي.

فإذا شعر الناس أن قضاياهم تُعالج بنزاهة وحياد، ستكون ردود أفعالهم إيجابية، مما يُعزز شعورهم بشرعية النظام، ويؤمنوا بالنتائج ولو لم تكن لصالحهم.

أما إذا شعروا أن قضاياهم تُعالج بظلم وبتحيز، فستكون ردود أفعالهم سلبية تجاه النظام، مما يُفقده شرعيته، باعتبار ان الشرعية تستند على القبول الشعبي (الشعب مصدر السلطات).

في هذه الحالات، لم يتناول الباحثون مسألة فوز الفرد في القضية من عدمه، بل تناولوا فقط كيفية إدارة قضيته، وقد أطلقوا على هذه الدراسة اسم "العدالة الإجرائية"، او الإنصاف الأجرائي.

نتائج العدالة الإجرائية:

عندما يشعر الأفراد الذين يتعاملون مع نظام العدالة بأنهم يُعاملون بإنصاف وأن لهم صوتاً مسموعاً في العملية، فمن المرجح أن يقبلوا النتائج القانونية، ويمتثلوا لأوامر المحكمة، ويتبعوا القانون في المستقبل - بغض النظر عن نتيجة قضيتهم.

اذ يتناول مفهوم العدالة الإجرائية فكرة العمليات العادلة، وكيف يتأثر إدراك الناس بالعدالة بشكل كبير بجودة تجاربهم، وليس فقط بنتائجها النهائية.

وقد طُبقت نظرية العدالة الإجرائية في سياقات متنوعة، تشمل علاقات مشرفي العمل بالموظفين داخل المؤسسات الصناعية، والمؤسسات التعليمية، ونظام العدالة الجنائية، والمؤسسات العقابية.

وفي سياق العدالة الجنائية، ركزت معظم أبحاث العدالة الإجرائية على تفاعلات المواطنين مع الشرطة.

تخيّل هذا الموقف للحظة: سائقٌ أوقفه شرطي. ما الذي يُحدّد انطباع السائق عن هذه التجربة؟

أظهرت دراساتٌ واسعة النطاق أن انطباع السائق عن جودة هذا اللقاء لا يعتمد كثيرًا على نتيجته، أي ما إذا كان قد تلقّى مخالفةً أم لا، بل يعتمد أكثر على ما إذا كان قد شعر بأنه عُومل بطريقةٍ عادلةٍ إجرائيًا.

يعتقد علماء النفس ان تصورات الأفراد عن المواجهات العادلة إجرائياً تستند إلى أربعة سمات أساسية لتفاعلاتهم مع السلطات القانونية،

1- حرية التعبير: هل أُتيحت لهم فرصة التعبير عن آرائهم أم لا؟

ويُقصد بحرية التعبير الشعور بأن صوتهم مسموع. فالأفراد الذين يمرون عبر النظام القضائي يرغبون في الشعور بأن لديهم فرصة لسرد قصتهم وإسماع وجهة نظرهم.

ويؤكد أنصار العدالة الإجرائية أن أهمية حرية التعبير هي السبب وراء استمرار شعبية الإجراءات غير الرسمية في نظام الوساطة لحل النزاعات بين الافراد(5).

كما يرون أن فرص الأفراد في الدفاع عن أنفسهم أمام المحكمة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بشعورهم بالرضا بغض النظر عن الحكم النهائي للقاضي.

2- الحياد: أي فما إذا كان صانع القرار محايداً وشفافاً؟

يُشير الحياد إلى الثقة في أن الموقف سيُعالج بطريقة عادلة ونزيهة، والإعتقاد بأن القضاة سيتخذون قرارات غير متحيزة. والمعتاد ان يطبق القضاة المحايدون حول العالم القانون بشكل متسق طوال مسيرتهم المهنية، ويتصرفون بشفافية وانفتاح. ونادراً ما يقدمون استثناءات خاصة، وتستند آراؤهم في الغالب إلى المبادئ، لا إلى الآراء الشخصية.

3- الإحترام: هل عوملوا بكرامة واحترام؟ يشير الاحترام إلى المشاعر التي يُثيرها المسؤولون في نفوس الحاضرين في المحاكم، وأهمية التحلي باللباقة والاعتراف بحقوق الافراد.

ويرى أنصار العدالة الإجرائية أن ضباط الشرطة والقضاة ورجال الادارة يمثلون الدولة في تعاملهم مع المواطنين، إذ يملكون القدرة على إظهار تقدير الدولة لهم وجدارتهم بالاحترام.

ولتحقيق ذلك، يتعين على افراد السلطات العامة معاملة المواطنين بلطف واحترام في جميع مراحل الإجراءات القانونية والإدارية، مع احترام حقوقهم القانونية والإنسانية عند لجوئهم إلى المحاكم والجهات الادارية.

وبذلك، يستطيع ضباط الشرطة وموظفو المحاكم إظهار أن الدولة ستأخذ مشاكل المواطنين على محمل الجد وستتعامل مع قضاياهم بنزاهة.

4- الثقة: أي فيما إذا كان صانع القرار قد أبدى دوافع جديرة بالثقة؟ يشير مفهوم الثقة إلى تقييم المواطنين للشخصية الحقيقية لصناع القرار.

وترتبط الثقة ارتباطًا وثيقًا بإتاحة الفرصة للتعبير عن الرأي. فمن المرجح أن يثق الأفراد الذين يمرون عبر النظام القضائي في نزاهة القضاة ورجال الشرطة إذا شعروا بأن آراءهم ووجهات نظرهم مسموعة.

ولتعزيز هذه الثقة، يسعى القضاة ورجال الادارة والشرطة إلى إظهار الإخلاص والاهتمام.

وينبغي عليهم أن يكونوا صريحين بشأن أسباب قراراتهم، وأن يجيبوا المواطنين بصدق على استفساراتهم.

كما أن بناء علاقة إيجابية معهم قد يساعدهم على إقناع المواطنين بأنهم يعملون لمصلحة الجميع.

ويرى أنصار العدالة الإجرائية أن تعزيز الشعور بهذه المبادئ الأربعة أثناء مرور الأفراد عبر النظام القضائي والاداري والتعليمي والمهني يرتبط بزيادة الإيجابية تجاه هذه التجربة.

ويؤمن أنصار العدالة الإجرائية بأن ضباط الشرطة والقضاة الذين يسعون جاهدين لتحقيق معاملة عادلة للأفراد المنخرطين في النظام القضائي سيشهدون تحسناً ملحوظاً في علاقاتهم مع مجتمعاتهم. في المقابل.

خصوم العدالة الجنائية

تتمثل خصومة فكرة العدالة الإجرائية في انتقادها بأنها تركز بشكل مفرط على "كيفية" اتخاذ القرارات ونزاهة العملية (الحياد، الصوت، الاحترام) بدلاً من "عدالة النتيجة النهائية"، ويرى هولاء النقاد أن الالتزام الشكلي بالإجراءات قد يؤدي إلى نتائج غير عادلة موضوعياً، حيث يفضل البعض عدالة النتيجة على سلامة الإجراء.

ويرد على انتقاد الخصوم من ناحيتين؛

أ- لاينبغي ان ينظر الى قواعد العدالة الإجرائية على انها مجرد قواعد شكلية، بل هي في الواقع تمثيل حقيقي لفكرة أن الغاية لا تبرر الوسيلة، حتى لو كانت الغاية هي تحقيق العدالة، ذلك ان العدالة لاتتجزأ لاشكلاً ولا موضوعاً، فهي سياق ثابت يحب ان تنتهجه الدولة وجميع مؤسساتها بشكل دائم ومستقر.

ب- أن العدالة الإجرائية تُشعر الأفراد بالرضا عن النظام القانوني لحيادية تعامله معهم، حتى لو كانت النتيجة ضدهم، مما قد يقلل من حافزهم للمطالبة بـ "العدالة التوزيعية" أو الموضوعية.

آثار العدالة الإجرائية:

على مدى عقود، أثبتت الأبحاث أن العدالة الإجرائية أساسية لبناء الثقة وتعزيز شرعية سلطات إنفاذ القانون داخل المجتمعات. ولذا، فإن لها آثارًا بالغة الأهمية على كلٍ من السلامة العامة وكفاءة الحهاز القضائي ورجال الإدارة والشرطة، والرضا العام عن ادائها.

تطبيقات العدالة الإجرائية

1- العدالة الإجرائية في سوح القضاء:

العدالة الإجرائية في سوح القضاء ليست مجرد تطبيق شكلي، بل هي جوهر "العدالة الطبيعية" التي تضمن حياد القاضي.

وتتمثل بشكل اساسي بتطبيق قواعد وإجراءات عادلة، محايدة، وشفافة خلال مراحل التقاضي كافة، لضمان أن جميع الأطراف قد عوملت بشكل عادل ولائق ومتساو بغض النظر عن مراكزهم السياسية والإجتماعية او انتماؤهم القومي او الطائفي.

وكان مبداً حسن استماع القاضي لأطراف الدعوى حاضراً، وانه تم التحقق من صحة الإجراءات مثل أوامر القبض أو التفتيش من ومدى شرعيتها، لتعزيز الثقة في القضاء، فضلاً عن التزام اطراف الدعوى بالشفافية والامانة الإجرائية والكشف عن الحقيقة، وعدم الكيد أو الغش الإجرائي من الخصوم أو الوكلاء. حيث يؤدي احترام الإجراءات إلى قبول الأفراد للحكم بغض النظر عن النتيجة النهائية..

2- العدالة الإجرائية في المؤسسات التعليمية ويقصد بالعدالة في هذا المقام، مدى شعور الاساتذة والطلبة بإلانصاف بالمعاملة في الإجراءات المتخذة التي تسبق القرارات الإدارية، وهل كانت مبنية على معايير ثابتة وشفافة وغير متحيزة، وفق مبدأ تكافؤ الفرص مثل قرارات الترقية والتقييم والبعثات الدراسية والإجراءات المتبعة التي تسبق الإمتحانات والشفافية في التقييم وشرح الأسس والمعايير التي تم بناءً عليها منح الدرجات أو المكافآت او الترقيات، وحق التمثيل والمشاركة في مجالس الكليات صنع السياسات التعليمية والمشاركة في المؤتمرات المحلية والدولية وهل وان الاجراءات قد طبقت بأسلوب متسق مع التركيز على "كيفية" اتخاذ القرار وليس فقط نتيجته.

ان الأجراءات العادلة تقلل من ضغوط العمل وتؤدي إلى بيئة أكثر استقراراً، وتزيد من التزام الاساتدة والارتباط الأكاديمي للطلاب.

وتعد العدالة الإجرائية مكوناً جوهرياً في العدالة التنظيمية الشاملة داخل المدارس والجامعات، حيث تضمن استمرارية العملية التعليمية وتطورها.

3- العدالة الإجرائية في بيئة العمل:

هي ضمان تطبيق سياسات وقرارات عادلة، شفافة في بيئة، والتي ينبغي ان تكون مبنية على معايير موضوعية، وان القرارات اتخذت بناءً على بيانات ومعلومات موثوقة وموضوعية، لا الآراء الشخصية مثل الإجراءات المسبقة في توزيع المهام، أو انهاء العقود، او تحديد الأجور المستحقة حسب الكفاءة والقدم.

ويركز هذا المفهوم على "كيفية" اتخاذ القرارات بدلاً من "نتائجها" فقط، مع وجود آليات للتظلم أو مراجعة القرارات في حال حدوث خطأ، مما يعزز ثقة الموظفين والعمال مما يرفع معنوياتهم، ويقلل من دوران العمل، حيث يقبل الموظفون القرارات التي تقرر لغير صالحنم إذا اعتقدوا أن العملية التي أدت إليها كانت عادلة.

تبني العدالة الإجرائية يبني الثقة بين الموظفين والإدارة ويؤدي الى تقليل النزاعات والشكاوى، ذلك ان الإجراءات الواضحة تقلل من الشعور بالظلم والاعتراضات.

وبذلك يشعر الموظفون بأنهم أعضاء قيّمون، مما يزيد ولاءهم للمؤسسة، ويشجعهم على تقديم أفضل ما لديهم.

4- العدالة الإجرائية في مراكز الشرطة والاعتقال:

وهو نهج يركز على إنصاف الإجراءات المتخذة ضد المشتبه بهم، وليس فقط النتائج.

ترتكز على معاملة الأفراد بكرامة واحترام، الحياد، إتاحة الفرصة للموقوفين للتعبير عن وجهة نظرهم، وإظهار دوافع جديرة بالثقة، مما يعزز شرعية الشرطة وثقة الجمهور.

فبينما تثير الإنتهاكات التي يرتكبها ضباط الشرطة مثلاً المواقع الأجتماعية، كما وتحظى بتغطية إعلامية واسعة، انعدام الثقة وتُقوّض الشرعية، ومع ازدياد حجم الأبحاث حول العدالة الإجرائية، بات من الواضح أنه بالتدريب، يمكن لهذا المفهوم أن يترسخ على المستويين الفردي والمؤسسي، وتعزز العدالة الإجرائية جهود المؤسسات في ترميم العلاقات المجتمعية المتوترة من خلال إرساء أسس الشرعية، ونتيجة لذلك، تُعد العدالة الإجرائية أداة فعّالة في تعزيز الأمن العام.

تتضمن العدالة الإجرائية في الاعتقال والاحتجاز عدة مبادئ أساسية:

الاحترام والكرامة: معاملة جميع الأفرادبكرامة بغض النظر عن سلوكهم.

الحياد والشفافية: اتخاذ قرارات غير متحيزة قائمة على الوقائع، مع توضيح أسباب الاحتجاز.

صوت الموقوف: منح الأفراد فرصة للمشاركة والتعبير عن مخاوفهم دون مقاطعة.

وإبلاغ الشخص بحقه في الصمت والاستعانة بمحامٍ.

مع إبلاغ المعتقل بأسباب الاعتقال فوراً، وتسجيل التوقيف، وتوفير محامٍ.

ومن ثم عرض المشتبه به على السلطة القضائية خلال مدة محددة في القانون

كما يعد استخدام القوة المفرطة انتهاكاً خطيراً لهذه الإجراءات، ويُعتبر الهدف النهائي هو حماية الحقوق الدستورية وضمان أن تكون الإجراءات عادلة ونزيهة في كافة المراحل.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب السابق لرئيس هيئة النزاهة الاتحادية

..........................

(1) درس كافكا القانون وحصل على الدكتوراه في القانون، كان يأخذ إلى جانب ذلك فصول في تاريخ الفن،

كما أنه انضم إلى نادي طلابي عُرف باسم «قاعة قراءة ومحاضرات الطلاب الألمان» عمل هذا النادي على تنظيم عدد من النشاطات الأدبية. مع نهاية العام الأول في الدراسة كان كافكا قد ألتقى بماكس برود، وهو زميله في دراسة القانون الذي أصبح بعد ذلك صديقه المقرب مدى الحياة، وهو الذي نشر اعمال كافكا رغم وصية الآخير بحرقها.

(2) كان القضاء الإداري الفرنسي يقر ثلاث عناصر للنظام العام (الأمن العام، الصحة العامة، والسكينة العامة).

(3)أقر مجلس الدولة الفرنسي بصفة صريحة عنصر "الكرامة الإنسانية" كأحد عناصر النظام العام المعنوي، مستقلاً عن الآداب العامة، في قضية "قذف الأقزام" في بإقرار قرار رئيس بلدية مورسانك - سور الشهيرة بتاريخ 27 أكتوبر 1995. هذا الحكم مكّن السلطات الإدارية من منع أنشطة، حتى لو وافق عليها الفرد، إذا كانت تحط من كرامته البشرية.

(4) العدالة الموضوعية (Substantive Justice) هي المفهوم الذي يركز على عدالة النتائج النهائية، ونزاهة المضمون (الحق، العقوبة، أو التعويض) بدلاً من مجرد الالتزام الحرفي بالإجراءات القانونية، وتهدف إلى تحقيق "روح القانون" لضمان توزيع الحقوق والمسؤوليات بشكل عادل، مراعية الظروف الفردية، وتختلف عن العدالة الإجرائية التي تركز على خطوات التقاضي.

(5) تعد الوساطة طريقة غير رسمية، تختلف عن التحكيم، لحل المنازعات بين الأشخاص بمساعدة وسيط محايد حاصل على تدريب عن مساعدة الأشخاص على مناقشة خلافاتهم. لا يحدد الوسيط من هو الشخص المخطئ أو المصيب، ولا يُصدر قرارًا.

ما هي إجراءات تسوية المنازعات البديلة المنصوص عليها في المادة 89 من قانون الإجراءات المدنية؟

تشير المادة 89 إلى خمسة أنواع من إجراءات تسوية المنازعات البديلة، تتكون من عملية واحدة؛ وهي عملية التحكيم (التحكيم) وأربع عمليات تفاوضية (غير تحكيمية) وهي: التوفيق، والوساطة، والتسوية القضائية، ومحكمة لوك أدالات. وت(انظر المادة 89 (2) (ج) من قانون الإجراءات المدنية بصيغتها المعدلة بالتفسير القضائي في حكم أفكون).

ما هي أنواع الوساطة؟ هناك نوعان من الوساطة:

أ-الوساطة المُحالة من المحكمة - تنطبق على القضايا المنظورة أمام المحكمة والتي

تُحيلها المحكمة للوساطة بموجب المادة 89 من قانون الإجراءات المدنية (الفرنسي) لعام 1908.

ب- الوساطة الخاصة - في الوساطة الخاصة، يُقدم الوسطاء المؤهلون خدماتهم على أساس خاص، مقابل رسوم، للمحكمة، ولأفراد الجمهور، ولأفراد القطاع التجاري، وكذلك للقطاع الحكومي لحل النزاعات من خلال الوساطة. يمكن استخدام الوساطة الخاصة فيما يتعلق بالنزاعات المنظورة أمام المحكمة والنزاعات قبل التقاضي.

(Procedural Justice) 2026

مفهوم "مسلم" الذي تتأسس عليه الدولة الدينية يختلف عن مفهوم "مواطن" الذي تتأسس عليه الدولة الحديثة. المفهومان ينتميان إلى سياقين متغايرين، ويتحدثان لغتين مختلفتين، لا يلتقيان في رؤيتهما للعالم، ولا في شبكة دلالات كل منهما. الدولة الدينية تستند إلى التفسير الكلامي والفقهي للدين، الذي يصنف الناس إلى مراتب وفئات، ويمنح كلًا منهم موقعًا في تراتبية الراعي والرعية، على وفق نظام هرمي، يجري فيه تمييز في القانون والحقوق والحريات، إذ يصنف الرعية حسب دينهم، وجنسهم، وكونهم أحرارًا أو رقيقًا، مضافًا إلى منح الراعي "الخليفة" حريات مطلقة غير مقيدة بدستور ولا قانون، وسلبها عن الرعية. أما دولة المواطنة الحديثة فتقوم على القانون والحقوق والحريات، وتتأسس على مبدأ المواطنة، لا على الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي. لا تسأل الفرد عن إيمانه، ولا تحاكم ضميره، ولا تمنح امتيازًا لانتمائه الديني، بل تقوم على عقد اجتماعي تصونه القوانين، وتضبطه المؤسسات، وتكفل فيه الحرية والعدالة والمساواة لجميع المواطنين، وتكفل الحق لكل مواطن في أن يكون مختلفًا. لا رعية فيها بل مواطنون أحرار، متساوون في الكرامة والحقوق والحريات والمسؤوليات، كل على وفق إمكاناته ووظيفته. لا يساءل أحد عن دينه أو معتقده أو مذهبه أو قوميته. المواطنة تعني شراكة متكافئة في الانتماء إلى الوطن، يمتلك فيها كل مواطن النصاب الكامل في المواطنة، بوصفه إنسانًا له الحق في أن يعامل بالمساواة، وله الحق أن يكون مختلفًا، ومع ذلك تصان حريته وحقوقه، وتكفل كرامته بلا تمييز ولا تفضيل.

المجتمع كائن مركب، متعدد، متنوع، عميق، تطفو على سطحه اختلافات لا تنتهي في الفهم والمصالح والمواقف. تحقيق العدالة في هذا المجتمع لا يعني معناها الفقهي، بل يتطلب وعيًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا بالواقع، وتدبيرًا عقلانيًا لما يسهم في صيانة حقوق الإنسان وحرياته، وترسيخ سيادة القانون، وتكافؤ الفرص. مَن يفكر في بناء دولة مواطنة في مجتمعاتنا، على وفق أفق الفكر السياسي الحديث، لا بد له من استيعاب مفهوم "المجتمع" بمعناه السياسي الحديث، الذي يتأسس على رؤية لدولة حديثة تقوم على المواطنة، لا على الانتماءات الموروثة. المجتمع بهذا المعنى هو كيان سياسي يتوحد في إطار دولة واحدة، يعيش على أرض محددة، وينتظم تحت قانون واحد، حتى لو لم تتشارك مكوناته دينيًا أو مذهبيًا أو قوميًا أو في اللغة أو التراث الواحد. ما يجمع أفراد هذا المجتمع هو إرادة العيش المشترك، والتضامن في المصالح والمصائر، والالتزام بعقد اجتماعي ينظم العلاقة بين المواطنين والدولة، على قاعدة المساواة القانونية الكاملة، والحقوق المتكافئة التي لا تختزل في جماعة بعينها، ولا تشاد على هويات ما قبل الدولة. أما مفهوم "الأمة" في تراثنا فيحيل إلى جماعة يوحدها الإيمان بعقيدة دينية مشتركة، الهوية السياسية التي يتأسس عليها الانتماء إلى الأمة، في ضوء هذا التصور، هي الإيمان بالدين. في حين يرتكز المفهوم السياسي للمجتمع الحديث على وحدة الوطن، وسيادة القانون، والمساواة في الحقوق، والمصالح العامة المشتركة، لا على وحدة الدين أو العقيدة.

 سألت أحد كتّاب الدولة الدينية في بلد عربي: ما شكل الدولة التي تدعو لها، وتبشر في كتاباتك بضرورتها لحل مشكلات بلدك وبلادنا؟ فقال: إنها دولة الدين، لأن الدين، كما يرى هو، يحل كل مشاكلنا إذا طبقناه بإخلاص كما ينبغي. قلت له: ما المقصود بدولة الدين؟ قال: إنها دولة يتأسس نظام حكمها وسياساتها ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية والتربوية والتعليمية على أساس إسلامي، على نحو تكون أنظمتها كلها وقوانينها ومعاملاتها منبثقة من الدين. سألته: ماذا تعني بمنبثقة من الدين؟ قال: أعني أن تشريعاتها وقوانينها ونظمها منبثقة من الفقه وعلم الكلام. قلت له: الدولة التي تدار بالمقولات الاعتقادية لعلم الكلام القديم وأحكام الفقه التقليدي لا تعترف بمبدأ المساواة بين المواطنين، ولا تقوم على تكافؤ الفرص، بل تميز بين المسلم وغير المسلم، والحر والعبد، والرجل والمرأة، في الحقوق والحريات والمسؤوليات في دولة واحدة. هذا التمييز يفضي إلى نفي المواطنة الدستورية، ويقصي الانتماء إلى الأرض والمصالح المشتركة والمصير الواحد، بوصفها محددات لهوية المواطنة في الدولة الحديثة، ولا يتأسس على المساواة في الحقوق والحريات، ولا على فصل السلطات، ولا على التداول السلمي للسلطة.

 ثم شرحت له بوضوح: إن الدولة التي تحلم بها أنت وغيرك لا تمتلك مقومات بناء الدولة الحديثة وركائزها، ولا تتأسس على مفهوم المواطنة، بوصفها رابطة قانونية تكفل المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. لا تغير االتوصيفات المراوغة التي يتخذها بعضهم قناعًا لدولة دينية، بوصفها دولة إنسان، أو دولة حضارية، أو أية تسمية أخرى جذابة، من مضمون الدولة الدينية، مادامت تعتمد على مقولات علم الكلام القديم وأحكام الفقه التي تنفي الحقوق والحريات والمساواة بين المواطنين.

 فلت له: أنت تحلم بدولة تنتمي إلى عصور انتهت وصار الظلم والاضطهاد فيها تنزفه ذاكرة جريحة. تلك دولة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة، تلك الدولة لا تدري بأسئلة الإنسان اليوم ومتطلبات حياته المركبة المتنوعة، لأنها تستلهم أنظمتها من مقولات أنتجتها سياقات معرفية ودينية وسياسية واقتصادية واجتماعية غريبة على الواقع الذي يعيشه مواطن هذا العصر، فضلًا عن أنها تعكس رؤية سياسية لا تعترف بإرادة المواطن، ولا ترى الشعب مصدرًا للشرعية. الدولة التي تدار بعقل كلامي وفقهي تقليدي لا تؤمن بقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وحق الإنسان في أن يكون مختلفًا، ولا تتسع لاستيعاب التحولات الهائلة في هذا العصر، ولا تستجيب لتطلعات الإنسان المسلم واحتياجاته المتنوعة اليوم. إنها لا تبني وطنًا يتسع للمختلفين، ولا تقيم مؤسسات تضمن العدالة، ولا تنتج قانونًا يتساوى أمامه الجميع. دولة كهذه لا تؤسس دولة مواطنة حديثة، بل تكرس الانقسام، وتزيد من الاغتراب عن الزمن والواقع. أجابني بقوله: لدينا تراث ثري في الأحكام السلطانية والاقتصاد والأموال والإدارة والحسبة وغيرها، وراح يستعرض عنوانات مؤلفات كتبت في لإدارة وتدبير الخلافة ومؤسساتها. سألته: كيف يمكننا بناء دولة حديثة بتراث جرى تدوينه ليجيب عن أسئلة الماضي، ويحاول أن يقدم حلولًا لمشكلات وقعت في سياق دول الخلافة قبل قرون، وكان مؤسسًا على ثنائية الراعي والرعية، ويقصي ما أنتجه العلم والمعارف الحديثة، وما أنجزته البشرية من نظم وتشريعات تضمن الحقوق والحريات، وعلوم في الإدارة والسياسة والسلطة وخبرات في بناء الدولة وأنظمتها.

بعد كلام طويل، لم أجد عنده جوابًا، بل لجأ إلى التحدث بكلمات زئبقية تتخفى وراء ركام من الألفاظ المكررة، توحي بأنها تقول كل شيء، لكنها لا تقول شيئًا محددًا، ولا تفصح عن أي تصور واضح لدولة مواطنة حديثة، تضمن كرامة الإنسان وحقوقه وحريته ومساواته، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا. تأملت في كلامه فلم أعثر فيه على جواب لأي سؤال من أسئلتي، كان حديثه غارقًا في التباس وغموض لغوي وكلامي وفقهي، يفتقر إلى أي تصور واضح يمكن أن نحتكم إليه في معنى الدولة، أو صورة نظام حديث يتناغم مع متطلبات حياة الإنسان في هذا العصر.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

كل الأمم والشعوب تتطلع باستمرار الى تجديد شبابها وحيويتها، حتى يتسنى لها الوصول إلى غاياتها والحفاظ على منجزاتها ومكاسبها.. وتتعدد وتتنوع وسائل وأساليب تجديد شباب الأم والمجتمعات، باختلاف الظروف والأحوال.. إلا أن جميع الأمم والشعوب، يصرف النظر عن ظروفها وأحوالها، تعتقد أن أحد الوسائل الهامة لإنجاز وتحقيق هذه الغاية النبيلة هو الاهتمام النوعي والمؤسسي بجيلها الشاب.. فهو أحد الوسائل الحيوية لمشروع تجديد شباب المجتمع، كما أنه أحد الغايات النبيلة لأي مجتمع.. حيث تعمل جميع المجتمعات (بتفاوت) من أجل بناء المؤسسات والقيام بالخطوات الضرورية للاهتمام بالجيل الشاب..

ونحن كمجتمع لا نشذ عن هذا السياق، ونعتقد إننا باستمرار بحاجة ماسة إلى الالتفات إلى المشروعات الوطنية الخاصة بهذه الفئة الهامة والحيوية من مجتمعنا.

وذلك للعمل المستديم لخلق الأطر الفعالة لاستيعاب هذا الجيل، والعمل على توفير كل أسباب وعوامل التميز والنجاح في مسيرته..

ومعايير ومقاييس تقدم المجتمعات والأمم، مرهونة إلى حد بعيد في قدرة هذه المجتمعات على توفير الأطر والقيام بالمبادرات والخطوات الضرورية للاهتمام النوعي بجيلنا الشاب.. وثمة ضرورة راهنة ومستقبلية في وطننا ومجتمعنا، للاهتمام بهذا الجيل، والإنصات إلى حاجاته ومتطلباته، والعمل الرسمي والأهلي لتلبية هذه الحاجات والمتطلبات.

ولا يكفي اليوم أن نفتخر أن أكثر من نصف مجتمعنا من الشباب، وإنما الفخر الحقيقي هو حينما نبني المؤسسات ونطور من عمليات الاستيعاب والاهتمام، بهذه الشريحة الهامة من مجتمعنا.. فشباب الوطن اليوم، هم مستقبله القادم. وإذا أردنا القبض على مستقبلنا، فطريق ذلك هو الاهتمام بشبابنا وتلبية حاجاتهم والإنصات إلى مطالبهم ومتطلباتهم، والعمل الجاد من مختلف المواقع والمسؤوليات لتذليل كل العقبات التي تحول دون مشاركة شباب الوطن في مشروعات البناء والعمران والتنمية والتطوير..

وفي إطار ضرورة الإنصات إلى الشباب، والاهتمام بقضاياهم المختلفة، نود التأكيد على النقاط التالية: 

الاهتمام بالتربية: 

فحينما ندعو إلى ضرورة الإنصات إلى الشباب، فإننا ندعو إلى ضرورة قيام المبادرات الاجتماعية والتربوية، التي تعتني بالشباب عقلا وسلوكا.. 

فإن بذل الجهود المستمرة للاهتمام بتربية الشباب وصقل مواهبهم، وتفجير طاقاتهم، وتهذيب بعض التصرفات التي لا تعكس وجه مجتمعنا المضيء، كلها أعمال تستحق الاهتمام وبذل الجهود من أجل إنجازها.. لأن المجتمعات الإنسانية لا يمكنها أن تتقدم وتنجز تطلعاتها العامة والحضارية بدون الاهتمام بالبعد التربوي في حياة الإنسان.. وذلك لأن هذه التربية  هي الجسر الصلب الذي ينقل الإنسان من حالة الهامشية إلى تحمل المسؤولية..

لهذا فإننا أحوج ما نكون اليوم إلى مبادرات اجتماعية وثقافية تقوم بدور التهذيب الاجتماعي وتطوير نوازع الخير في نفوس الأجيال الطالعة.. 

تنمية حس العطاء: 

لا أحسب أني بحاجة إلى جهد جهيد لإثبات أهمية العطاء بكل صوره ومستوياته لتقدم الأمم والشعوب... حيث أن البذل والعطاء المادي والعقلي والاجتماعي والمعنوي هو جسر العبور لتطور المجتمعات.. 

ومفهوم العطاء في الرؤية الإسلامية يستوعب كل الحاجات التي يحتاجها الانسان (الفرد والجماعة) في أطوار حياته المختلفة.. 

والتوجيهات الإسلامية تحثنا على المساعدة والعطاء.. إذ جاء في الحديث الشريف عن الإمام جعفر بن محمد الصادق [من أغاث أخاه اللهفان عند جهده فنفس كربته وأعانه على نجاح حاجته كانت له بذلك عند الاثنتان وسبعون رحمة من الله، يعجل الله له منها واحدة يصلح بها معيشته، ويدخر له إحدى وسبعين رحمة لأفزاع يوم القيامة وأهواله]..

لهذا فإننا بحاجة إلى بذل كل الجهود من أجل غرس قيم العطاء والبذل والتضحية في نفوس الشباب والأجيال الطالعة.. ونهيب بجميع المؤسسات والمبادرات الاجتماعية للاهتمام بهذه المسألة.. لأنه حينما تتعزز قيم العطاء في نفوس أبناء المجتمع، فإن مساحة العاملين في الشأن العام ستتسع وهذه من عناصر القوة التي ينبغي أن نعززها في محيطنا ومجتمعنا.. 

وخلاصة القول: إننا ندعو إلى تكثيف الاهتمام والرعاية بالجيل الطالع، ونحث الجميع (كل من موقعه) إلى بلورة صيغة ومبادرة، تستهدف استيعاب طاقات شبابية جديدة في الأعمال والأنشطة القادمة.. 

وليكن هذا العام الجديد، هو عام مضاعفة الجهد والاهتمام بالشباب على مختلف الصعد والمستويات.

***

محمد محفوظ

في سياق التطورات الاقتصادية والسياسية العالمية، يمثل مفهوم العولمة الإمبراطورية ذروة التناقضات الداخلية للرأسمالية الغربية، حيث تتحول هذه الرأسمالية من نموذج إنتاجي محلي إلى نظام عالمي يعتمد على السيطرة الإمبريالية للحفاظ على استمراريتها. العولمة الإمبراطورية ليست مجرد توسع تجاري أو ثقافي، بل هي مرحلة حاسمة تكشف عن انحسار الرأسمالية الغربية، حيث تصبح الإمبراطورية الاقتصادية أداة لاستنزاف الموارد العالمية وإعادة إنتاج التراكم الرأسمالي في ظل أزمات متزايدة. هذه الدراسة تستعرض بشكل موسع ومعمق هذا المفهوم، من خلال تحليل تاريخي لتطور الرأسمالية، وكيف أدت إلى ظهور العولمة الإمبراطورية كمرحلة نهائية، مع التركيز على الآليات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تؤكد على طبيعتها كذروة الانهيار الداخلي. فكيف تمثل العولمة الإمبراطورية كمرحلة أخيرة من الرأسمالية الغربية: تحليل نظري وتاريخي؟

بدءاً من أصول الرأسمالية الغربية، يمكن القول إنها نشأت في أوروبا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر كنتيجة للثورة الصناعية والاكتشافات الجغرافية، حيث اعتمدت على تراكم رأس المال من خلال الاستغلال الداخلي للعمالة والتوسع الاستعماري. في مراحلها الأولى، كانت الرأسمالية تعتمد على المنافسة الحرة داخل الأسواق المحلية، مع التركيز على الإنتاج السلعي والابتكار التكنولوجي لزيادة الربحية. ومع ذلك، سرعان ما أدى التراكم الرأسمالي إلى تركز الثروة في أيدي قلة من الشركات الكبرى، مما أدى إلى ظهور الاحتكارات في أواخر القرن التاسع عشر. هذا التركز لم يكن مجرد تحول اقتصادي، بل كان ضرورياً للحفاظ على معدلات الربح في ظل انخفاض الفرص الداخلية، حيث أصبحت الرأسمالية بحاجة إلى أسواق خارجية لتصريف الإنتاج الفائض واستيراد المواد الخام الرخيصة. هنا يبرز الارتباط الجوهري بين الرأسمالية والإمبريالية، حيث تحولت الدول الغربية إلى قوى إمبريالية تسيطر على المستعمرات لضمان تدفق الثروات، كما حدث في تقسيم أفريقيا وآسيا خلال عصر الاستعمار.

مع دخول القرن العشرين، تطورت الرأسمالية الغربية إلى مرحلة الإمبريالية الكلاسيكية، حيث أصبحت الاحتكارات الدولية، مدعومة بالقوة العسكرية والدبلوماسية، أداة للسيطرة على العالم. هذه المرحلة شهدت صراعات عالمية مثل الحربين العالميتين، اللتين كانتا نتيجة للتنافس على الموارد والأسواق، مما أدى إلى إعادة تقسيم العالم بين القوى الرأسمالية الرئيسية. بعد الحرب العالمية الثانية، أدت هيمنة الولايات المتحدة إلى ظهور نموذج جديد من الرأسمالية، يعتمد على المساعدات الاقتصادية مثل خطة مارشال ومؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، التي كانت في جوهرها أدوات لتعزيز النفوذ الغربي. هنا بدأت العولمة تظهر كوجه جديد للإمبريالية، حيث أصبحت التجارة الحرة والاستثمارات الأجنبية وسيلة لاختراق الاقتصادات النامية دون الحاجة إلى احتلال عسكري مباشر. العولمة الإمبراطورية، إذن، هي تطور طبيعي لهذه المرحلة، حيث تندمج الرأسمالية مع العولمة لتشكل نظاماً عالمياً يعتمد على السيطرة غير المباشرة من خلال الشركات متعددة الجنسيات والمعاهدات التجارية.

في جوهر العولمة الإمبراطورية يكمن التناقض الأساسي للرأسمالية الغربية: الحاجة إلى توسع مستمر لمواجهة انخفاض معدلات الربح. مع نهاية الحرب الباردة في أوائل التسعينيات، أدى انهيار الاتحاد السوفييتي إلى فتح أسواق جديدة للرأسمالية الغربية، مما سمح بتوسع غير مسبوق في العولمة. أصبحت الشركات الغربية، مثل تلك في قطاع التكنولوجيا والمال، قادرة على نقل الإنتاج إلى دول ذات تكاليف عمالة منخفضة مثل الصين والهند، مع الحفاظ على السيطرة على الابتكار والتوزيع. هذا التوسع لم يكن محايداً، بل كان إمبراطورياً في طبيعته، حيث فرضت الدول الغربية شروطاً اقتصادية من خلال اتفاقيات مثل منظمة التجارة العالمية، التي أجبرت الدول النامية على فتح أسواقها دون مقابل متساوٍ. نتيجة لذلك، أدت العولمة إلى تعميق الفجوة بين الشمال الغني والجنوب الفقير، حيث أصبحت الدول النامية مصدراً للموارد الرخيصة والعمالة المستغلة، بينما تراكمت الثروات في المراكز الرأسمالية الغربية. هذا النموذج أدى إلى أزمات مالية متكررة، مثل أزمة 2008، التي كشفت عن هشاشة النظام الرأسمالي العالمي، حيث أصبح الاعتماد على الديون والمضاربات المالية بديلاً عن الإنتاج الحقيقي.

مع ذلك، تكمن أهمية العولمة الإمبراطورية في كونها المرحلة الأخيرة للرأسمالية الغربية، لأنها تكشف عن حدود النظام نفسه. في هذه المرحلة، أصبحت الرأسمالية غير قادرة على الابتكار الداخلي دون الاعتماد على الاستغلال الخارجي، مما يؤدي إلى تصاعد التناقضات الطبقية والجيوسياسية. على المستوى الاجتماعي، أدت العولمة إلى تفكك المجتمعات المحلية في الغرب نفسه، حيث أدى نقل الوظائف إلى الخارج إلى ارتفاع البطالة وزيادة الاستياء الشعبي، كما يظهر في صعود الحركات الشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة. سياسياً، أصبحت الدول الغربية مجبرة على استخدام القوة العسكرية للحفاظ على نفوذها، كما في التدخلات في الشرق الأوسط وأفريقيا، التي تهدف إلى السيطرة على الموارد الاستراتيجية مثل النفط والمعادن النادرة. هذه التدخلات ليست استثناءات، بل جزء أساسي من العولمة الإمبراطورية، حيث تندمج الاقتصاد مع السياسة لضمان استمرار التراكم الرأسمالي.

علاوة على ذلك، تؤدي العولمة الإمبراطورية إلى أزمات بيئية غير مسبوقة، حيث يصبح الاستنزاف اللامحدود للموارد الطبيعية ضرورياً للحفاظ على نمو الرأسمالية. الاحتباس الحراري والتلوث الناتج عن الإنتاج الصناعي العالمي يكشفان عن عدم استدامة هذا النموذج، مما يجعل المرحلة الإمبراطورية انتقالية نحو انهيار محتمل. في الوقت نفسه، أدى صعود قوى اقتصادية جديدة مثل الصين وروسيا إلى تحدي الهيمنة الغربية، حيث أصبحت هذه الدول قادرة على بناء نماذج بديلة تعتمد على التعاون الإقليمي بدلاً من السيطرة الإمبراطورية. هذا التحدي يعجل من نهاية الرأسمالية الغربية، حيث أصبحت غير قادرة على الحفاظ على تفوقها دون اللجوء إلى صراعات عالمية قد تؤدي إلى كارثة بيئية حقيقية.

في الختام، تمثل العولمة الإمبراطورية ذروة الرأسمالية الغربية، حيث تكشف عن تناقضاتها الداخلية التي تجعلها غير قابلة للاستمرار. من خلال الاعتماد على السيطرة العالمية لمواجهة أزماتها، أصبحت هذه المرحلة انتقالية نحو تحولات جذرية، سواء كانت ثورات اجتماعية أو نماذج اقتصادية بديلة. هذا التحليل يؤكد أن الرأسمالية، في صورتها الإمبراطورية، ليست خالدة، بل هي مرحلة تاريخية تنتهي بسبب قوانينها الداخلية نفسها، مما يفتح الباب لإمكانيات جديدة في العالم ما بعد الرأسمالي. فما تأثير العولمة على اقتصاديات الدول النامية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في الكثير من الأحيان، وفي خلوتي أسأل نفسي ما جدوى الكتابة؟ ومثل هذا السؤال ظلّ يواجهني في المقابلات الصحفية والتلفزيونية والإذاعية التي تُجرى معي، فماذا تعني الكتابة لي بعد عشرات المؤلفات التي اشتغلت عليها عقودًا من الزمن؟ وهل ثمة تغيير ملموس نحو الأفضل؟ أم ثمة تقهقر وتراجع وانكفاء؟

ويتفرّع عن السؤال المحوري العديد من الأسئلة والتساؤلات؛ لماذا نكتب؟ وماذا بعد الكتابة؟ وإلى أين؟ وهل ثمة علاقة بين الكاتب ونصّه؟ وهل النصّ وجه آخر من وجوه الكاتب؟ أم أن النص سيرة كتابية للكاتب؟ وماذا تعني الكتابة؟ وما موقع الكتابة من الحقيقة؟ وما هو دورها في التغيير؟

وتلك الحزمة من الأسئلة والتساؤلات هي خلاصات لبعض الرسائل الإلكترونية التي تصلني من العديد من القرّاء والمتابعين شهريًا، ناهيك عن الحوارات الشخصية والصداقية التي غالبًا ما تكون ملح جلساتنا.

وأستذكر حوارًا دار بين شاعر العرب الأكبر الجواهري وبيني في ثمانينيات القرن المنصرم، إثر قراءته لمقالة كتبتها في مجلة الهدف الفلسطينية عن العدوان الإسرائيلي، فسألني: وماذا يفيد ما نكتب في حين أن العدو يتوغّل فينا وينتشر بيننا، في الوقت الذي ترتفع الأصوات وتلعلع وتتوعّد بالويل والثبور وعظائم الأمور؛ وماذا بعد؟ وتوقّف عند قصة الأعرابي الذي صادفه قطّاع طرق، فصادروا ما عنده وما كان يحمله من متاع، ثم عاد إلى مرابعه بخفيْ حنين، وحين سُئل عن الذي حصل، فروى لهم ما حدث، وختم بالقول: أشبعتهم شتمًا وراحوا بالإبل؛ وهكذا ذهبت مثلًا يُقال ولا يُقاس.

فهل الكتابة ذات جدوى حين يغيب الفعل الملموس؟ وهذا سؤال قلق وليس سؤال طمأنينة لأنه ناجم عن أزمة، إذْ يمكنني القول إن الكتابة هي أول الطريق، فلا تغيير حقيقي دونها. فقد كانت الكتابة الممهّد الأول للثورة الفرنسية، وقد ساهمت مؤلفات فولتير "رسالة التسامح" ومونتيسكيو "روح الشرائع" وروسو "العقد الاجتماعي" في توفير البيئة الثقافية لنجاحها.

وبالطبع ثمة دوافع للكتابة:

أولها – إثبات الذات، وقد يكون ذلك أقوى الدوافع. وسبق أن قلت إن الكتابة دفاع عن النفس، ولا يوجد كاتب حقيقي لا يريد تأكيد ذاته وشخصيته بين الآخرين؛

ثانيها – إحساسه بالجمال، أي إدراكه قيمة الجمال، وعكسه إظهار القبح، ولعلّ لكلّ كاتب وجهة نظره بالجمال والقبح، مثلما هي بالخير والشر والعدل والظلم.

ثالثها – القدرة على التخيّل، وذلك بما له علاقة بصورة الواقع المتخيّلة إزاء الواقع المعيش؛

رابعها – الرغبة في رؤية الوقائع التاريخية وفحصها بما يخدم الحقيقة لتقديمها للآخرين، وفقًا للخلفيات الاجتماعية والثقافية لكل كاتب ورؤاه الفكرية؛

وخامسها – لكل كاتب دوافع فكرية وسياسية يستهدف من خلالها تغيير عادات الناس وأفكارهم وقيمهم، سواء على صُعد السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة أو الأدب والفن.

ووفقًا لجان بول سارتر: الكتابة وسيلة للتعبير عن الأفكار والمشاعر، وهي شكل من العمل للتأثير على العالم، في حين يعتبرها ألبير كامو واجبًا ومسؤولية، ويذهب فريدريك نيتشه لاعتبارها وسيلة للتعبير عن الذات وتحرير النفس. وهي عند غابريل غارسيا ماركيز تُدخل الفرح لدى الأصدقاء، أما الروائي جورج أرويل فيعتبر الكتابة الجيدة مثل زجاج النافذة، أي واضحة وشفافة تتيح للقارئ رؤية الأفكار بسهولة.

لذلك ينبغي أن تكون الكتابة واضحة وبسيطة ودقيقة، وتمتلك حسًا جماليًا، سواء بالسرديات أو الأدب والفن بشكل عام، فضلًا عن التاريخ والاجتماع والسياسة والاقتصاد والإدارة وعلم النفس وغيرها، وهذا ما أعتقده؛ وفوق كل ذلك لا بدّ من تميّزها بعنصر الامتاع والفائدة والجدوى، على الرغم من المشاكل التي تعترضها والمعاناة التي تصاحبها والمكابدات التي يواجهها الكاتب مثل اللغة والبناء والنشر والرقابة والتلقّي والقبول والتأثير، فضلًا عن المعنى والدلالة.

الجدوى من الكتابة حسب وجهة نظري هي التواصل الفعّال مع الآخر، القارئ، المختلف، المتفّق، القريب، البعيد، ومع جميع فئات المجتمع، إذا كان الكاتب يكتب للجميع، عابرًا للفئوية والمناطقية والإثنية والأديان، فبقدر عراقيتي، فأنا عربي ومشرقي ومسلم وإنسان كوني، وبهذا المعنى تكون الكتابة أيضًا رسالة إلى العالم ورحلة تعارف وتفاهم مع الآخر.

ولذلك أرى أن الكتابة النقدية ضرورة للتنوير والتغيير والحداثة، ولا قيمة للكتابة دون نقد بنّاء ومتعدّد الأبعاد وخال من الغرض، حيث تُعرف قيمة التجارب بنقدها، وإلّا ستكون مثل الطبخة دون ملح. وينبغي على الكاتب الجيد أن يمتاز بالنقد والصدق والجرأة لخدمة هدف موضوعي، ولنشر القيم الإنسانية.

والكتابة بالنسبة لي روح، والكتب مفتاحها، إذْ لا كاتب مبدع إلّا إذا كان قارئًا مواظبًا، وإذا وجدت بيتًا يخلو من الكتب فتأكد أنه منزل بلا روح، والكتابة صلاة وبوح وموسيقى لتطهير النفس وتحريرها من الكراهية والحسد والضغينة والعنف، خصوصًا حين يتشبّع الكاتب بقيم السلام والتسامح والعدل.

***

عبد الحسين شعبان - أكاديمي ومفكّر

أعترف أن شعوراً ما يراودني هذه الأيام، شعور يشبه ذلك الإحساس الغريب الذي ينتابك حين تقف في محطة قطار مهجورة، تعلم أن القطار الأخير غادر منذ زمن، لكنك تستمتع بالوقوف هناك رغم ذلك. شعور نرجسي ربما، لكنه حقيقي، أننا قد نكون آخر الأجيال التي ستمتلك ذلك الرفاه العظيم، رفاهية القراءة المطولة، والتأمل العميق، والغوص في بحر من الكلمات المطبوعة دون أن يشعر المرء بأنه يرتكب جريمة بحق وقته.

دعوني أكون صريحاً.. لست هنا لأرثي حالي، ولا لأمارس طقوس الحداد على ثقافة تحتضر. لست من أولئك الذين يرون في كل قديم غاية الطهر والنقاء وفي كل جديد غابة الشذوذ والضوضاء !

 لكن التأمل في المشهد الثقافي الراهن يفرض علينا أسئلة مشروعة ماذا يحدث للكلمة المكتوبة؟ وأين يذهب المثقف الذي كان يقضي لياليه مع كتاب، يقلب صفحاته، يضع علامات استفهام على هوامشه، يعيد قراءة الفقرة مرتين لأنه يريد أن يستوعبها كاملاً، غير منزعج من بطء التقدم في الصفحات؟

ثمة تحول جذري في آلية تلقي المعرفة، تحول لا يمكن اختزاله في عبارة (العصر تغير). إنها ثورة كونية في طريقة تشكيل الوعي الإنساني. البودكاست، الإنستجرام، التيك توك، اليوتيوب... هذه ليست مجرد منصات جديدة، إنها تكرس لنمط جديد من "الشفهية"، لكنها شفهية مختلفة عن تلك التي عرفها الإنسان قبل اختراع الكتابة.

الشفهية القديمة كانت جماعية، احتفالية، بطيئة. كانت حكايات تروى حول النار، وأساطير تنتقل عبر الأجيال بصوت الراوي الحكيم. أما الشفهية الجديدة، فهي شفهية منفردة، سريعة، استهلاكية. تأتيك عبر سماعة أذن تغزوك وحدك، أو عبر شاشة صغيرة تلتهمها في دقائق بين محطتي مترو. إنها شفهية تخلق وهم المعرفة دون مشقة الحصول عليها.

وهنا مربط الفرس.. الثقافة الكتابية المطولة تتطلب مجهوداً. نعم، مجهوداً حقيقياً. القراءة المركزة لكتاب جاد هي عملية شاقة، تحتاج إلى طاقة ذهنية، إلى قدرة على التأمل، إلى استعداد للبقاء مع فكرة واحدة لساعات. في المقابل، تأتيك الشفهية الجديدة بالمعرفة مقطعة معلبة، في فيديو مدته ثلاث دقائق يشرح لك "ملخص كتاب" أو "تحليل فلسفي سريع" أو "نظرية علمية مبسطة"!.

لا أقول إن هذا كله سيئ. بالعكس، هناك جوانب مذهلة في ديمقراطية المعرفة الجديدة. لكن السؤال الأعمق هو ماذا يحدث للذهن البشري حين يعتاد على الاستهلاك السريع للمعرفة؟ ماذا يحدث لقدرتنا على التأمل حين تصبح كل فقرة أطول من مائة كلمة مملة؟! ماذا يحدث لصبرنا الفكري حين نجد أن فهم كانط يحتاج إلى أكثر من فيديو مدته خمس دقائق؟

الأمر لا يتعلق فقط بتغير الأذواق، بل بتغير البنية الاقتصادية للمعرفة نفسها. في الاقتصاد الرمزي الجديد، الوقت هو العملة الأغلى. أنت لا تقرأ كتاباً، أنت تستهلك محتوى. والاستهلاك السريع يتطلب منتجات سريعة. الكاتب اليوم لم يعد مؤلفاً فقط، بات صانع محتوى. عليه أن يختصر، أن يضغط، أن يجعل فكرته قابلة للاستهلاك في أقل وقت ممكن. وإلا فلن يقرأه أحد.

وهنا تبرز مفارقة جميلة، في عصر وفرة المعلومات، نعاني من شح المعنى. لدينا آلاف القنوات وملايين المنشورات، لكن القدرة على استخلاص معنى عميق من كل هذا الضجيج أصبحت أندر من أي وقت مضى. المثقف الكلاسيكي، الشخص الذي كان يقضي سنوات في تأليف كتاب، ويقرأ القارئ ذلك الكتاب في أسابيع، ويتأمله في شهور، هذا المثقف يبدو اليوم وكأنه ديناصور في عصر الثدييات الصغيرة السريعة.

لكن دعونا نكون موضوعيين قليلاً. ليست المرة الأولى في التاريخ التي يبشر فيها بموت الكتاب. منذ اختراع السينما، ومن ثم الراديو، ثم التلفزيون، كان المثقفون يطلقون صيحات الإنذار. ومع ذلك، بقيت الكتب. بل إن بعض الدراسات تشير إلى أن عدد الكتب المنشورة سنوياً في ازدياد. إذاً، ما الجديد هذه المرة؟

الجديد هو أن التهديد لم يعد يأتي من وسيط آخر منافس، لكن من تغير في بنية الانتباه الإنساني نفسه. وسائل التواصل الاجتماعي لم تسرق وقت القراءة فقط، لقد أعادت تشكيل أدمغتنا!.

دراسة بعد دراسة تؤكد أن قدرتنا على التركيز في نص طويل تتراجع. أصبحنا نعاني مما يسميه العلماء (متلازمة الانتباه المجزأ). عقولنا المدربة على التمرير السريع بين المنشورات تجد صعوبة في الاستقرار على فكرة واحدة لأكثر من دقائق.

وسط هذا التحول، تبرز قيمة المثقف الكلاسيكي بشكل متناقض. قيمته لا تكبر رغم العصر، بل بسببه. في زمن الضجيج، الصوت الهادئ يصبح أغلى. في زمن السرعة، البطء يصبح رفاهية. في زمن التجزئة، العمق يصبح ثورة.

أتخيل بعد مائة أو مئتي سنة، حين ينظر البشر إلى عصرنا هذا، سيرون شيئاً أشبه بطبقات الأرض الجيولوجية. سيجدون طبقة الكلمة المطبوعة التي استمرت خمسة قرون، ثم طبقة التحول الرقمي حيث بدأت الكتابة تتحول إلى شيء آخر. سينظرون إلى مثقفي الكتب كما ننظر نحن اليوم إلى رهبان العصور الوسطى الذين كانوا ينسخون المخطوطات بأيديهم. سيطلقون علينا "المثقفين الكلاسيكيين" أو "آخر العشاق المجهولين للكتاب".

لكن هذه النظرة الجنائزية قد تكون مضللة. فالإنسان كائن مرن، يتكيف. ربما تولد أشكال جديدة من العمق لم نتصورها بعد. ربما في عالم البودكاست، هناك من ينتج حلقات مدتها ثلاث ساعات يتعمق فيها في موضوع واحد. ربما في عالم اليوتيوب، هناك قنوات تقدم محتوى ثقافياً عميقاً يتطلب مشاهدته عدة مرات. ربما ما نراه الآن ليس موت العمق، إنما تحوله إلى أشكال جديدة لم نعتدها بعد.

ما يقلقني حقاً ليس تغير الوسيط، بل تغير القيمة. عندما يصبح العمق غير مرغوب اقتصادياً، عندما تدفع الخوارزميات نحو السطحي لأن السطحي هو الأكثر استهلاكاً، عندما يتحول الكاتب العميق إلى "نخبوي" أو "بعيد عن الناس" لمجرد أنه يطلب من قارئه ساعة من التأمل بدلاً من ثلاث دقائق من التسلية، هنا تصبح المشكلة حضارية وليست مجرد تغير في الأذواق.

المثقف الكلاسيكي الذي أمثله، أو بالأحرى الذي أنتمي إلى جيله الأخير، ليس أفضل بالضرورة. لدينا عيوبنا؛ نخبويتنا أحياناً، بطئنا، حساسيتنا المفرطة. لكن ما نحمله هو قيمة قد تصبح نادرة؛ الإيمان بأن الفكرة تحتاج إلى وقت كي تختمر، وأن القراءة ليست مجرد استهلاك، هي حوار طويل مع نص، وأن المعرفة الحقيقية لا تمنح في جرعات سريعة، بل تغزوك بالتدريج كالمطر الخفيف الذي يشبع الأرض دون أن يقتلعها.

لذلك، ربما يكون شعوري النرجسي مبرراً بعض الشيء. ربما نحن فعلاً آخر من سيعرف متعة القراءة البطيئة، آخر من سيعرف رائحة الكتاب، آخر من سيعرف تلك العلاقة الحميمية بين قارئ وكاتب تمتد عبر الزمان والمكان. لكن بدلاً من أن نرثي حالنا، ربما علينا أن نؤدي واجبنا، أن نكتب لمن سيأتون بعدنا، بلغة يفهمونها، ولكن دون أن نفرط في جوهر ما نؤمن به.

المعرفة لن تموت، لكن أشكالها ستتغير. وربما بعد مائة عام، سيجلس شاب في العشرين من عمره، في بيئة افتراضية كاملة، ويستمع إلى كتاب صوتي تفاعلي ويتأمل فيه بعمق لمدة ساعات، ويكتشف أنه رغم اختلاف الوسيط، فإن ذلك الشعور العظيم بالغرق في فكرة، بالانفصال عن الزمن، بالحوار الصامت مع مفكر ميت، هذا الشعور لم يمت.

ربما يظل السؤال مفتوحاً هل نحن آخر عشاق الكتاب، أم أننا ببساطة في مرحلة انتقالية، حيث يتحول الكتاب من شكله الورقي إلى أشكال أخرى، ويبقى الجوهر؟

لا أعرف. لكن ما أعرفه أنني سأستمر في القراءة، وفي الكتابة، وفي التأمل، وكأن الغد لن يأتي. وكأن الكلمة المطبوعة ستبقى خالدة.

***

عبد السلام فاروق

في ظل الليبرالية الجديدة يتسيد العقل الاداتي النفعي الذي لا يعترف الا بمنطق الربح والشراهة في مراكمة راس المال، فيصبح كل شيء خاضعا لاحكام السوق المتحرر من كل المحددات والضوابط، كل شيء قابل للتسليع، اذ لم يعد المنتج المادي وقوة العمل سلعا للبيع فحسب بل القانون والثقافة والسياسة والاخلاق وقيم الحضارة الإنسانية ايضا.

مع تراجع العدالة النسبية في توزيع الثروة واتساع الفجوة الطبقية المتسارع والمخيف، يكتسب ذوو الثراء الفاحش نفوذا وسلطة شبه مطلقة، فلا غرابة اذن ان يصبح جسد وروح الفقير عرضة للتسليع يعبث بهما اصحاب النفوذ والثروة بما يرضي نزواتهم المريضة.

 ملفات ابستين التي جرت محاولات لدفنها في ادراج ال (اف بي آي) ووزارات العدل لخمس ادارات جمهورية وديمقراطية متعاقبة ولفترة تقارب ال ٢٠ عاما، اخيرا اخرجت من الادراج السرية، وجاري نشرها علنا مع حجب الكثير من النصوص واسماء عدد كبير من المتورطين، اذ بلغ الحذف ما يقارب الترابايت من المخزون الرقمي للوثائق، بحجة حماية خصوصية الضحايا مع ان عددا كبيرا من اسماء الضحايا لم تحجب اصلا، مما يثير الشكوك بوجود نية لافلات الكبار من المحاسبة القانونية وتسويف ما جرى من جرائم تعيد الانسان الى بربريته الاولى، وتؤشر لاختلال بنيوي خطير في المنظومة القيمية للديمقراطية البرجوازية في ظل الحداثة السائلة (بتعبير سيجمونت باومان

تفاعل العرب في الاعلام وخاصة في السوشيال ميديا يتراوح بين النرجسية وتضخم الذات القومية والدينية وبين رمنسة وقدسنة الديمقراطية البورجوازية وشفافيتها المزعومة.

 فريق ينظر لملفات ابستين من ثقب ايديولوجي اصغر من ثقب الابرة وينطلق من طهرانية متخيلة للذات القومية والدينية ويفتي بشيطانية الغرب بالمطلق. هذا الفريق يرى الغرب كتلة متجانسة ثقافيا وقيميا لتسهل ادانته بالجملة، دون تمييز بين ثقافة الشعوب الغربية وقيمها الحضارية وبين الانحطاط الخلقي والتدهور القيمي للمنظومات الحاكمة من السياسيين والنخب الفكرية والأكاديمية والإعلامية (الركائز السياسية والأيديولوجية للنظام) وكبار الراسماليين فاحشي الثراء (الركائز المالية للنظام).

 فريق اخر يتطوع للرد على تلك المقاربة دفاعا عن صورة رومانسية متخيلة للرأسمالية وديمقراطيتها المثالية، هؤلاء ركنوا جانبا اكواما مما نزفت اقلامهم من مقالات عن حقوق الطفل وكرامة الانسان وحكم القانون، ليستميتوا دفاعا في محاولاتهم لتبرير وتسفيه ما جرى في جزيرة ابستين من انتهاكات بشعة بحق الطفولة وكرامة الانسان، وما تخللها من ابتزاز سياسي ومالي، على اعتبارها حالة شاذة لافراد وليست اشكالية بنيوية للنظام، (لابد لهؤلاء من عبور تلك الفضائح المخزية التي قد تحدث شرخا لصورة الغرب الراسمالي المثالية في اذهانهم)، فلم يكتفوا بالتسفيه والتبرير بل احالت اقلامهم تلك الجرائم المريعة الى مناسبة للتغزل بشفافية الديمقراطية الليبرالية، ناصحين ايانا ان ننظر الى الجانب المضيء في المشهد عبر تذكيرنا بان زواج القاصرات في مجتمعاتنا والانتهاكات بحق الطفولة والمراة، وغيرها من الجرائم تتمتع بمشروعية او تحدث تحت غطاء من السرية التامة، وفي المقابل تنشر ملفات ابستين علنا على الملأ في ظل الديمقراطية اللبرالية وبفضل شفافيتها، وسيعاقب القانون المتورطين ويحقق العدالة للضحايا، فتلك بلدان يحكمها القانون الذي لا يميز بين جائع مشرد بلا مأوى ومليادير ذي نفوذ كبير1111

الفريق الاول ينطلق من تضخيم الذات القومية او الدينية، ويرى الغرب كتلة متجانسة اخلاقيا، والفريق الثاني ينطلق من تضخيم ذات الآخر، ويرى مجتمعاتنا كتلة متجانسة ثقافيا تشرعن اضطهاد الاطفال والنساء، متغاضين عن طائفة واسعة من المثقفين والعامة المتنورين اجتماعيا والذين حققوا قطيعتهم وعيا وممارسة مع التقاليد الشعبية والعشائرية المتخلفة.

اسكات الاصوات التقدمية التي تعبر عن سخطها واستهجانها لبربرية ما كشفت عنه ملفات ابستين بحجة انتماء اصحابها لمجتمعات متخلفة، انما هو محاولة لتمييع خطورة التدهور الاخلاقي وتراجع الحضارة الإنسانية على يد قادة وراسماليين يمتلكون مفاتح تسيير عالمنا.

 مقاربه الفريق الثاني رغم وجاهتها الظاهرية تستبطن الكثير من التناقضات والتضليل المتعمد، فهي تتجاهل البعد الطبقي ودور سلطة راس المال في تعطيل آليات العمل الديمقراطي والاطاحة باهم مرتكزات الديمقراطية الليبرالية، في الوقت الذي نشهد فيه وبوضوح اتساع الفجوة بشكل شاسع بين شعاراتها والواقع.

مقاربة الفريق الثاني ايضا محاوله للتعتيم على الجانب الاهم من قضيه ابستين وذلك بحصرها في الحيز الجنائي او تحديدا باغتصاب القاصرات، والتغاضي عن جملة من التساؤلات الهامة التي تثيرها تلك الفضيحة. لماذا يستدرج ابستين قادة العالم ونخبه السياسية والأكاديمية والإعلامية التي تمتلك مفاتيح ادارة الصراع والتحكم بمصائر الشعوب والدول لتوريطهم باعمال مخلة بالشرف ويوثق تلك الافعال المخزية بالصوت والصورة؟

من الواضح انها آلية لفرض الطاعة والتحكم بقرارات ومواقف النخب عبر الابتزاز. ولا بد من وجود جهة اكبر من ابستين تبنت ومولت هذا المشروع اللا اخلاقي. بحوزة الجهة التي تبنت ومولت مشروع ابستين تلك الوثائق والصور والفيديوهات في ادراج سرية كسيوف قابعة في اغمادها حتى تحين اللحظة لوضعها على رقاب من يخرج عن طاعتها.

الوثائق التي نشرتها وزارة العدل رغم التعمية والكم الهائل من الاسماء والنصوص المحذوفة قد كشفت عن قرائن تقترب من الأدلة عن علاقة الموساد بمشروع ابستين الفضائحي. شركات الاعلام الكبرى المتناغمة مع انظمتها تتجاهل تلك القرائن بل وتتهم الاعلام المستقل الذي يحاول فك شفراتها بالانزلاق في نظرية المؤامرة، بينما هي نفسها تتبنى عن عمد نظرية المؤامرة بترويجها لعلاقة أبستين بالمخابرات الروسية دون ادلة، لابعاد الشبهات عن الموساد.

الشكوك بضلوع الموساد لا تقتصر على ان شريكة ابستين (جيسلين ماكسويل) هي ابنة (روبرت ماكسويل) امبراطور الاعلام والذي كان قبل حادثة غرقه المشبوهة اصلا استخباريا مهما للموساد، بل هناك عدد من القرائن التي لا يمكن تمريرها دون البحث فيها وتقصي الحقائق.

- ايهود باراك كان يقيم بشكل متكرر في شقة ابستين التي نصبت فيها الحكومة الإسرائيلية منظومة رقابة وأجهزة استشعار وتجسس إلكترونية، ويجتمع ضباط امن اسرائيليون لاكثر من مرة في تلك الشقة مع موظفي أبستين لاعطائهم التوجيهات بخصوص الرقابة والشؤون الأمنية. بعثة الحكومة الإسرائيلية للامم المتحدة ايضا دائمة التردد والاقامة فيها، وتتضمن الشقة جناحا لعارضات ازياء قاصرات.

- قام ابستين بالتنسيق لعقد لقاء سري بين بوتين وايهود باراك، حاول فيه باراك اقناع بوتين بالتخلي عن الاسد تهيئة لدعم وتنصيب حاكم لا يضمر العداء لاسرائيل ويضمن مصالح روسيا في نفس الوقت، (بوتين رفض الاقتراح)

- باستثمار علاقته بسلطان احمد بن سليم واصحاب نفوذ اماراتيين، عمل أبستين مع باراك على مد جسور صداقة بين الامارات واسرائيل لسنوات عديدة قبل الاتفاقات الإبراهيمية.

- عمل ابستين مع باراك على اقناع نيجيريا وبمساعدة الاماراتي بن سليم لعقد صفقة لتجهيز الدولة النيجيرية بمنظومة تجسس اسرائيلية (التكنولوجيا التي كانت تستخدم للتجسس على سكان غزة والضفة الغربية) مستغلين بذلك العمليات الإرهابية لبوكو حرام وضعف الحكومة النيجيرية لمواجهتها.

- استثمر ابستين علاقاته مع القادة لعقد صفقات أسلحة بين اسرائيل وكل من منغوليا وجورجيا

- بتنسيق مع باراك ايضا قاما بالترتيب لصفقة منظومة رقابة سبرانية اسرائيلية لحكومة ساحل العاج

- ورد في الوثائق ايضا ان ضابطا في التحقيقات الفيدرالية بلوس انجلوس يذكر انه شبه متأكد بان ابستين يعمل لصالح الموساد.

- صرح ضابط الموساد السابق اري بن مناشي انه قد قابل ابستين لمرات عديدة في نشاطهما في جهاز الموساد.

كل هذه القرائن لم تفتح شهيه الاعلام الرسمي الامريكي للبحث والاستقصاء، ولم تحفز حتى اعضاء الكونغرس للتحقيق في ملابساتها.

 مستوى غير مسبوق من هيمنة الكيان الصهيوني على السياسة الأمريكية

***

قصي الصافي

 

(مقالة عن "اللاشيء" الذي تقوم به النساء..)

"كم يكلفني من وقت لأكتب مقالة، أو بحثا، وكم يكلفني من وقت لأطبخ، وأنظف، وأقوم بالأعمال الرعائية المنزلية اليومية؟"

هذا السؤال سألته صديقتي (مريم) على نفسها - وهي كاتبة محترفة - أثناء انهماكها في إعداد وجبة فطور، مع ترتيب فوضى المطبخ على استعجال، لتعود لإكمال مقالة بدأت بها؟

تقول " كان بأمكاني أن أكتب مقالة بأقل من ست ساعات عمل -على أدنى تقدير-أقضيها يوميا في المطبخ والبيت في عمل رعائي لا ينتهي.

هي أم وربة منزل كما هي عاملة بوظيفة كاملة، تكتب المقالات والبحوث، وتجد أن وقت كتابة المقالات لا تستغرق وقتا أطول من أعمال المنزل المرهقة والطويلة واليومية والروتينية.

تقول : "في المقالات يُذيل أسمي عليها، وستنشر هكذا، وتبقى خالدة تعبر عن رأيي في لحظة ما، في موضوع ما"، فالمقالة لها زمن محدد في الإنجاز، ولها قيمة معرفية ورمزية باقية، أما الأعمال الرعائية، الطبخ والتنظيف ورعاية الصغار وكبار السن فلها زمن مفتوح لاينتهي، يتكرر يوميا كعقارب الساعة، يبتلع الزمن ويستهلك الجسد والعاطفة، والأكثر من ذلك أن أثره يختفي بمجرد أنجازه.

أننا نُقسر تحت سلطة الأمر الواقع، أن نقوم بأعمال لاتعود بالنفع المباشرعلينا، نقوم بها إحساسا بالواجب تجاه أسرنا، وحبا بها، لكن العالم الذي نعيشه لايقدّر هذا العمل ويعتبره لاشيء . لا ينسب لنا شيء داخل هذه الأسرة، ويعدّه المجتمع واجبا طبيعيا لايحتاج الى نقاش، ويسجل كل شيء بأسم الآخر، الذي يُنظر لعمله ويوثق بشكل دقيق جدا حماية له من الهدر!.

ما يمنحنا الحضور هو العمل الذي يستهلك وقتا أقل، أما الذي يستهلك وقتا أكبر هو الذي يعامل كأنه لاشيء، فطالما حملت الأدبيات الدينية والاجتماعية فكرة كون الرجل هو المنفق الوحيد في الأسرة(سواء التي تكون زوجته ربة منزل تعمل ليل نهار فيه، أو عاملة بأجور)، فأعطي الأعتراف للعمل الواضح المرئي والمأجور، أما عمل المرأة فقد عومل ك " لاشيء" فضاع وتلاشى، في مفارقة غريبة أنطلت على االكثيرين من رجال دين ومفكرين ومنظري أقتصاد، فمازالت الثقافة الشعبية والعرفية والرسمية تعطي الإعتراف لنوع واحد من العمل، ومن ثم تعطي الامتيازات لصاحب هذا النوع من العمل فقط .

لم تكن المرأة غير عاملة في يوم من الأيام، ولم تكن عاطلة عن العمل، بل جُعلت بلا أجر مقابل عملها، فبدت كما لو كانت بلاعمل، أن العمل المعترف به دوليا هو كل نشاط يؤديه الأفراد لإنتاج السلع أو تقديم الخدمات سواء تم ذلك مقابل أجر أو ربح، أولأغراض الإستهلاك الذاتي أو ضمن نطاق الأسرة والمنزل .

فالعمل لايلغى لعدم وجود أجر، بل يكشف مقدار مظلومية من سُخّر للقيام بجهدٍ لاينتهي، بلا اعتراف ولا مقابل. فنشاط المرأة عمل، وعدم الإعتراف باستحقاقه للأجر لايلغي أهميته القصوى لاستمرار الحياة والاقتصاد البشري، فلولا هذه المليارات من الساعات التي تعمل بها النساء يوميا بشكل مجاني، لايقوم للعالم أقتصاد .فبحسب تقرير الأوكسفام، نشر في عام ٢٠٢٠، أن النساء يعملن (١٢) مليار ساعة يوميا بلا أجور .

هذا العمل المجاني هو الذي يجعل الرجال قادرين على العمل المأجور، فهو الشرط الأولي الذي يجب أن يتوفر ليستطيعوا العمل، عملهم مبني على عملهن، فعمل المرأة أولي وعمله ثانوي.

عملها ليس اختيارا حرا، ولاعقدا عادلا، بل إلزام أخلاقي غير متبادل وغير عادل، تقوم به النساء بدافع الضمير والمحبة، لكن دون اعتراف ودون مقابل ودون تقاسم، وهذا مايمكن تسميته ب "الاستغلال الصامت".

بالمقابل الكتابة هو انتزاع وقت من نظام لايريد للنساء وقتا خاصا بهنّ، فقد باعت النساء هذا الوقت للزوج، في عقد أذعان لابديل عنه. هذا العقد الذي به تتنازلين عن كيانك بكامله مقابل لقيمات أو لا شيء.

اللاشيء هو قدر النساء في هذا العالم، تنجب، وتهب الحياة عبر آلامها، فينسب الطفل للأب حصرا، تعمل ليل نهار فينسب الإنفاق للزوج الذي لايعمل نصف أعمالها ونصف وقتها .

الكتابة ليست ترفا، بل مساحة لأثبات وجود في هذا العالم الذي يرسم لوحة المحو الأبدية للنساء، محاولة إثبات ذات في عالم المحو واللاشيء .

سؤالي عن الوقت، هو سؤال عن جوهر العدالة والاعتراف والملكية الرمزية للعمل، ومن يُحسب فاعلا في هذا العالم ؟، العمل الذي لاينسب لنا هو عمل يُسلب منّا، فقد صنف الفقه التقليدي للمسلمين عمل الزوجة من باب التبرع والإحسان لا الاستحقاق، لكنه عمل لابديل له ومنتظم وضروري وغير قابل للتأجيل، ويحقق مصالح كلية للأسرة والمجتمع، فلم يعد تطوعيا، فهذا الأصرار على تصنيفه على هذا الوصف (التطوع) هو لجعله مجانيا وغير مهم كعمل الرجل، وكأن له بديلا ؟

ماهو بديل عمل الزوجة والأم؟ لايوجد نظام اليوم يلبي ذلك. أن عملها هو مساهمة أساسية في الواقع الأسري وليس إحسانا أو تطوعا أختياريا، هو عماد الحياة اليومية، وبدونه لا وجود لعمل آخر.أن هذا الواجب الأسري قد صيغ ضمن بنية معرفية اختزالية جوهرانية، حولت العمل المنزلي -الذي تقوم به المرأة عادة- الى واجب أخلاقي غير متبادل والتزام غير تعاقدي، وجهد غير قابل للاعتراف، وهذا يفضي الى عدم توازن قيمي وعدلي داخل الأسرة، بالرغم من أن هذا العمل هو شرط لبقائها واستقرارها.

وهنا -عند عدم الإعتراف- تتحول المرأة الى وسيلة استقرار فقط، وليست كيانا محوريا فاعلا وشريكا في الحياة الأسرية، التي صورت أن عمادها الرجل فقط، والزوجة والأبناء توابع له، لاشركاء في البناء والمسؤولية .

***

ا. د. بتول فاروق الحسون

النجف / العراق

في المثقف اليوم