قضايا
عبد المجيب رحمون: خاصية الانتقال الدلالي في القرآن الكريم
يرد لفظ "قاموا" في القرآن الكريم ثلاث مرات وفي كل موضع يختلف معناه وسياقه، «وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ اتِ وَٱلۡأَرۡضِ» [سورة الكهف 14]، «وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ» [سورةالنساء: 142] وفي الآية التي نتأمل دلالتها وأنساقها اللغوية «كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا» [ سورة البقرة 20] جاء لفظ "قاموا" ليعبر عن وضع التوقف ثم مواصلة السير، وقد يرتبط هذا اللفظ من حيت الجناس اللغوي بلفظ استقاموا. فهذا الفعل المزيد بثلاث أحرف ارتبط بالإقامة في قوله وأقاموا الصلاة والاستقامة في قوله تعالى: إِنَّ ٱلَّذِینَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟ فَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ، ونقرأ في الشعر العربي بيتا مشهورا لأحمد شوقي:
قم للمعلم وفه التبجيل
كاد المعلم أن يكون رسولا
يتضح إذن أن فعل "قاموا" في قوله تعالى يدل على الوقوف، أي الثبات في مكانهم حتى يتبيّن نور البرق. ونتساءل: لماذا لم يقل عز وجل "جلسوا" أو "قعدوا"؟ لعل في ذلك إشارة إلى معنى الهيبة والخضوع؛ إذ أن القيام هنا دالّ على التقدير والخشوع. يقول "البغوي" في تفسيره: «أي وقفوا متحيرين، فالله تعالى شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات من صفتها أن الساري لا يمكنه المشي فيها». والقيام هنا دال على التقدير والخشوع. إن التعمق في تأويل الصورة كما يسميها النقاد بالصورة الفنية أو الذهنية يفضي بنا القول إلى أن القوم المخاطبين في الآية يجلسون لما تظلم عليهم الطريق خوفا وترقبا، ويقومون لما تضيء لهم. وبين الظلمة والنور جاء قوله تعالى «الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ» [البقرة 257 ]. وبين هذين المعنيين تدور الحلقة الكونية، فنقول واقع مظلم فهو حالك أسود قاتم، وبيت مضيء فهو بهيج مريح، ووجه مضيء فهو صبوح يغشاه نور، قال تعالى: «فأما الذين ابيضت وجوههم...» [آل عمران 107]. قد يوحي الظلام والظلمة بالسواد، بينما يدل الضياء والبياض على النور.
وعودة إلى الآية الكريمة وفي سياق التقابل الدلالي نقرأ في موضع آخر «هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال» [ الرعد12]، لقد أجمعت التفاسير على اعتبار البرق قد يحدث صاعقة وهنا يقع معنى الخوف، وقد يتبعه مطر وغيث وهنا يقع معنى الطمع بعد القنوط من الجفاف فيرسل السحاب المحملة بالأمطار. عبر هذه الثنائية يمكن أن ننتقل إلى معنى آخر يتجلى في الخصائص الأسلوبية للفظ " قاموا"، فالقيام ارتبط في كل الآيات القرآنية المشار إليها سابقا بمعناه اللغوي المباشر أي "الوقوف" لكن في ارتباطها بهذا التأمل والتحليل تدل على الخضوع والتقدير. إن ضوء البرق لا يمكن أن يعتمد عليه سالك الطريق ليلاً؛ لأن المدة الفاصلة بين ظهوره واحتجابه تُقاس بالثواني، لذلك فإن السير في ضوئه لا يحقق غاية السالك. فَلِمَ حضرت الآية في هذا السياق؟ يحيلنا هذا السؤال إلى كون القرآن الكريم يعتمد على مفهوم المشابهة لتقريب المعنى؛ إذ تمثل المشابهة نظاماً من العلاقات اللغوية والدلالية التي تسهم في بناء صورة ذهنية تتيح للمتلقي استكشاف أبعادها. ومن ثم جاءت الألفاظ: أضاء، أظلم، قاموا، مشوا، لتشكّل صورة دلالية متكاملة، مفادها أن الإنسان كلما لاح له نور الأمل قصده وسعى إليه، وكلما أظلمت الدنيا في وجهه تردد وتوقف. فهو بين إقدام وإحجام، بين نور يهديه وظلمة تربكه.
***
د. عبد المجيب رحمون







