قضايا
محمد الزموري: نهاية الجدارة البشرية
لطالما ارتبطت الحضارة الغربية بفكرة راسخة، وإن كانت ضمنية، مفادها أن الجدارة هي الأساس الذي يُبنى عليه التفوق الفردي. فمنذ تصورات أرسطو حول الفضيلة بوصفها نتاجًا للتكرار والممارسة، وصولًا إلى تحليلات ماكس فيبر للأخلاق البروتستانتية، تكرّست فكرة أن العمل الجاد والسعي المستمر هما الطريق المشروع لتحقيق النجاح. لم تكن الجدارة مجرد وصف لسلوك، بل شكلت معيارًا أخلاقيًا يُقاس به الفرد، ودليلًا على قدرته على تشكيل مصيره.
غير أن هذا التصور التقليدي بدأ يتعرض لتحديات عميقة في عصر الذكاء الاصطناعي. إذ لم يعد الجهد البشري شرطًا لإنتاج نتائج عالية الجودة، بعدما أصبحت الآلات قادرة على إنجاز مهام معقدة - كالكتابة والإبداع الفني - في وقت قياسي. وهنا يبرز تساؤل جوهري: ما قيمة الجدارة إذا لم تعد النتائج تعكس مسارًا طويلًا من التعلم أو الموهبة أو الخبرة؟
تكشف هذه التحولات عن فجوة متزايدة بين قيمة النتيجة وقيمة العملية التي تؤدي إليها. فالخوارزميات، بخلاف البشر، لا تعرف الإخفاق أو التردد، بل تعمل بكفاءة مستمرة وتتطور بسرعة. وفي هذا السياق، يمكن استحضار تصور بيونغ-تشول هان لمجتمع الأداء، حيث يتحول الفرد إلى كيان يسعى لإثبات ذاته عبر الإنتاج الدائم. غير أن هذا الدور نفسه أصبح مهددًا، مع دخول الذكاء الاصطناعي بوصفه فاعلًا جديدًا قادرًا على الإنتاج دون قيود إنسانية.
في الأصل، ظهرت الجدارة كبديل عادل للأنظمة الطبقية القائمة على النسب والامتيازات الموروثة. فقد وعدت بإتاحة الفرص بناءً على الكفاءة والجهد. لكن هذا التصور لم يخلُ من الإشكاليات، إذ يشير مايكل ساندل إلى أن الجدارة قد تتحول إلى أداة تبرير أخلاقي للنجاح والفشل، مما يولد شعورًا بالاستحقاق لدى الناجحين، ويعمّق الإحساس بالإقصاء لدى الآخرين.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتفاقم هذه المفارقة. فإذا كانت الأنظمة الذكية قادرة على إنتاج أعمال فنية أو نصوص فلسفية تضاهي أعمال كبار المبدعين، فإن ذلك يطرح تساؤلات حول طبيعة القيمة البشرية. هل تظل الموهبة معيارًا للتفوق، أم أن قابلية استنساخها تقوّض معناها؟
تُظهر هذه التحولات أيضًا تغيرًا في أنماط السلطة والمعرفة، وهو ما يمكن فهمه في ضوء أفكار ميشيل فوكو، الذي رأى أن كل عصر ينتج أدواته الخاصة لتنظيم السلوك. فإذا كانت الجدارة قد أدت هذا الدور سابقًا، فإن الأنظمة الخوارزمية تؤدي اليوم وظيفة مماثلة، حيث لم يعد التقييم قائمًا على المعرفة بحد ذاتها، بل على القدرة على استخدام التقنيات التي تنتجها.
بذلك، ينتقل مركز القيمة من «امتلاك المعرفة» إلى «إدارة المعرفة»، ومن الجهد الفردي إلى الكفاءة التفاعلية مع الأنظمة الذكية.
وفي نفس السياق لطالما اعتُبرت الموهبة مجالًا حصريًا للإنسان، ومصدرًا لتميّزه. غير أن تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي يقوّض هذا التصور، إذ أصبح بإمكانه إنتاج أعمال فنية ونصوص إبداعية دون امتلاك تجربة إنسانية أو وعي ذاتي. وهنا يبرز تساؤل حول طبيعة الإبداع ذاته: هل هو تعبير عن ذات، أم مجرد إعادة تركيب لمخزون ثقافي؟
في هذا السياق، يمكن استحضار رؤية أومبرتو إيكو للثقافة بوصفها ذاكرة جماعية. إلا أن هذه الذاكرة، حين تُعالج بواسطة أنظمة غير واعية، تتحول إلى مادة قابلة لإعادة الإنتاج بلا حدود، مما يضعف الارتباط بين الإبداع والذات الإنسانية.
في ظل هذه التحولات، يبدو أن مفهوم الجدارة بحاجة إلى إعادة تعريف. فبدلًا من ربط القيمة بالإنتاجية فقط، يمكن النظر إليها من زاوية أوسع تشمل الوعي والمسؤولية. وتنسجم هذه الرؤية مع تصور هانا آرندت، التي رأت أن جوهر الفعل الإنساني يكمن في القدرة على البدء وإحداث الجديد، لا في مجرد تحقيق النتائج.
كما يحذر يوفال نوح هراري من أن المستقبل قد يشهد تنافسًا بين أنماط مختلفة من الذكاء، إلا أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في التفوق على الآلة، بل في الحفاظ على المعنى الإنساني في عالم تحكمه الكفاءة التقنية.
في هذا الإطار، قد تصبح القدرة على التوقف والتأمل - بدلًا من السعي الدائم نحو الإنتاج - قيمة بحد ذاتها. وهو ما يذكّر بأفكار فالتر بنيامين، الذي أشار إلى أن التقدم الثقافي قد يخفي في طياته أبعادًا إشكالية إذا لم يُرافقه وعي نقدي.
وبالمقابل لا يعني صعود الذكاء الاصطناعي نهاية الجدارة بقدر ما يكشف حدودها. فهو يدفعنا إلى إعادة التفكير في ما نعتبره قيمة: هل تكمن في النتيجة أم في التجربة الإنسانية التي تقود إليها؟ وربما يكمن التحدي الحقيقي في الانتقال من مفهوم الجدارة بوصفها إنتاجية، إلى فهم أعمق لها باعتبارها تعبيرًا عن الوعي والمعنى.
في عالم تستطيع فيه الآلات تحقيق الكمال التقني، قد يظل النقص البشري - بما يحمله من تجربة وحدود - هو المصدر الحقيقي للقيمة الإنسانية.
***
الأستاذ محمد إبراهيم الزموري







