قضايا
شيماء هماوندي: رؤية فلسفية للعلاقة بين الإنسان والذكاء الإصطناعي
كان الهدف من إنشاء الذكاء الإصطناعي في البداية هو خدمة البشروتسهيل حياتهم، والسعي الى تسهيل التواصل الإجتماعي، من خلال تيسير طرق الإتصال والتواصل بين البشر، والعمل على تيسير سُبل الوصول الى الأهل والأصدقاء، وزملاء العمل، الذين يحتاجون الى برامج ذكية تؤمن سرعة التواصل في أي وقت وأي مكان في العالم، بالإضافة الى تكلفة إقتصادية أقل مقارنة بطرق التواصل و الإتصال في الماضي، ولقد كان هذا الهدف في البداية هدفاً نبيلاً وسامياً، حيث كان يأمل العلماء من خلاله دعم التواصل الإجتماعي، وتوطيد العلاقات الإنسانية، وأن تساعد تطبيقات التواصل الإجتماعي الأهل والأصدقاء، والأفراد والجماعات، على التواصل الإجتماعي، والعلمي أيضاً، لكن وبمرور الوقت أصبحت هذه الأدوات والتطبيقات الذكية هي ذاتها سبب عزلة الإنسان، و شعوره بالوحدة في المجتمع المعاصر.
في عالم اليوم، وبعد حصول التقدم التكنولوجي الهائل والسريع، أصبح الذكاء الإصطناعي جزءاً لا يتجزأ من حياتنا، بل يمكن القول أنه أصبح الجزء الأهم في حياتنا، حيث تسلل الى كل جانب من جوانب الحياة، مُتخذاً أشكالاً ومواصفات وقدرات مختلفة، فأصبحنا نشاهد روبوتات محادثة لديها قدرة وكفاءة في التواصل مع الإنسان، والتفاعل مع أفكاره ومشاعره، الى درجة أنه أصبح في عزلة إجتماعية، وبدأت قدراته الإجتماعية، والذهنية، في التراجع مقابل تطور سريع وهائل في قدرات هذه الروبوتات الذكية، القادرة على أن تتشكل في صورة صديق لطيف يخفف عن الإنسان أوقاته الصعبة، ويدعمه نفسياً، ومعنوياً بكلام مؤثر، كما ويحكي له القصص والنكات الطريفة ويغير حالته النفسية والعقلية، والمزاجية بكل سرعة وسهولة، بل ويعطيه بعض الحلول للخروج من الأزمات، إن وجود هذه الروبوتات الإجتماعية بمختلف أشكالها وقدراتها ومواصفاتها، على الرغم من أنها تقدم فوائد وتسهيلات لاحصر لها لحياة الإنسان، إلا أنها في الوقت نفسه أخذت منه شيئاً مهما جداً لم ينتبه إليه الكثيرون، ألا وهي إنسانيته!
أحد الجوانب الرئيسية للعلاقة بين الذكاء الإصطناعي والشعور بالوحدة يكمن في قدرة الذكاء الإصطناعي على توفير الرفقة، خاصةً بالنسبة للأفراد الذين يعانون من العزلة الإجتماعية، أو صعوبة التواصل مع الآخرين، أو الذين يفتقرون الى شبكات دعم قوية، مثل العائلة والأصدقاء، لذلك يمكن للذكاء الإصطناعي أن يكون بمثابة بديل إفتراضي للدعم البشري لهؤلاء.
ظاهرة الروبوت الصديق (القدرات والإمكانيات)
يمكن لمساعدي الدردشة المدعومين بالذكاء الإصطناعي على سبيل المثال، المشاركة في المحادثات، وتقديم الدعم العاطفي، وحتى تقديم الرفقة، مما يخفف من الشعور بالوحدة عند الإنسان المعاصر المحاط بالتكنولوجيا وضغوطات العمل، علاوةً على ذلك يمكن للروبوتات الإجتماعية المصممة للتفاعل مع البشر على مستوى عاطفي ان تقدم إحساساً بالصداقة الحميمية مع الإنسان، وتعطي شعوراً قوياً وعميقاً للإنسان أن هنالك من يسمعه، ويشجعه، ويتعاطف معه، ويدعمه من دون أي مقابل او مصلحة، أو خدمة، أو حتى إلتزام مالي، او أخلاقي، يجب عليه تقديمه أو الوفاء به، وأغلب تلك الحالات تحدث مع المراهقين، والشباب العاطلين عن العمل الذين يبقون لوحدهم لفترات طويلة، ولا يتواصلون مع الناس، ولا ينخرطون في علاقات إجتماعية حقيقية في مجتمعهم، وكبار السن، الذين تزوج أبناءهم، أو تقاعدوا عن العمل، ولم يعد أحد يهتم بأمرهم، أو يسأل عنهم، أو أولئك الذي يعانون من مشاكل نفسية، أو إعاقات بدنية، تحتم عليهم التواجد بمفردهم لفترات طويلة، هؤلاء هم من أكثر الفئات في المجتمع الذين يتفاعلون بشكل أكبر مع الروبوتات الذكية، وتطبيقات المحادثة.
علاقة الروبوتات الذكية بتراجع القدرات الفكرية والإجتماعية والذهنية للإنسان
إن علاج مشكلة الوحدة التي يعاني منها الإنسان المعاصر ليس بالأمر السهل، وهو ليس من إختصاص الفلسفة وحدها، أو علم النفس وحده، أو علم الإجتماع، بل إن المسؤولية هي مسؤولية أخلاقية تتطلب تعاونا وتكاتفاً بين باحثي جميع هذه العلوم للوصول الى حلول واقعية لهذه المشكلة التي أصبحت تشكل إحدى الظواهر الخطيرة في مجتمع الذكاء الإصطناعي المعاصر، والتي يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة.
إن العلاقة بين الذكاء الإصطناعي والإنسان هي علاقة ليست بسيطة، بل هي مشكلة وأزمة أخلاقية، وأزمة في الوعي الإنساني، ترمي بضلالها على الجيل الجديد، جيل الشباب، والمجتمع المعاصر بأكمله، فعلى الرغم من أن الذكاء الإصطناعي يمكن أن يًخفف من الشعور بالوحدة لقترة مؤقتة، ولكنه شعور مؤقت يزول بسرعة، بل ويؤدي بمرور الوقت الى تفاقم حالة العزلة التي يعاني منها الإنسان، لأن إعتماد العقل البشري على التفاعلات التي يدعمها الذكاء الإصطناعي لفترات طويلة، قد يؤدي الى فقدان الإنسان لمهارات التواصل الإجتماعي، والى تراجع الوعي الذهني، حيث أنه يؤدي الى تداعيات خطيرة، من خلال تكوين جيل من البشر يعتمد إعتماداً كلياً على هذه التقنيات، مما يقلل من فرصهم في الإنخراط في تفاعلات بشرية حقيقية، علاوةً على ذلك يمكن ان يخلق طبيعة التفاعلات التي يدعمها الذكاء الإصطناعي وهماً بالإتصال مع هذه البرامج الذكية والروبوتات، حيث قد لايتمكن الأفراد من تجربة العمق والتعقيد والتفاعل الذي يميز العلاقات الإنسانية، وفي نهاية المطاف، يمكن أن يؤدي هذا الوهم الى تفاقم الشعور بالوحدة والعزلة، بدلاً من زواله والتخلص منه، حيث تصبح هنالك فجوة كبيرة بين التفاعلات الإفتراضية، والروابط الإنسانية الحقيقية، وهذه الفجوة هي مالا يمكن لأي تطبيق ذكاء إصطناعي أو روبوت ذكي ملؤه، أو تعويضه، فالصديق الروبوت، أو برنامج المحادثة الذكي، لايمكن بأي شكل من الأشكال أن يحل محل التجربة الإنسانية الوجودية في العلاقات البشرية.
نود ان نقول بإختصار أن العلاقة بين الذكاء الإصطناعي والإنسان هي علاقة متعددة الأوجه، ومعقدة في الوقت نفسه، ففي الوقت الذي يعمل الذكاء الإصطناعي على ( محاكاة لتجربة الصديق للإنسان)، ورغم أن لديه القدرة على توفير الرفقة، والتخفيف من الشعور بالوحدة، فإنه في الوقت ذاته ينطوي على مخاطر أيضاً، منها خطر تعزيز العزلة الإجتماعية، والإعتماد على التفاعلات الإفتراضية، ومع إستمرار تطور الذكاء الإصطناعي ودمجه في مختلف جوانب حياة الإنسان، أصبح من الضروري دراسة آثاره على القدرات الفكرية الإنسانية، و مدى تأثيره على تراجع التواصل الإجتماعي الحقيقي بين البشر، حيث يجب وضع معايير أخلاقية واضحة ومحددة تحكم علاقة الإنسان بالروبوتات، والتطبيقات الذكية، والعمل على ضمان إستخدام هذه التقنيات بطرق تعزز الإتصال الحقيقي والروابط الإجتماعية.
***
شيماء هماوندي






