قضايا

وليد كاصد الزيدي: الانحياز والتزييف في الكتابات التاريخية

إشكالية الحقيقة بين السرد والذاكرة والسلطة

يُعدّ التاريخ من أكثر الحقول المعرفية تعقيدًا، إذ لا يُكتب بمعزل عن الإنسان الذي يصوغه، ولا عن السلطة التي تُوجّه كتابته، ولا عن الذاكرة التي تحفظه أو تعيد تشكيله. فالتاريخ ليس مجرد سجل للوقائع، بل بناء سرديًا تتداخل فيه الرؤية الفكرية للمؤرخ مع السياق الاجتماعي والثقافي والسياسي، مما يجعل الانحياز والتزييف جزءًا من طبيعة الكتابة التاريخية.

تنبثق أزمة مصداقية الرواية التاريخية من تعدد الروايات واختلاف السرديات حول الحدث نفسه. وقد عبّر الشاعر والمفكر العراقي معروف الرصافي عن هذا التشكيك بقوله:

"فما كتبُ التاريخ في كل ما روت

لقرّائها إلا حديثٌ ملفّق"

ويشير هذا إلى أن النقد لا يعني إنكار الماضي، بل معاينة الحاضر المليء بالتناقضات والتزييف، مما يثير التساؤل حول مصداقية ما نُقل عن الأزمنة الغابرة.

كما أن التاريخ يتأثر بالأيديولوجيا والهيمنة، وقد وصف الفيلسوف الفرنسي ڤولتير التاريخ بقوله:

"التاريخ هو افتراء الأحياء على الأموات"

في إشارة واضحة إلى هيمنة الحاضر على الماضي، وإلى دور السلطة والغلبة في صياغة السرديات التاريخية. وفي هذا السياق، يظل المؤرخ يعيد ترتيب الوقائع داخل حبكة سردية تعكس منظوره الفكري وبيئته الثقافية، مما يجعل التاريخ نصًا تأويليًا، لا مرآة شفافة للواقع.

ويمثل التاريخ الشفوي مجالًا غنيًا، لكنه شديد الإشكالية، لاعتماده على الذاكرة الفردية والجماعية، وهي ذاكرة انتقائية قابلة للنسيان والتحوير. الانتقال من الرواية الشفوية إلى التدوين لم يُنهِ التزييف، بل نقله من فضاء الذاكرة إلى فضاء الأرشيف، حيث تخضع الوثيقة نفسها لشروط إنتاجها وحفظها.

ومن منظور مفاهيمي، ليست مفاهيم مثل الدولة، الأمة، والهوية ثابتة، بل هي بناءات تاريخية متغيرة، وإسقاط المعاصر على الماضي يُعدّ شكلًا من أشكال التزييف المعرفي. كما تُظهر الدراسات أن الحقيقة التاريخية نتاج علاقات قوة وخطابات مهيمنة، وليست انعكاسًا مباشرًا للواقع.

انطلاقًا من هشاشة التوثيق وتعدد المصادر واختلاف المناهج، يصبح الاختلاف في تفسير الأحداث التاريخية أمرًا مشروعًا ومنهجيًا، ويؤكد هيغل أن:

"نتعلم من التاريخ أن أحدًا لا يتعلم من التاريخ"

مما يبيّن أن التعصب لرواية واحدة يؤدي غالبًا إلى إعادة إنتاج الأخطاء نفسها بدل فهمها وتجاوزها.

وبهذا يصبح النقد المنهجي والانفتاح على تعدد القراءات شرطًا أساسيًا لتجاوز التزييف وإعادة الاعتبار للتاريخ، باعتباره مجالًا معرفيًا مفتوحًا للتأويل والفهم، وليس أداة لإنتاج اليقينيات المغلقة أو تبرير الهيمنة الفكرية والسياسية. وبهذا، يتحوّل الوعي النقدي من خيار فكري إلى ضرورة معرفية وأخلاقية لفهم الماضي والحاضر، وفك شفرات القوى والسرديات المهيمنة في التاريخ.

***

د. وليد كاصد الزيدي

في المثقف اليوم