قضايا
علي عمرون: عندما استعادت الجزائر عقلانية ابن رشد
مؤتمر 1978 كمشروع تحرري
في نوفمبر من عام 1978، لم يكن العالم العربي يراوح مكانه فحسب، بل كان يترنح تحت وطأة انكسارات كبرى وتيه فكري عميق، غارقًا في دوامة من العنف والأزمات التي هددت كيانه. ففي عام 1973، جاءت حرب أكتوبر لتؤكد أن الصراع مع إسرائيل هو قدر المنطقة، وأن سلاح النفط الذي هز أركان الاقتصاد العالمي لن يكون كافيًا لتحرير الأرض وبناء الداخل. وفي شهر أفريل سنة 1975 اشتعلت شرارة الحرب الأهلية اللبنانية التي مزقت نسيج بلد كان يُعدّ رمزًا للثقافة والتعايش والحريات. ثم انفجر الوضع من الداخل في مصر، قلب العروبة النابض، بسبب ما سُمّي آنذاك انتفاضة الخبز.
في خضم هذه العواصف، وتحت وطأة الانكسارات السياسية والأزمات الاقتصادية والتيه الفكري، لم تختر الجزائر أن تقيم مهرجانًا ثقافيًا عابرًا، ولا أن تنظم ندوة أكاديمية شكلية تُضاف إلى رفوف النسيان. ما حدث في نوفمبر 1978 كان فعلاً ثوريًا من طراز رفيع؛ إذ تم استدعاء فيلسوف من أعماق التاريخ، لا ليُعلَّق كصورة جميلة على جدار واقع متخلّف، ولا ليُتحف به كتمثال برونزي في متحف الأفكار الميتة، بل ليُنزَل إلى الخندق.
لقد استُدعي أبو الوليد محمد بن رشد إلى الجزائر المستقلة حديثًا كمحارب حكيم ومقاوم عنيد ورفيق سلاح في معركة التحرر التي لم تكن قد انتهت بعد. لم تكن معركة 1978 تدور بالبنادق كما كانت قبل ربع قرن، بل كانت تدور بالأفكار. كان العدو هذه المرة هو الخمول الفكري والاستسلام الحضاري والتملّق للماضي بدل استثماره، والانبهار بالآخر بدل محاورته .
في اليوم الأول من الأيام الستة للمؤتمر، أعلن المفكر مصطفى الأشرف، وزير التربية والتعليم، في كلمته الافتتاحية التي كانت أقرب إلى بيان سياسي-فلسفي منها إلى خطاب بروتوكولي: «لا يجوز أن يتخذ مهرجانكم مظهرًا شكليًا وأكاديميًا، وإنما يجب علينا أن نعطيه جميع الأبعاد التي يمكن أن تستخلص من تجربة ابن رشد وصراعه الطويل في سبيل الحقيقة الموضوعية كمنهج ودليل ينير طريقنا». أراد لهذا المؤتمر أن يتحول إلى ورشة لإعادة بناء العقل العربي على أسس صارمة: الحقيقة الموضوعية منهجًا، والعمل الواعي دليلاً، والنقد الصريح أداة. فلم تكن الجزائر تحتفل بابن رشد، بل كانت تستهدف فتح أفق واسع وباب للتحرر؛ ذلك أن استعادة العقل الرشدي ليست ترفًا فلسفيًا، بل محاولة جادة لاستئناف أسئلته الحارقة ومشروعه الثوري.
خطاب مصطفى الأشرف: حينما يتكلم السياسي بلغة الفيلسوف
جرت العادة في مثل هذه المؤتمرات أن يلقي الوزير المسؤول كلمة بروتوكولية يغلب عليها الثناء والتمجيد. كان بوسع الأستاذ أن يفعل ذلك بسهولة، خصوصًا وهو يقف أمام نخبة من أبرز المفكرين العرب والمستشرقين العالميين. لكن ما فعله المفكر مصطفى الأشرف كان صادمًا في خروجه عن النمط الكلاسيكي، وثوريًا في عمقه. لقد حوّل كلمة الافتتاح من فضاء احتفالي إلى مشرحة فكرية للأزمة العربية، متسلحًا بجملة افتتاحية موجزة اختصرت المأساة: «لقد كان بودنا أن يعقد هذا المهرجان في ظروف عربية مرضية، وهذا ما دعانا إلى تأجيله عدة مرات». كاشفًا عن جرح مفتوح، مذكّرًا أن مؤتمر ابن رشد لا يُعقد في فراغ، بل في قلب عاصفة الانكسارات العربية والتخلف والانقسام. وقيّم التراث العربي بين «تراث ما قبل الانحطاط» و«تراث ما بعده»، وتحدث عن «جراثيم الانحطاط» التي تسربت إلى ربوع البلاد العربية. هذا التعبير العضوي الخطير يعني أن المرض لم يعد خارجيًا، بل أصبح كائنًا حيًا يتكاثر في الداخل. في هذه اللحظة، ينتقل ابن رشد من كونه فيلسوفًا يُحتفى به إلى كونه الترياق المضاد لتلك الجراثيم، داعيًا إلى مقاييس صارمة جبارة لاسترجاع التراث الصحيح ، ومعددًا هذه المقاييس كأنه يصوغ بيانًا تأسيسيًا لمدرسة فكرية جديدة: «التواضع والتقويم السديد والجهود الخلاقة، والرؤية العميقة والنقد الصريح والمنهاجية المحكمة المنتظمة على الحقيقة، والنفور من كل ما هو مبهم ومزيف». كل كلمة هنا موجهة ضد آفة معينة: التواضع ضد الغرور، النقد الصريح ضد المجاملة، النفور من المبهم ضد الخطاب الإنشائي الذي يملأ الدنيا ضجيجًا ولا يقدم معرفة. فالمفارقة التاريخية تكمن في أن ابن رشد ورثه عنا غيرنا في الغرب وتجاهلناه إلى عهد قريب.
خطاب إبراهيم بيومي مدكور والتأسيس العلمي لاستعادة العقل
إذا كان خطاب الأشرف هو «البيان السياسي-الفلسفي» الذي حدد الهدف، فإن كلمة الدكتور إبراهيم بيومي مدكور، رئيس اللجنة التحضيرية، كانت الوثيقة العلمية التأسيسية التي وضعت الإطار المعرفي لهذا الهدف. جاء خطابه ليجيب عن سؤال أساسي: من هو ابن رشد الذي نستدعيه إلى الخندق؟ وما هي أبعاده التي تجعله جديرًا بهذا الاستدعاء؟
بدأ مدكور من الخاص إلى العام، من المحلي إلى الكوني: «ابن رشد، فيلسوف المغرب غير منازع، نشأ في الأندلس، وشب فيها وترعرع». بهذا قطع الطريق على أي محاولة لاختطاف ابن رشد من سياقه الحضاري. إنه «مغربي مولدًا ووطنًا، تعليمًا وتثقيفًا، حياة وإقامة». لكنه في اللحظة نفسها انتقل إلى البعد العالمي: «أما ابن رشد في تاريخ الفكر الإنساني فحقبة من القول وعلم من الأعلام؛ فهو الخاص الذي صار كونيًا، والمحلي الذي صار إنسانيًا»
قدم مدكور ابن رشد كعقل موسوعي "هو في الفقه مشرع وإمام"، مستشهداً بكتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد". وتتبعه كطبيب: "أطب للناس وعالج، وكان طبيب الخليفة يوماً"، منوهاً بكتابه "الكليات". وتتبعه كسياسي ومجتمعي، مشيراً إلى رأيه السابق لعصره في حقوق المرأة: "يرى... أن من حقها أن تشارك في أعباء الحياة داخل البيت وخارجه، وهذا ما لم تصل إليه بعد تماماً امرأة القرن العشرين". كان مدكور يرسم ابن رشد في صورة المثقف العضوي الذي يغمس يديه في كل شأن من شؤون مجتمعه.
لم يكتفِ مفكرنا بالقول إن الغرب "ورثه عنا"، بل قدم تفصيلاً علمياً دقيقاً: "ترجمت كتبه إلى اللاتينية ولما يمض نصف قرن على وفاته... ويبلغ عددها نحو 38 شرحاً". وتحدث عن أثره في الفلسفة المدرسية، وفي الفكر اليهودي، وفي جامعات شمال إيطاليا حيث "تعتبر جامعة بادوا القلعة الكبرى التي عمر فيها المذهب الرشدي حتى القرن السابع عشر". بل ذهب أبعد إلى أثره في الفن: "لابن رشد أثر واضح في فن التصوير الإيطالي في القرن الرابع عشر والخامس عشر، وفي متاحف أوربا وكنائسها صور معبرة أوحى بها الفيلسوف الإسلامي".
بهذا السرد العلمي الرصين، حوّل مدكور "الفاجعة" التي شخصها الأشرف إلى شهادة ميلاد عالمية. لم يعد الأمر مجرد حسرة على ضياع التراث، بل صار اعترافاً بقيمته الاستثنائية التي أدركها الآخر قبلنا. وختم بدعوة عملية ما زالت تنتظر الاستجابة: "ابن رشد جدير بأن تكون لجنة باسمه لإخراج ما لم يسبق إخراجه من مؤلفاته".
خريطة المعركة الفكرية الأبحاث الخمس والثلاثون
البحوث الـ35 التي قُدمت في ذلك الملتقى تكشف عن الخطة العملياتية لتحقيق هذا الهدف. لم تكن هذه الأبحاث إضافات أكاديمية إلى "المكتبة الرشدية"، بل كانت أشبه بـ ورشة عمل فكرية ضخمة، توزعت فيها المهام على خمس جبهات قتالية متكاملة.
الجبهة الأولى: تفعيل المنهج. حمل لوائها باحثون رأوا في ابن رشد صانع منهج لا مجرد صاحب آراء. قدم الدكتور محمد عاطف العراقي بحثاً استراتيجياً بعنوان "المنهج النقدي في فلسفة ابن رشد". وتوزعت جهود ماجد فخري ومحمد كامل عياد بين "فلسفة ابن رشد الأخلاقية" و"تأثير ابن رشد على مر العصور". فيما ذهب عبد الحميد صبرة إلى قلب العلم الرشدي ببحثه "ابن رشد وموقفه من فلك بطليموس"، مبرزاً أنه لم يكن ناقلاً بل ناقداً ومصححاً.
الجبهة الثانية: فك الاشتباك بين العقل والدين. كانت هذه هي المعركة الأم. حمل الدكتور محمد أمان بن علي العنوان المباشر: "العقل والنقل عند ابن رشد". واشتبك البير نصري نادر مع "مذهب الحقيقتين عند ابن رشد". وتقاسم الدكتور جلال محمد موسى والأستاذ أحمد محمد جلي السؤال نفسه: العلاقة بين الدين والفلسفة. وكان وجود باحثين من خلفيات عقدية مختلفة على المنصة نفسها تطبيقاً عملياً لـ"المنهاجية المحكمة" التي دعا إليها الأشرف.
الجبهة الثالثة: الالتصاق بالواقع. هي التي استجابت مباشرة لنداء "النزول إلى الخندق". قدم الدكتور عمار طالبي بحثاً استراتيجياً هو "النظرية السياسية عند ابن رشد". وقدم الدكتور غانم الهنا "المجتمع في نظر ابن رشد". وفي لحظة جزائرية خالصة، ربط الدكتور السعيد شيبان الماضي بالحاضر في بحثه: "من طب ابن رشد إلى طب عبد الرزاق ابن حمدوش الجزائري".
الجبهة الرابعة: استعادة المكانة في الفكر العالمي. هي الرد العلمي على مقولة "ورثه عنا غيرنا". سأل الفرنسي لويس جاردييه سؤال الأصالة في "أصالة ابن رشد"، وتبعه مواطنه جون جوليفيه بـ "أصالة ابن رشد بالنسبة لأرسطو". فيما قدمت الإيطالية فرنشيسكا لوكيتا بحثها "الرشدية البادوانية" ناقلة المعركة إلى قلب أوروبا.
الجبهة الخامسة: ترسيخ القيم والمعرفة. لبناء الإنسان الجديد، قدم الدكتور عبد الرحمن بيصار "وحدة الكون العقلية في الإطار العام لفلسفة ابن رشد". وبحث الدكتور الربيع ميمون عن "القيم السائدة في فكر ابن رشد". واختُتمت هذه الجبهة بعنوان لافت لممثل فلسطين: "ابن رشد ذروة تطور حضاري وفلسفي"، ليؤكد أن استعادة العقل جزء من معركة التحرر.
هندسة الأيام وآلة الزمن الفكرية
إذا كانت الأبحاث هي الذخيرة، فإن البرنامج الزمني (4-9 نوفمبر) كان هندسة تنفيذية صُممت لتحويل الأفكار إلى فعل. لا شيء تُرك للصدفة.
اليوم الأول: البدء من القاعدة. بعد الافتتاحيات، انطلق العمل بجلسة عن "حياة ابن رشد ومؤلفاته". كان هذا تأسيساً ضرورياً: قبل أن نسأل ماذا تعني أفكاره، يجب أن نعرف من هو الرجل وماذا ترك لنا.
اليومان الثاني والثالث (5-6 نوفمبر): "ابن رشد الفيلسوف". هنا استُخرجت الأدوات. في يوم واحد، اجتمع العقل العلمي الناقد (صبرة)، والعقل الفلسفي المجرد (جومث)، والعقل السياسي الواقعي (طالبي). ثم في اليوم التالي، استُكملت الجبهة بأبحاث عن الجدل (بترورث)، والأخلاق (فخري)، والمجتمع (الهنا).
مساء 6 نوفمبر: الانعطافة الكبرى. في أخطر لحظات البرنامج، عُقدت "ندوة عامة عن حاضر الفلسفة في العالم العربي". كانت هذه هي الجسر الذي منع المؤتمر من أن يصبح نادياً لمحبي التراث. بعد أن شُحن الحضور بطاقة ابن رشد، طُلب منهم توجيه هذه الطاقة إلى تشخيص واقعهم الراهن. إنها الترجمة العملية لصرخة الأشرف.
اليوم الرابع (7 نوفمبر): "الفلسفة والدين". بعد الندوة، أصبح الجمع جاهزاً لدخول المنطقة الأكثر حساسية. اجتمع باحثون من تونس والجزائر وإسبانيا وسوريا لتغطية الإشكال الأعقد من زواياه كافة: المعتزلة (بوعمران)، علوم الشريعة (مزيان)، مفهوم الثنائية (هرنانديث)، الطب (حمارنة وشيبان). لقد أثبت المؤتمر عملياً أن الحديث عن الدين والفلسفة معاً ممكن إذا توفرت "المنهاجية المحكمة".
اليوم الخامس (8 نوفمبر): "ابن رشد في الفكر الإنساني". فُتح الأفق على العالمية. انتقل المؤتمر من قرطبة إلى بادوفا إلى باريس، عبر أبحاث محمد كامل عياد (التأثير عبر العصور)، والعالمَين الأوروبيين أوتراي ونادر (تحقيق النصوص والرشديين اللاتين)، والفنوشي (ابن رشد وابن سينا وديكارت).
اليوم السادس (9 نوفمبر): الجلسة الختامية. صدر "التقرير النهائي والتوصيات". لم تكن هذه نهاية بيروقراطية، بل اعترافاً رسمياً بأن مهمة المؤتمر لم تنته، بل بدأت. التوصيات هي الوعد الذي قطعه المجتمعون بتحويل الكلمات إلى أفعال.
مؤتمر 1978 واستعادة إمكانية أن نكون
لم تستعد الجزائر في نوفمبر 1978 ابن رشد. لقد استعادت شيئاً أكبر: إمكانية أن يكون الفكر العربي فاعلاً في تاريخه، لا مجرد متعلق بأمجاد ماضيه أو تابع لإنتاج غيره.
الدرس الأعظم الذي يخرج به القارئ العربي اليوم من ذلك المؤتمر ليس أن ابن رشد كان عظيماً، فهذا يعرفه الجميع. وليس أن الجزائر نظمت حدثاً جميلاً، فهذا تاريخ يُروى. الدرس هو أن مؤتمر 1978 برهن على إمكانية الفعل. برهن على أن استعادة العقل ليست شعاراً للخطب، بل هي مشروع يمكن تخطيطه، وهندسته، وتنفيذه. لقد أثبتت الجزائر، في تلك اللحظة التاريخية، أنه حين تتوفر الإرادة السياسية الصادقة (الأشرف)، وحين يُستدعى العالم الموسوعي (مدكور)، وحين تُجند النخبة الحقيقية (الباحثون الخمسة والثلاثون)، وحين يُصمم البرنامج كآلة لإنتاج المعنى لا لاستهلاكه، يمكن للعقل أن يخرج من المتحف وأن ينزل إلى الخندق.
في زمننا هذا، الذي يعج بالتشويش والاستقطاب والانكسار، لا نحتاج إلى "مؤتمر آخر عن ابن رشد". نحتاج إلى سياسة ثقافية رشدية. نحتاج إلى من يجرؤ على أن يفعل ما فعله الأشرف: أن يقف أمام النخبة ويقول لهم بصراحة: واقعنا غير مَرَضي، ومهمتكم ليست مدح الأموات، بل إنقاذ الأحياء. نحتاج إلى من يحول المؤتمرات من مناسبات إلى مشاريع، ومن احتفاءات إلى ورشات.
***
الأستاذ: عمرون علي







