عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أكرم عثمان: بارانويا العظمة

حين يتحول الشعور بالاستحقاق إلى هيمنة واستحواذ على جهود الآخرين

لا تكمن الخطورة -سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات- في الفشل أو الضعف فحسب، بل في ذلك الشعور المتضخم بالعظمة والتعالي الذي يدفع البعض للاعتقاد بأنهم وحدهم الأحق بالنجاح والمكاسب والفرص، انطلاقاً من نرجسية الصورة الذهنية المصطنعة تجعلهم يقيسون الأمور بميزان مصالحهم الضيقة وحساباتهم الذاتية دون النظر لحقوق ومصلحة الآخرين؛ فهم لا يجدون طمأنينتهم إلا في الهيمنة والسيطرة والاستحواذ على كل شيء.

ولا يقتصر هذا النمط على السعي الطبيعي للتميز، بل يتحول إلى هوس دائم يبرر تهميش الآخرين وإضعافهم أو الاستيلاء على جهودهم بطرق قد تبدو في ظاهرها شرعية ومنظمة، بينما هي في جوهرها قائمة على التدليس والغش وتجيير الإنجازات، مع ادعاء زائف بالتمسك بالقيم والمبادئ.

إنها حالة نفسية معقدة توصف بـ« بارانويا العظمة »، حيث يعيش صاحبها قناعة راسخة بأنه الأذكى والأحق بكل شيء، وأن الآخرين مجرد أدوات في مسيرة صعوده؛ مما يجعله لا يحتمل نجاح غيره، ويدفعه إلى محاولة إقصاء والتشكيك في كل من يمتلك حضوراً أو كفاءة تهدد صورته المتخيلة عن ذاته.

فقد تتجلى الخطورة في أن هذه العقلية لا ترى في العلاقات الإنسانية قيمة بحد ذاتها، بل تختزلها في زاوية المنفعة والمكسب والسيطرة؛ فهي تسعى للاستحواذ على الآخرين وتدمير المنافسين عبر الاستيلاء على مقدراتهم ومواردهم المتميزة. فالناس في نظرها إما خاضعون أو تابعون أو منافسون لا يحق لهم بلوغ النجاح أو التفوق الذي تسعى هي لنيله وتحقيقه. وإذا عجزت عن احتواء الآخرين، عملت على إنهاكهم أو إضعافهم أو تجريدهم من التأثير والقدرات التي تمنحهم فرصة النجاح والتفوق.

لذا، يحيط أصحاب هذا النمط أنفسهم بمؤيدين يناصرونهم ويصفقون لهم، لا بمن يواجههم بالحقيقة المرة؛ لأنهم يرون في النقد تهديداً، وفي الاستقلالية تمرداً، وفي النجاح الجماعي انتقاصاً من عظمتهم المزعومة ومكاسبهم الملتوية. وفي المؤسسات، تتعقد المشكلة حين تتحول هذه العقلية المقيتة والمرضية إلى ثقافة تنظيمية، حيث تترسخ قناعة بأن المؤسسة هي "المركز" الذي يجب أن يدور الجميع في مساره وفلكه؛ فتتعامل مع الشراكات بمنطق الهيمنة بدلاً من التعاون، ومع الكفاءات بمنطق الاحتواء والسرقة بدلاً من التمكين، ومع الإنجازات بمنطق الاحتكار بدلاً من التشارك. ومع مرور الوقت، تتآكل القيم المهنية والأخلاقية لصالح عقلية المكسب المزعوم والانتصار المستمر، ولو جاء ذلك على حساب العدالة والنزاهة والعلاقات الإنسانية والأخلاقية.

غالباً ما ترتبط هذه الحالة بما يعرف في علم النفس التنظيمي بـ "الميكافيلية"، وهو نمط فكري يتبنى مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، حيث يتقدم النجاح على المبادئ. ورغم ادعاء أصحاب هذا الفكر تمسكهم بقيم أصيلة، إلا أنهم يغلبون السيطرة والاستحواذ بكل الطرق على العلاقات الإنسانية. وبناءً على ذلك، لا يشعر هؤلاء بتأنيب ضمير أو حاجة لمراجعة الذات عند استغلال الآخرين، أو الالتفاف على حقوقهم، أو سرقة أفكارهم تحت غطاء قانوني شكلي؛ فهم يعتقدون أن النتيجة النهائية تمنحهم شرعية كاملة لأفعالهم.

غير أن الحقيقة التي يغفلون عنها هي أن الهيمنة قد تمنح نفوذاً مؤقتاً، لكنها لا تبني احتراماً حقيقياً، كما أن الاستحواذ على جهود الآخرين قد يحقق نجاحاً سريعاً، لكنه يعجز عن بناء ثقة طويلة الأمد. فالعلاقات الصحية والمؤسسات الرصينة لا تقوم على الخوف أو الإقصاء، بل على التقدير المتبادل والشراكة والاعتراف بقيمة الآخر. وحين يواجه هؤلاء المتلاعبون بمنافسين يتمتعون بالنزاهة والشفافية، تنكشف هشاشتهم وتظهر زيف قدرتهم المعتمدة على التدليس.

تكمن خطورة "بارانويا العظمة" في أنها تدخل الفرد أو المؤسسة في صراع دائم مع الجميع، إذ ينظر للنجاح باعتباره "لعبة صفرية"؛ إما الفوز المنفرد أو هزيمة الآخرين بلا رحمة أو شفقة. وهذا الفكر يحرم صاحبه من متعة الإنجاز المشترك، أو الاحتفاء بتميز الغير، أو بناء بيئة عمل تكاملية.

ختاماً، يكمن النضج الحقيقي في القدرة على تمكين الآخرين لا السيطرة عليهم، وفي خلق مساحات للنجاح الجماعي بدلاً من الاستحواذ على الأضواء. فالعظمة الحقيقية لا تكمن في تجاوز الآخرين بوسائل ملتوية، بل في الارتقاء معهم مع منحهم الحقوق ذاتها التي تطلبها لنفسك وتنافسهم وفق رؤية شفافة وواضحة وفيها المصداقية والعدالة والإنصاف للجميع.

***

د. أكرم عثمان

7-5-2026