قضايا

فارس حامد: القانون والسلم الاجتماعي

تقوم غاية القانون على أساس من مبدأين أساسيين تجسد مضمونها القيم الاجتماعية السائدة، هما مبدأ أمن المجتمع واستقرار المعاملات (السكينة الاجتماعية)، ومبدأ تحقيق العــدل في المجتمع، تضاف إليهما غاية تبنتها في العصور الحديثة التشريعات المتطورة هي غاية تحقيق التقدم الاجتماعي فكانت احد أعمدة النهضة في الحياة الإنسانية المعاصرة.

القانون وغاية السلم والسكينة الاجتماعية:

هذه هي الغاية الاولى من القانون التي نمت وتطورت فكرتها ووسائلها عبر التاريخ، وقد ارتأت البشرية منذ نشأتها ان السلم والأمن الاجتماعي لا يتحقق إلا بعدة وسائل، منها؛

أولا وجود حاكم ذو سيادة وسلطة على رعيته، استندت مشروعية حكمه في البدء الى طبيعته الإلهية او ان ترشحيه للحكم يتم من قبل الآلهة او ان تقود العناية الإلهية الى اختياره، وتطورت هذه الوسيلة لاحقاً الى صيغة حكومة ديمقراطية منتخبة .

وثانياً ان توجد قوانين صارمة تفرض الجزاء على من يخالفها.

وكان الهدف من العقوبة قديماً هو الانتقام من الجاني وشفي غليل الضحية او عائلته، بل ان الانسان البدائي كان لا يفرق عند الانتقام بين الانسان والحيوان والجماد، فان اعتدى عليه إنسان، مميز او غير مميز، انقض عليه ليصرعه او يجرحه او يسترقه، وإذا كان حيوانا قتله وإذا كان جماداً هدمه او أتلفه، ثم أصبح الهدف من العقوبة في العصور الحديثة هو إعادة تأهيل الجاني وتحقيق الردع العام.

كما أدركت البشرية ان السلام الاجتماعي لا يتحقق إلا إذا سعى القانون الى التوفيق بين المصالح المتعارضة.

وتذهب المدارس الشكلية الحديثة، الى ان الغاية الأساسية من القانون هي توفير الامن الاجتماعي وترى في تأكيد سلطة الحاكم اساس كل خير وتقدم للمجتمع وكان عدد من فلاسفة اليونان يرون ان القانون هو حكم القوة، ولهذا عرف الفقيه (ثراسماخوس) وهو سفسطائي، العدالة بانها في صالح الأقوى، ومن أقوال الفقهاء الرومان المأثورة (ان ما يريده الحاكم هو ما يريده القانون) (3)

وفي العصور الحديثة كان من الطبيعي ان تتبنى مدرسة الشرح على المتون هذا الاتجاه، كما تبناه كبار الفلاسفة الألمان ومنهم هيجل، فالقانون من وجهة نظرهم يعبر عن مشيئة الحاكم، وتكرس هذا الاتجاه في المدرسة الوضعية القانونية الذي تزعمه كلسن(4)، فالقاعدة القانونية حسب هذا الرأي هي أمر يصدر من صاحب سلطة الى من يخضع لهذه السلطة مقترن بجزاء لمن يخالفه، وهذه القاعدة تنفصل بمجرد سَنها عن الأخلاق والعدالة، وإن كانا مصدر مادتها الأولية، لتستقل بوجودها كأداة تنظيمية للمجتمع ملزمة للأفراد دون حاجة للتحقق مما إذا كان القانون الذي يضم هذه القواعد الوضعية متفقاً مع حسن الأخلاق وروح العدالة او غير متفقاً معهما.

وأعلن كلسن ان (لا شأن للقانون بعلم الحياة)، وان نظرية القانون يجب ان تتناول القانون كما هو كائن لاكما ينبغي أن يكون، واستبعد فكرة العدالة من مجال القانون، بداعي ان الحكم على القانون بالعدالة او عدم العدالة يتطلب معايير لا تخضع للمعرفة العلمية ودعا الى نظرية محضة في القانون، ومن ثم هاجم نظرية القانون الطبيعي واصفاً إياها بانها حصيلة استنتاج غير صحيح .

وبذلك استبعد كلسن وأنصاره الحقائق والقيم المطلقة من المنهج القانوني، فالقانون حسب هذه وجهة النظر هذه يجب ان لا يخضع لأي تقييم أخلاقي، وزعموا ان علم القانون ليس إلا تحليلاً مجرداً للأنظمة القانونية الوضعية في الدول المختلفة، وان المفاهيم القانونية ينبغي ان يُنظر إليها مستقلة عن العوامل السياسية والاقتصادية والتاريخية ..

ويترتب على هذه النظرية، ان كل سلوك إنما يحدده القانون بصورة مباشرة او غير مباشرة، وعندما لا يكون عمل الفرد ممنوعا بِسُنة قانونية فهو مسموح به قانونا بصورة غير مباشرة، وبتعبير أخر، حسب وجهة النظر هذه، ان القانون لا يمكن ان يحتوي على ثغرات (5)، ولا يمكن ان يتمتع القاضي بأية سلطات تقديرية.

فالغاية التي يجب ان يكرسها القانون، حسب رأي كلسن، هي الأمن الاجتماعي بواسطة قواعد قانونية ثابتة نسبياً لا يقبل تطبيقها التقدير، لا تتقادم ولا تنسخ إلا بتشريع لاحق.(6)

ان استقرار المجتمع واستتباب الأمن فيه أمر لازم لإطمئنان أبناء المجتمع على سلامة حياتهم وأموالهم وحماية مصالحهم المشروعة، فاستخدام القوة وفق الضوابط القانونية ودون تعسف ضرورة اجتماعية لمواجهة مظاهر الإجرام والأنانية والخروج عن القانون وحب الذات المفرط الذي يفرز تصرفات سيئة كالربا والاحتكار والإجرام وهذا لا يتلاءم مع طبيعة العلاقات الاجتماعية السليمة.

ومن جانب أخر، فان غاية السكينة الاجتماعية تفرض بطبيعتها ضرورة التوفيق بين المصالح المتعارضة.

ذلك ان من المهم جدا والضروري للغاية تنظيم تلك المصالح المتعارضة حتى لا تعم الفوضى ويهدر السكون الاجتماعي إذا ما ترك لكل إنسان مطلق الحرية في تحقيق رغباته وفقا لمشيئته او وفق ما يعتقد او يظن انه حقا وعدلا.

فالقانون يتولى التوفيق بين المصالح المتعارضة مع مراعاة الإبقاء على اكبر مجال لحرية الفرد والجماعة، ويمكن ان يضحي القانون بالمصالح الخاصة حماية للمصلحة العامة، إلا ان ذلك لا يكون إلا إذا لم يكن هناك سبيل آخر لحماية المصلحة العامة يمكن ان يبقي على المصلحة الخاصة دون ان يمسها، وان لا تؤدي تلك التضحية الى إعاقة قوى الانسان الخلاقة او تكبيلها بالقيود التي تحد من انطلاقها.

فلا يمكن تحت اية تبريرات مثلا حرمان الناس من حق التعبير وحرية نشر الفكر والرأي والعقيدة في الظروف الطبيعية بزعم انها تتعارض مع المصلحة العام، ولو قاد المنطق المجرد الى هذه النتيجة. وهذا يعني ان هناك مصالح خاصة لا يمكن هدرها وان بدا ظاهراً انها تتعارض مع المصلحة العامة.

وتعتبر مسألة تنظيم المصالح المتعارضة من أهم الاعتبارات التي يجب ان يراعيها واضع القانون، لان القانون الذي تختل فيه حماية المصالح ويبدو فيه التحيز واضحاً وغير مبرر لفئة او طبقة من المجتمع من أهم عوامل عدم الاستقرار وفقدان الأمن الاجتماعي وسبباً للانتفاضات الشعبية والثورات عبر التاريخ .(7)

ولكن ماهي معايير تقييم المصالح وما هي بالتالي الأولويات التي يجب ان يراعيها المشرع وهو بصدد تنظيم المصالح المتعارضة ؟

ان معيار المصلحة العامة في الدول الديمقراطية يبدو أكثر انضباطاً لسببين أولهما شيوع الفكر الفردي البراكماتي وثانيها ان القانون يصدر عن هيئة منتخبة هي البرلمان.

ويضع الفقيه روسكو باوند معياراً عملياً عاماً هو وجوب اشتمال الحل على اكبر قدر من المصالح بأقل تضحية ممكنة، ويوضح روسكو فكرته بأن اعتماد هذا المعيار لا يعني ان جميع المصالح يمكن النظر إليها على انها في مستوى واحد او انها لا تخضع للمعايرة من حيث ترتيب الأهمية، ومن بين أول الحقوق التي يجب ان يتمتع بها الأفراد والتي تكون حافزاً للمشاركة في النشاطات الاجتماعية هو الحق في الاستقرار والآمان من العدوان الداخلي والخارجي، وحماية الصحة العامة وحماية الأسرة وحماية المؤسسات العامة وحماية الآداب العامة والاهتمام بحياة الفرد وحقه في العيش بمستوى لائق يتناسب مع المستوى الاجتماعي العام السائد.(8)

والأفكار العظيمة لا تكفي لوحدها بل ينبغي ان تكون وسائل تنفيذها ملائمة وان لا توقع صدمة في مشاعر أبناء المجتمع نتيجة انهيار القيم المفاجئ، ذلك ان للبشر عداء تاريخي وحذر دائم من التغييرات المفاجئة.

تطبيقات فكرة الأمن الاجتماعي:

قد يبدو غريباً للكثيرين ان النظام القانوني يتبنى انظمة تجافي منطق العدالة بوضوح، ولكن ذلك يأتي من المشرع بقصد بناءاً على غاية تغياها وهي تحقيق امن واستقرر المعاملات بعد ان ارتأى تقديمها في تلك الأحوال على اعتبارات العدالة، ومن ذلك الاعتراف بالحقوق المكتسبة التي مضت عليها فترة محددة من الزمن ولو كان أصلها غير مشروع وتحديد مدد الطعن بالأحكام أمام محكمة الاستئناف او التمييز بموجب القوانين الإجرائية بمدد قصيرة نسبياً وكذلك مدد الطعن بالقرارات الإدارية فأن مرت تلك المدد يرد الطعن او ترد الدعوى شكلاً بغض النظر عن صحة الحكم او القرار او خطأه او مخالفته للقانون. ومن ذلك أيضا نظام التقادم المسقط في الالتزامات، والتقادم المكسب في العقارات والمنقولات كأثر من أثار الحيازة.

أولا ـ الحق المكتسب: يرتبط الحق المكتسب بمبدأ عدم رجعية القانون للماضي ومبدأ امن وسكينة المجتمع برابطة وثيقة وهما اللذان يوفران له الأساس القانوني للحماية وتقوم فكرة الحقوق المكتسبة في الغالب على أساس حق سواء كان مصدره مشروعاً او غير مشروع عند نشأته ولكنه يتحول إلى حق مشروع بفعل عامل الزمن في الغالب تطبيقاً لمبدأ قانوني كلي هو مبدأ استقرار المعاملات وامن المجتمع الذي يتقدم عند التعارض على مبدأ العدل القانوني والحق الطبيعي.

فقد ينشأ الحق المكتسب من واقعة مادية تتضمن معنى التعدي والبطلان في عرف القانون أصلاً، كوضع اليد على ملك الغير واكتساب ملكيته بمرور الزمان المكسب للملكية أي بالتقادم .

وقد ينشأ الحق المكتسب بسبب تغير الشرائع او القوانين او تعديلها، كأن يوجد الحق في ظل قانون يعترف به ويحميه ثم يصدر لاحقا، ومهما طال الزمن، قانون أخر لا يعترف بهذا الحق وينتزع منه الحماية، الا ان الحق القديم باق ولا يمسه التغيير .

فلو تعين شخص في وظيفة معينة في ظل قانون لا يشترط حصول المتقدم للتعيين على شهادة جامعية، ثم صدر لا حقا قانون يشترط توفر شهادة جامعية لشغل هذه الوظيفة، فان وضع هذا الموظف الوظيفي لا يتأثر البتة، لان حقاً مكتسبا قد نشأ له في ظل القانون الملغي، ويوفر له مبدأ عدم رجعية القانون على الماضي الحماية

وفي إطار القرارات الإدارية لا يستطيع من تعرض لقرار جائر ان يطعن به الا خلال مدد محددة وبخلافه يسقط حقه بالطعن، ومقابل ذلك لا تستطيع الإدارة ان تلغي قراراتها غير المشروعة التي تولدت عنها حقوق مكتسبة للآخرين الا خلال المدد المحددة للطعن القضائي، لأنه بفوات المدة ليس للقاضي ان يلغي قراراً إداريا ولو كان غير مشروع ومن باب أولى ان لا يكون للإدارة ما ليس للقضاء، ذلك ان حقا مكتسبا ينشأ منها ولو صدرت معيبة بعيب من عيوب القرار الإداري.

وفي إطار الأحكام القضائية فان اكتساب الحكم الدرجة القطعية سواء بعد الطعن به تمييزاً او بسبب فوات مدة الطعن يولد حقاً مكتسباً لمن صدر الحكم لصالحه ولو تبين فيما بعد انه لم يكن على حق فيما كسبه او ولو توفرت أدلة جديدة ضده إذا كان متهماً بقضية جزائية، فلو اتهم شخص بجريمة قتل ثم حكمت المحكمة ببراءته واكتسب الحكم الدرجة القطعية، ثم ظهرت بعد ذلك أدلة جديدة تدينه فلا سبيل لإعادة محاكمته (9)، وقد استثنت المادة 303 منه حالة تغير الوصف القانوني للجريمة،  لان البراءة حق مكتسب ولا سبيل لإعادة المحاكمة إلا في حالات محددة على سبيل الحصر،

والحكمة من الاعتراف بالحق المكتسب ومبدأ عدم الرجعية هو الحفاظ على امن واستقرار المعاملات التي يمكن ان يتسبب المساس بها في أزمة اجتماعية.

ثانياـ نظام الحيازة والتقادم المكسب:

الحيازة، سلطة واقعية يمارسها من وضع يده على شيء بحيث يظهر بمظهر صاحب حق عيني عليه كالمالك وبقصد مزاولة ذلك الحق، وان لم تستند هذه السلطة الى حق يعترف به القانون.

والحائز للشي قد يكون صاحب الحق فيه، وقد لا يكون كذلك، فان وجود الحق ليس لازماً لوجود الحيازة . فالغاصب او من يعتقد انه صاحب الحق يعتبر حائزاً مادام يمارس على الشيء سلطة فعلية، ظاهراً عليه بمظهر المالك او صاحب حق عيني اخر.

وتقوم الحيازة على عنصرين، مادي ومعنوي:

يتكون العنصر المادي من مجموعة الأعمال المادية التي يباشرها الحائز وتظهره بمظهر صاحب عيني كالمالك، فان كان حاز منزلاً سكنه، وان كانت أرضا زراعية باشر زراعتها وان كانت ارض سكنية باشر البناء عليها، ويجب لصحة الحيازة، ان تنطوي هذه الأعمال على معنى التعدي، فان كانت تلك الأعمال برخصة من المالك او القانون فلا يتحقق الركن المادي للحيازة ولا يكسب الحائز الملكية او الحق العيني على الشيء مهما طال الزمن، إلا إذا انقلب معتدياً وعندها تحتسب المدة من هذا الوقت . وفي هذا نصت المادة (1145 /2) مدني عراقي على انه (ولا تقوم الحيازة على عمل يأتيه الشخص على انه مجرد إباحة...) .

أما العنصر المعنوي فيقصد به ان تتوفر لدى الحائز نية استعمال الشئ الذي يحوزه كصاحب حق عيني كالمالك.

وعليه لا يعتبر الحائز العرضي حائزاً بالمعنى القانوني كالمستأجر والمستعير والوديع والولي والتابع والناقل لعدم ظهورهم بمظهر صاحب حق عيني إلا إذا تغيرت صفة حيازتهم للشيء بأن أنكروا حق المالك واستأثروا بالشيء لأنفسهم .

وهكذا يتمتع المعتدي، او الغاصب ...، بالحماية القانونية التي يوفرها نظام الحيازة ويعتبرهم أصحاب الحق العيني على الشيء الذي في حيازتهم، وعلى من يدعي انه صاحب الحق عبأ الإثبات قبل انتهاء مدة التقادم، فان مرت مدة التقادم المقررة قانوناً وتحققت شروط التقادم اكتسب المعتدي الحق بالتقادم.

يتضح مما تقدم ان الملكية سلطة قانونية، أما الحيازة فهي سلطة واقعية فعلية .

ثالثاًـ التقادم المسقط

التقادم المسقط عبارة عن مضي مدة معينة على استحقا الدين دون ان يطالب به الدائن، فيترتب على ذلك سقوط حقه في المطالبة إذا تمسك بالتقادم من له مصلحة فيه. وحكمة تبني التقادم المسقط هي استقرار المعاملات.

فلا يمكن من الناحية العملية ان يوفر القانون الحماية الى الدائن الى اجل غير مسمى، والقانون يفترض ان سكوته عن المطالبة مدة طويلة دلالة على انه استوفى حقه او انه قد نزل عنه للمدين، او ان المدين شخص مهمل فتكون رعاية المدين أولى . فليس من المقبول من ناحية استقرار المعاملات ان يسمح للدائن او ورثته بمطالبة المدين بعد مرور عدة أجيال.

وتبنى فكرة التقادم المسقط على أساس مزدوج يستند الى مراعاة فكرتي الصالح العام والصالح الخاص، وترتيباً على فكرة الصالح العام ومبناها عدم نظر المنازعات التي تقادم عليها العهد لتعذر الفصل فيها، لا يجوز النزول عن التقادم قبل ثبوت الحق فيه، ومن ثم لا يمكن للدائن ان يشترط مقدما تنازل المدين عن حقه بالدفع بالتقادم .ً وترتيباً على فكرة الصالح الخاص ومبناها قرينة الوفاء، لا يقع التقادم بقوة القانون، بل يجب ان يتمسك به من له مصلحة فيه .

وقد تبنى المشرع العراقي نظام التقادم المسقط في المادة (429) التي نصت على انه (الدعوى بالالتزام اياً كان سببه لا تسمع على المنكر بعد تركها من غير عذر شرعي خمس عشرة سنة مع مراعاة ما ورد فيه من أحكام خاصة) (13).

رابعاـ الغلط الشائع يقوم مقام القانون، مبدأ قانوني مهم وراسخ تاريخياً، متفرع من نظرية الأوضاع الظاهرة، التي تستند الى مبدأ امن واستقرار المعاملات في المجتمع، فإذا شاعت فكرة مغلوطة بين الناس وترتب عليها نشوء قواعد سار عليها افراد المجتمع ونظموا شؤونهم ومصالحهم على أساسها فإنها تصبح كالقاعدة القانونية، فان جاء احدهم وخرج على تلك القاعدة، استحق الجزاء المترتب على مخالفة القانون ولا يقبل منه احتجاجه بانها قاعدة مغلوطة. ومن تطبيقات ذلك ما نصت عليه المادة (384) مدني عراقي، من اعتبار الوفاء للدائن الظاهر مبرئاً لذمة المدين، واعتبار تصرفات الوارث الظاهر صحيحة ونافذة في مواجهة الوارث الحقيقي، فإذا وضع شخص يده على تركة متوفي باعتباره وارثاً وتصرف بأموال التركة للآخرين حسني النية، ثم تبين انه ليس بوارث، في هذه الحالة تبقى التصرفات التي أجراها صحيحة ولكن حقوقها تنتقل الى الوارث الحقيقي، ومن تطبيقات حماية الوضع الظاهر قاعدة (الحيازة في المنقول سند الملكية).

وهناك أمثلة عديدة أخرى في النظام القانوني ترجع في أصلها الى غاية السكينة الاجتماعية مثل نظرية الأوضاع الظاهرة واغلب قواعد الإجراءات والإثبات وقواعد تقادم الجريمة والعقوبة بالنسبة للقوانين التي تأخذ بها، وهناك قواعد ذات طبيعة جنائية مثل قاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وهناك قواعد قانونية ذات طبيعة سياسية مثل قاعدة مصلحة الدولة فوق القانون.

ان غاية الامن والاستقرار تبنى على أساس الأوضاع الظاهرة التي تجسد الحقيقة القانونية، والوضع الظاهر قد يتطابق مع الحقيقة الحقة او الواقعية او لا يتطابق. والحقيقة القانونية هي المعترف بها ابتداءاً مالم يقم الدليل على خلاف ذلك.

والأمثلة المتقدمة وغيرها بما فيها من خروج واضح على قواعد العدالة، فقد تبنتها الأنظمة القانونية الحديثة جميعاً لانها انظمة تحفظ للمجتمع سكينته وأمنه الاجتماعي واستقراره.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

في المثقف اليوم