قضايا

سامح مرقس: العلاقة بين الفكر والمادة

يعتبر سؤال العلاقة بين الفكر والمادة من أعمق الأسئلة في الفلسفة والعلوم، وقد شكّل محورًا لصراعات فكرية تمتد من اليونان القديمة إلى الفلسفة الحديثة والعلوم المعاصرة.

سنبدأ ب ”الموقف المادي“ الذي يرى أن المادة هي الأصل، والفكر مجرد نتاج ثانوي لعمليات مادية في المخ. يمكن تفسير كل الأفكار والمشاعر عبر نشاط الخلايا العصبية التي تمثل عمليات كيميائية حيويه تخضعي لقوانين الفيزياء الكموميه. وقد اوضح تصوير المخ المغناطيسي (Functional MRI) أن كل فكرة أو قرار يقترن بنشاط عصبي محدد في المخ . كما أظهرت دراسات أجراها عالم الأعصاب الأمريكي بنيامين ليبت في ثمانينيات القرن الماضي وجود نشاط كهربائي في الدماغ يسبق الشعور الواعي بالرغبة في الحركة. وهذا يُشكك في المفهوم التقليدي للإرادة الحرة، ويشير إلى أن الإرادة الواعية لا تبدأ الأفعال، بل تدركها فقط.

 يري ”الموقف المثالي“ ان الفكر أو الوعي هو الأصل، والمادة مجرد مظهر من مظاهره. كان افلاطون من رواد الفكر المثالي ويري ان العالم الحقيقي هو عالم المثل، وان الأفكار خالدة. اتفق الفيلسوف واللاهوتي الأنجلو-إيرلندي ”جورج بيركلي“، الذي عاش في القرن الثامن عشر، مع مبادئ المثالية واللامادية. ازداد الاهتمام بجورج بيركلي في الولايات المتحدة في أوائل القرن التاسع عشر، مما أدى إلى تسمية جامعة ومدينة في كاليفورنيا باسمه.

يمكن تلخيص العلاقة بين الفكر والمادة في ثلاثة نماذج رئيسية: ”النموذج المادي“، الذي يقر بان الفكر نتاج المخ؛ و ”النموذج المثالي“ يطرح ان الفكر هو الأصل والمادة مظهرًا من مظاهر الوعي؛ و ”النموذج الثنائي“، الذي يري ان الفكر والمادة تفاعلًا بين جوهرين.

هناك المدارس الروحية والفلسفات الشرقية مثل التصوف والبوذية التي تقدم رؤية مختلفة:

”التصوف" يعتبر الفكر والوعي والعقل أصل الوجود والحقيقة الأولى، والمادة هي مظهر من مظاهر وجود واحد، ولا يفصل التصوف بين العقل والعالم والوجود، ويرى أن كل شيء مترابطاً، وان المعرفة ليست فقط عقلية فحسب، بل تتضمن الحدس والشهادة والوجودية، وان الوعي يشارك في خلق المعنى، الذي يتجلى من خلال التجربة الداخلية.

اما "البوذية" فهي تعتبر العقل والمادة عمليتين مترابطتين، لا يمتلك أي منهما وجودًا مستقلاً.

تعرض الفلاسفه والمفكرين العرب والإسلاميين في العصور القديمه للعلاقة بين الفكر والمادة. اعتقد الفارابي وابن سينا ​​أن الفكر يتجاوز المادة؛ في المقابل، اعتقد ابن رشد أن العقل قادر على إدراك الكليات، وأن المادة أساس المعرفة. ويتفق هذا مع موقف المعتزلة، الذين يرفعون العقل إلى درجة جعله معيارًا للخير والشر، وأن العقل مستقل ولا تحكمه المادة. علي النقيض يعتقد الأشاعرة ان العقل محدود، وان الفكر ليس مستقلًا عن الإرادة الإلهية.

بالنسبه للفلاسفة والمفكرين العرب في العصر الحديث، مثل زكي نجيب محمود، وحسن حنفي، ومراد وهبة، فإنهم يميلون إلى المادية العلمية، ويعتقدون أن الفكر هو نتاج العقل وانعكاس منظم للمادة، ويرفضون الحتميات الميتافيزيقية.

ناقش العلاقة بين الفكر والمادة الفيلسوف برتراند راسل وعالم الفيزياء ستيفن هوكينج، وهما من أبرز مفكري القرن العشرين الذين لا يزال تأثيرهم مستمرًا حتى يومنا هذا.

تبنى راسل الوحدة المحايدة، وهو موقف يتجاوز كلاً من المادية والمثالية. فهو يعتقد أن تقسيم العالم إلى عقل ومادة هو تقسيم قديم موروث من أفلاطون والفكر الديني، وأنه يتعارض مع التقدم العلمي، لا سيما في الفيزياء وعلم النفس.

أوضح راسل أن الفكر والمادة ليسا جوهرين مختلفتين، ولا أحدهما أصل الآخر؛ بل هما مظهران للمادة المحايدة، وأن العقل والمادة هما جانبان لشيء محايد واحد.

قدم ستيفن هوكينج، رؤية واضحة حول العقل والوعي والمادة من منظور فيزيائي، ويمكن تلخيص موقفه في ثلاث نقاط رئيسية: الوعي هو نتاج عمليات فيزيائية في خلايا المخ؛ العقل ليس كيانًا مستقلاً عن المادة، بل هو نتيجة مباشرة لها؛ لا يوجد فكر أو وعي خارج المادة؛ والروح مفهوم ميتافيزيقي، وليس مفهومًا علميًا.

رفض هوكينج اي تفسير غير مادي، واعتبر الفكر الانساني هو نتاج درجة عالية من التعقيد في الماده التي تكون مخ الانسان، وليس هناك اي دليل علمي على وجود عقل مستقل عن البنية الفيزيائية.

تنظر فلسفة العلم الحديثة الي ان العقل لا يعكس الواقع كما هو، بل يبني نماذج تفسره، وهذه النماذج تتغير مع الزمن. وهناك أنطولوجيا جديدة للفكر والمادة توضح ان الوعي ليس ماديًا بحتًا، ولا روحانيًا محضا، بل هي علاقة تشاركية، وان الوجود هو شبكة من العمليات المعلوماتية، تتخذ شكلًا ماديًا عندما تُرى من الخارج، وشكلًا فكريًا عندما تُرى من الداخل، وان الفكر والمادة ليسا جوهرين، بل وجهان لعملية واحدة. (معني انطولوجي لغير المتخصصين؛ هو علم الوجود، وكيف يمكن تصنيف الأشياء وربطها ببعضها البعض).

في الختام، قدم العلم الحديث رؤية علمية شاملة للعمليات المعقدة في المخ البشري، حيث تتفاعل مليارات الخلايا العصبية من خلال شبكات واسعة من الاتصالات عبر عمليات تحكمها قوانين فيزياء الماده، لإنتاج الفكر البشري. اما المقاربات الأخرى للعلاقة بين الفكر والمادة فهي تفسيرات ميتافيزيقية تشكّلت قبل الفهم العلمي العميق للمادة، مع تصور سطحي وساذج لوظائف المخ، مما ادي الي انتشار معرفة زائفة لا تخضع للإثبات والدحض مثل المعرفه العلميه.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

في المثقف اليوم