قضايا
غالب المسعودي: السرديات الوهمية واقتصاد القوة

تؤرقني الأسماء التي يسكنها وسواس السلطة، تسري فيهم مثل الروح هو مخيف لأنه يعيد ترتيب الأولويات معياريا، يعبدون السلطة مثل الالهة ويدعونها بأسماء رمزية، هي لا تفقه صدى ادعيتهم، يتمرغون في الصحراء على سراب وجدانهم، السقوط الحقيقي هو السقوط نحو هاوية الروح، مع مرور الزمن تترسخ تقاليد ليس لها تقاليد، تجعل المدينة وحدات متفاوتة من القناعات تتلاعب بها ذاكرة غفى على سطحها تراب زمن النزاعات والحروب، النتيجة تحلل أجساد وخامات نفط ورماد داخل نبوءات الخير والشر، تنز فيها المجموعات الرعوية الراغبة في هز العروش يعاضدهم حلم السلطة البدائية، دون دعم حقيقي من الميتافيزيقيا. في المدينة الحديثة تلعب السرديات الوهمية دورا مهمًا في تشكيل مفهوم اقتصاد القوة، الدول التي مرت بتجارب استعمارية من عصر الاستعمار الاول، تُستخدم السرديات حول المقاومة الوطنية لتوحيد الشعب تحت مظلة استعمار جديد. في الولايات المتحدة مثلا، تُستخدم السرديات حول الاستثنائية الأمريكية لتبرير التدخلات العسكرية والاقتصادية في الخارج وتُستخدم أيضا لتبرير الصراعات الاقتصادية، مثل النزاعات حول الموارد الطبيعية، في إفريقيا غالبًا ما يرتبط الاستغلال بسرديات تاريخية حول الاستعمار، بعض الدول تستخدم السرديات لتعزيز قوتها الناعمة، من خلال الثقافة والسياسة تزيد بذلك تأثيرها الدولي وتسوق صورة إيجابية للدول المستعمرة في الساحة الدولية، احيانا تُستخدم السرديات لتوجيه فهم التاريخ، مما يؤثر على كيفية تقييم القوة في العلاقات الدولية. العديد من الدول تعيد كتابة أو تعديل مناهجها وتعزز سرديات تعكس قوتها وتأثيرها التاريخي، الإعلام يلعب دورًا حاسمًا في ترويج السرديات، ما يؤثر على الرأي العام والسياسات الاقتصادية وتغطية الأحداث التاريخية بطريقة خاصة. تظهر العلاقة بين السرديات التاريخية واقتصاد القوة، أن الفهم التاريخي لدور السرديات يمكن أن يؤثر على السياسات والعلاقات الدولية من خلال توجيه السياسات نحو تعزيز القوة والتفوق العالمي.
إعادة تدوير دور السرديات
الدين يمكن أن يُستخدم كذريعة للقيام بالحروب أو الصراعات، مما يؤثر على توزيع القوة والموارد، الحروب الصليبية كانت مدفوعة بسرديات دينية، حيث تم تصويرها ملحمة لاستعادة الأراضي المقدسة السرديات الدينية يمكن أن تؤثر على العلاقات بين الدول، حيث تُستخدم لتبرير التحالفات، النزاعات بين الدول ذات الأغلبية المسلمة والدول الغربية تُعززت بفعل السرديات الدينية التي تُصوّر الصراع الاقتصادي، حرب بين الإسلام والغرب، الدين يمكن أن يُستخدم لتبرير استغلال الموارد أو السيطرة على الأراضي، تُستخدم السرديات الدينية لتبرير الاستعمار أو السيطرة الاقتصادية على مناطق معينة العالم، تستخدم الدين كجزء من قوتها الناعمة، من خلال نشر قيمها الثقافية والدينية، بعض الدول تسعى لنشر الدين كوسيلة لتعزيز علاقاتها الدولية وزيادة نفوذها، مما يؤثر على توزيع الموارد، السلطة في بعض الدول تُستخدم السرديات الدينية لتبرير السياسات الاقتصادية التي تعزز من قوة مجموعة معينة على حساب أخرى، يظهر هذا أن الدين يلعب دورًا مركزيًا في تشكيل السرديات التاريخية التي تؤثر على اقتصاد القوة من خلال تقديم مبررات للحروب، و توجيه السياسات، وتغيير الهوية الجماعية.
الاستعمار واقتصاد القوة
تظهر العلاقة بين الاستعمار، واقتصاد القوة، والسرديات التاريخية كقوة وهمية في سياقات متعددة استخدمتها القوى الاستعمارية للسيطرة على الموارد والأراضي كوسيلة لتعزيز قوتها الاقتصادية والسياسية، ساهم الاستعمار في خلق اقتصاد عالمي غير متكافئ، حيث استغلت الدول الاستعمارية موارد الدول المستعمَرة لزيادة ثرواتها ونفوذها، غالبًا ما كانت تُستخدم السرديات التاريخية لتبرير الاستعمار، مثل فكرة (العبء الأبيض أو تحضير الشعوب)، هذه السرديات تُعزز من صورة الاستعمار كعمل نبيل، مما يخفي الواقع المعقد للاستغلال والظلم الذي أسهم في تشكيل هويات جديدة في المستعمرات، غالبًا ما كان ذلك على حساب الثقافات الأصلية مما جعل من الصعب على المجتمعات المحلية استعادة هويتها الحقيقية، السلطات الاستعمارية لها القدرة على السيطرة على الروايات التاريخية من خلال التاثير في ثقافة البرجوازية مما أعطى شرعية لأفعالها، هذه السيطرة على السرديات أدت إلى تشكيل تاريخ مشوه، حيث يتم تجاهل أو تهميش تجارب الشعوب الأصلية وترك آثارًا دائمة على الاقتصاد والسياسة والثقافة في الدول المستعمَرة، هذه الآثار تُستخدم كأدوات لتفسير الصراعات الحالية، حيث تُعزز السرديات التاريخية الفكرة بأن الاستعمار لا يزال له تأثير على العلاقات الدولية مما يُعطي الانطباع بأن هذه العمليات كانت ضرورية لتقدم البشرية بعد الاستقلال. من خلال تقديم السرديات كقوة وهمية، يتم تعزيز صورة الاستعمار كعمل نبيل، مما يخفي الآثار الحقيقية للاستغلال والظلم، فهم هذه الديناميات يساعد في كشف الحقيقة التاريخية والسعي نحو العدالة.
تفكيك السرديات
تفكيك السرديات التاريخية الوهمية يتطلب مجموعة من الإجراءات النقدية والمناهج البحثية. منها دراسة المصادر التاريخية بعناية، بما في ذلك الوثائق الأولية والثانوية، لتحديد انحيازاتها ووجهات نظرها، مقارنة عدة روايات تاريخية حول نفس الحدث للكشف عن التناقضات، دراسة السياق الذي كُتبت فيه السرديات، لفهم العوامل التي تؤثر عليها، تحليل العوامل التي قد تكون دفعت إلى تشكيل سرد معين، تعزيز مهارات التفكير النقدي، مما يساعد الأفراد على تحليل المعلومات بشكل مستقل، تشجيع الأفراد على طرح أسئلة حول الروايات التاريخية، الاستفادة من قواعد البيانات الرقمية والأدوات التكنولوجية لتحليل المعلومات بشكل أكثر دقة، الاطلاع على الدراسات الأكاديمية التي تتناول الموضوعات التاريخية من زوايا متعددة، العمل مع المؤرخين والباحثين لفهم الأساليب المختلفة في معالجة السرديات وتعزيز المناهج التعليمية التي تشمل وجهات نظر متعددة، بما في ذلك تلك التي تم تهميشها، إعادة كتابة التاريخ ليعكس تجارب الشعوب الأصلية والمهمشة، توثيق السرديات التاريخية ومراجعتها بشكل دوري لتصحيح الأخطاء وتعزيز الفهم الجماعي، نشر المعلومات المحدثة عبر منصات متعددة للوصول إلى جمهور أوسع، دعم الجهود المبذولة لاستعادة الحقوق التاريخية للأقليات والشعوب المتضررة، تفكيك السرديات التاريخية الوهمية يتطلب التفاعل و المعرفة والنظر من زوايا جديدة، تمكن من تحقيق رؤية أكثر دقة وشمولية.
دور وسائل الاعلام
وسائل الإعلام تلعب دورًا محوريًا في نشر السرديات التاريخية الوهمية، وهي تساهم في تشكيل الرأي العام من خلال تقديم روايات معينة، مما يؤثر على كيفية فهم الناس للأحداث التاريخية، ان تغطية الأحداث التاريخية بشكل يركز على جوانب معينة يعزز من سرديات معينة بينما يتجاهل جوانب أخرى ويحدد الروايات التي تُبرز وتلك التي تُغفل، يؤثر هذا على الوعي العام بالتاريخ، وقد تُعطى الأولوية لروايات القوى العظمى على حساب التجارب المحلية، مما يؤدي إلى تشويه الصورة الكاملة، اللغة العاطفية أو التحريضية قد تعزز من السرديات الوهمية في وصف الصراعات كـ(حروب مقدسة) أو (معارك من أجل الحرية) يؤثر على كيفية تفاعل الجمهور مع تلك الأحداث، وسائل الإعلام قد تعزز من السرديات التي تُشدد على القوالب النمطية، مما يؤدي إلى تقوية الأفكار المسبقة، قد تتجاهل وسائل الإعلام الحقائق التاريخية أو تبرزها بشكل محدود، مما يؤدي إلى تكوين صورة غير دقيقة عن الأحداث مثل تجاهل الأحداث السلبية المرتبطة بالاستعمار أو التدخلات العسكرية، قد تُستخدم وسائل الإعلام كأداة لتحقيق أجندات سياسية معينة، مما يؤثر على السرديات التاريخية المقدمة. إذا كانت السرديات الوهمية شائعة في وسائل الإعلام، قد تُدرج في الكتب المدرسية، إعادة سرد الأحداث التاريخية بشكل متكرر يؤدي إلى قبولها كحقائق لذا وسائل الإعلام تلعب دورًا حاسمًا في نشر وتشكيل السرديات التاريخية الوهمية. من خلال فهم كيفية تأثير وسائل الإعلام على الروايات التاريخية، يمكننا العمل نحو تعزيز الوعي النقدي وتحفيز التحقق من المعلومات. فلسفة القوة والسرديات التاريخية الوهمية مترابطة بشكل عميق، حيث تؤثر السرديات في كيفية فهمنا للسلطة، بينما تستخدم السلطة السرديات لتأكيد وجودها، هذه العلاقة يمكن أن تساعد في تعزيز وعي نقدي يمكن من خلاله التصدي للسلطويات المدعومة استعماريا وتعزيز العدالة الاجتماعية.
***
غالب المسعودي – باحث عراقي