قضايا
حمزة مولخنيف: الفلسفة في زمن الانكسارات الكبرى
الصدمة الحضارية وإعادة بناء الوعي
في لحظة تاريخية يهيمن عليها الإحساس بانكسار المعايير الكبرى واهتزاز الأسس التي قامت عليها الحضارات، يجد التفكير الفلسفي نفسه أمام تحدٍّ مزدوج يتمثل في فهم طبيعة الانكسارات الحضارية من جهة، وإعادة ترتيب أدوات الفهم التي يمتلكها الإنسان من جهة أخرى، بما يتيح له التعاطي مع تحولات غير مسبوقة في سرعتها وعمقها وتعقيدها. فالأزمة لم تعد سياقا عابرا للتفكير، بل غدت شرطا مكوِّنا له يفرض على الفلسفة أن تعيد مساءلة ذاتها قبل أن تنشغل بتفسير العالم. ذلك أن الصدمة الحضارية لا يمكن اختزالها في انعكاس مباشر للأزمات السياسية أو الاقتصادية أو التقنية، بل هي حدث وجودي عميق يمسّ بنية الوعي الإنساني في أبعاده المعرفية والقيمية والرمزية، حيث تتزعزع المسلمات وتُستأنف الأسئلة الأولى حول معنى الحياة والحرية والمعرفة وموقع الإنسان في العالم.
تكشف الانكسارات الكبرى كما أشار نيتشه في نقده لانهيار القيم، عن الجوانب المظلمة للحياة، وتضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع هشاشته ليس أمام العالم فحسب، بل أمام ذاته وتاريخه وأنماط تفكيره. فالصدمة الحضارية لا تتوقف عند حدود الأزمات الظاهرة، بل تنفذ إلى عمق المعرفة والثقافة، حيث تفقد المفاهيم الموروثة قدرتها على تفسير الواقع المتحوّل. إنها لحظة يلتقي فيها ضجيج التاريخ بقلق الفرد، ويتحوّل فيها الانكسار إلى عنصر بنيوي في تشكّل الوعي نفسه، بحيث لا تعود الأزمة محصورة في المؤسسات أو النظم الاجتماعية، بل تمتد إلى قدرة الإنسان على تصور معانٍ جديدة للعالم. وقد نبّه هربرت ماركوزه إلى أن الأزمة الحقيقية تكمن في تعطّل الخيال النقدي، أي في عجز الوعي عن إعادة إنتاج ذاته خارج القوالب السائدة.
تغدو الصدمة الحضارية اختبارا للعقل قبل أن تكون اختبارا للسياسات أو الاقتصاد، إذ تكشف حدود الفهم السائد وتضع الفكر أمام ضرورة مراجعة أدواته ومفاهيمه. فالإنسان في مواجهة هذه الصدمات لا يعاني فقط من فقدان الاستقرار الخارجي، بل من تآكل داخلي في المعنى، حيث لم تعد الأطر التفسيرية التقليدية قادرة على احتواء التجربة. تصبح الفلسفة مدعوة إلى مراجعة شروط إمكانها ذاتها، بعدما لم يعد في وسعها أن تكتفي بوصفها ممارسة نظرية قائمة على الاستدلال الصوري المجرد، حيث تتحول إلى فعل معرفي مقاوم يسعى إلى حماية القدرة على الفهم من التآكل الذي تُحدثه الوقائع الصادمة والمتسارعة.
لقد بيّن كانط في نقد العقل المحض أن الذات الإنسانية لا تستقبل العالم بوصفه معطى خاما، بل تشارك في بنائه من خلال أطر قبلية تضبط إمكان الإدراك والمعرفة. غير أن زمن الانكسارات الكبرى يعيد وضع هذه الأطر موضع اختبار جذري، كاشفا عن التوتر القائم بين الإدراك التجريدي المنفصل عن كثافة الواقع، والإدراك المتجذر في التجربة الحية وتحولاتها المفاجئة، وبين أدوات فكر استُهلكت تاريخيا وحاجة ملحّة إلى أدوات مفهومية جديدة قادرة على استيعاب اللامتوقع. إذ تنهض الفلسفة بوظيفة مصفاة نقدية دقيقة، تميّز بين الهشيم العابر والقيم الجديرة بالتأمل، وبين الانكسار بوصفه تعطيلاً والإمكان بوصفه أفقا مفتوحا، وبين الصدمة كواقعة صامتة والمعنى كإمكان للفهم والتأويل.
ويقدّم التاريخ نماذج عديدة لصدمات حضارية أجبرت الفكر الإنساني على إعادة ترتيب أدواته. فانهـيار الإمبراطوريات القديمة وتحولات النهضة الأوروبية والثورات الصناعية، ثم الانقلابات التقنية في القرن العشرين، لم تكن مجرد أحداث سياسية أو اقتصادية، بل لحظات كشفت محدودية أنماط التفكير السائدة. لقد أحدث فرويد من خلال اكتشافه للاوعي صدمة حضارية عميقة زعزعت صورة الإنسان عن ذاته، وجعلته يشك في وحدانية وعيه وقدرته على التحكم في دوافعه، فاتحا أفقا جديدا لفهم النفس والمعرفة. وفي السياق ذاته، شدّد سارتر على أن سقوط الموروثات الأخلاقية والاجتماعية لا يعفي الإنسان من المسؤولية، بل يجعل الوعي بالانكسار شرطا للحرية. فالصدمة ليست مجرد انهيار، بل لحظة كشف تفتح إمكان التجديد، حيث يتحول القلق إلى دافع لإعادة بناء الذات والمعنى.
هنا يبرز سؤال ملحّ حول علاقة الفلسفة بالواقع في زمن الانكسارات الكبرى: هل ينبغي للفلسفة أن تكون مجرد انعكاس للأزمات، أم أن دورها الأعمق يكمن في إعادة بناء أدوات الفكر؟ يرى هانس جورج غادامير أن الفهم ليس معطى جاهزا، بل حوارا مستمرا بين النص والزمن والمفسّر، وبين الحدث وأفق التلقي. ولا تُفهم الصدمة الحضارية بوصفها نهاية للمعنى، بل باعتبارها مناسبة لإعادة تشكيل وعي الإنسان وإعادة بناء أفق فهمه للعالم. فالفلسفة لا تواكب الحدث من الخارج، بل تنخرط فيه بوصفها ممارسة نقدية تعيد مساءلة المسلّمات، وتفتح إمكانات جديدة للفهم والتأويل.
الفلسفة في مواجهة الانكسارات الكبرى تواجه مفارقة حادة بين الانجراف نحو اليأس والشك من جهة، وإمكانات التجديد التي يفرضها وعي الإنسان بهشاشته من جهة أخرى. فكما يرى هيغل، لا يسير التاريخ في خط مستقيم، بل يتقدّم عبر أزمات تحمل في طياتها شروط تجاوزها، بحيث لا تكون الانكسارات الكبرى نهاية الوعي، بل لحظات انتقال تفرض إعادة تنظيمه. وفي الاتجاه نفسه، يشير رولان بارت إلى أن المعاني والنصوص قابلة للتمزيق بفعل الأحداث غير المتوقعة، غير أن هذا التمزيق ذاته يفتح أفقا للخلق، حيث تولد أدوات جديدة للتفكير والمعرفة.
وتتخذ الصدمة الحضارية بعدا إضافيا حين تُقارب من زاوية العلاقة بين الفرد والجماعة. فالإنسان المعاصر يعيش في سياق تتفكك فيه الهويات التقليدية وتتآكل القيم الموروثة، فيغدو الفرد شاهدا على انهيارات جماعية، ومطالبا في الوقت نفسه بإعادة بناء تصوّراته عن العالم. وغالبا ما تحاول البنى الاجتماعية والثقافية استعادة توازن قديم، حتى وإن كان وهميا، في حين تفتح الفلسفة أفقا نقديا يسمح بالتفكير في بدائل ممكنة. وتتحول الفلسفة إلى ممارسة تساعد على تحقيق توازن دقيق بين الفرد والجماعة والخوف والإبداع، وبين الانكسار والإمكان.
ولا يمكن فهم الصدمات الحضارية فهما كاملاً دون النظر في علاقتها بالمعرفة والسلطة. فكما بيّن فوكو، لا تنفصل التحولات المعرفية عن علاقات القوة، ولا تكون الصدمات أحداثا عشوائية، بل نتيجة لتفاعلات معقدة بين المؤسسات والأنساق المعرفية والوعي الفردي والجماعي. وتتجسد الفلسفة بوصفها وعيا نقديا يتجاوز الحدث في مظهره، ليفكك تراكمات القوة التي أسهمت في تشكيله، ويعيد التفكير في شروط المعرفة التي تمكّن الإنسان من فهم ذاته ضمن شبكة العلاقات الحضارية.
ويبلغ التفكير الفلسفي في الصدمة الحضارية ذروته حين ينفتح على البعد الوجودي العميق. فقد أشار هايدغر إلى أن الإنسان في لحظات الأزمة الكبرى يواجه «الوجود في ذاته»، أي وعيه المحدود وهشاشته أمام واقع غير متوقع. في هذه اللحظة، لا تعود الفلسفة نشاطا ذهنياً مجردا، بل تتحول إلى تجربة وجودية مباشرة، حيث يصبح السؤال عن المعنى والحقيقة أكثر إلحاحا، ويبرز التوتر الخلّاق بين الانكسار وإمكان إعادة الإبداع.
تتضح العلاقة التلازمية بين الصدمة الحضارية والفلسفة النقدية، فالانكسارات الكبرى بما تنطوي عليه من ألم واغتراب، لا تقتصر على كونها لحظات انهيار، بل تنفتح بوصفها إمكانا لإعادة التفكير في معاني الحياة والحرية والمعرفة. فالفلسفة ليست مجرد تفسير للأحداث، بل ممارسة نقدية وتجربة وجودية يتحول فيها الوعي إلى فعل مساءلة دائم، وتغدو الصدمة نفسها مناسبة لإعادة بناء الفكر والقيم وأفق المعنى. وفي زمن الانكسارات الكبرى تصبح كل لحظة وعي فلسفي تجربة مقاومة، وكل أزمة دعوة لإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم والمعرفة والواقع، وبين الانكسار والإمكان، بما يسمح ببناء وعي فلسفي قادر على مواجهة التحولات العميقة بروح نقدية متجددة.
وتفرض الصدمة الحضارية إعادة التفكير في مفهوم العقلانية ذاته. فالعقل الذي صاغته الحداثة الكلاسيكية بوصفه أداة للسيطرة والتنظيم والتنبؤ يجد حدوده واضحة أمام واقع يتسم باللايقين والتعقيد والتسارع. هنا لا يعني نقد العقل التخلي عنه، بل توسيع أفقه وجعله أكثر انفتاحا على التعدد والاختلاف والاحتمال. الفلسفة وهي تعيد مساءلة العقل، تسعى إلى تحريره من أوهام الاكتمال والسيطرة، وتعيد ربطه بالتجربة الحية والأسئلة الوجودية التي لا تختزل في نماذج تفسيرية جاهزة.
وتتضح أيضا هشاشة العلاقة بين المعرفة والحقيقة في زمن هيمنة الصورة وتسارع المعلومة وتكاثر السرديات المتنافسة. فالحقيقة لم تعد تُستقبل بوصفها معطى ثابتا، بل بوصفها بناءً هشا يتعرض باستمرار للتشكيك والتوظيف والتلاعب. في هذا السياق تكتسب الفلسفة دورا مضاعفا، يتمثل في نقد آليات إنتاج المعنى، ومساءلة الحدود الفاصلة بين المعرفة والرأي، وبين الفهم والتضليل.
تظل الفلسفة في زمن الانكسارات الكبرى فعل مقاومة هادئة، وممارسة دائمة لإعادة ترتيب المعنى، واستعادة القدرة على التفكير في عالم لا يكف عن اختبار حدود الإنسان ووعيه. إنها ليست ترفا فكريا بل ضرورة وجودية، تمكّن الإنسان من إعادة بناء علاقته بذاته وبالعالم، ومن تحويل الانكسار إلى أفق للفهم، والصدمة إلى إمكان للتجديد.
***
د. حمزة مولخنيف






