قراءات نقدية

ضياء خضير: صورة حسين مردان.. بين قصيدة فوزي كريم ورواية غائب طعمة فرمان

(خمسة أصوات)

كتب الشاعر فوزي كريم قصيدته الطويلة عن حسين مردان عام ١٩٧٢، وجعل الروائي غائب طعمة فرمان قبل ذلك حسين مردان واحدا من أبطاله الخمسة في (خمسة أصوات) التي صدرت عام ١٩٦٧. وفي الرواية والقصيدة كلتيهما هناك تصوّر أو صورة لحسين مردان يمكن أن تطلعنا على جانب من شخصية الرجل إنسانا وشاعرا جعل من الصعلكة منهجا وسلوكا خارجاً عن المألوف، ومن شأنه أن يكون محلّا للنظر والتحليل النقدي النثري والشعري. فهو، في غربته وغرابة أطواره، يبدو كما لو كان شخصية روائية خرجت من الورق لتبحث لها عن مكان على أرض الواقع العراقي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، تسجّل حضورها فيه، وتكون شاهدا عليه بطريقتها الخاصة. وبما أننا لا نستطيع أن نستعرض كلَّ ما ورد عنه في الرواية والقصيدة، فسنكتفي هنا ببعض الشواهد الدالة عنه في النصين.

يقول فوزي في بعض مقاطع هذه القصيدة:

"يا سيدَ الفقراءِ،

ويا سيدّ الحزنِ أنتَ،

اتكئ،

لم تحاربْ،

وكانَ غبارُ الطواحينِ في شفتيكَ،

ولم تختبرْ عاقراً تستميلُك عند الظهيرةِ.

قلتُ: اتكئْ.

إنه زمنٌ همُّه أن يُقلدك الشارةَ المستحيلة

ودماً ساخطاً،

عاثراً،

بين ظلِّ الإله عليكَ وظلِّ الرذيلة…

**

ـ هلْ تريدُ اسْمَه؟

اسمُه في الهوّيةِ… حسين مردان

واسمُه في الأزقَةِ حسين مردان

واسمُه في المقاهي… الإله…

واسمُه حينَ يعتزلُ الناسَ

… آه"

وهذه صورة حسين مردان في إحدى غزواته التقليدية داخل رواية كما يرصدها السارد في (خمسة أصوات):

"تلفّتَ قبل أن يعبر الشارع، ثم عبره بخطى عريضة. استراح بعدها مختفيا وراء عمود. سارق النظر، متظاهرا بالتفرج على مخزن الأقمشة قبل أن يخطو الخطوتين الأخيرتين، وينحدر إلى الزقاق. كان يخاف  عينَ سعيد. في تلك المرة دارى الموقف بحسن تبصّر، ولو رآه هذه المرة لثبتت الإدانة، وصلب على خشبة التشهير . قال لنفسه ليس العيب أن ترتكب المعاصي والموبقات، بل العيب كيف أن لا تستطيع أن ترتكبها في الخفاء، والناس تخدعهم ظواهر الأشياء يرون فتاة تسكن في بيت داعر فيسمونها داعرة. لا يعرفون ولا يهمهم أن يعرفوا لون قلبها، ولا ما تدفعه للشيطان ثمنا لإنسانيتها المعذبة، ولا ما تكابد من عذاب لتعتصر قطرات دفء تقدمها للمحتاجين إليها بشكل بائس.

رأي بعضَ الناس خارجين من المواقد يزعقون فأدار لهم ظهره، وتركهم يذهبون. إلا أنهم لصقوا وراء ظهره ثواني يسمع فيها فواق خطواتهم المتكثفة، وفحيح حنجراتهم غير النظيفة. وعندما شيع بسمعه جنازة أصواتهم سار في عجالة، وطرق الباب. أصبحت صبرية الآن تعرف مواعيده، وطرقات يده، وتتفرغ له. رآها بسترتها القصيرة تنظر إليه خلف الباب.

دخل وقال لها:

- أغلقي الباب"

وكما نرى، هناك بين الرواية والقصيدة بون تفرضه عادةً الرؤيةُ الشعرية ذاتُ الطبيعة المجازية والجمالية الخاصة من ناحية، والكتابة السردية التي تبدو أكثرَ واقعية وتفصيلا في عرضها لمقاطع من حياة وأصوات (شريف) الذي كان هو الاسم الذي خصّ به فرمان الشخصية الموجودة في رواية (خمسة أصوات) بهذه المواصفات، من ناحية أخرى.

وهناك من يرى أن شخصية عبد الرحمن، فيلسوف الصدرية، في رواية علي بدر (بابا سارتر) التي صدرت طبعتها الأولى عام ٢٠٠١، ذات علاقة بشخصية حسين مردان، وفلسفته الوجودية المليئة بعناصر التهكم الناتج عن تقليده الساخر لشخصية جون بول سارتر في هذه الرواية.

وأولى الملاحظات التي يمكن تسجيلها هنا هي أن الاهتمام بشخصية شاعر وأديب متمرد من هذا النوع يفوق الاهتمام بنصه الشعري، مع أن من المفترض أن يكون هذا النص هو السبب في هذا الاهتمام وتوجيه الأنظار إليه. أي أن الشاعر يتقدم هنا على نصه ويصبح النص تاليا، ليس له من الأهمية والقيمة ما لصاحبه نفسه. فكأن المؤلف يصبح هو النص الذي يجري الحديث حوله والاهتمام به. وهذا هو ما حصل لآخرين من الشعراء العراقيين المعاصرين الموصوفين بالصعلكة مثل جان دمو وَعَبد الأمير الحصيري، وآخرين قد لا يرتفعون في أنفسهم إلى مستوى حسين مردان في تجسيدهم لدور الصلعلوك الأصيل والشاعر المتمرد، وليس شارب الخمر والكحولي المدمن الذي يكتب شعرًا لا قيمة كبيرة له.

وللشاعر نصيف الناصري القريب من أجواء هؤلاء آراء يفرق فيها "بين من اختاروا مثله الصعلكة اختياراً واعياً كموقف من العالم والمجتمع والسلطة والعائلة، وبين بعض الناس اللطفاء ممَّن ابتلوا بالادمان المفرط في احتساء الكحول. ويعتقد أغلب أصحاب هذه الكتابات انهم في عملهم هذا يحققون فتحاً أو يكشفون عن طرافة عبر التحدث عن بؤس وفقر ونبل الصعلوك، لكن الحقيقة المرّة هي انهم يقدمون اساءة بالغة لمفهوم وشرف الصعلكة الذي نعرفه، وللتمييز بين الصعلوك وبين الكحولي، هو أن الأول ينتج ابداعه دائماً ويكرس له حياة كاملة ويتصف بطباع وشخصية لطيفة ومرحة، تمتزج أحياناً بفذلكات سوريالية محببة يفتقدها أولئك الذين يحيطون به والذين يهربون من دفء بيوتهم وصرخات زوجاتهم وأولادهم ومحيطعم الاجتماعي المعادي للحرية التي يحملها الصعلوك. بغض النظر عن حبه للكحول وعدم وجود وظيفة رسمية ثابتة له في مؤسسة ما تمنحه الراتب الوظيفي ومعيشته شبه الدائمة على عطايا الأصدقاء والجوقة التي تحيط به أينما حلّ وارتحل، أمّا الكحولي فهو ذلك الانسان الذي أصيب بمرض الادمان ولا يستطيع التخلص منه إلاّ بخضوعه لإشراف وعناية طبية في مراكز معالجة الإدمان.."

وثمة فرق بين العرض الذي نتعرف فيه على الشخصية وهي تتحدث عن نفسها، أو تستمع إلى أحاديث الآخرين عنها وحواراتهم معها، كما يجري في المقطع السابق من (خمسة أصوات)، وبين الحكم عليها، واستخلاص النتيجة والوصول بها إلى حافاتها النهائية المفترضة، كما يحصل في اللغة الشعرية القاطعة، والمتحكمة في هذه القصيدة، إلى الحد الذي جعل حسين مردان نفسه يقول لفوزي كريم لدى قراءته للقصيدة في حياته:

"إنك ترثيني يا فوزي"!

وإذا كانت حياة حسين مردان تبدو هكذا عبثية، وبلا معنى في زمنها الواقعي الذي لا يلبّي أبسط متطلبات الحياة للبسطاء من الناس، بله المثقفين الطامحين للتمتع بها واستنفاد كل ما فيها من فرص، ضمنَ الآفاق السياسية والاقتصادية المغلقة آنئذٍ، فإن النصين الشعري والروائي المتقدمين يمكن أن يوفرا هذا المعنى بما ينطويان عليه من جماليات شعرية تضفي على ذلك التاريخ الواقعي تلك الدلالة المفقودة. وما نراه هنا هو التجسيد العملي لما يمكن أن يحققه الفن كتعويض خيالي ممكن إزاء الواقع التاريخي المتردي.

والسؤال هو: أين نعثر إذن على حسين مردان الحقيقي؟

وهل هو موجود حقا كصوت وصورة في الرواية أو القصيدة..؟

وإذا كان الرجل موجودا بصوته أو بصورته المرآوية المرسومة في كلتيهما، فما هو الفرق بين الصورتين والشخصيتين؟ وما الصورةُ الأقربُ من غيرها إلى الرجل في حقيقته الواقعية كما عرفها أصدقاؤه والقريبون منه..؟

وهل من سبيل للوصول إليها، ومن خلالها إلى جوهر الشخصية الإنسانية وهي تتغير وتتحول مع مرور الزمن وتغير الأحوال؟

وربما جاز أن نطرح بهذا الصدد سؤالا آخر هو:

هل يمكن أن نطمئن إلى ما يكتبه حسين مردان نفسُه من كتابات شعرية ونثرية عن نفسه باعتبار ذلك أقربَ من غيره إلى حقيقته كإنسان أمضى حياته على هذا النحو الذي لا ينفك فيه عن عرض نفسه صعلوكا متبطلا، مفلسا، متقلبا بين الخمر والنساء، وكتابة الشعر الذي يقلد فيه الشاعر الفرنسي الرجيم بودلير، ويقلد بطريقة فاضحة سلوك الفيلسوف الوجودي سارتر، ولا يكاد يلوي على شيء غير عيش يومه وساعته كفرصة فريدة بين تناقضات الحياة وعبثيتها التي لا تنتهي ضمن فلسفته الوجودية الفطرية والموقف المزعوم من الحرية الشخصية؟ وربما كانت صورة المومس "صبربة" الموصوفة في هذا المقطع المتقدم من الرواية ورأي الناس الذين "يعرفون ولا يهمهم أن يعرفوا لون قلبها، ولا ما تدفعه للشيطان ثمنا لإنسانيتها المعذبة، ولا ما تكابد من عذاب لتعتصر قطرات دفء تقدمها للمحتاجين إليها بشكل بائس" بعضُ من ملامح (البغي الفاضلة) في مسرحية بول سارتر التي نرى فيها أن بطلتها البغي تقف موقفا يجعلها فاضلة بعد أن تقدم شهادتها وفقا لما يتطلبه واقع النفاق الاجتماعي القائم. فهي فاضلة لأن المجتمع والسلطة منحاها صفة الاحترام عندما قبلت أن تكذب في الشهادة وتخدم مصالح الأقوياء. ففضيلتها ليست أخلاقية حقيقية، بل فضيلة زائفة قائمة على الطاعة والخضوع، مما يكشف نفاق المجتمع الذي يكافئ الكذب إذا كان في مصلحة السلطة، ويعاقب الصدق والعدالة التي انطوت عليها بائعة الهوى الأمريكية هذه بطبيعتها.

- ثم ما مدى أصالة هذه الشخصية في التعبير عن نفسها عن طريق تضييق المسافة بين أفعالها ومعتقداتها، وبين سلوكها وما تتفوه به من ملفوظات فكرية وأدبية..؟

- وهل ثمة علاقة صادقة للرجل بذاته الشعرية المتضخمة التي لم يجد صاحبها إنسانا "ثائرا ومفكرا حرّا" غيرها، يهدي له ديوانه الأول (قصائد عارية) الصادر عام 1949، وما انطوى عليه هذا الديوان من "إسفاف أخلاقي وإباحية عالية"، حسب وصف المحكمة التي حوكم صاحب الديوان فيها، فيما لا يجد الشاعرُ نفسه في مناسبة أخرى، حرجا من البصق على تراب قبر أبيه الذي أوجد تلك "الطينة الملعونة"..! وهو ما يطيح بكل تلك الادعاءات الشكلية التي يبدو عليها الشاعر – الإله في المقهى كبيرا متفوقا، لتختصر حياته حين يعتزل الناس ويعود إلى نفسه بهذه (الآه) التي تقف وحيدة في السطر الأخير من القصيدة.

ـ هلْ تريدُ اسْمَه؟

اسمُه في الهوّيةِ… حسين مردان

واسمُه في الأزقَةِ حسين مردان

واسمُه في المقاهي… الإله…

واسمُه حينَ يعتزلُ الناسَ

…          آه ."

أما فوزي كريم، فلعل الدافع لإرتباطه بحسين مدان وكتابته عنه راجع إلى أنه لم يكن يخلو،هو الآخر، من ملامح مشابهة على نحو ما لشخصية حسين مردان شاعرا وإنسانا، على الرغم من اختلاف زمن حسين مردان عن زمنه.

"إنه زمنٌ همُّه أن يُقلدك الشارةَ المستحيلة ودماً ساخطاً، عاثراً، بين ظلِّ الإله عليكَ وظلِّ الرذيلة…"، كما جاء في القصيدة.

إذ يمكن النظر إلى شخصية فوزي كريم، على العكس من ذلك، بوصفها تجسيدًا نادرًا لاختيارٍ وجوديٍّ صارم، تداخلت فيه الصعلكة واختيار المنفى، لا كقدرٍ مفروض بل كموقفٍ أخلاقيٍّ وجماليٍّ واعٍ. فصعلكة فوزي، إذا صحت، لم تكن فوضى حياة، ولا تمرّدًا استعراضيًا، ولا طمعا بأمرأة متاحة، بل انسحابًا هادئًا من الجماعة، ورفضًا مبكرًا لكل أشكال الانضواء تحت سلطةٍ سياسية أو أيديولوجية أو حتى "جيلية" شعرية مؤطّرة ومحددة سلفا لدى بعض النقاد. كان فوزي كريم شاعرًا فردياً إلى أقصى حدود الفردية، يرى الكتابة فعلًا شخصيًا لا يحتمل الشراكة، ويؤمن بأن الشعر لا يُنتَج في الساحات ولا في البيانات، بل في العزلة والانتباه الصارم لما هو جوهري وعابر في آنٍ واحد.

واختياره المنفى اللندني بالنسبة لفوزي قد جاء امتداداً طبيعيًا لهذا المزاج. فلم تكن لندن بالنسبة إليه ملجأً عاطفيًا، ولا مسرحًا للحنين، بل فضاءً باردًا يضمن له مسافة كافية من الضجيج والانكسارات العراقية والعربية المتواصلة. هناك استطاع أن يعيش بوصفه أقلية صامتة، لا حقًّ لأحد بمطالبتها بالتبرير، ولا رغبة لها في التمثيل. لم يتحوّل في منفاه إلى شاعر شكوى أو نوستالجيا، بل إلى مراقبٍ يقظ، يرى العراق من زاوية التاريخ والواقع الدكتاتوري القائم، لا من زاوية العاطفة، ويتعامل مع الخراب بوصفه نتيجةً عميقة لبنية ثقافية وسياسية طويلة، لا مجرّد حادثة أو خيانة عابرة.

وتنعكس كثير من ملامح هذه الشخصية بوضوح في قصيدته الشعرية وقراءاته النقدية؛ لغة مقتصدة، شفافة، خالية من الزينة، تميل إلى التأمل والمساءلة أكثر من الميل إلى الإيقاع العالي أو الصورة المبهرة. كان قريبًا في حساسيته من الموسيقى الكلاسيكية، حيث الانضباط والاقتصاد والبحث عن النغمة الخالصة، وبعيدًا عن الحداثة الصاخبة التي تراهن على الصدمة والادّعاء. وفي كتاباته النقدية والسيرية بشكل خاص، كان قاسيًا على نفسه قبل أن يكون ناقدًا للآخرين، متحفّظًا، دقيقًا، يفضّل الصمت على القول الزائد، ويضع النص فوق صاحبه.

وفي العمق، كان فوزي كريم مثل حسين مردان شاعرًا ضد الجماعة، لا بدافع العداء، بل بدافع حماية التجربة من الابتذال. لم يستثمر المنفى سياسيًا، ولم يحوّل غربته إلى رأس مال رمزي، ولم يسعَ إلى احتلال موقعٍ في السوق الثقافي. دفع ثمن استقلاله كاملًا، واختار العزلة بدل الشهرة، والصدق بدل الخطابة، والمنفى بوصفه حريةً قاسية لكنها ضرورية. لذلك لم يكن حضوره طاغيًا في المشهد رغم تردده الكثير على بغداد بعد التغيير عام 2003، لكنه كان عميق التأثير في ضمير شعراء ونقاد مثل علي جعفر العلاق وحسن ناظم، بوصفه مثالًا لشاعرٍ عاش كما كتب: وحيدًا، متشككًا، ونزيهًا حتى النهاية. ولم يكن مسؤولًا عن الجفوة التي حدثت بعد التغيير بينه وبين صديقه الشاعر سعدي يوسف، لأن ابن يوسف هو الذي تمنّع عن زيارة العراق بعد ذلك التغيير مع أنه كان قبل ذلك من الدعاة لاحتلاله، حيث رأى في تصالح فوزي مع النظام الجديد نوعا من (الخيانة) للمبادئ الرافضة للاحتلال والتبعية.

أما حسين مردان، فلا أظن أننا بحاجة إلى القول إنه لم يكن يملك الوعي نفسه الذي امتلكه فوزي شاعرا وناقدا وإنسانا متصعلكا على طريقته الخاصة غير المعلنة أو الموضوعة تحت مانشيتات عريضة، على الرغم مما ذكرناه من وجود مشتركات ثقافية وإنسانية بينه وبين مردان شاعرا وصعلوكا جعل من قصيدته إعلانا متكررا عن حياته المتبطلة وصورته التي حاول أن يرسم فيها صورة تشبه تخطيطا كاريكاتوريا محدّثا للصعلوك العربي القديم في الجاهلية، وللعيّار البغدادي الذي تمتزج في شخصيته صورة النهّاب واللص الخفيف الظل في قدرته على الحفاظ على جانب من الروح الأخلاقي المميِّز  بين الأغنياء والفقراء في المجتمع العباسي الطبقي.

هذه وغيرها، من أسئلة وموضوعات لا يمكن الإجابة عليها دون الاطلاع على الرواية والقصيدة كلتيهما، فضلا عن ضرورة التعرف على كتابات حسين مردان ومدوناته الشعرية وغير الشعرية من أجل توفير القاعدة الضرورية للمقارنة وتقرير الحكم التقريبي الناتج عنها.

وهو حكم لا بدّ أن يكون معلقا أو نسبيا، وغير نهائي هو الآخر، ما دامنا نعرف أن اللحظات التي ندرك فيها أنفسنا تبقى نادرة، وأننا، كما يقول برغسون، "نادرا ما نكون أحرارا، فنحن نعيش الجانب الأكبر من وقتنا خارجَ أنفسنا"؛ ولا بدّ أن يكون الأمر أكثر صعوبة في هذا الإدراك من الناحية الفلسفية أو النفسية إذا كان الأمر متعلقا بأشخاص وذوات أخرى غير ذاتنا، وبقراءة أعمال شعرية وسردية يمكن أن ترينا جانبا من الصورة، وليس الصورة كلها. علما بأننا لا نتعرف على صوت حسين مردان في صورة سميه وقرينه شريف في الرواية مفردا، وإنما من خلال شبكة الأصوات الأخرى التي درج كل واحد منها على تقديم لقطة جانبية أو تلفظات كلامية خاطفة تصدر كتعليقات أو حوارات مع شريف أو حوله خلال جلسات الشرب أو العمل في الجريدة، التي لم نقرأ خلالها أي مقال أو تعليق للصحفي شريف نفسه فيها.

***

الدكتور ضياء خضير

في المثقف اليوم