عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

كنت تحت إدارة مشرفة، وتُعد هذه كارثة بالنسبة لي: أن تترأسني “امرأة”، والكـارثة الأخرى أن يرأسني “رجل” كذلك!

لعل الكارثة الحقيقية في أنا..

المهم أنني قرأت شخصية هذه الإنسانة منذ اليوم الأول، قرأت لغة جسدها، نظراتها، تصرفاتها، ولمست ما يفيض منها من حقد وكراهية وشر محتمل. وفوراً رسمت الشخصية التي سوف أكون عليها عند التعامل معها منذ تلك اللحظة.

علمت أن ردود الأفعال المباشرة لا تجدي نفعاً مع من هم على شاكلتها، ولا يجب أن يُرد لها الصاع صاعين على الإطلاق. بعض الشخصيات يجب ألّا تتوقع ردود أفعالنا، وعلينا التعامل معها باستراتيجية الغموض.

يقتلها عدم الرد عن الرد، يحرقها الصمت والبرود الشديد، والطاعة العمياء. وذلك بحد ذاته يتطلب مقدرة كبيرة على ضبط النفس ومراقبة كل كلمة وكل تصرف. وقد استغرقني الأمر سنوات حتى تعلمت هذه المهارة.

كنت أعرف في داخلي أن هذا القناع الرمادي الذي قررت ارتداءه قد يخنقني ببطء. لم يكن برودي سوى درع فولاذي يخفي وراءه بركاناً من الغضب، وحرقة أسئلة مؤلمة: لماذا أُجبر دائماً على أن أبدو أقوى مما أشعر؟ ولماذا لا أملك رفاهية الانهيار؟ عموماً لم أملك الوقت لذلك فمستقبلي المهني كان على شفير جرفٍ هاوٍ.

مشرفتي هذه كانت تفعل كل شيء لتخرج مني رد فعل واحد متوقّع: غضب، إحباط، بكاء، فرح، امتنان… أي شيء. لكنها لم تقابل إلا جداراً خشناً رمادياً، لا شيء فيه ملفت لأي انتباه. للدرجة التي جعلتها تكلفني بأربع تقارير مفترض أن ينجزها أربعة موظفين كحد أدنى! كلفت بإدخال بيانات يصل عددها إلى ١٨٠٠ قبل بداية كل شهر، وعليّ إنجاز هذا التقرير خلال ثلاثة أيام.

كنت أبقى بالمكتب إلى ما بعد وقت الدوام الرسمي الذي يمتد من السابعة صباحاً إلى الساعة الخامسة عصراً، لأغادر المكتب العاشرة والنصف مساءً ثم أستيقظ الخامسة فجراً. بقيت على هذا الوضع لقرابة العام.

أعمل بطريقة غير طبيعية، حتى قال لي أحد زملائي يوماً: “أشعر أنك تعيشين على التمثيل الضوئي! أتمنى أن أراكِ تأكلين أو تشربين شاي، قهوة، ماء، أي شيء! عمل عمل عمل… لا يصح أن تضغطي نفسك لهذا الحد.”

كنت أفعل ذلك لأختبر حدودي بهذه الحرب الصامتة، كيف لي أن أحرقها غضباً وأُظهر أسوأ ما لديها بدون أي ردة فعل مني؟ وواجهت ضغطاً كبيراً من قبل جماعة التبرع بالنصائح والتدخل في حياة الآخرين دون طلب، بضرورة تقديم شكوى رسمية.

وربما كانت معظم تلك النصائح منطقية، ولكن—كما أسلفت—من خلال تحليلي لتلك الشخصية ولتلك البيئة الموبوءة لم تكن المواجهة المباشرة خياراً جيداً. بل الحرب الباردة والتكتيكات بعيدة المدى هي ما أطاحت بهم جميعاً.

ولأنني كنت مضطرة ألّا أكشف شخصيتي الحقيقية، تحملت اتهامي بالسلبية والضعف والخضوع.

لم يجدِ تنمرها معي نفعاً، فقررت تحريض المدير ليبدأ هو الآخر تلك الحرب التي لا مسبب حقيقي لها سوى أنها لا تستسيغ شخصيتي!

كنت أحياناً أدخل المكتب وأقطع حديثاً عني بين زملائي، والذي على ما يبدو كان مثيراً للشفقة.

في مرة، دخلت المكتب ولم ينتبه لي أحد، وسمعت مديري يتكلم عني عند مجموعة من أعوانه، يخبرهم برغبته في طردي، وأنه لا يستطيع نكران الكفاءة الاستثنائية التي أقدمها، لكني “بومة” و”أسد النفس”، ويفضل استبدالي بسكرتيرة غنوجة تفتح له نفسه!

لا أدري ما هو مفهومه الحقيقي للسكرتارية، عدا عن حقيقة كونه إنساناً فاشلاً سواء فُتحت نفسه أم سُدت؟

المهم أن أحد الزملاء كان يدافع عني باستماتة قائلاً:

“إذا طردتها سوف تندم، فلن تجد من يأخذ العمل بكل هذه الجدية والتفاني ويحتمل كل المهام دون شكوى أو تذمّر.”

كان متحمساً جداً بالكلام، ولم ينتبه لدخولي. فجأة التفت خلفه ووجدني جالسة بمكاني. اصفر وجهه من الصدمة وقال:

– بسم الله! منذ متى وأنتِ بالمكتب؟

– رددت: منذ أن كنت بومة.

فاجأه الرد، وحاول طوال ذلك اليوم رفع معنوياتي بمدحي وإحضار قهوة وحلويات وغداء. وبعد انتهاء الدوام قال:

“كنت أراقب تصرفاتك، أحاول أن أرى دمعة، كتمة، زعل، أي شيء… معقول لم تتأثري بالكلام؟ أنا رجل، لكن إذا حصل وسمعت كلاماً عني بهذا الشكل ربما أختنق.”

رددت عليه بكل برود:

“تعتقد أني فعلاً ممكن أتأثر من هذا الإمعة؟ خيشة البصل الجالسة بالمكتب؟”

ضحك، وأطلق علي اسم “حديد” تعبيراً عن القوة والصمود، لكن للصمود ثمناً باهضاُ ولم يكن يدرك وقتها أن "الحديد" الصلب اللامع صدءٌ من الداخل.

اليوم التالي، دخلت على مديري هذا لمناقشة مهمة عاجلة كلفني بها. وقبل أن أخرج من مكتبه قلت له:

“على فكرة، حتى أنا أكرهك وأحمل هم ضغط العمل ورؤية وجهك، لكن دعنا نحتمل بعض إلى أن تجد الغنوجة وتفتح لك نفسك. وإلى ذلك الوقت يخلق الله ما لا تعلمون.”

بعد سنة وشهرين، نُقلت إلى قسم آخر. وفي حفلة توديعي قالت مشرفتي:

“سمعنا إن عندك هوايات ومواهب، كلمينا عنها.”

قلت: “الفنون القتالية، والكتابة، والقراءة، والتمثيل، والصيد.”

قالت إحدى الزميلات: “صيد؟ كيف؟”

قلت لها: “في الماء العكر.”

ضحكوا كلهم، وقاطعتنا المشرفة وقالت: “بما إن هوايتك التمثيل، مثلي لنا مشهد.”

تحمس الجميع، وأصرّوا على تمثيل مشهد صغير أمامهم.

لكني نظرت إليها وقلت:

“غريبة… ألم يعجبك أدائي سنة وشهرين!؟”

***

لمى ابوالنجا – كاتبة سعودية

 

لمْ تعرِفيْ القصرَ كيْ تخشَىْ من القبرِ

يا نفْسُ ما الفرقُ بين الفقْرِ والقفْرِ؟

*

لمْ تبتلِيْ العِتقَ كيْ تخشَيْ من الحشْرِ

يا نفسُ لا فرقَ بين الحشْرِ والأسْرِ

*

ما كُنْتِ فيها سوى عُشْرٍ منَ العُشْرِ

وما جَمَعْتِ إلى صِفرٍ سوى الصِّفْرِ

*

وما انْتَقَلْتِ بها إلا على الجَمرِ

وما اصْطَحَبْتِ سوى صَبرٍ على الصّبرِ

*

أذُقْتِ من أُكْلِها أحْلى من المُرِّ؟

أشربةً نلتِ لم تُغلىْ على الوَغْرِ؟

*

أعزَّ فيها امرؤٌ منْ غيرِما  وزرِ؟

أجاعَ من خلْقهِ فيها سوى الحُرِّ؟

*

أذاعَ من قلمٍ فيها سوى الهِتْرِ؟

أَرُدَّ إلّا كتابٌ مِنْ ذوي الفكرِ؟

*

أمِنْ جديدٍ سوى عن صَولةِ الحُمْرِ؟

أمن مُعادٍ سوى عنْ نكبةِ النُّمْرِ؟

*

أطالَ عُمْرًا بها حُكْمٌ سوى الكُفرِ؟

ألم يطُلْ حُكمُهُ فيهاعلى الدّهْرِ؟

*

يا نفْسُ ما ظلَّ من أهليكِ من نَفَسٍ

تخشيْن من أجلِه آتٍ بلا عُمْرِ

*

ما ظلّ منهُمْ وقدْ كانوا سوى صُورٍ

تضيعُ في زحمَةِ الأبياتِ والنَّثْرِ

*

وذكرياتٍ على النسيانِ قادرةٍ

لولا الكثيرُ من الإتيانِ والهَجْرِ

*

عاشُوا كما عِشْتِ ما نالوا وقد وُعِدوا

كما وُعِدْتِ سوى الآلامِ والقَهْرِ

*

يا نفسُ تحتَ الثّرى صاروا وخلفَهُمُ

ما تشهدينَ مِنَ الطّغيانِ والشَّرِّ

*

يا نفسُ فوق الذُّرى كانوا وحِلفُهُمُ

الذي افْتَقَدْتِ منَ الإحسانِ والبّرِ

*

والعزُّ والعلمُ والإيمانُ في شظَفٍ

والآلُ والصّحبُ من أسْرٍ إلى أسْرِ

*

والذلُّ والجهلُ والإلحادُ في دَعَةٍ

والتِّترُ والرّوم منْ نصْرٍ الى نصْرِ

*

فاليومَ يا نفْسُ من فقرٍ الى فقرِ

وفي غدٍ حانَ منْ قفرٍ الى قفرِ

*

فأحسني الظّنَّ بالرّحْمنِ وارتقبي

اسْتحالةَ القفْرِ فردوسًا إلى النّشرِ

***

أسامة محمد صالح زامل

 

أحببتُ رجلاً صامتًا،

رجلاً يضع الكلمات في جيوبه

ويترك لي مهمّة إنطاقها بالقصائد،

كنتُ أستفزُّه بقلقي، بثرثرتي،

أنتظر من شفتيه ضجّة اعتراف،

غير أنّه كان يجيبني

بهديةٍ صغيرةٍ،

بلمسةٍ غير معلَنة،

بكرمٍ يفيض كنبعٍ في ليلٍ عطِش.

*

كنتُ أقول في نفسي،

أيّ حبٍّ هذا الذي يختبئ في العيون ولا يُقال؟

أيّ رجلٍ هذا الذي يشيّد لي قلاعًا

من تقديرٍ،

ويضع على جبيني تاجًا من صمته الرزين؟

*

واليوم…

في أزمتي، في عجز الجسد،

فهمتُ.

فهمتُ أنّ الحبَّ ليس كلمةً تُلقى كزهرةٍ عابرة،

ولا وعدًا يذوب مع الغياب،

إنّه الفعلُ،

الفعل وحده،

أن يحميني حين أنكسر،

أن يظلّلني حين أقع تحت غيوم الألم،

أن يحملني بعينيه حيث لا يقوى ظهري على الحمل.

*

أدركتُ أنّ الشعرَ لا يحتاج دائمًا إلى حروف،

وأنّ بعضَ الرجال يكتبون قصائدهم

بأفعالهم،

ونحن الشاعرات،

لا نملك إلّا أن نقرأها…

ونبكي،

ونشكر الله.

***

مجيدة محمدي

قُمْ أَخِي وَامْسَحْ جِرَاحَاتِ الْأَسَى

مِـنْ بَـقَايَا الْأَمْـسِ، وَازْرَعْ نَـرْجِسَا

*

وَاخْـلَـعِ الـظَّـلَّ الَّــذِي فِــي ثَـوْبِنَا

إِنَّــــهُ الْــعَـارُ ارْتَــدَانَـا وَاكْـتَـسَـى

*

نَــظِّــفِ الــتَّـارِيـخَ مِــــنْ أَدْرَانِــــهِ

مِـنْ غُـثَاءٍ فِـي الْـمُدَى قَـدْ كُرِّسَا

*

لَا تُـــــصَــــدِّقْ أَنَّ ذُلًّا عَـــــابِــــرًا

ذَاتَ يَـــوْمٍ قَـــدْ يَــحُـطُّ الْأَنْـفُـسَـا

*

نَــحْــنُ أَبْــنَــاءُ وَمِــيـضٍ خَــاطِـفٍ

يَــدْفَـعُ الــنَّـوْمَ، وَيَـجْـلُـو الـنَّـعَسَا

*

نَــحْـنُ أَبْــنَـاءُ الـتَّـجَـلِّي إِنْ أَتَـــى

سَــتَـرَى زَهْـــرَ الْأَمَــانِـي وَرِســا

*

كُــــلُّ تِـمْـثَـالٍ تَــهَـاوَى وَانْـتَـهَـى

بَــاتَ ظِــلًّا فِــي الـخَيَالِ انْـعَكَسَا

*

لَـيْـسَ فِــي الْأَلْـفَـاظِ مَــا يُـنْـقِذُنَا

مِـنْ صَـدَى الـتَّارِيخِ إِذْ مَـا هَـجَسَا

*

نَـحْـنُ جِـيـلُ الْـفَـتْحِ بِـتْنَا مِـشْعَلًا

لِــغَـدِ الْأَجْــيَـالِ نَـبْـنِي الْأُسُـسَـا

*

سَــوْفَ نَـمْـضِي، لَا نُـبَالِي بِـالْبُكَا

أَوْ نُــرَائِـي مَــنْ تَـمَـادَى أَوْ دَسَــا

*

هَـا هُـمُ الْآتُـونَ مِـنْ صَمْتِ الرُّؤَى

كَـسَـرُوا الْـقَـيْدَ وَفَـكُّـوا الْـمِحْبَسَا

*

إِنَّــمَــا الْإِنْــسَــانُ فِـيـنَـا صَــاعِـدٌ

لِـقِـبَابِ الْـفُـلْكِ، يَـمْـحُو الْـحَنْدَسَا

*

إِنَّــنَــا نَـشْـهَـدُ مِــيـلَادَ الـضُّـحَـى

وَعُـيُـونُ الْـفَـجْرِ أَضْـحَـتْ مِـقْـبَسَا

*

إِنَّــنَــا نَـشْـهَـدُ إِشْـــرَاقَ الـــرُّؤَى

حَـيْـثُ زَالَ الْـوَجْـهُ عَـمَّـنْ أُلْـبِـسَا

*

سَــوْفَ نَـبْـنِي مِــنْ حُـطَـامٍ عَـابِرٍ

وَطَــنًــا كَــــانَ غُــلَامًــا أَخْــرَسَــا

*

رَكِــبُـوا أَصْـوَاتَـهُمْ حِـيـنَ انْـطَـفَتْ

جَــعَــلُـوهَـا لِــلْأَمَــانِـي فَـــرَسَــا

*

لَا تَـقُـلْ: كَـانَـتْ حُـرُوفِـي بِـدْعَـةً،

حِـبْـرُنَـا يَـجْـلُـو ضَـبَـاباً عَـسْـعَسَا

*

قَــدْ غَـرَسْـنَا فِــي فَــرَاغٍ صَـرْخَـةً

عَـلَّ هَـذَا الْكَوْنَ يَنْسَى مَا نَسَى

*

فِـــي دَمِ الْأَحْـــلَامِ شَـــكٌّ نَـاعِـمٌ

وَعَــلَـى جَـمْـرٍ بِـلَـيْلٍ حَـسْـحَسَا

*

كُــــلُّ فَــجْــرٍ فِــيــهِ لَــيْــلٌ آخَـــرٌ

فَـــازَ مَــنْ لِـلْـغَدْرِ كَــانَ احْـتَـرَسَا

*

فَـاحْمِلِ الْـمِرْآةَ فِي عُمْقِ الدُّجَى

عَــلَّ فِـيـهَا قَــدْ تَـرَى مَـنْ عَـبَسَا

*

وَابْـــنِ بَـيْـتًا مِــنْ زُجَــاجٍ كَـاشِـفٍ

يَـعْـكِـسُ الـضَّـوْءَ إِذَا مَــا انْـبَـجَسَا

*

نَــحْــنُ لِـلْـغَـيْـمِ رُعَــــاةٌ، كُــلَّـمَـا

خَــانَ بَــرْقٌ، لِـلـضُّحَى أَوْ غَـلَّـسَا

*

مَــــــنْ يَـــرَانَــا أنَّـــنــا أَعْـــــدَاؤهُ

عَـــاشَ فِـــي قِـصَّـتِـهِ وَاحْـتَـبَسَا

*

دَاخِــلَ الـسَّـطْرِ الَّــذِي خَــطَّ بِــهِ

كَــــانَ مَــــاءً آسِــنًــا، أَوْ نَـجِـسَـا

*

قَـــدْ بَـنَـيْـنَا مِــنْ شَـظَـايَا صَـوْتِـنَا

هَـيْـكَـلًا يَـحْـكِـي كَـلَامًـا مُـؤْنِـسَا

*

وَسَــكَـنَّـا فـــي بُــيُـوتٍ أُحْــرِقَـتْ

قَــرَّرَالـبـاغـي لــهَــا أَنْ تُـكْـنَـسَـا

*

صَــارَ مِـفْـتَاحُ الْـخَـلَاصِ الْـمُـدَّعَى

فِــــي أَيــادِيـنَـا حُــلِـيًّـا مُـلْـبَـسَـا

*

نَــحْـنُ لَا نَـخْـشَى ظَـلَامًـا، إِنَّـمَـا

مِــنْ شُـعَـاعِ الـضَّـوْءِ إِذْ مَـا دُنِّـسَا

*

لَا تَـلُـمْنِي إِنْ تَــرَى فِــي لُـغَـتِي

شَـبَـحًـا يَـقْـضِـمُ مَـــا قَــدْ يَـبِـسَا

*

تَــارِكًــا لِــلْـقَـارِئِ الْآتِــــي غَــــدًا

أَنْ يُـسَـمِّـيَ مَـــا رَأَى أَوْ حَـدَسَـا

*

إِنَّـــهُ الْــوَعْـيُ: الـشَّـظَايَا، كُـلَّـمَا

لَـمْـلَـمَ الْـقَـلْـبُ شَـتَـاتًا، ضُـرِّسَـا

*

نَـحْـنُ مَـنْ عَـلَّمَ هَـذَا الـصَّمْتَ أَنْ

يَـلْـبَسَ الْأَصْــوَاتَ كَـيْ لَا يُـبْخَسَا

*

وَجُــنُــودُ الْــفِـكْـرِ صَــــارُوا تَــبَـعًـا

لِــلَّـذِي خَـــانَ الْــوَرَى وَاخْـتَـلَسَا

*

قُــمْ وَشَـاهِـدْ مَـوْكِبَ الْأَطْـيَافِ إِذْ

مِـنْ ضِـيَاءِ الـشَّمْسِ يَـوْمًا أَفْـلَسَا

*

كُــــلُّ قَــلْــبٍ صَــــارَ فِــيـهِ كُـــوَّةٌ

أَصْــبَــحَ الْـعَـالَـمُ فِـيـهَـا مُـبْـلِـسَا

*

قَــدْ مَـضَـى عَـهْـدٌ، وَجِـئْـنَا بَـعْـدَهُ

أَثْــقَــلَ الْـكَـاهِـلَ مِــمَّـا أَوْجَــسَـا

*

وَأَتَـــــى فَـــجْــرٌ رَمَــــادِيٌّ، بِــــهِ

وَسَـوَّسَ الشَّيْطَانُ مَا قَدْ وَسْوَسَا

*

هَــــذِهِ الْأَبْــيَــاتُ ظِــــلٌّ شَــــارِدٌ

يَـرْتَـجِـي فِــي صَـمْـتِهِ مُـلْـتَمَسَا

*

فَـاطْمَئِنْ يَـا شَـكٌّ، وَارْسُـمْ خُطْوَةً

لَـــنْ تَـــرَى وَجْــهًـا بَـرِيـئًا يَـائِـسًا

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

أثرٌ يمرُّ بي.

وَجهٌ

ينظرُ مِنَ الورقِ.

صوتٌ

لا يُسمعُ، لكنّهُ يَنفُذ.

كلَّما انطفأتُ،

زهرةُ نارٍ

داخلي تضحك...

***

أنا طفل الوقتِ

أحاول إيقافه

أدوس على أسمال

ذاكرتي

ألقي ببصري بعيدا

وقبل أن

ينفدَ الشغفُ

أتبعثرُ

وأجمعني

حين يفهمُني الغبارُ

***

مُسَطّحَةٌ أحلامي

والوقتُ مُدَوَّرٌ

كيفَ سأفرشُ

مدادَ أخيِلَتِي ؟!

سَجّادةُ الوقتِ

فُسيفساءُ ألوانٍ

ولَونُيَ الأبيضُ

لن أكونَ مُحايدًا

إذن .!

***

لا أحدَ ...

أدخل ...

تتكوّر النافذةُ.

البيتُ: رمادُ صوت.

الغيومُ

تمحو ما لم يُكتب.

شمعةٌ

ترتجفُ من نظرتي.

البعيدُ

يسكنُ المقعدَ المقابلَ.

***

الحظُّ:

جِرْسٌ في بيتٍ مهجور.

الأصدقاءُ؟

خطأٌ إملائيّ

في رسالةٍ محترقة.

أنا؟!

صدًى لأحدٍ

لم يأتِ.

***

مسطّحٌ

مثل ارتباكٍ أولٍ بينَ بُعدين،

لا اسمَ لما يطفو،

ولا ضفافَ للانتظار.

الزمنُ ...

خدشٌ على قشرة اللا مكان،

يدورُ،

يعلمُ

أن الخطأَ كانَ أول النُطق.

***

المداد؟

هُلامُ هاجسٍ

ينفرُ من اللغة،

يسيلُ على فراغٍ

مُصابٍ بالوعي.

والخَطُّ؟

فكرةٌ تهربُ من نفسِها.

***

السجادةُ

بُقعةُ صمتٍ ملوّنة،

كلُّ خيطٍ فيها

ذاكرةٌ رفضتْ

أن تولد.

***

الأنا ...

بياضٌ يفقدُ توازنَهُ

كلّما نادى عليهِ اللونُ الآخر.

لم أعد محايدًا

إذن

سأكون

أثرًا في ذاكرة البياض.

***

د. إبراهيم مصطفى الحمد

العراق تموز 2025

لن أجد ما يوازي حبكِ

الاّ أن استعير من المحال وصفكِ

كان قد بدأ الحب هكذا

ضوءٌ رسا على رصيف قلب مهجور.

*

في كلِّ مرة

أمدّ يدي لحلم بلّله اليقين

وانتِ تتكئين على بؤرة العواصف

تكتبين عطشكِ في زاويا الأمنيات

تحرسين نشوتكِ الاّ تغفو

فأغفو ..

وفي رأسي منكِ تدور رائحة المسك

*

أردّد "صباح الخير"

واذا بك عارية تضحكين

ترجمين المستحيلات برمشة عين

وحين يتأخر الليل، تحت ثراء البرق والرعد

يفيض حرفي الأول

معلّقا على ثوبك القصير

*

شجرة، تكاد بين أرضين

تسقط مغشيا عليها

تنفرط سعفاتها

ويخذلها قلبها عن واجبه العادي

*

لا مصبّ لهذا النهر التائه

لا فيضان في ساقه يفجع القلوب اليتيمة

لا فانوس يسرق منها الأحلام

ويهرب بوجنتين حمراوين.

*

أنا التالي

في ريشة خيالكِ حين طعنتْ الفصول بالأصفر.

وجع الطريق

جرح الاقحوان

يوم قصدَ السنونو سطوح ذكرياتٍ

فرّتْ من سمائها الأقاويل

وتركتْ ممراتنا الطويلة يابسة.

*

لئلاّ يلومني ظلّي،

حين رآني أتبعكِ، وأنتِ تهشّين الحاضر والماضي

بياقوت الكلام....

انصرفُ.

*

أبحث عن عونٍ

عمّن له حجة اكثر بياضا من سؤالي

لكنها ارتحلتْ كتابوت.

***

زياد كامل السامرائي

 

عانقيني

احمليني

لم أزل طفلاً صغير

فأنا في الدّرب أعمى

لم أطق وحدي أسير

أنتِ يا أنثاي ظلّي

وعصا الشيخ الضّرير

في ظلام اللّيل أمشي

ونهاراتي كسير

لا أرى إلّا أراكِ

بين بستاني الكبير

فالفراشاتُ تهامت

فوق ما فيكِ نضير

أنتِ يا أنثاي أنتِ

ملمسُ الحسّ الحرير

وأنا الشيب كساني

رهن إحساسي المرير

فأنا مازلت أنّي

لفّني هذا المصير

بينما أنتِ بقيتِ

نورساً حلواً يطير

فوق ذي الأمواج يزهو

بارتياحٍ للأخير

فمتى تحنين يوماً

نحو ذا العبد الفقير!؟

بعدما ظلّ يعاني

من متاهات الهجير

يمشي في الصّحراء ظهراً

مثلما يمشي البعير

وإذا اللّيلُ تراخى

إعتلى منه الشّخير

بينما أنتِ غفوتِ

بين أنغام الخرير

تشربين الماء عذباً

والوصيفات تدير

أكؤس الخمر المنقّى

وأنا قوتي الشّعير

مرغَماً بالعيش وحدي

بين قطعان الحمير!!

***

رعد الدخيلي

 

كَمْ بَقْعَةٍ لِلْعِشْقِ تَلْعَبُ فِيَّ أَرُوقَةَ الزَّمَنِ

حَتَّى بَزَغْت كَرُدَهَةٍ

خَلَعْتُ رِدَاءَ العَيْنِ ثُمَّ

تَنَاهَبَتْ ذَاتِي

فَخَرَجْتُ مِنْكَ إِلَيْكَ

فَاخْرُجْ مِنْ جَوَارِحِكَ الَّتِي

عَبَرَ النِّدَاءُ بِسَقْسَقَاتِ الحُلْمِ مَوْجَ نَزِيفِهَا حَيْثُ مَلَكْتُهَا

هَذِهِ رُوحِي كِتَابٌ عَاثِرُ الصَّفَحَاتِ

فِي جِهَةِ الْيَمِينِ

وَكَانَ قَلْبُكَ يَرْعَشُ الْوَجْدَ

الْمُحَلَّى فِي عَرَائِشِ غُرْبَتِي الْقُصْوَى

وَوَهَجُ تَوَحُّدِي جِهَةَ الْيَسَارِ

وَمِيَاهُ عِشْقِكَ بَيْنَ أَوْرِدَتِي

تَسِيرُ عَلَى ارْتِعَاشِ النَّبْضِ فِيكَ

فَاذْهَبْ لِقَلْبِكَ مُسْرِعاً

وَتَحَسَّسِ الْوَشْمَ الَّذِي تَرَكَتْهُ آثَامِي عَلَيْهِ

نَادِنِي مِنْهُ إِلَيْهِ

تَرُدُّ النَّارُ صَامِتَةً

وَتَمْلَأُ جَرْتَيْنِ مِنَ الْعَسَلِ

وَاسْكُرْ صَلَاةً كُنْتُ أُخْفِيهَا بِخَمْرِ التَّمْتُمَاتِ

شَفَاهَ هَمْسٍ

فِيكَ تَذَرِينِي وَتَجْمَعُنِي

نِثَارَ الرَّغْبَةِ الْأُولَى

فَهَلْ تَسْتَطِيعُ حَمْلَ أَنُوثَتِي؟

هَلْ أَثْقَلَتْكَ مَشَاعِرِي؟

وَرَضِيتَ أَنْ تُلْقِيَ بِصَخْرِ تَلَهُّفِي

فَارْحَلْ وَخُذْ أَنْفَاسَكَ الْمُتَكَوِّمَاتِ عَلَى فَمِي

كُنْ رَاحِلاً بِي

بِصَبَوَةِ خَافِقِي

بِصَلِيلِ أَوْهَامِي

بِآيَاتِ الْعُرُوجِ إِلَى سَكَنٍ

لِقَاعِ النَّشْوَةِ الْأُخْرَى

وَثَبِّتِ الرِّيحَ فِي عُنْتِ الْوَهْنِ

إِذْ لَيْسَ تَعْلُونِي طَواحِينُ الْهَوَاءِ وَلَا وَثَنٌ

غَيْرَ امْتِشَاقِ النَّايِ مِنْ سَفَرِ الزَّمَنِ

إِنِّي هُنَا امْرَأَةٌ مِنَ الْجُورِيِّ

تَفْتَحُ طَاقَةَ الْمَعْنَى

لِكُلِّ الْعِطْرِ

فَاخْرُجْ مِنْ أَنَايَ فَرَاشَةً

ثُمَّ احْتَضِنْنِي وَاسْتَرِيحْ

***

مرشدة جاويش

 

كَانَ الْمَسَاءُ رَمَادِيًا، وَالْقِطَارُ يَسْتَعِدُّ لِلْمُغَادَرَةِ. جَلَسَتْ فَتَاةٌ قُرْبَ النَّافِذَةِ، تَحُدِّقُ فِي الْفَرَاغِ كَأَنَّهَا تَهْرُبُ مِنَ الْعَالَمِ. بَيْنَ يَدَيْهَا كِتَابٌ مَفْتُوحٌ، لَكِنَّ عَيْنَيْهَا لَمْ تَلْمِسِ السُّطُورَ.

قَبْلَ إِغْلَاقِ الْأَبْوَابِ بِلَحْظَةٍ، دَخَلَ رَجُلٌ يَلْهَثُ، حَقِيبَتُهُ تَضْرِبُ رُكْبَتَيْهِ، يَبْحَثُ بِنَظَرَاتٍ سَرِيعَةٍ عَنْ مَكَانٍ. لَمْ يَتَبَقَّ سِوَى مَقْعَدٍ وَاحِدٍ... بِجِوَارِهَا.

جَلَسَ وَقَالَ، كَمَنْ يُحَاوِلُ تَبْرِيرَ تَأَخُّرِهِ: "كَادَ الْقِطَارُ يَسْبِقُنِي، كَعَادَتِي فِي كُلِّ شَيْءٍ."

ابْتَسَمَتْ مُجَامَلَةً، لَكِنَّهُ تَابَعَ وَهُوَ يُلَمِّحُ عُنْوَانَ الْكِتَابِ: "قَرَأْتُ هَذَا الْكِتَابَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَمْ يُنْقِذْنِي مَرَّةً وَاحِدَةً."

نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ. ضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: "رُبَّمَا كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ نِهَايَةٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ."

هَكَذَا بَدَأَ الْحَدِيثُ... بَسِيطًا، غَرِيبًا، لَكِنَّهُ مَأْلُوفًا. تَحَدَّثَا عَنِ الْكُتُبِ، عَنِ الْمُدُنِ، عَنِ الْوَحْدَةِ، عَنِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تُقَالُ عَادَةً فِي أَوَّلِ لِقَاءٍ.

عِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى مَحَطَّتِهِ، نَهَضَ وَهُوَ يَضَعُ الْحَقِيبَةَ عَلَى كَتِفِهِ، وَقَالَ: "أَنَا أُدْعَى مَالِكٌ... وَسَأَكُونُ فِي هَذَا الْقِطَارِ غَدًا فِي نَفْسِ الْوَقْتِ. إِنْ مَرَرْتِ مِنْ هُنَا مُجَدَّدًا." وَغَادَرَ.

بَقِيَتِ الْفَتَاةُ تَحُدِّقُ فِي الْمَقْعَدِ الشَّاغِرِ بِجِوَارِهَا، وَكَأَنَّ فِيهِ شَيْئًا مِنْهَا. لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ بَعْدُ إِنْ كَانَتْ سَتَعُودُ غَدًا، لَكِنَّهَا أَدْرَكَتْ شَيْئًا وَاحِدًا: أَنَّ مُصَادَفَةً وَاحِدَةً قَدْ تَظَلُّ عَالِقَةً بَيْنَ الْقَلْبِ وَالذَّاكِرَةِ إِلَى الْأَبَدِ.

فِي الْيَوْمِ التَّالِي، كَانَتِ السَّمَاءُ تُمْطِرُ بِخِفَّةٍ، وَقَطَرَاتُهَا تَرْسُمُ خُطُوطًا بَاهِتَةً عَلَى زُجَاجِ نَافِذَةِ الْقِطَارِ. جَلَسَتِ الْفَتَاةُ فِي ذَاتِ الْمَقْعَدِ، وَيَدَاهَا مُشْتَبِكَتَانِ فِي حَجْرِهَا، وَقَلْبُهَا يَخْفِقُ بِإِيقَاعٍ لَا يُشْبِهُ الْمَطَرَ. لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ لِمَاذَا عَادَتْ. رُبَّمَا لِتَتَأَكَّدَ أَنَّهُ لَنْ يَأْتِيَ، أَوْ لَعَلَّهَا خَافَتْ أَنْ يَأْتِيَ وَلَا تَكُونَ هُنَاكَ.

ثَوَانٍ تَمُرُّ كَأَنَّهَا سَاعَاتٌ... الْقِطَارُ يَسْتَعِدُّ لِلْمُغَادَرَةِ. لَا أَحَدَ دَخَلَ.

بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ (أَحْم)...

الْتَفَتَتِ الْفَتَاةُ فَجْأَةً، وَهَا هُوَ وَاقِفًا بِنَفْسِ حَقِيبَتِهِ، وَبِنَفْسِ ابْتِسَامَتِهِ الْمَائِلَةِ. "كَادَ الْقِطَارُ يَسْبِقُنِي مُجَدَّدًا."

ضَحِكَتْ - لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مِنْ قَلْبِهَا، بِلَا حَذَرٍ. جَلَسَ بِصَمْتٍ، ثُمَّ قَالَ: "كُنْتُ خَائِفًا أَنَّكِ لَنْ تَعُودِي."

قَالَتْ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى النَّافِذَةِ: "وَأَنَا كُنْتُ خَائِفَةً أَنَّنِي سَأَعُودُ."

سَادَ صَمْتٌ خَفِيفٌ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْرِجًا... بَلْ سَعِيدًا، كَأَنَّ الْكَلِمَاتِ بِحَاجَةٍ لِفَرَاغٍ كَيْ تَسْتَقِرَّ.

ثُمَّ سَأَلَهَا فَجْأَةً: "هَلْ تُؤْمِنِينَ أَنَّ الْغُرَبَاءَ يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحُوا مَحَطَّاتٍ فِي حَيَاتِنَا... أَوْ رُبَّمَا مَصِيرًا؟"

نَظَرَتْ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ إِلَى الْمَقْعَدِ الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا. "لَا أَعْرِفُ... لَكِنَّنِي أُؤْمِنُ أَنَّ بَعْضَ اللِّقَاءَاتِ لَا تَحْدُثُ عَبَثًا."

كَانَ الْقِطَارُ يَمْضِي بِهِمَا شَمَالًا، وَالْوَقْتُ يَمُرُّ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا. لَمْ يَسْأَلَا عَنِ الْمَاضِي. لَمْ يُخَطِّطَا لِلْغَدِ. كُلُّ مَا بَيْنَهُمَا هُوَ هَذِهِ اللَّحْظَةُ، وَهَذَا الْمَقْعَدُ... وَشَيْءٌ يُشْبِهُ الِاحْتِمَالَ.

***

شادي مجلي سكر

 

فصل من رواية: خلعُ خاتَم الطائفية

الفصل الأول: عفراء في مهبّ الطائفية

لم تكن الشتيمة التي ارتطمت بأذن عفراء سوى كلمة عابرة في ظاهرها، لفظة يومية ممجوجة اعتادت أن تُلقى في وجهها بلا اكتراث، غير أنّها في تلك اللحظة لم تكن مجرّد صدى باهت، بل الشرارة الأولى التي أشعلت نارًا هوجاء ستأتي على ما تبقّى من حياتها. أحسّت كأنّ الكلمة، برغم صغرها، قد شقت جدار صمت طويل، فارتجّ قلبها قبل أن ترتجّ الجدران.

فجأة، اهتزّ البيت القديم بانفجار الباب، كأنّ عاصفة من الجحيم هبطت لتقتلع سكينته. ارتطم الخشب المهترئ بجدار الصالة ارتطام قنبلة، فتردّد الصوت في أرجاء الدار كهدير موت يقترب. وما هي إلا لحظات حتى اندفع إخوة زوجها إلى الداخل، وجوههم الداكنة عابسة كالأقنعة الغاضبة، عيونهم تلتمع بلمعانٍ راعد لا يشبه عيون البشر، بل يشبه لهبًا متقدًا بالثأر. كان المشهد أشبه بقطعان ذئاب جائعة وجدت فريستها أخيرًا.

ارتجفت ركبتاها، لكنها تماسكت بحدس غريزي، تحاول أن تفهم، أن تلتقط من وجوههم جملة تفسّر هذا الجنون، غير أنّ الكلمات تأخرت، والأيدي سبقتها بعنف صاعق. انهمرت اللطمات والركلات على وجهها كالمطر الأسود، وانغرست قبضاتهم في جسدها الضعيف، بينما كانت صغيرتاها تصرخان في هلعٍ يضاعف عجزها. تحوّلت اللحظة إلى دوامة من الألم والضجيج، والبيت إلى ساحة حرب بلا رحمة.

كانت صيحاتهم تنفجر في الهواء كالرعود:

ـــ "أهلك قتلو اخونا، زوجك!"

انكمشت الأرض تحت قدميها، كأنها لم تعد أرضًا بل هاوية تسقط فيها بلا قاع. لم تعد الوجوه وجوهًا، بل جمراً متقدًا بالكراهية. لم تعد الكلمات كلمات، بل خناجر تطعن روحها قبل جسدها. شعرت بالهواء يضيق في صدرها، مزيجًا من عرق الغضب وأنفاس الغيظ ورائحة الدم التي تسللت من أنفها إلى شفتها الممزقة. صار المكان خانقًا، كقبر حي، يُدفن فيه صراخها مع كل نفس.

لم تجد ما تفعله سوى أن تضمّ طفلتيها المذهولتين والباكيتين بذراعين مرتجفتين، تحاول أن تشكّل بجسدها الهزيل درعًا واهنًا، تعرف أنه سيتحطم أمام أول ركلة، لكنها لم تجد غيره سبيلًا لتأجيل موتهما. كل صفعة كانت تسقط على وجهها، كانت تظن أنها ستصل إلى وجهيهما، فتشدّهما إليها أكثر، وكأنها تتوسد بهما لتستمدّ من براءتهما القليل من الصمود.

كانتا تحدّقان بعينين غارقتين في الذهول، كأن العالم انحصر أمامهما في وجه أمّ تُجلَد بلا رحمة. ارتجفت أصابعهما الصغيرة وهما تتشبّثان بثوبها الممزق، تبحثان في حضنها المرتعش عن مأوى من طوفانٍ لا يُدركان معناه، سوى أنه يهدّد كيانَهما الصغير بالانهيار.

كل صفعةٍ سقطت على وجهها، كان صداها يرتطم بقلبيهما، فيرتعشان كأن الألم انتقل إليهما خفيًّا. لم تفهما لماذا تُهان أمّهما، ولا كيف يتحوّل البيت إلى ساحة عذاب، لكنّهما شعرتا أن الكون كله قد انقلب إلى سوطٍ يجلد أضعف ما فيه: امهما، تلك المرأة التي طالما ضمّتهما برفقٍ وحمت أحلامهما من الكوابيس.

كانت دموعهما تختلط بدموعها، حتى صار البكاء واحدًا، وجسد الأم وذراعاها المرتجفتان غدتا آخر قلاع الحماية. كانت تُطوّق جسديهما بذراعين كالهشيم، تضعهما بين صدرها وجدار الضربات، وكأنها تفتديهما بكلّ ما تبقّى من جسدها المنهك. وفي عيونهما الصغيرتين ارتسمت صورةٌ ستظل محفورة للأبد: أمٌ تتكسّر أمامهما، ومع ذلك تحاول أن تبقى جبلًا.

وفي خضم العاصفة، تسللت إلى وعيها الحقيقة القاسية: لقد قُتل زوجها، ليس لأنه اقترف ذنبًا، بل لأنه رفض أن يُذعن لأوامر الطائفتين، رفض أن يطلّقها هي، "السنيّة"، ليصون دمه "الشيعي". دفع ثمن رفضه بطعنة غادرة في دكانه، والآن جاء دورها لتكون قربانًا جديدًا يُقدَّم على مذبح الطائفية العمياء.

كانوا يريدون غسل دمه بدمها، تحويلها إلى شاهدٍ إضافي على أسطورة الثأر، إلى ذريعة جديدة تديم دورة الانتقام، كأنها ليست إنسانة من لحم ودم، بل مجرّد رمزٍ تُقاد إلى الذبح. شعرت أن الجحيم قد فُتح على مصراعيه فوق رأسها ورأس طفلتيها، وأن لا منفذ للخلاص.

لكن مأساة عفراء لم تتوقف عند هذا الحدّ. ففي الوقت الذي كانت فيه صرخاتهم تمجّد زوجها المقتول "شهيدًا كما يدعون"، لم تستطع أن تمحو من ذاكرتها قسوته هو نفسه عليها. كان شريكًا في كسرها، يغضّ الطرف عن إهانات اهله، بل يشاركهم في تجريحها وسحق كرامتها، يتلذذ بضعفها ليشعر برجولته الواهنة. لم يكن في موته خلاص لها، كما لم يكن في حياته سند. رحيله لم يحررها، بل دفعها من سجنٍ مألوف إلى جحيمٍ أعمق.

تذكّرت لياليها القاسية معه، حين كان يتركها تبكي وحدها بينما يغطّ في نوم ثقيل. تذكّرت كيف كانت أصوات إخوة زوجها تعلو في البيت، يتدخلون في كل تفاصيل حياتها، يصرخون في وجهها لأتفه الأسباب، ويضربونها بحضوره، فلا يجد في نفسه غضاضة أن يشيح بوجهه، بل ربما ابتسم في سرّه لأنه رأى فيها عبرة تذكّرها بمكانتها الدونية.

الآن، وهم يهجمون عليها كالوحوش، كانت تشعر أن الموت يحيطها من كل جانب: موت جسدها الذي يتلقّى الضربات، وموت روحها التي عاشت مديدة في قفص الإهانات، وموت أملها الأخير في مستقبل آمن لطفلتيها.

 أي مستقبل يمكن أن يولد في بيت تحكمه الكراهية، وفي دولة تنخرها العشائرية والطائفية حتى العظم؟

بين ارتطام الأجساد وصراخ الأطفال، لمحت وجه ابنتها الكبرى، وقد تجمّد فيه الرعب. نظراتها الواسعة البريئة كانت كمرآة تعكس لها حجم الكارثة: ماذا سيبقى من طفولة هذه الصغيرة حين ترى أمها تُسحق أمام عينيها؟ أي ندبة ستخلفها هذه اللحظة في قلبها الصغير؟ وأي ضوء يمكن أن ينقذها من ليلٍ كهذا؟

تمنّت عفراء لو أن الزمن يتوقف، لو أن الباب لم يُفتح، لو أنّ الحياة منحتها فرصة واحدة لتصرخ في وجوههم:

"أنا لست عدوّتكم، أنا أمّ تحمل على كتفيها جرح هذا الواقع مثلكم".

لكن صوتها كان محبوسًا في صدرها، يختنق تحت وطأة الركلات والشتائم.

كل شيء في المكان تآمر عليها: الجدران الصامتة، الأثاث المهتزّ، حتى المصباح المعلّق في السقف كان يتأرجح مثل مشنقة تُعدّ لها.

 شعرت أنها غريبة في بيتها، مُجرّدة من كل حق، مُحاصرة بين ماضٍ لم يرحمها وحاضر يلتهمها ومستقبل مسدود لا يَعِد سوى بالهاوية.

وبينما كانت تُضرَب وتُهان، راودها خاطر مرّ كالسكين: ربما كانت مجرد رقم في سجل طويل من الضحايا، لا أحد سيذكرها سوى طفلتيها، ولا أحد سيبكيها في غدٍ ملطخ بالدم. وراودها شعور أكثر مرارة: أنّها لم تمت بعد، لكنها في نظرهم قد ماتت بالفعل؛ ماتت كإنسانة، ولم تبقَ سوى جسدٍ يُنهش ليُشبع عطش الطائفة للانتقام.

ارتفعت صرخات بناتها أكثر، فارتجف قلبها. تلك الصرخات لم تكن مجرد بكاء طفلتين، بل نداء استغاثة للعالم بأسره، علّه يسمع ويرى. لكن العالم كان أبكم أصمّ، كما كان دومًا.

هكذا وجدت عفراء نفسها في مهبّ الطائفية، امرأة ضعيفة بلا سند، يطحنها واقعٌ جائر لا يعرف الرحمة. لم تكن تدرك إلى أين ستمضي الأحداث، لكنها أيقنت أن حياتها انكسرت عند تلك اللحظة، وأنها، منذ الآن، لن تكون سوى ظلّ امرأة، شبحًا يلاحقه وجعٌ لا ينتهي.

عفراء... طفلة الأمس، بسمرتها الجنوبية المضيئة كدفء شمس الفجر على بساتين نخيل دجلة، وبعيونها السوداء الواسعة التي كانت تلمع ببراءة ومرح، كأنها نوافذ صغيرة على الفرح. لم يُتح لها أن تُكمل مقاعد ابتدائيتها، حتى تقدّم لخطبتها رجل من طائفة أخرى. لم يتوقف أهلها طويلًا عند حدود المذهب، فقد طغت سطوة المال على يقينهم، ورأوا في يسرِه صفقة العمر. وهكذا دفعوا بابنتهم الغضة إلى يديه كما تُدفع أمانة إلى غريب، غافلين عن أنهم سلّموها إلى قدرٍ معتمٍ لا يرحم.

 ومنذ تلك اللحظة، انزلقت حياتها إلى أرض رخوة، حُفرت فيها أخاديد الطائفية بالحقد والعداوة، وصار جسدها الندي وروحها البريئة ساحةً لتصفية ثاراتٍ قديمة بين الدم والدم.

 الليل كان قد بدأ يسدل ستائره الثقيلة حين خبت العاصفة الأولى. جلست عفراء في زاوية غرفتها، وطفلتها الصغرى نائمة على حجرها، بينما الكبرى تحدّق في العتمة بعينين واسعتين، خائفتين كمن شهد نهاية العالم. كان صمت الليل يقطعه صدى بعيد لرصاصٍ يتردّد في أزقة المدينة. كل شيء في الخارج يذكّر بالموت، حتى نباح الكلاب بدا كتحذيرٍ من غول يتربّص خلف الظلام.

انطفأت مصابيح الشارع، وبقي نور القمر يتسرّب عبر الشقوق، يسقط على الجدران الرطبة فيرسم أشكالًا مخيفة. أحسّت أنّ البيت كله صار مسرحًا للرعب، وأنّ كل زاوية فيه تحمل خنجرًا مخبوءًا أو عينًا تترصّدها. رائحة الدم لم تفارق المكان، مختلطةً برائحة الدخان والعرق، حتى صارت جزءًا من أنفاسها.

الآن، وقد صارت أرملة بين ليلة وضحاها، لم تجد حولها سوى صغيرتيها اللتين التصقتا بها كغريقتين تبحثان عن قشة نجاة. كان بكاؤهما المكتوم يدوّي في أعماقها كصدى سؤال مرير: "من يحميكِ ويحميـنا؟" لم تجد جوابًا سوى دمعة ساخنة انسابت على وجنتيها، تكثّفت فيها كل وحشتها. أدركت أنّها وحدها تمامًا، تواجه عاصفةً أكبر من قدرتها، وأنّ لا سند لها غير صبرٍ يذوي ودمعٍ يتدفّق.

ومنذ تلك اللحظة، دخلت حياة جديدة، أشبه ما تكون بقبر مفتوح. أُغلقت الأبواب عليها، ومُنع عنها الضوء، حتى زيارات أمّها وأخوتها حُرمت منها. لم تعد ترى أحدًا، ولا يُسمح لها بالخروج إلى السوق أو إلى جيرانها. أرادوا لها أن تتعفّن حيّة في زوايا الدار مع طفلتيها، كأنها جثة تنتظر ساعة دفنها.

 ولم يكتفوا بذلك، بل خطّطوا لمصير أشدّ قسوة: تزويجها إلى شقيق زوجها القتيل بعد انقضاء عدّتها الشرعية، لا حبًا ولا رأفة، بل انتقامًا وتشفيًا. أرادوا أن يحوّلوها إلى أسيرة جديدة في بيت أشدّ قسوة، إذ كان ذلك الأخ أحقدهم عليها وأقساهم قلبًا. لا تنسى كلماته حين قال لها وبكل ما تحمله عجرفته الوقحة:

 ـــ "سأجعلك جارية تحت قدمي حتى تُقبري"

هكذا، صارت عبدةً مقيّدة، مسلوبة الإرادة، يُراد لها أن تقضي ما تبقّى من عمرها في خدمة جلاديها. شعرت بالدنيا تدور بها، سوادًا كثيفَا يغمرها، دموعها تفيض حتى كادت أن تذيب جفونها، وصوت داخلي يلحّ عليها بسؤالٍ لا ينطفئ: "كيف الخلاص؟"

كانت الأخبار تتسرّب إليها خلسةً كهمسٍ بعيد، تحمل معها وجعًا آخر أثقل من طاقتها: أهلها لم يكونوا في منأى عن التهديدات التي تلاحقهم ليل نهار. لم ينجُ أحد من لعنة الدم التي صارت تطاردهم أينما حلّوا، كأنهم شركاء في جريمة لم يعرفوا عنها سوى وقعها على ابنتهم. حاولوا جاهدين أن يثبتوا براءتهم من التهمة التي طالتهم ظلمًا، يطرقون الأبواب، يستجدون العدالة، يرفعون أصواتهم أمام كل من يُصغي، لكنّ الحقيقة ضاعت بين جلجلة الثأر وصمت الخوف، فظلّت صرخاتهم معلّقة في الفراغ، بلا صدى.

ولمّا ضاق بهم الوطن، عزَموا على الرحيل، تاركين العراق كلّه خلف ظهورهم، يلوذون بالمنفى هربًا من سطوة الدم المهدور. أرادوا أن يأخذوها معهم، أن ينقذوا ابنتهم من المصير الأسود، لكنّ أخ الزوج سدّ الطريق، وتصدّى بوجهٍ متجبّر كأنه قاضٍ ينطق بحكم القدر. اعتبر نفسه الوريث الشرعي لأخيه في كل شيء، حتى في زوجته وطفلتيها، ففرض سطوته عليها كما يُفرض الليل على نهارٍ أعيا.

كانت هي تسمع عن مآسي أهلها من بعيد، فتشعر أنهم يواجهون مأساتها بوجه آخر، كل منهم يقتطع من قلبه ليحفظ كرامته ويثبت براءته، بينما هي تُساق إلى مصيرها كجارية مسلوبة الإرادة. أيُّ عجزٍ هذا الذي جعلها تتجرّع ألمها وحدها، وأيُّ ظلمٍ ذاك الذي طعن أهلها مرتين: مرة حين خسروا ابنتهم حيّة، ومرة حين وُسموا بعارٍ لم يرتكبونه؟

هكذا غدت مأساة عفراء مأساة مضاعفة، لا تخصّها وحدها، بل انسكبت ظلالها الثقيلة على أهلها جميعًا؛ كلهم عالقون في دائرة ظلم واحدة، وكلهم ينزفون بلا عدالة، فيما القدر يسخر منهم جميعًا.

عندها راحت تسأل نفسها بأسى يائس: أية حفرة مظلمة وقعتُ فيها؟ أي مستقبل ينتظر ابنتَيها؟ أسئلة كالسياط تتناوب على رأسها، تحرق روحها ليلًا ونهارًا.

 كلما خطرت ببالها فكرة الانتحار كمهرب، ارتسمت ملامح طفلتيها أمامها، حاجزًا يمنعها من الفناء. أي يدٍ ستمسح دموعهما إن رحلت؟ أي صدرٍ سيحتضنهما إن تركتهما؟

ظلّت معلّقة بين هاوية الانتحار وظلمة المصير الذي يُحاك لها، تتقلّب بين العجز والرعب، تبحث عن بصيص نورٍ في نفقٍ لا نهاية له. كانت تدرك أنّها ليست سوى ضحية صغيرة في حرب طائفية كبرى، وأنّ حياتها الممزقة ما هي إلا مرآة لعنفٍ أعمى يحكم البلاد.

عفراء... امرأةٌ ضعيفة لم تختر قدرها، ولم تجد من ينصفها، محكومة بقوانين لا ترحم، وبأعراف لا تعرف غير الثأر. كل ما بقي لها أن تتشبّث بطفلتيها، لعلّ حنانهما يمدّها بجرعة حياة، أو يهبها شجاعةً لمقاومة ليلٍ طويل، ليلٍ قد يطول حتى يتماهى مع الأبد.

الفصل الثاني: خيط في العتمة

في وطنٍ انكسرت فيه موازين العدل، وغابت فيه سلطة القانون لتعلو مكانها أعراف العشائر وأحكام الطوائف، وجدت عفراء نفسها عارية من كل حماية، لا سلاح لها سوى الصمت والدموع. الليل عندها كان أثقل من أعمار الدهر كله، يمتد كأبدٍ موحش، والنهار يتحول إلى ساحة حصار لا مخرج منها ولا ملاذ.

ومع ذلك، تسلّل إليها خيط أملٍ واهن، كوميض شمعة في عاصفة، عبر يدٍ صديقة قديمة ترتبط بقرابةٍ بعيدة لعائلة زوجها، ما سمح لها بطرق باب عزلتها دون ريبة. تلك اليد خبّأت لها سرًا ثمينًا: هاتفًا صغيرًا كان أهل عفراء قد تركوه أمانةً عندها قبل أن يغادروا العراق، علّه يكون جسرًا يوصلهم بابنتهم الأسيرة خلف جدران الخوف.

أخفت عفراء الهاتف كما تُخفى الروح بين ركام التأني، تغلّفه برعشة قلبها كلما لمسته، وكأنها تمسك بطوق نجاةٍ معلّق بمعجزةٍ مؤجّلة، تنتظر أن يفتح لها فجوة في جدار عزلتها، ويعيد إليها صوت الحياة.

ذات مساء، عادت بها الذاكرة إلى جارتهم القديمة، أم أحمد، المرأة الجريئة التي نجحت في إخراج أبنائها من العراق قبل أعوام. تساءلت عفراء: هل يمكن ليد تلك الجارة أن تمدّ إليها الآن خيط نجاة؟

انتظرت عودة صديقتها في زيارة جديدة إلى بيت أهل الزوج، وما إن سنحت الفرصة حتى توسّلت إليها أن تحصل لها على رقم هاتف أم أحمد، متذرعةً بأنّها امرأة وحيدة ومريضة بالسرطان وتحتاج للاطمئنان على أحوالها.

وبالفعل، نالت ما أرادت.

وحين أرخى الليل سدوله الثقيلة وغرق البيت في صمتٍ خانق، بدت الجدران وكأنها تنصت لأنفاس ساكنيها. كانت عفراء في غرفتها، تبحث عن ركن قصيّ بعيد عن سرير طفلتيها الغافيتين، كأنها تهرب من ضجيج العالم إلى عزلتها الخاصة. تأكدت من أن الباب قد أُغلق بإحكام، ثم التحفت البطانيات الثقيلة تغطي رأسها وجسدها، لا اتقاءً للبرد، بل خشية أن يتسرب صوتها المتهدّج إلى من يجاورها. كانت أشبه براهبة في صومعة معزولة، تحتمي بالصمت والظلام كي تُخفي ضعفها عن الأعين.

مدّت يدها المرتجفة نحو الهاتف، كأنها تستنجد بحبل نجاة أخير. ارتجف الجهاز بين أصابعها المرتعشة، قبل أن تفتح خطاً إلى الخارج، إلى ما وراء جدران وحدتها الثقيلة. وما إن جاءها الصوت المنتظر حتى بدا وكأنه نسمة رقيقة تهب في قلب إعصار:

ــ عفراء… كيف أنتِ يا حبيبتي؟ لقد حزنا لمصابك، وأعلم تمامًا ما تعانينه، فما غادرتِ فكري ولا فكر أبنائي يوماً.

توقفت أنفاسها لحظة، إذ انسكبت عليها نبرة أم أحمد دفئاً وحناناً، كأنها ماء بارد يطفئ لهيباً داخلياً أو كفّ رحيمة تمتد لتمسح دمعة خفية. في تلك الكلمات البسيطة، شعرت عفراء أن جدار وحدتها قد تصدّع، وأن الصمت الذي كان يطبق على روحها قد انفرج ليمنحها متنفساً.

لم تستطع عفراء أن تجيب؛ بكت بصمت، وخنقها نشيجها حتى عجز لسانها عن النطق. أدركت أم أحمد بحسّ الأم حجم ما يعتصر قلبها، فقالت مواسية:

ــ كل عقدة ولها حلّ يا ابنتي، فلا تيأسي. أنا هنا كأمك، بانتظار أن تبوحي لي بما يختلج روحك.

جاء صوت عفراء مبحوحًا متقطعًا كأنّه يتكسّر بين الضلوع:

ــ خلصيني يا خالة… إنّي أموت كل يوم ألف مرة.

التقطت أم أحمد المفهوم، وفهمت ما وراء الكلمات، فأجابتها بحزمٍ حنون:

ــ لا تخشي شيئًا، سأتدبّر الأمر قريبًا وأكتب لك بالتفصيل، لكن إيّاكِ أن تتساهلي في الحذر.

لأول مرة منذ زمن طويل، أحسّت عفراء بأنّ صدرها يتنفّس بحرية.

ضمّت طفلتيها الصغيرتين، وغمرتهما بذراعيها، فيما قلبها يتهدّج بارتعاشة أمل، أمل خافت لكنه حقيقي، قد يكون مفتاح النجاة من ليلها الطويل.

منذ تلك المكالمة الليلية، تبدّل قلب عفراء. لم يعد ينبض كما كان من قبل، بل صار كوترٍ مشدودٍ بين الخوف والرجاء.

كان صوت أم أحمد في أذنها كأنشودةٍ بعيدة، لحنٌ هادئ وسط ضجيج العاصفة، يبعث شيئًا من الطمأنينة في قلبٍ أنهكه الرعب.

 كلماتها ــ "كل عقدة ولها حل" ــ ظلت تتردّد في روحها كترتيلةٍ صغيرة تعيدها إلى الحياة، وكأنها يدٌ خفيّة تمسح على جراح نازفة منذ زمن. كانت تلك الجملة وحدها كافية لتفتح كُوّة ضئيلة في جدار ليلها الطويل، كأنها تقول لها: لا بد أن للفجر موعدًا، مهما طال الليل.

بعد أيام، وصلت إليها رسالة قصيرة على هاتفها، كأنها شفرة نجاة.

 "علينا أن نتحرّك بحذر. لا تتعجّلي. سأمدّ لكِ خيطًا واحدًا كل مرة، حتى تخرجي من هذا القبر... اصبري."

قرأت عفراء الكلمات مرارًا حتى حفظتها، ثم خبأتها بين ثنايا قلبها، كأنها تعويذةٌ سحرية تحرسها من الانكسار. كان قلبها يتشبث بالحروف كما يتشبث الغريق بخشبةٍ في بحرٍ هائج.

بدأت ملامح الخطة تتضح شيئًا فشيئًا. طلبت أم أحمد منها أن تراقب البيت بدقة: مَن يزور، مَن يغادر، أوقات نوم العائلة، متى يخرجون إلى الأسواق، ومتى يسكن البيت تمامًا. عليها أن تحفظ كل ذلك عن ظهر قلب، فهذه التفاصيل الصغيرة هي مفاتيح الخلاص.

كانت الليالي تمرّ ثقيلة كالحديد. يجثم فوق صدرها خوفٌ لا يزول، يتناوب مع أملٍ هشّ كشمعةٍ في مهبّ الريح.

كانت كل مساء تجلس قرب ابنتيها النائمتين، تحدّق في وجهيهما الصغيرين، ثم تهمس في سرّها: "لن أترككما في هذا الجحيم ابدًا… سنخرج، مهما كان الثمن." وكانت الدموع تهرب من عينيها، فتبتل وسادة الطفلتين وهما لا تشعران.

وفي ليلةٍ بعيدة، انساب إليها صوت أم أحمد عبر الهاتف، خافتًا لكنه واضحٌ كإشارةٍ لا تخطئها الأذن:

ــ "استعدّي. الليلة الثالثة من الأسبوع القادم ستكون فرصتك. سيأتي رجل أثق به، سينتظرك عند الباب الخلفي ساعة السحر. لا تحملي شيئًا سوى الطفلتين واوراق السفر. أيّ تردّدٍ سيُضيّع كل شيء."

ارتجف قلبها كعصفورٍ في قفص ضيق. بين الخوف والرجاء وقفت حائرة: هل حقًا يمكنها أن تغادر؟ هل يُعقل أن تنجو من سطوة تلك العائلة، ومن أعين الجيران، ومن الجدران التي مثلت حولها سجنًا للطائفة والعار والقيود؟

الأيام التي تلت كانت أطول من عمرها. كانت تخطو في البيت مثل شبح، تحاول أن تخفي رجفة يديها وارتعاش عينيها، فلا يلحظ أحدٌ ما يضطرب في داخلها. كل صباح ينهشها القلق، وكل مساء يوقد فيها الأمل شرارةً صغيرة تكاد تخبو لكنها لا تنطفئ. كانت تحفظ خبر الهروب بين ضلوعها، وتخاطب به جدران غرفتها الصامتة، التي ابتلعت دموعها مثل قبرٍ بلا صدى.

وحين جاءت الليلة الموعودة، كان الليل ساكنًا على نحوٍ مريب، كأنه يتآمر معها أو عليها. السماء معلّقة فوق البيت مثل غطاءٍ من رماد، والريح تتسلّل عبر الشقوق نافخةً بردها في أركان الغرفة. أيقظت طفلتيها برفقٍ وهمسٍ مرتعش:

ــ "هس… حبيباتي، لا تُصدرن صوتًا، لا تخفن، نحن ذاهبات في رحلة معًا."

عيون الطفلتين تفتحت مذعورة، لكنهما أطاعتاها، تمسكتا بثوبها كما لو كان حبل النجاة الأخير. حملتهما بين ذراعيها، تتقدّم بخطواتٍ حذرة نحو الباب الخلفي، حيث يبتلع الظلام المكان كعباءةٍ سوداء.

هناك، سمعت نحنحة رجلٍ تتردّد ثلاث مرّات، متباعدة كما وصفتها لها أم أحمد. شدّت على ابنتيها وفتحت الباب، فإذا برجلٍ غريب الملامح يقف في العتمة.

 لم تعرفه من قبل، لكن في صوته كان شيءٌ من الصدقٍ، جعلها تطمئن للحظةٍ وسط ارتجافها. همس لها بسرعة:

ــ "أنا من طرف أم أحمد… أسرعي قبل أن يفيق أحد."

خرجت عفراء وطفلتَاها خلفه، والخوف يطاردهنّ كظلٍّ لا يرحم.

 كان البرد يضرب وجوههن، والريح تتلاعب بثيابهن، وأصوات الكلاب الضالة تتعالى في الأزقة، كأنها تنبح سرّهن المخفي. عبروا أزقّةً ضيّقة ملأتها روائح العفن والمجاري، وانعكست أضواء باهتة من مصابيح الشوارع على جدران حجرية متصدعة، فبدت كوجوهٍ قبيحة تترصدهم.

كل حركة في العتمة بدت كعينٍ تراقبهم. قلب عفراء يخفق بعنف، كأن صدرها لم يعد يسع نبضه. لكنها تماسكت، شدّت على يدَي ابنتيها، وهمست لنفسها: "لن أعود… لن أُسلمهما لهذا الجحيم."

طال الطريق حتى بدا كأنه قرن. خطواتهم المتسارعة تُحدث صدى مكتومًا على حجارة الأزقة، والليل يحبس أنفاسه معهم. وأخيرًا توقّف الرجل عند سيارة قديمة رابضة في الظل، كأنها تنتظرهم منذ دهر. فتح الباب الخلفي وأشار إليها:

ــ "اركبوا بسرعة."

دخلت السيارة تحتضن طفلتيها بكل ما بقي من قوة في ذراعيها. ارتعش جسدها وهي تشعر لأول مرة أن الجدران التي طوّقتها سنين بدأت تتلاشى خلفها. كان صرير الإطارات على الطريق أشبه بصرخة تحرّر. لم تعد تسمع صخب البيت، ولا شتائم إخوة الزوج، ولا صرير أبوابهم المؤصدة. لم يبقَ سوى أنفاس ابنتيها الدافئة تختلط بدموعها، ورائحة الخوف تنسحب تدريجيًا من صدرها، تاركةً مكانها لارتجافة أملٍ جديد.

في تلك اللحظة، همس قلبها بصوتٍ مبحوح:

"لقد بدأنا طريق النجاة."

**

يتبع

سعاد الراعي

قرر "سلام" هذه المرّة أن يزور السوق الأسبوعي لعاصمة إمارة سيكا عند الفجر. البارحة، في المقهى الملاصق لبيته، جرى بينه وبين صديقه "عبد العليم" حوار طويل حول تحولات الأسواق الأسبوعية، وكيف أصبحت سلوكيات الوافدين إليها مرآة صافية لقياس حرارة المجتمع ونبضه.

حين بلغ السوق بعد أن قطع كيلومترات على قدميه، كانت العتمة ما تزال تكسو الأفق. جلس ليستريح على صخرة عند جذع شجرة هرِمة يتجاوز عمرها القرنين، وأطلق بصره في حركة القادمين، أفرادًا وجماعات، يتدافعون صوب البوابة. كانت عيناه تلتقطان التفاصيل، بينما ذهنه غارق في تأمل عميق في دلالات ما يرى.

وفجأة دوّى صراخ حاد، اهتز له فضاء السوق:

ــ "لص! لص!"

انتُزع سلام من شروده حين لمح شابًا قوي البنية يركض بجنون، وخلفه أصوات التجار والزوار تتعالى باللعنات. وبعد لحظات لحق به أربعة شبان أكثر قوة ونشاطًا، يركضون بأرجل مرفوعة كأنهم في سباق، يصرخون:

ــ "قف أيها اللص الملعون!"

اقترب سلام من أول خيمة نُصبت بعد بوابة السوق، وكان صاحبها شيخًا يبيع أقمشة بيضاء، فسأله:

ــ "السلام عليك، ما الذي حدث؟"

رد التاجر دون تردد، وعلى ملامحه مرارة السنين:

ــ "انتشرت السرقة هنا منذ ثلاث سنوات، يا سيدي الفاضل. كان سوقنا مضرب المثل في الأمان، ثم تغيّر كل شيء. هذا اللص اختطف محفظة فلاح لحظة قبض ثمن بيعه لأجود ثور لجزار كبير في العاصمة."

عاد سلام إلى مكانه مضطربًا. اجتاحه حزن غامض وسهاد ثقيل. تذكّر حديث البارحة مع عبد العليم، واستحضر في ذهنه شذرات من أقوال الفلاسفة في الشخص والهوية والغير، وفي الحرية والاضطرار، وفي جدوى القيم حين تنكسر الموازين.

وبعد نصف ساعة عاد الشبان الأربعة. كانوا يبتسمون كأنهم أحرزوا نصرًا أخلاقيًا. نهض سلام متفائلًا، فبادرهم:

ــ "أمسكتموه؟"

مر ثلاثة منهم أمامه بضحكات غامضة. أما الرابع فتوقف قليلًا، نظر في عيني سلام طويلًا، كأنه يعرفه ويقدّر مكانته، ثم اقترب وهمس في أذنه اليمنى سرا وطلب منه أن لا يفشيه لأحد:

ــ "أمسكناه يا عمي سلام... لكنه مكّننا من نصيبنا."

شعر سلام بارتجاف يديه، فشدّ على جذع الشجرة الهَرِمة وهمس لنفسه بمرارة:

ــ "انتهى الكلام..."

***

قصة قصيرة: الحسين بوخرطة

أنتَ لَمْ تُحسِنِ التَّحديقَ

ولم تتركِ الخُنفساءُ

آثارًا

سوى

تلك الرائحة.

*

الأصدقاء:

أخطاء طباعية

نُدَبٌ

يصعبُ محوُها

*

البياضُ

أسطورةٌ هَشَّةٌ

تبتلعُها جيوشُ السَّواد

الحقيقةُ

لم تلتقطها السيارة

*

أحتاجُ الكثير من الصداقات

وحكمةُ زوربا

تلك عادةٌ سيّئة

*

المثال المُقيمُ

في رأسِ أفلاطون

أرخصُ مِن قيمتِهِ

في سوقِ النّخاسة

مَنْ سَيُزايدُ..

*

الدخولُ إلى الذات

ممرٌّ مُضاءٌ بسؤال،

وسقراطُ هناك،

ينفخُ في رمادِ يقينه

*

عندما أسَرَّكَ صديقُكَ

كانت يدُهُ الأخرى

تعبثُ

بسلسلةِ المفاتيح...

*

البياضُ خرافةٌ

طَعِّمْهُ بالسَّوادِ

قبلَ أن يفوتُكَ مَوسمُ الظِّلالْ

*

عندَما كنتُ صغيرًا

كنتُ أضحكُ

حتى تبْتَلَّ

لِحْيةُ الزَّمَنْ

*

عندَما كبُرتُ

صرتُ أبكي

حتى تشتعلَ

لحيةُ المكان

*

الانتماء:

أن تكونَ محاطًا بالبياضِ

ولكن...

*

التَّحَقُّقُ:

أن تستيقظَ

ولا تجدَ ظِلَّكَ

في صفوفِ الطباشير.

***

إبراهيم مصطفى الحمد

لم يكن في الجوار غيرها ليخدش الباب في ساعة متأخرة. يبدو أن المطر داهمها في كرتون زيت تبرع به الجار لإيوائها. رقة هذا الكائن تأسر سكان العمارة، لكن صغارهم لا يهتمون بالفرق بين دمية وقطة. آثار السلك الذي ربطها به أنذال صغار بادية على رقبتها. تموء وهي تتمسح بسروال نومه. لعلها جائعة!

سارع إلى المطبخ بحثا عما تبقى من سندويتشات الغذاء. معذرة يا صغيرتي، فالحرم المصون غاضبة في بيت العائلة. الشقة برأيها أضيق من كرتونك، ولا تليق بشاعر رأسماله في الحقيقة كومة أحاسيس، ونسخ أعماله الملقاة في أرجاء الغرفة.

هل يليق بشاعر مثلك أن تحاصره امرأة في زوايا أربع من الطوب والإسمنت؟ قدرك أن تتفجر دفئا ورقة لتذيب صقيع الحياة. هكذا أنتم أيها الشعراء! ثم انصرفوا إلى حيواتهم يديرونها بخبث ومكابرة، غير عابئين بسطوره الممددة على صفحات الجرائد.

شاعر.. ثم ماذا؟

تموء القطة فيمسح على ظهرها ليدخل السعادة إلى قلبه. بعض النساء قطط! يتجدد المواء بينما يقلب درج مكتبه بحثا عن مسودة أشعار في الحب والجمال، وبؤس بني البشر. لا فرق بيني وبين أي صعلوك آخر في الحي. تلك هي الحقيقة. يقرر الصعلوك أن يجابه واقعه بما يليق باللحظة الإنسانية من قسوة أو جنون. مهمتي أنا هي تزييف كل شيء. أحاسيس تنبض على الورق، بينما تُداس في الخارج بأقدام الباحثين عن عالم أفضل.

جمال تديره صالونات الأزياء والعطور بأنفاس حرب باردة.

عزلة محب لا يطيق الجلوس بمفرده لتناول فنجان قهوة.

وحب ملتهب الكلمات لكنه سريع الذوبان. يكتنفه لغط الحياة وشدتها فيصير عبئا على قلبين.

كفّ للحظات عن سهوه حين نطّت من مكانها إلى النافذة المجاورة. تحب القطط مشاهدة ما يجري لساعات. هل أكتب شيئا جديدا لو استلهمت حضورها الآن؟ من يدري، فقد يكون للوجود معنى إذا تفحصته بعيني قطة!

رن هاتفه فجأة، فتنحنح قبل أن ينصت بلباقة معهودة لحديث صهره. ألح على أن يكون للشاعر دور آخر غير إتلاف عمره بين كومة أوراق:

- تطلب الأمر ساعات لإقناع رئيس البلدية. ستكون رئيس الدورة العاشرة للمهرجان الثقافي. هي صفقة لتجديد أثاث البيت، وفض النزاع المستمر بينك وبين الحرم المصون!

كل شاعر هو، بنظر العائلة، بطل من ورق. كي يلمع صورته يحتاج إلى سمسار لإتمام مهمة التألق والظهور. رئيس دورة! هل يسخر من نفسه أم يُجاري قواعد اللعبة؟ التفت إلى القطة التي تلعق طرفيها في لحظة استحمام فريدة. تذكر ما قاله دافنشي يوما: "كل قط هو تحفة أدبية". ما عساه يكون الشاعر إذن إن لم ينسجم مع النفحة الإلهية التي ألهمته سحر بيان؟

أي شأن يتفرد به الصدق بعد انكسار المرايا؟

وهل..؟

التقط بسرعة قلم حبر أسود، ثم ارتمى على أريكته ليغزل من العاصفة خيوط مطر. يبدو أنها استشعرت ما يهز كيانه، فنطت إلى جواره لتموء وتتمسح بسروال نومه. بعض المشاعر قطط، تخدش قلبك ليسترد حماسه الفاتر. وفي لحظة مفعمة بالتجاوز، يصير العالم الفسيح كرتون زيت، لا يلبث أن يضيق بك ذرعا حين يُبلله المطر!

شاعر.. ثم ماذا؟

لا شيء!

***

حميد بن خيبش

 

أَرَدْنَــــاها بما تَمْــــلِكْ حَلُـــوبًا

وقَدَّمْنَا لها (غَسَنًا)* حُــــرُوبا!

*

وحَدَّثْنَا (ضُرُوعهــا) في ثوانٍ

فَتَـــمَّ لنا إذْ انْتَزَفَتْ.. نُضُــوبا!

*

فَـدَرَّتْ واستَدَارَتْ في خُشُوعٍ

تُقَبِّلُ كَفَّ (حَالِبها) رُغُـــــــــوبا

*

وخَصَّتْـــهُ (مُؤَخِّـرَةً) سَخَــــاءً

فَثَمَّـــــنَها وبَــــــــــارَكَهَا رُكوبا

*

وما فَطَـــرَتْ ولا جَــرَحَتْ صيامًا

إِذْ انْبَطَحَـتْ وقد بَلَعَتْ حُبُوبا!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

10/8/2025

 

لا شيء يثير فضولي،

ضيقة هي الرحابة

وللفضاء انكسار

كما استدامة شفق،

لا شيء يشبه نفسه

وإن تعدد الأشباه،

لو كان لي صوت هنا

ما صرخت،

فمن عاداتنا اللا انتباه

*

بداخل كل واحد منا جدار

وما الحب إلا احتمال غيمة

هذا الرمادي لا يكتفي،

قل: أنك متعب

قل: أنك اقتربت

قل: إنَّ خطاك إليك محاصرة

لا أحد هنا

هل من طريق؟

ترتد الخطى لا اتجاه

*

ما العالم؟

صورة لم تكتمل

تُعد غدها للأمس

هي مرآة الأنا

مكياج باهت

وأسود الشفاه

***

فؤاد ناجيمي

قصيدة/ هذا الرمادي لا يكتفي

من المجموعة الشعرية/ كأني أحمل الصحراء

 

قصتان قصيرتان

عادات قديمة

اليوم الذي يسبق المدرسة.. مازلت للآن أستقبله بنفس الحفاوة من الضجر والإكتئاب والبكاء.. في صباح يوم الجمعة، أستلقي أمام التلفاز مسندة رأسي على وسادة خضراء مطرز في الطرف العلوي منها طاووس وعبارة " أحلام سعيدة"

أمد قدمي على الطاولة التي تحمل التلفاز، أحركه بأطراف أصابعي حتى يوشك  أن يقع وجدتي تردد " يابنت لاتطيحي التلفزيون" "يابنت التلفزيون خربان، ياويلك من خالك"

و كأنها تخاطب الجدار، فمازلت ألعب بالتلفزيون حتى إهتزت الصورة وتشوت..تصيح جدتي.. "يابنت..الله يكافيكي، تعالي يا فاطمة صلحي التلفزيون خربته هذه الآفة"

تأتي دادا فاطمة تحرك الأريل " لا أعلم إن كانت هذه التسمية صحيحة لكن هذا ما اعتد قوله "تضرب الجهاز عدة ضربات، تعتدل الصورة.. لم تكن فاطمة كهربائية ولا خبيرة في الأجهزة الالكترونية.. هي فقط تضرب التلفاز كما كنا جميعا نفعل.. لكنه لايستجيب إلا لها.. تنظر إلي بعدما أصلحت الجهاز وتقول: " ليش طفشانه؟"

وتعلم أنني لن أجيب تخرج إلى الشرفة وتحضر بطانيتي المفضلة وتلقيها علي، كنت اشعر بالراحة الان استطيع التبسم دون أن يهتز بريستيجي.. أدّعي النوم إلى ما بعد الظهيرة  ممدة في منتصف الصاله أعيق حركة جدتي ان ارادت دخول الحمام، أعرقل فاطمة ومكنستها ملقاة وكأنني حجر على الطريق..

**

بقالة الحي

أسمع جدتي تكلم صاحب البقالة وتطلب "خبز ابيض مفرود، جبنة بيضاء وحلاوة لمى".. أسعد لحظة في يومي كله فلم أتحمل إختناق اللحاف ولا الإزعاج وشتم المارّين إلا لأجل هذه الفقرة.. كان البائع يعرف كل طلباتي لأنني من النادر أن أغير روتين شيء راق لي إلا بعد الملل منه..

سئلتُ في مرة:" إذا ذهبت لبقالة حارتنا القديمة ماذا سوف تشتري؟"

فأجبت:

ان إلتقيت صاحب البقالة أسأله أن يبيعني شوكولاتة جالكسي السادة التي كنت أتلذذ بها بعد الإستحمام مع كوب القهوة الذي تخادعني به فاطمه وتضع القليل فقط من  النسكافيه وتطفح الباقي بالحليب..

أو أشتري منه شامبو بيرت بلس الكبير للأستحمام، أضعه فوق منشفتين بيضاء وأركض على الحمام أسابق خالي الذي يقدس الإستحمام أكثر من أي شيء آخر..

أفتح صنبور الماء وأقف بعيداً عنه لأضبط درجة الحرارة التي كانت واضحة من البخار المتصاعد من كل مكان.. وجدتي تطرق الباب بشدة، أجيبها : " أنا أستحم يا جدة"، ثم بعد عدة دقائق تعيد طرق الباب وأصرخ للمرة الثانية " أنا أستحم أستحمممم"

وكأنه يصعب إستنتاج الإجابه فمع خرير الماء ورائحة الشامبو والبخار المتصاعد من تحت الباب يستطيع الجار أن يعرف أني أستحم في هذه اللحظة..

يطرق الباب من جديد فأغضب وأغلق الصنبور وأقول بطريقة ناعمه وراقيه "ها"

ترد علي فاطمة: افتحي الباب بسرعه، تناولني كأس ماء بارد حتى لا أصاب بالدوار من شدة الحرارة.. لا أعلم لماذا كنت ومازلت أعذب نفسي بهذه الطريقة!!؟

أو أشتري بسكويت الشاي والجبنة البيضاء والجلو لجدتي لتجهز لي حلى طبقات الجلو والبسكويت والجبنه في زيارة الأسبوع القادم..

لو إلتقيت صاحب البقالة أسأله أن يبيعني تلك التفاصيل الصغيرة، الذكريات والمشاعر

لو إلتقيته لطلبته أن يبيعني الزمن.. أن يعطيني جدتي ومنزلها… وفاطمة

***

بقلم: لمى ابوالنجا

. هذا خطأ كبير علينا إصلاحه سواء بالمال او بالقتل

. رد مساعده..

كان الاختيار غير صحيح ورغم بذل جهود كثيرة الا انها مصرة على أداء عملها حسب ما تمليه عليها القوانين وما يراه ضميرها كما قالت

. وانتم ما تفعلون حيال ذلك.. هل تخنعون؟

وتصفقون لها عندما ترون عنق قريبي متدليا على حبل مشنقة؟

تصرفوا بأية طريقة ترونها مناسبة وتقصر لنا الطريق وان لم تنجح قضية الإقناع او الضغط او حتى الرشوة تحولوا إلى الجانب الدموي

. وماذا نعمل عندما تصبح الحالة قضية رأي عام؟

. ليذهب الرأي العام للجحيم ولدينا المال والسلطة والاعلام والقدرة على صناعة الأحداث وفبركتها واخراس الأصوات المعارضة حتى لو تطلب الأمر استعمال (الكاتم) وماعليكم سوى سرعة التحرك قبل أن يفلت زمام الأمور ويطلع الآخرين على التقرير

. عند بداية الدوام جلست خلف مكتبها وهي مليئة بالاصرار على انجاز ما طلب منها حسب ما يمليه عليها واجبها المهني والانساني ولن تخضع لضغط او مغريات مهما كان مصدرها او حجمها وقبل ان تنهي قهوتها دخل مكتبها زميل بصحبة المساعد واختليا بها وقدما لها عروض برشوة تشتمل على الكثير الكثير ووعود واغراءات لكنها رفضت وبعد يأس المساعد تحول للتهديد والوعيد لكنها لم ترضخ ولم تبالي واصرت على موقفها فنهض المساعد مهددا

. إذا بعد هذا اعلمي انك لن تعيشي أكثر من يومين ان لم تتراجعي عن موقفك حتى مساء هذا اليوم

. فردت بهدوء..

افعل ما بوسعك فلن ابيع ضميري حتى لو كان الثمن حياتي وابلغ من يقفون خلفك اني لن أكون سببا في افلات مجرم من العقاب

فخرج غاضبا وأغلق الباب خلفه

. دخل المساعد على سيده واخبره بماجرى مع الطبيبه وفشله في اقناعها فابتسم بمراره وسأله..

. وماذا بعد؟

. نستخدم الوجه الثاني في طريقة التعامل معها

. وماهي ادواتكم؟

. لديها اخ يتعاطى المخدرات وام تحب المال كثيرا وأب يسكته التهديد ويلجمه الخوف وهناك عوامل مساعدة أخرى

. وماذا ستفعلون؟

نشتري اخوها ونساوم امها ونخيف ابيها وبعد ذلك نفعل المطلوب

. اعطوهم كل مايطلبون حتى إذا كان منزل فخم خارج البلد واستخدموا اخاها في ماتنوون عمله إلى أقصى حد واريد ان لايظهر على جثتها علامات تصفية او قتل متعمد او انتحار وإنما خليط بين كل هذا لكي يختلف المختصين عند التشريح مع إمكانية شراء بعضهم وغدا عندما تأتي للدوام لا تتصلوا بها واتركوا زميلها فقط يسالها عن موقفها فأن لم تغيره باشروا عملكم مساء وساحرك الصفحات الاخرى بعد انتهائكم ونعمل ضجة اعلامية عن انتحارها ثم يخفت كل شيء تدريجيا

. امرك سيدي

. في مساء اليوم الثاني اخلي بيت الطبيبة من ساكنيه واختبأت بداخله فرقة مختصة بالاغتيالات والتصفية الجسدية حتى وصولها وبعد وقت قصير تم قتلتها وتشويه جسدها بضربات وطعنات متنوعة ثم جيء باخيها ومعدته ممتلئة بكمية كافية من المخدرات ووضع مع القتيلة في البيت وبعد وقت قصير وصل احد اقربائها المتعاونين معهم ليكتشف الأمر ويبلغ الشرطة بانتحار المومى إليها وياتي بعد التبليغ دور الإعلام وتفتعل الضجة الخادعة ثم يبدأ الصراع بين الحقيقة والخداع.

***

راضي المترفي

 

دعي عيني على يومٍ تراكِ

وفي قلبي هوى يغلي هواكِ

*

فلا جدوى إذا المرأى ترآى

وفي عيني أرى فيهِ سواكِ

*

أيا أنثى بها حورٌ تجلّتْ

تُنَزَّلُ بالأنوثة من سماكِ

*

فتمطرُ في المجامر قطر مزنٍ

ليطفئَ ما تجمّر في نواكِ

*

فيا أنثى من الفولاذ قدّتْ

عناد الفرس يسري في جواكِ

*

فما اهتزتْ على يومٍ غصونٌ

ولا بثّت أزهارُ من شذاكِ

*

تناءيتِ إلى شرقٍ بعيدٍ

أيا شمسَ الصّبيحةِ في ذراكِ

*

فما في الأُفْق إلّاكِ شموسٌ

فلم تطلع ولم تطلق سناكِ

*

أعيشُ اللّيلَ في عمري كئيباً

فقد طال الظّلام على مساكِ

*

متى تأتين.. كي يأتي صباحٌ

مضيءٌ.. مبلجٌ.. صحوٌ؛ وراكِ!؟

***

رعد الدخيلي

 

أينَ الراكبُ أضلاعي يمشي أين؟

راقبتُ سلوكَ الممشى حتّى ساختْ أقدامي في حقلِ البينِ

لمْ أيأسْ لم أركبْ يختاً عشوائيّاً في بحرِ النونِ

يا حافظَ خطِّ الباقينَ سُكارى في جُرفِ العينِ

تمهّلْ .. عفوكَ لا يُجدي لا ينفعُ دفعا

لا يصلُحُ إلاّ للقفزِ على لوحِ التوفيقِ المُنشقِّ الخصرينِ

حيثُ المرآى ولاّعةُ خزّانِ التسخينِ

المرجلُ أعلى من فوّهةِ البركانِ الموبوءِ سواداً يغلي

آهٍ لو رفَّ الجفنُ الساقطُ بين الحافرِ والنعلِ

تطوانُ بلادي

العطفةُ في أعطافِ غلافِ الساهي العملاقِ

لا يرجو سهواً عَطْفا

لا ينتظرُ الباقي من حفلِ الإخفاقِ

شدَّ اصفرَّ تحرّقَ في وجدِ الماءِ الرقراقِ

(تطوانُ مصيرُ الغائبِ عنّي)

يتلوّنُ حسبَ مرامِ شموسِ الأخلاقِ

أو حسبَ مِزاجِ الطاحونةِ في صدرِ الحُبِّ الباقي

اللونُ يُشاكسُ خرقَ الطيفِ الشمسي

والبعدُ مُقايضةُ العُملةِ في سوقِ الأوراقِ

**

أبعدتُ ظنوني زَحْفا

كي لا أصطادَ الخيبةَ في سلةِ مُهر التغييرِ

لا أعرفُ تفصيلَ كلامِ الزَغَبِ المُصفّرِ سريعا

فكلامي يتفرقعُ شَجْواً مُنطفئاً

هذا أنتِ الليلُ الساجي وأنتِ الطَرَفُ الماحي للشوقِ

أين الغُربةُ كيف اللهوُ؟

لا أعرفُ خطَّ سَواءِ التوقيعِ على إنذارِ التبشيرِ

قُلتِ أراكَ ولم تقدحْ عينُ الرؤيا

هذي لحظةُ إيقافِ التنفيذِ

قولي أحسنتَ وقولي للبحرِ التطوانيِّ متى تنشقُّ الأقمارُ

لا أُهديكِ وروداً فالوردُ مشاعلُ تصعيدِ الأنفاسِ

قولي حتماً يأتي البرقُ

قولي البرقُ يُريدُ خُلاصةَ إعلانِ الأخبارِ

ما يأتي لو خابَ الظنُ وطنَّ الطرقُ على مِسمار الأبوابِ

" طَنجةُ " في المرمى عنوانُ سكونِ الأطباقِ

التوأمُ ضِدّانِ

طنجةُ – تطوانُ

من دِنِّ الخمرةِ في طنجةَ حتّى ضجّةِ عينيْ تطوانِ

***

عدنان الظاهر

12/ 8 / 2025

 

تقولين: لِمَ قصائدُك موحشةٌ؟

كلماتُك تفوحُ رهافةً، وصورُك تجعلُ الأنهارَ مرآةً

تغتصبُ أُنوثةَ الحوريّات.

*

أُحبُّكَ واحدًا، شامخًا أو منكسرًا... سيّان!

فما تدّخرُه من الوُدِّ يُصلحُ ما فسدَ من العالم.

*

قد يشغلني عنكَ حزني، وفقدي،

لكنّي لن أجزعَ من طرقِ بابك.

*

ثمّةَ ما يجعلني منجذبًا إليك؛

إنَّ قلبي اختار أن يكون بقربك، وكفى!

*

تُعيدُ عليّ السؤال: "لِمَ أنا؟"

أضحكُ، ويأتيني النّداء: "الطريقُ من هنا."

*

في أوّلِ فراقِنا تحتجبُ الشمس،

وفي الثاني نبتلعُ القمر، حوريّةً سماويّةً،

وفي الثالث يطرقُ بابي بردُ السماء،

فأشعرُ أنّ البيتَ أوسعُ من أن يضيق.

*

قد تغيبين، لكنَّ خيالَكِ ما زال بيننا...

قصيدةٌ لم يُفضَّ بكارتُها.

*

مَن يُصدِّقُ أنَّ رجلًا مثلي

يحملُ قلبَ عصفورٍ؟

***

د. جاسم الخالدي

كواكِبٌ من نجمِها تستقي

الضِّيا تَثَنَّى تحتَهُ أنْجُما

*

وأبرَصٌ عالٍ يُسامي الرِّشا

من جهلِه يحْسبُهُ أعْتما

*

من تحتِه بيدٌ تَعَالى علىْ

روضٍ عَليها طالما أنْعَما

*

من بينِها ماءٌ نضا زعْمُهُ:

يا بحرُ لولانا ابْتلاكَ الظّما

*

من خلْفِه برْدٌ فشا مُذْ غدا

بكلِّ جوٍّ دونَه مُغْرَما

*

من تحتِه فَيْحٌ لهُ اسْتسْلما

إذْ خالَ أنّ البردَ طالَ السّما!

*

في إثره دفءٌ غدا تابعا

لمّا تناسى فضْلَهُ الأقْدَما

*

بينهمُ آذارُ رايٌ بلا

أهلٍ إذا قيلَ فقدْ أجْرَما

*

وفوقَ ذا خلْقٌ يرى أنّه

من ربِّهِ الأعلىْ غدا أعْظَما

*

من دونِه خلقٌ يُماري السّما

-ما انفكّ- فِيمَنْ ربُّها كَرَّما

*

من حولهِ خلقٌ نباتٌ وآ

خرٌ جمادٌ أدْركا المُجرِما

*

فوقهُمُ ربٌّ عليمٌ غدًا

يُجري عليهمْ حُكمَهُ الأحْكَما

***

أسامة محمد صالح زامل

 

سكن القلب ساهياً

تحت همس الدوالي..

يذكر الأمس وأياماَ خوالي

يتغنى

ينتشى من همسه صمتا وخمرا..

ويرى فيها هياماً

وعناقيد تدلت

وانحنت

في ظل دالية

يهيم نسيمها سحرا وشعرا ..

تناثر ظلها بين الغصون

واوراقها، تراقص

للريح لحنا

وايقاعه شعرا ونثرا ..

هي تمرح في احضانه غافية

وهو يسرح في اجفانها

شوقاً وصبرا ..!!

***

د. جودت صالح

6 / 7 / 2025

 

منذ نعومة أظافري

كنت شاهدًا

على مسرحية الكراسي

الكوميدية السوداء للحكم

حيث يرقد المخرج

في قبر التغيير

لم يغير مشهدًا واحدًا

كأن الزمن في لحظة

قد تحجر على خشبة

المسرح الأبدي

والدهشة يصيبها الارتباك

كلما تكرر المشهد

والشخصيات تخنق الأنفاس

أعجب من حكمة المخرج

في اختيار بغايا الكراسي

وأشكال أهل المناصب

كيف أنهم متشابهون بالقبح

لكنهم يلعبون أدوار

السلطة ببراعة مذهلة

فاللصوص أذكياء

يجيدون الدراما ويحفظون

السيناريو قبل العرض

كيف لم ينهر المسرح بعد

كيف يصفق الجمهور حتى الآن

"عاش المسرح عاش المسرح"

***

باقر الموسوي

 

أحبت مدينته التي كانت تقرأ عنها في الروايات الأمريكية. كانت مسرعة بسيارتها المكشوفة فلحق بها وأوقفها تلكأت بجلستها وحديثها، سألها وقبل السؤال لا طفها بكلمة أوقعها في شباك قلبه، ومن ثم قال لها ابتعدي بسرعة بعد أن أخذ معلوماتها وهو يودعها بنظراته المملؤة حنية ومحبة لا تعرف لماذا وكيف!!

انطلقت ساندي مسرعة على غير هدى، وأوقفت سيارتها في أول تقاطع يؤدي إلى نهر جار وأرض خضراء لأشجار استظلت بهم وهي ترتعش من خوفها الذي أدخله إلى قلبها، جلست بحنو على جرف النهر وأخذت بطرف كف يدها وغسلت وجهها واستلقت على العشب، وراحت تستعرض ما مر عليها بهذا اليوم من بدايته إلى أن قامت بمخالفة مرورية لم تسجل بأوراق المرور..

ومن بين خيوط الحقيقة والتهيؤ لمحته..

لا يمل ضحكهما وهما يتجاذبان أطراف الحديث ويتذكران إحدى الفتيات اللواتي مررنا بروحه..

ينظر إلى عينيها بلهفة وهو ساكت، شيء ما يجذبه إليها، فتنهمر مياهها في ساعة الغيم. وهي تبكي بكاءً مرًا حين سمعت صوتها وهي تقول له برسالة من بضع كلمات:

" كن صديقي لا حبيبي الآن أنا بحاجة اليك. أتحبني مثلما أحبك؟" وتذوب روحها وتهمس بالقرب من قلبه:

" أم أنا توهمت ذلك الحب وبنيت عليه اشكاليات روحي ؟؟"

يرد عليها بعتب:

" أنا أحبك مثلما أنت تحبينني، أحب السطوح على جسدك البض الرائق مثل الليمون وأتجول بأصابعي وأمسد شعرك العسلي الطويل وأقبلك في كل جزء من جسدك، حتى تسكري تحت وقع شغفي، وأتمدد داخلك، أسكنك، أي قدرة الآن تأخذني إليك؟ وأنت في كامل البهاء، كل تخومك مستعدة لأن تستقبلني، سعيد بك وبأثرك وبنهج البلاغة الكامن في شغفي"

هكذا يحدثها بلهفة وهو يضاجعها بكلماته ويداعبها بعنفوان رجولته، الذي يدس الوجع اللذيذ فيها، فينتصب كل شيء في مداره، ويصبحان قدرة واحدة، أخذ وعطاء، ولهفة وتجرد وغياب، ويده تجوس عبر كنوزها، تستنطق الوقت فيها، ظهر يسلم قيده، وصدر يفك تمرده، فيكون طعمه ويقينه، يعود طفلاً على ربوعه، ويسرج من ذاته زيتًا لينير لها منعطفات الوقت.

أكمل معها حلمه وقام يكرره تباعا وهي تحوم بروحها شمالاً ويمينًا وتمؤ كالقطط بليل بارد يأجج مفاتن روحيهما وهي ترتفع وتنخفظ تأخذه كله بحق اللحظة وبحق الكلمة، وبحق ما فيها من نار تطلب دفئها، ينتهي وتنتهي، فيستقر ما بهما، وتنسحب بهدوء في متن النوم، ويظل بجوارها، ينظر إليها وقد راحت بنوم هادىء جميل وهي بين ذراعيه ظل يهمس بينه وبين روحه:

" أسدل النعاس رموش من أحب، الآن يا ربي ساعدني، في الصباح ستغادرني، وماذا أفعل؟ إنها سندريلا قلبي لا أحتمل فراقها، يبكي شوقًا إليها وهي ممددة بجواره في كامل البهاء، ينشد الوقت منها الهدوء، ويكتب قصته، احتضنها بلهفة عاشق متيم ينتظر هطول المطر، وراح يداعب كنوزها بشفتين تعرفان كيف يكون قطاف الشهد، تململت واستيقظت وضمته، وأخذته إلى حومة الرحيل حيث لا صبر ولا جلد إلا بالقدرة التي بيثها الشغف فيهما..

أشرقت الشمس وسطع نورها غلف الأرض بمروجها الخضراء، فتحت عينيها وتمتمت ببضع كلمات:

" لن يكتفي ما بي منك، فسدد لي فاتورة الأيام التي سبقت وجودك"

وعادت إلى النوم وهو يحتضنها بشوق، فلما استيقظت كانت كبحر لجي، توسده الشراع والريح هادئة، وكل شيء في قبض الشغف، ونام يلتفان ببعضهما، يتطاولان على كل شيء، والمحبة سند اللقاء، يأخذها وينحت بفعله هيبة اللذة.

انتهى غيابهما، فعادا منهمكين، أكل من تينها وشرب من سكرها، وقاما يغتسلان، تحت الماء المنهمر، قال لها:

" سارتشف الماء المنساب من على جسدك"

صرخت:

" لا "

أصر، وقال لها:

" هو عرقك، شهدك، هو نبع الحقيقة فيك"

شهدت اللحظات ولادة عمر جديد يضاف لأعمارهما، وخرجت من الحمام وجسدها ينقط قطرات الماء، حتى وقفت أمام المرآة، وبشفتيه جفف جسدها، وأجلسها وقام بتسريح شعرها ثم وضع قبله على رأسها، فابتسمت له ابتسامة المحبة التي دانت لها روح حبيبها.

توجهت بعد أن أعدت كوبًا لها وله من القهوة الساخنة، وهما يلتقيان عند نافذة المطبخ الكبير في بيت فخم يقع على ربوه الجبل في إحدى ضواحي كاليفورنيا..

اوكلاند مدينة الاخضرار والجبل وأيضا بلاد التهريب والعصابات والقتل والنهب.

في الليل رن هاتفها برقم لا تعرفه ولكن يرمز لمدينة اوكلاند، ردت بهدوء وسكينة على الهاتف، كان على الطرف الآخر رجل الشرطة المسؤول على أمن مدينة اوكلاند..

" اهلا ياحلوة كيف أنت الآن؟ ألا زلتِ مسرعة؟ "

ردت بخوف على الطرف الآخر:

" أنا بخير الآن لن أقود سيارتي بعد اليوم "

". لماذا هل أنت خائفة ؟"

ارتعش جسدها، وقامت لتدخل الحمام، وتبحث عنه..

***

نادية المحمداوي

 

إحذرْ عدوَّكَ مرَّةً واحذرْ صديقَكَ ألفَ مَرَّة

فَلَرُبَّما انقلبَ الصَّديقُ فكانَ أعلمَ بِالمَضَرَّةْ

علي (رض)

***

سأبتلِعُ ظِلِّي، وأتَحاشى الظلالَ المُجاوِرَةَ

وكوني لا أُجيدُ فَنَّ الهُروبِ، سأمشي حافيًا.

**

عندَما كنتُ بظِلالٍ عديدةٍ

كانتْ تنتفِخُ ...

تلمعُ انتفاخًا .. فيُعشيني السطوع

اكتشفتُ حصانَ طُروادةَ

بأقَلِّ الخسائرِ.

**

الظِّلالُ ألغامٌ بابتسامات عَريضةٍ، وقلبٍ مفضوحٍ بالحُبِّ،

وسِلالٍ مِنْ فاكهةِ الَّلغْوِ، وأقفالٍ لا مرئيَّةٍ، وقُبَلٍ، وبياضاتٍ...

في الواجِهةِ الخلفيةِ باندورا تَـتقيأُ ضَحِكاتِها..

**

كلكامشُ خانَ إنكيدو

حين أغرَتْهُ شهوةُ الحياة.

**

أرادوا أن يُجَمِّلوا الحروبَ

نَحَتوا عبارة (نيران صديقة).

ولم يَجِدِ المُمَثّل السوري محمد أوسو وَسْمًا لدراما عودَتِه

سوى (الأعدقاء).

فيما شاهدَ إميل حبيبي سُوريالةَ العالمِ

فصار مُتَشائِلًا.

الظِّلالُ ألغامٌ

بصيغةِ إخوة...

**

ظِلّي يتبعُني في الشمسِ

ويختفي في الظلامِ

وهو (أدرى بالمَضَرَّهْ)

**

الظِّلالُ قَنابِلُ موقوتَةٌ

و(الريمونت كونترول) آخِذٌ

السَّحْبَةَ الأولى مِنَ الزِّنادِ

بينَما تَنطفِئُ الشَّمسُ

يَنشَطُ الغُرَيْرِيُّ الـ(عَديقُ)...

ص!!

***

د. إبراهيم مصطفى الحمد

العراق - تكريت

 

"قُمْ للعراقِ ووفِّهِ التَّبجيلا"

وتعهّدوهُ شبيبةً، وكهولا

*

في ماضياتِ الدَّهر أبرَقَ دُرَّةً

كونيّـةً، ومُعلِّـماً، ودليـلا

*

قُمْ للَّذي سنَّ الشَّرائعَ مِشْعَلاً

للسَّائرينَ على هُداهُ سـبيلا

*

أيامَ تحبو في الحياةِ خليقةٌ

كانَ العراقُ كبيرَها المأهولا

*

وبهِ السَّفينةُ قد رسَتْ، وحمامةٌ

غرسَتْ غصونَ الخيرِ فيهِ جزيلا

*

فببصرةٍ وبمَوصلٍ وبأرْبِـلٍ

دارُ السـلامِ تألَّـقَتْ إكليـلا

*

شـرفُ المَقامِ بـدارِهِ آثـارُهُ

وبهِ الحضارةُ كانتِ القنديلا

*

قُمْ للذي غنَّى القصائدَ شامخاً

صاغَ الكلامَ مُفجِّـراً، وجميلا

*

فأبو مُحسَّدَ في الذُّرى أنشودةٌ

وأبو فـراتٍ واصلَ التَّرتـيلا*

*

والمُحْدَثـونَ كواكـبٌ، لا تختبـي

ساروا على دربِ الحديثِ فحولا

*

إسحاقُ غنّى فانتشوا وتمايلوا

وبناظمٍ طـرِبَ الغناءُ أصيلا **

*

تلكَ الشَّوامخُ في الأعالي عِزّةٌ

تتقدّمُ الدُّنيـا صدىً وعقولا

*

فتسامقَتْ بينَ الْعوالمِ كوكباً

حُضـناً يضمُّ رواسياً ونخيلا

*

واليومَ بينَ عصابةٍ منزوعةٍ

عنْ أرضِهِ لا ترتوي تقتيلا

*

أسَفي على مَنْ كانَ نجماً هادياً

واليومَ ضاعَ وقد أضلَّ سبيلا

***

عبد الستار نورعلي

..................

* إشارة الى المُغنيين إسحاق الموصلي، وناظم الغزالي

اللّيلةَ

في أوج الرّبيع

زهرةٌ من زَهرات الحديقة

باتتْ تحتَ ضياءِ القمر

يَرُشّها عشقًا وشوقًا

حتّى مطلع الفجر

عندما الشّمسُ وخزتْ وجنتيها

أفاقتْ

فإذا الطَلُّ أبيضُ

على اِحمرار

يُبلّل تاجَهَا…

***

سُوف عبيد - تونس

 

جلست هي خلف مكتبها المتواضع في دائرتها الحكومية، تخفي في قلبها همسا لا يسمعه سواها. أحبته بصمت حبا خجولا لم تجرؤ ان تنطق به، واكتفت بأن تراقب ابتسامته حين يلقي مزحة عابرة، أو تلمح انشغاله في الملفات التي بين يديه فتنهض مسرعة لمساعدته كونها أقدم منه بهذه الدائرة..

لم تنجح كل مساعيها ان تجذب انتباهه اليها. تعلقت روحها بضحكته بأحاديثه وبطريقة ادارته لعمله. كونه صادقا في تعامله مع الناس ويكره ان يؤجل عمله الى يوم آخر. نال احترام المراجعين أيضا. لا تدري ما سبب انجذابها له ربما كونها تحمل نفس صفاته اذن كان انجذابها مبررا. والمصادفة الغريبة انهما من نفس برج الحمل. وحين أخبرته بتلك المصادفة وبإحساس لم تشعر به من قبل..كأنها طفلة ترى الأشياء لأول مرة. ليتها قادرة ان تبوح بشئ من مشاعرها. ولعل هذه النقطة تكون مفتاحا للحديث بينهما. انفلتت من فمها جملة غير مترابطة بسبب ارباكها أجابها مع ابتسامة خفيفة على وجهه وببرود تام قال: بأنه لا يكترث لمسألة الأبراج ويعتبرها ضحك على العقول الساذجة.

حاولت ان تبوح له بهذا التعلق لكنها تتراجع في كل مرة وتخاف ان يصدمها برده. أو ربما أنه يحب امرأة أخرى وتكون تلك الخطوة انتقاصا لكرامتها كامرأة. غالبت مشاعرها بهذا الصمت الدائم ودون ان تخبر حتى صديقتها المقربة

مضت سنتان كانتا كفصل طويل من الانتظار، تخبئ في نظراتها له الف سؤال وسؤال، وتحلم ان يفهم يوما ما تخفيه عيناها من حنين صادق تجاهه..

لكنها استفاقت ذات صباح على خبر في الدائرة هز كيانها وصمتها: نعم ان الرجل الذي اختاره قلبها قد خطب امرأة أخرى، من خارج الدائرة وهي التي ارتدت اليوم فستانها الجديد وقررت ان تسأله عن ذوقها بينما رأت زميلاتها يشاركن بتوزيع الحلوى. وامتلأت أروقة الدائرة بالتهاني والتبريكات. دون ان يعرف هو أن قلبا بقربه قد تهشم تماما، وأن ابتسامتها في ذلك اليوم كانت ستارا يحجب انكسارها.

المحنة غدت أثقل من ان تحكى، وأقسى من ان تنسى

***

قصة قصيرة: سنية عبد عون رشو

 

مثنويّاتٌ ورباعيّاتٌ عربيهْ..

منحوا الفحّامَ مِن مَغنمةِ الليلِ محلّاً للجواهرْ

ثم قالوا: أنتَ في نسجِ اليواقيتِ بِنورِ البدرِ ماهرْ

**

طبقاتٌ طبقاتٌ طبقاتْ

صنفوا الانسانَ وفقَ العرقِ والدينِ ولونِ البشرَهْ

أهملوا في كنهِهِ أسمى السماتْ

تلكَ ما يمنحُ نفسَ المرءِ حقاً جوهرَهْ

**

سارقو تاريخِ أوطانٍ وأمجادِ مدنْ

قرصنوا في الليلِ تاريخاً وبحراً وسفنْ

**

صنعوا القزمَ وقالوا أنتَ عملاقٌ عظيمْ

فتعالَ الآن للحكمِ على رأسِ بلادِكْ

نحنُ نحتاجُكَ كي تبدو على ظهرِ جوادِكْ

فارساً، كي لا يرى الناسُ جواداً وكريم!!

***

شعر: كريم الأسدي

 

نطَقَتْ حجارةُ كوكبِ المرّيخِ

من خسّةِ ابن خسيسةٍ ممسوخِ

*

تسْتنْصرُ المولى على أحوالِها

حتّى تُطيحَ برأسهِ المنْفوخِ

*

غضَبًا لهاماتٍ أبى أنْ ينحَني

قرآنُها لكتابِهِ المنْسوخِ

*

وأخي على عهدٍ مع الصّمتِ الذي

قطَعَ العُهودَ لذلّةٍ ورُضوخِ

*

لا ينْقضُ الأخُ عهدَهُ والصّمتُ إنْ

يُأذنْ له فلحرفِهِ المشْروخِ

*

كحُروفِ علْمٍ أصبحتْ حِكْرًا على

المركوبِ والملبوسِ والمطْبوخِ

*

وزعيمِ قومٍ كالجبالِ بحيّهِ

بالقُدسِ سهلًا مرَّ دون شُموخِ

*

وإمامِ قُطرٍ غرَّبَ الأقصى عنْ

الحَرَمَيْنِ تأليهًا لشيخِ شُيوخِ

*

فإلى متى يبقىْ أخي العَربيُّ في

أرضِ الحضارةِ خارجَ التّأريخِ؟

*

وكأنّه لم يأْتِها إلّا ليُر

بي الصّمتُ من والَاهُ بالتّفريخِ

*

وإلى متى يبقىْ أخي العربيُّ في

أرضِ البيانِ مُكرّسًا لمُسُوخِ

*

وإلى متى يُغْنيهِ سلمُ قصورِها

من شرطِه فرطُ انْطواءِ الكُوخِ

*

جرَّاكَ يا! ظنّتْ عُيوني أنّها

حطَّت بأرضِ الهنْدِ بينَ السّيخِ

*

حتّى التقتْ حرَمًا على هَرَمٍ علىْ

متألّهٍ عن أصلهِ مسْلوخِ

*

عدِمتْ جذورُ الصّمتِ دونك أرضَها

وغدا الكلامُ لكوْكبِ المرّيخِ

***

أسامة محمد صالح زامل

 

في نصوص اليوم