عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

كَيْ أنْقصَ منسوبَ الوجع المُتَنَشِّب في الأحناء

بعدك،

ما يلزم؟

لا أعرف يا أمّ الصّبر، ومن يعرف؟

يا أولادي

انتحبتْ أمّ الحبّ الصّامت مثل محاني الماء

ضاع العُشّ

وفات أبوكم

يا أولاد

فاختلطت فيّ الأبعاد

وفي الدّنيا

وأمامي قُوَّتي

مُرْتَعِبة

كانتْ رُكني

ورأى النّاس بها

إذ فات أبي

أركانا منتحبهْ

في كل صباحات الغيث الغامر

تسبقنا لتعدّ له ولنا الشّاي

ولها القهوة

تختار البُنّ لقهوتها وتُوزِّع كأسيها

كأسُ الأَصباح

لِحقْلٍ مْعَكَّاز

الأخرى لأَماسي النّول

تصفُّ سُدى الوقتِ ولحمتَه

وأبي قرب النّول يلاحظها منتظرا

وعلى الأسماع

قعقعة عراك ذي يزنٍ في المذياع

مرّ الوقت؟ ما الوقت؟

مِن أوهام الكائنِ والكائنُ أشباحٌ شتّى تسبح في التّيه

قولي لي أنّى رآك؟

في الغيب؟

أم إبّان الجري وراء فراشات الحقل؟

أيّان تكوني في الحاضر أمي!

أأبي الأوّل والأغلى عندك أم أبناؤك؟

كيف تسوّي يا مهبول!

مرّ الوقت؟ ما الوقت؟

ما الكائن حين يسيح في ما لا يُفرَز من ألغاز حين يُكَثَّف ثمّ يَرى ما لا يَفْرِز من أبعاد

حين يُرى شفّافا ويُرى أشتاتاً وأراني غيري أعْرِفُني وأراني لا أعْرِفُني

ما الموت؟

أيعود الشّخص أم الطّيف؟

تلك اللّيلة

من يدري كيف أتاك

من يدري ما كان

غير رشيدةِ قَلبِ الصّفو صديقتك الصّغرى وحفيدتك الفضلى

منذئذٍ صار الآتي منكشفا

الموتُ وشيكٌ ووصاتي أنْ أرتاح هنا جنبكِ فاطمتي

يأتي أبنائي

أُحْمَل للدّار داري

أنيموني فوق سريري أرتاح قليلا واحملوني لأبيكم لأحوك له وأعدّ له الشّاي

في اللّيلِ الآخِر قبل صباح الموت

كنّا بطريق الدّار

كنتِ بقربي نمشي كالعادة مبتسمين ومكتظّين بآلام شتّى تعرفنا منذ فوات أبي حبّك ذاك الأوّل والآخِر

وبقرب الزّيتون وجدناه

كالعادة مبتسما

عانقنا أمّي طويلا ثمّ أشار إليّ أنْ اِمض

سار وسرتِ

نحو الحقل الفاغر

حضنَ برودته

هو مَنْ كان

كالقطّة

إن يُشْغَل عنها يدك

تُلِحّ لِتَجْتَذِبَهْ

آه

موتك أمّي

أكان أبي أم كنت أنا سبَبَه؟

***

البشير النحلي

 

إلى عادل أسمر[1]

....كان رصيفاً مهملاً كانت جريده

تنخل اخبار الوطن

من اطلق الماء على صيف روحي

انا ما قاله العش بعد العاصفة

والهدهدُ الذي اضاعَ بريده

كانت (محلةُ اسمرَ) عشَّه الصغيرَ كانت وريده

هو من يحاصره الحنين الى موجةٍ الى غيمةٍ بعيده

عاد من أوّل القلبِ لبيتِ ابيه

لكنهُ عندما عادَ بكى وافترش الرحيل

صار عصفوراً او قصيدة

كان قبضةً من القمح ببال قطاة

هو ما لمّح َالبحر للبراري

هو فكرةٌ فرّت الى أجفان دواة

*

عادلَ اسمرَ مَن انت؟

أنا ما يُسمّى بعصافير الحقول

انا ما تقولهُ وردةٌ للريح

انا ما يضمرُه ُالغيم للغيمِ

وما تضمنتْهُ الفصول

*

عادلُ صديقُ الناي

ومعملُ طحنِ الحبوب

وطريقٌ موصلٌ بين اسطورتين

وعادلُ كان صلاة المسيح

وما تقوله جوليت لروميو

عودةُ الفَراشِ لكلام شكسبير

كان عادلُ خارجاً من حقول التبغِ ومن بداياتِ الاغاني

وعائداً الى تلكيف

مطراً على زقاق طويل

عادلُ هو الأدواتُ البسيطةُ

وشارعُ البيادر

والزمن الجميل

عادلُ علاقة الماء بالينبوع

*

لابدَّ من تلكيف لابدَّ من قطط الطريق يا صديقي

ولديك من المفردات ما يكفي لتعلّق قمرَ الرصافةِ فوق تلكيف وتمضي مع المسيح الى  (كنيسة الكلدان)[2]

صباحَ الخير يا عادل

أصيحُ في بريّتي مثلَ (ارميا )[3]لا تهجروني  واطعنوا بهذا الجمال انفسكم

يا ابنَ القمر الجميل

نمْ على ريحانةٍ بالقرب من  (قاشات)[4]

نَمْ يا ابن آذار نحلةً ترشدُ المعنى الى مجازات بعيدة

ونم على ذمةِ التلميح

واعطني حصتي من رذاذ قصيدة

صباحَ الخير يا عادل

صباح (ليليات شوبان)[5]

وضعَ الكلام على وردةٍ قلقة

تلكيفُ خيمتُنا الجديدة

تلكيفُ تلميحٌ لغموض الاستعارة

هل أوقف الحبُّ حشوده؟

تلكيف صاحبي الذي مضى الى ذكرياته

وقد وضع القمر البدائي في اعالي الاغنيات

وفوق قداسه الاخير

عادلُ اخرُ ما تبّقى من حصاد تلكيف

وعادلُ آخرُ اسطورة تمرّ في بال الرعاة

وعادلُ يرسم شكلَ الأناة

وعادل كان شقيق الفرات

*

كان رصيفاً مهملا ً كانت جريدة

تنخلُ أخبار الوطن

دموع نرجسةٍ تحاصرُهُ

وتلكيفُ التي نثرت وصاياها الاخيرة

ومشت الى ما ليس تبصر...كالعصافير الشريده

تلكيفُ خيمتُنا الوحيدة

ومملكةُ الحمام

تلكيفُ ذاكرة الفصول

فاتبع صعودَ الشوق كي تتبعَ صعودَه

***

أحمد شهاب

.....................

[1] -شخصية لطيفة من تلكيف الموصل، مازال متعلّقا بالوطن الام العراق

[2] - كنيسة في تلكيف الموصل

[3] - من انبياء العهد القديم

[4] - محلّة في تلكيف

[5] - موسيقى لشوبان

رحلَ رجلٌ من قريتنا،

ذهبَ بعيدًا…

الرجلُ يخرجُ للمشيِ كلَّ يومٍ،

لا يصطحبُ معهُ كلبًا في نزهتِه.

هذا الرجلُ، شاعرٌ شرقيٌّ، لا يؤمنُ بالمساواة؛ ربما لهذا لا يقتني كلبًا أو قطةً.

الرجلُ الشرقي المُهاجرُ، الذي يسمُّونهُ بالشاعرِ،

يذهبُ إلى الحديقةِ القريبةِ كلَّ يوم، وبيدهِ دفترٌ.

يجلسُ وحيدًا،

متكئًا إلى جذعِ شجرةِ بلوطٍ، حتى المساء…

وفي مساءٍ باردٍ من هذا الخريف، بينما كانَ البلوطُ الناضجُ الصغيرُ يتساقطُ عليه، تساءلَ معَ نفسِه:

لماذا البلوطُ هنا صغيرُ الحجم؟

ماذا أفعلُ هنا؟

ولماذا أبدو أنا ـ كما يتراءى لي ـ صغيرًا جدًّا هنا؟

تمرُّ بيّ الكلابُ، تنبحُ وتلتفت إليّ وكأنَّها تخاطبني قائلة:

أيُّها المُهاجرُ العجوزُ،

وحيدًا…

هنا، مع دفترِ أشعارٍك، تحتَ شجرةِ بلوطٍ، بعيدًا عن شمسِ الشرق…

ماذا تفعل؟

***

مراد سليمان علو

لَسْتُ مِمَّنْ يَطْرُقُونَ أَبْوَابَ النَّاسِ بِجَبِينٍ مُنْحَنٍ،

وَلَا مِمَّنْ يَسْتَعِيرُونَ مِنَ الضَّعْفِ لُغَةً لِلنَّجَاةِ.

التَّذَلُّلُ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِي،

فَخُذُوا هَذَا عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ،

وَلَا تُرْهِقُوا أَنْفُسَكُمْ فِي مُطَارَدَةِ روح لَنْ تسْقُطَ.

أَنَا لَسْتُ شَجَرَةً تُخْضِعُهَا الرِّيحُ لِجِهَةٍ لَا تُرِيدُهَا،

وَلَا غُصْنًا يَنحني كُلَّمَا مَرَّ بِهِ نسيم عَابِرٌ.

فِي دَاخِلِي جِذْرٌ قَدِيمٌ،

أَعْمَقُ مِنْ أَنْ تَبْلُغَهُ أَيَادِي العَابِثِينَ.

قَدْ أَصْمُتُ،

وَلَكِنَّ صَمْتِي لَيْسَ إِقْرَارًا ،

إِنَّهُ ذَلِكَ البَابُ الثَّقِيلُ الَّذِي أُغْلِقُهُ فِي وَجْهِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ السُّكُوتَ هَزِيمَةٌ.

وَقَدْ أَتْرُكُ لِبَعْضِ الأَشْيَاءِ أَنْ تَمُرَّ،

لِأَنَّي أَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ المَعَارِكِ تَصْغُرُ حِينَ نَنْزِلُ إِلَيْهَا.

فَلَا تَطْمَعُوا فِي انْكِسَارِي ،

فَقَدْ مَرَرْتُ بِمَا كَانَ كَفِيلًا بِأَنْ يَجْعَلَ مِنِّي رُكَامًا،

فَخَرَجْتُ مِنْ بَيْنِ الحُطَامِ

أَكْثَرَ صَلَابَةً، وَأَقَلَّ قَابِلِيَّةً لِلِانْحِنَاءِ.

وَإِنْ رَأَيْتُمُونِي أَمِيلُ يَوْمًا،

فَلَا تَخْطَئُوا القِرَاءَةَ ،

رُبَّمَا كُنْتُ أُصْغِي لِلأَرْضِ،

الشاهدة على سقوطكم .

أَمَّا أَنْ أَنْكَسِرَ لِأَحَدٍ،

فَتِلْكَ حِكَايَةٌ لَمْ أَكْتُبْهَا،

وَلَنْ أَتْرُكَ لِأَحَدٍ شَرَفَ كِتَابَتِهَا.

أَنَا ابْنَةُ مَا نَجَا،

وَلَسْتُ بَقِيَّةَ مَا سَقَطَ.

***

مجيدة محمدي

أطُوفُ بالرّوحِ في أنْسَامِ مَأْوَاهَا

وَأرْتَجِي الدّفْءَ في كَفٍّ حَوَانِيهَا

*

أعُودُ طِفْلَةَ قَلْبٍ لا يَخافُ سِوى

رؤى الحَنانِ إذا مالَتْ أمانِيهَا

*

ألقي غِواءَ الدُّنى عنّي بلا حَذَرٍ

وَأسْتَرِيحُ على عيْنَيْ مُنَادِيهَا

*

فلا المَقَامُ يَحدُّ الشَّوقَ في أذني

ولا السِّنونَ التي طالَتْ مَطَاوِيهَا

*

كأنّما الوَقْتُ مَهْمَا ضاقَ مُتَّسَعٌ

يَلينُ حينَ نُناجيها ونَحْكِيها

*

نَبْنِي مِنَ الودّ أحلاماً نُحلِّقُ بها

وَنُوقِدُ النُّورَ في أقصَى مَرَاعِيهَا

***

العامرية سعدالله

 

اللحظة (1)

هو اليوم يشرب أنخابه

وينادمه حجر ناتئ

حين كلمه

في الحديث أفاض وأصبح

يصدر فيه عن

هوى منسجمْ.

**

اللحظة (2)

لا تضاهى إذا هي خطَتْ

فالطريق يراها

ويعرفها

فوق جبهته خطَّ

منذ البداية

هاجسها الطاهر الأنثوي.

**

اللحظة (3)

ربما يحدث اليوم مثل الذي

كان يحدث بالأمس

لكنما فارق الوقت كان صفّى حساباته

واستراح.

**

اللحظة (4)

ذاك عرافنا لم يزل ضاربا

في الوقار

بعلاته الآن يجمع أشتاته

بيد أن جنايته لا خلاءَ لديها

ولا كهفَ تأوي إليه إذا عربدت

بين أسنانها عاصفةْ.

***

مصطفى معروفي

1- شَمِشٌّ فِي صِراعٍ

كانَ يَتَحَدَّثُ عَنِ العَدالَةِ، وَيَعُدُّ نَفْسَهُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، حَتَّى لُقِّبَ بِـ«شَمِشٍّ¹». كانَ يُدافِعُ عَنْ كُلِّ مَظْلُومٍ وَيَقِفُ إِلَى جانِبِهِ، وَيُحارِبُ كُلَّ ظالِمٍ. بَلْ إِنَّهُ كانَ يَقِفُ حَتَّى ضِدَّ مَنْ يَرْتَكِبُ جُرْمًا دُونَ قَصْدٍ، لِيَنْصُرَ المُتَضَرِّرَ.

فِي يَوْمٍ صَيْفِيٍّ، كانَ والِدُهُ يَقُودُ السَّيّارَةَ قاصِدًا البَحْرَ لِلتَّرْفِيهِ، غارِقَيْنِ فِي الكَلامِ وَالضَّحِكِ، فَإِذا بِهِ يَدْهَسُ طِفْلًا لَمْ يَنْتَبِهْ إِلَيْهِ.

صُدِمَ عِنْدَما أُحِيلَ والِدُهُ إِلَى المَحْكَمَةِ. فَعَلَ المُسْتَحِيلَ لِإِنْقاذِهِ، وَلَجَأَ إِلَى أَشْهَرِ وَأَمْهَرِ المُحامِينَ. كانَ حُبُّهُ لِوالِدِهِ مَعْنَى حَياتِهِ، فَأَعْماهُ ذٰلِكَ الحُبُّ، وَنَسِيَ لَقَبَهُ.

اِخْتَلَفَ النَّاسُ فِي آرائِهِمْ عَمّا حَدَثَ. قالَ بَعْضُهُمْ: «لَوْ كُنّا مَكانَهُ لَفَعَلْنا مِثْلَهُ، فَمَنْ يَتْرُكُ والِدَهُ، أَوْ أَيَّ عَزِيزٍ عَلَيْهِ، يُسْجَنُ؟»

وَقالَ آخَرُونَ: «يا لَهُ مِنْ مُتَناقِضٍ وَأَنانِيٍّ! نَسِيَ مَبادِئَهُ وَسَعْيَهُ لِنُصْرَةِ المَظْلُومِ وَالمُتَضَرِّرِ، ذٰلِكَ الَّذِي كانَ يُنادِي بِأَخْذِ الحَقِّ مِنَ الجانِي وَمُعاقَبَتِهِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ قاصِدًا».

لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَنْزِلِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً. كانَ فِي داخِلِهِ صِراعٌ؛ تارَةً سَعِيدًا بِسَلامَةِ والِدِهِ، وَتارَةً حَزِينًا عَلَى طِفْلٍ ماتَ دُونَ ذَنْبٍ.

وَبِحُزْنٍ وَشُعُورٍ بِالعُزْلَةِ، بَعْدَ أَنْ اِبْتَعَدَ عَنْ ضَوْضاءِ الأَلْسُنِ وَالأَسْئِلَةِ، جَلَسَ يَنْظُرُ مِنْ شُرْفَتِهِ، وَيُتَمْتِمُ فِي سِرِّهِ:

«لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ كانُوا الجُمْهُورَ، وَأَنَّنِي كُنْتُ المَسْرَحِيَّةَ».

***

2- مَسْرَحِيَّةُ الدُّمَى

عَلَى المَسْرَحِ، تَتَحَرَّكُ الدُّمَى الخَشَبِيَّةُ بِخِفَّةٍ وَحَماسَةٍ، كَأَنَّها تُرِيدُ أَنْ تُمْسِكَ بِالفَراشاتِ كُلِّهَا الَّتِي حَوْلَها.

تَتَبادَلُ الدُّمَى النِّسْوَةُ الحَدِيثَ، رَيْثَما يَعُودُ أَزْواجُهُنَّ مِنَ العَمَلِ.

تَسْأَلُ دُمْيَةٌ صَدِيقَتَها:

* أُوه، أَنْتِ حامِلٌ مُجَدَّدًا! ما سِرُّ رَغْبَتِكِ فِي الإِنْجابِ واحِدًا تِلْوَ الآخَرِ؟

تَرُدُّ الدُّمْيَةُ عَلَى صَدِيقَتِها:

* أَلا تَرَيْنَ ما أَجْمَلَ الحَياةَ؟ وَقانُونُ الدُّمَى يَنُصُّ عَلَى أَنْ تُولَدَ الدُّمَى جَمِيعُها أَحْرارًا وَمُتَساوِيَةً فِي الحُقُوقِ وَالواجِباتِ.

تُجِيبُ الدُّمْيَةُ:

* نَعَمْ، القانُونُ مَوْجُودٌ، فَلا خَوْفَ إِذَنْ.

اِنْقَطَعَتِ الكَهْرُباءُ، فَصاحَتْ إِحْدَى الدُّمَى مَفْزُوعَةً:

* أَخافُ مِنَ الظَّلامِ!

تَرُدُّ عَلَيْها الدُّمْيَةُ الجَدَّةُ:

* تَخافِينَ مِنَ الظَّلامِ؟ ماذا؟ أَنْتِ لَمْ تَعُودِي طِفْلَةً!

تَرُدُّ عَلَيْها الدُّمْيَةُ:

* هَلْ كانَ ذٰلِكَ بِإِرادَتِي؟ أَلا تَتَذَكَّرِينَ ماذا حَدَثَ لِي قَبْلَ سَنَواتٍ فِي الظَّلامِ، عِنْدَما عَضَّتْنِي دُمْيَةُ الكَلْبِ؟ وَمُنْذُ ذٰلِكَ اليَوْمِ وَأَنا فِي حالَةِ هَلَعٍ وَخَوْفٍ مِنَ الظَّلامِ.

جاءَ الأَزْواجُ مِنْ أَعْمالِهِمْ مُنْهَكِينَ.

قالَ أَحَدُ الأَزْواجِ لِزَوْجَتِهِ:

* بَعْدَ كُلِّ هٰذا التَّعَبِ اليَوْمَ، اِسْتَطَعْتُ أَنْ أَشْتَرِيَ رَغِيفَ خُبْزٍ وَبَيْضَتَيْنِ... سَنَتَقاسَمُهَا أَنا وَأَنْتِ وَالأَوْلادُ الخَمْسَةُ. مَرْحَى!

قالَتِ الدُّمْيَةُ الطِّفْلَةُ لِوالِدِها:

* لِماذا لا تَنْقَطِعُ الكَهْرُباءُ عِنْدَ صَدِيقَتِي تالا؟ قالَتْ لِي فِي حِصَّةِ مادَّةِ الاِجْتِماعِيّاتِ إِنَّ الكَهْرُباءَ عِنْدَهُمْ لا تَنْقَطِعُ.

أَجابَ الأَبُ:

* والِدُ تالا لَهُ نُفُوذٌ وَسُلْطَةٌ، يا اِبْنَتِي، وَنَحْنُ أُناسٌ بُسَطاءُ.

تُغَنِّي الدُّمَى أَغانِيَ فُلْكْلُورِيَّةً، وَتَرْقُصُ عَلَى ضَوْءِ شَمْعَةٍ، وَتَقُولُ بِابْتِهاجٍ:

* ما أَجْمَلَ الحُرِّيَّةَ وَالرِّقَّ...

قَبْلَ أَنْ تَكْتَمِلَ الجُمْلَةُ، اِنْقَطَعَ خَيْطُ إِحْدَى الدُّمَى، فَسَقَطَتْ قَتِيلَةً عَلَى المَسْرَحِ...

كانَ مَوْتُها مُفاجِئًا، فَقَدِ انْقَطَعَ خَيْطُ مُحَرِّكِها.

أُسْدِلَتِ السِّتارَةُ، وَاِنْتَهَتْ مَسْرَحِيَّةُ الدُّمَى بِالبُكاءِ وَالنِّواحِ

***

مريم نزار الديراني

تــمايلَ الغُصنُ مســـروراً بلُـقــيـــانـا

وأومض البـرقُ، ترحيــبا بمسْـعـانا

*

جــمْعُ الأحــبّة ِ، فــي اجـواء قافــيةٍ

تــعـطِـيـُر نَـكْــهـةِ ابــداعٍ بـمَـرْمانـا

*

صرْح الخلود، حروفُ المَجْدِ ترفده

وكــلُ اشــراقِ حرفٍ في العُـلا بانا

*

يامن يلُــوكُ مضامِيــناً، بـهـا حَسَـدٌ

هــذِّب نــواياكَ، أقــوالا وأرسـانا

*

إنْ كُـرِّمَ المبدعُ الموهوبُ، في عَمَلٍ:

تَفْـعـيلُ جهْـدٍ، ومـنحُ الحــقِّ عـنوانا

*

إنّ الوســامَ عـلى صــدرٍ يلـيـقُ بــه

توثـيــقُ عـدلٍ يَرى الانصافَ مِيـزانـا

*

يامَــن يواصِـلُ لهْــواً، دون فــائـدةٍ

إحجبْ، لأجْلِ نصوصٍ ترفعُ الشّانا

*

يعـلـو المُمَـيَّـزُ، فـــي طبْعٍ وموْهِـبةٍ

(إنّ الــنفـيـسَ غــريبٌ حيثما كانــا)

*

للحُــبِ ديــمومَــة ٌ، إنْ كــان يرفــدُه

نــهْجٌ عـفيفٌ، وعـزْمٌ يـبـني اركانـا

*

امْـنح صداكَ أهـازيجـاً، لهـا قِـيـَـمٌ

تُــعـزز العَــزْمَ، تصديــقـاً وإيــمانـا

*

إنّ التــواردَ فــي الافـكار تـتْـبـعـُهـا

حَـصيـلةٌ، فـلْـتكـن خيـراً وبُـنــيانــا

*

مع النــسيم، بريـدٌ مــنك يؤنِــُسني

والشمسُ تمنَـحــه، في الافق ألوانا

*

مُــذْ حـدَّثـونا عـن الاجدادِ من مُثُلٍ

(الا ونحــن نــراه فــيهــم الآنـا)

*

وجْــهُ الـبلاغــةِ، اشْــراقٌ بطلْعَــتِـه

فإنْ تجَــسَّدَ ما فــي الضوء اغْــنانـا

*

فالاســتعارة ُ والتشبيهُ إنْ شَخَصَـتْ

كالــزّرع تَــوَّجَ انـهــاراً ووِديــانــا

*

رِيـادَةُ الادب السّـامي، بَـهـاءُ غَــدٍ

وكـلُّ خطوَةِ نُــصْحٍ، تـبْـني انسـانا

*

يامـن يعــزّ عليــنا أن نـفارقهــم)

نَـيْلُ العلومِ اقتضى، والعِلمُ اسْمانا

***

(من البسيط)

شعر: عدنان عبد النبي البلداوي

مررنا

وكانت الطريق تشقُّ الوادي

بين صخرٍ وشجر

ورأيتُ بيوتًا صغيرة

كأنها أسرارُ الأرض،

تختبئُ منّا

وتأوي إلى ظلِّ الأشجار

*

قلتُ في نفسي

كيف يعيشُ الذين هنا؟

*

هم يرون السماء

لكنهم لا يرون المدى

يرون الشمسَ حين تعلو

ولا يرونها،

وهي تمشي على وجه الأرض

لهم نجومٌ كثيرة

لكن ليس لهم أفقٌ بعيد

ولهم صباحٌ

لكن الجبالَ تقفُ

بينه وبين امتداده

*

ومع ذلك

تُفتحُ الأبواب

ويخرجُ الأطفال

وتُزرعُ الورود

*

وتجلسُ أمي عند المساء

تنظرُ إلى السماء

كأنها تكفيها3151 orthar

فكم من قلبٍ

يسكنُ واديًا ضيقًا

وروحُه أوسعُ من الأفق

وكم من إنسانٍ

يسكنُ بين المدى والسماء

ولا يرى

إلا جدرانَ نفسه

*

ثم تذكرتكِ

منذ أن عبرتِ إلى صمتكِ الأخير

وأنا أسكنُ واديًا

كلما رفعتُ رأسي

ابتعدَ الأفق

البيتُ يعرفُ أن اسمكِ

طريقةٌ أخرى لفتحِ الأبواب

كلما قلتُ

أمي...

هَبطتِ على الأشياء

على المساءِ وهو يمدُّ ظلَّه

كأنه قطعَ طريقًا طويلًا

من الموصل

ليسمعَ صوتكِ

ثم طالَ به الطريق

*

كلما مددتُ يدي

تساقطت منكِ

رائحةُ صابون

خيطٌ أبيضُ عالقٌ بثوب

دعاءٌ بين فراقين

أمنيةٌ نامت تحت وسادة

وشعرةٌ فضيةٌ

تقاومُ الريح

في أسنانِ مشطٍ قديم

*

والنافذةُ

كلَّ صباح

تمسحُ زجاجَها بالضوء

يمرُّ وجهٌ بعيد

يشبهكِ

ثم تمضي الشمس

إلى الجهة الأخرى من الجبل

*

أما أنا

فكلما قلتُ

أمي...

ارتفعت في داخلي

جبالٌ قديمة

وتراجعت

حتى ظهرت السماء

واسعةً

وحيدة

أمدُّ يدي إليها

فتعودُ إليَّ

برائحة يديك

*

وفي المساءِ

حين يضيقُ الوادي

وتنحني الأشجار

تحت الريح

أراكِ

في خيطِ شمسٍ

على حافةِ جبل

وأظلُّ واقفًا

أرى السماء

وأنتظرُ الأفق

*

وعندما أعودُ إلى البيت

أشعرُ أن الجدران

ترتِّبُ صمتَها

وتتركُ عند الباب

مكانًا...

يكفيك

*

وتبقى السماء

معلّقةً فوق البيت

كأنها

آخر ما تركتِه لي

***

بولص آدم

.................

* اللوحة للفنان لوثر إيشو

هذه الدنيا القصيدةْ

أسْــعَدَتْني يا حَميدةْ

*

أشعَلَــتْني بِــحُرُوفٍ

ونُبٌـــــوءاتٍ عَـديدةْ

*

بيديهـــــا ألْبَسَـــتني

بُرْدَةً تُدعى: الفريدةْ

*

صَيَّرَتني مِنْ رسـولٍ

لنَبيــهٍ في الجـريدةْ

**

ذات هَجْسٍ عانَقَتْني

ومَضينـــا كالطريدةْ

*

تَســبِقُ البَرْقَ خُطَانا

للنهايــــاتِ السعيدةْ

*

وسَعِدْنــا بٍوصُــــولٍ

واحتفينــــا بالوليدةْ

*

فأقامَ الكـــونُ عُرْسًا

بجـــديدٍ وجـــــديدةْ

*

وهُتـافٌ مِن بعيـــــدٍ

يَروي عنَّــــــا للبَعِيدَةْ

**

بَعدها صِــــــرنا حياةً

للورى تبدو.. رَغِيدةْ

*

تَتَنـــــامي كل هًجْسٍ

بِمَـــــــــدَاءاتٍ مَديدةْ

*

مَنْ أتـــاها دون زادٍ...

سَطَّحَتْهُ كالحَـــدِيدَةْ

*

قَطَــعَتْ عَـــــنهُ وَتينًا

أنْضَــبَتْ مٍـــنهُ وَريدَه

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

٢٠٢٦/٨/١٣م

 

لو أنبأتني الغجريةُ

أنكِ يومًا ستكونينَ لي،

لما كتبتُ ملحمة (بتلاتِ الوردِ)،

لما انتظرتُ تحتَ شمسِ (سيباي)،

ولا جلست أنتظر على حافة غدير.

أو تبللت تحتَ المطر.

لو أنبأتني الغجريةُ

أني سأقبّلُ جبينَ القمر،

لما رميتُ تلك الحصوات المسطحة في الغدير،

لأتابع عبورها إلى الجهة البعيدة.

فقط لو أنبأتني الغجريةُ

بالمكانِ والزَّمان،

لأتيتُ راكبًا

أبيضَ الحصانِ،

أمسِ، وغدًا،

والآن.

***

مراد سليمان علو

حياةٌ كلُّها ضاقت أفاعي

ولم تنفع هراوات الدّفاعِ

*

بحقدٍ تنفثُ الأنفاسَ فينا

تبثُّ السُّمَّ من غير انقطاعِ

*

ومازالت .. وما كفَّتْ بيومٍ

و قد مرّت على كلِّ المراعي

*

فما أبقت لنا حقلاً بريعٍ

ولا ريعاً ولا شاةً وراعي

*

تفرَّقنا.. وقد كنا جموعاً

مؤاخين المقاصد والمساعي

*

فصرنا قطعةَ الإسفنج قُصَّتْ

إلى العشرين تُذرى من شراعِ

*

وتهنا .. تاهتِ الآمال فينا

فلم نبلغ فنارات القلاعِ

*

وهاجت ثورة الإنسان تغلي

وقد هبّت بمخمصة الجياعِ

*

فهمنا.. هامت الآلاف تبدي

جنوناً جامحاً مثلَ الضِّباعِ

*

وكلٌّ ما به فيه؛ ليحيا

على ما ذاق من ثدي الرّضاعِ

*

فلا يحييه في يومٍ قيادٌ

ولا ينجيه قولٌ باستماعِ

*

لأنَّ المرءَ يدفعُهُ سلوكٌ

بما عاثَ التَّطَبُّعُ بالطِّباعِ

*

ستبقى تُمطِرُ الدُّنيا رزايا

ولم تقلع بعاصفة انقشاعِ

*

ونبقى نألف الآلام فينا

بجمر الحال من لسع التياعِ

*

فلا من راح يأتينا لينجي

ولا من جاء يقلينا بساعِ

*

ستبقى تفتك الأيام فينا

وترثينا مواساة النّواعي

*

ونبكي نندب الأجيال حزناً

على ما كان من مجدٍ مُضاعِ

*

إذاما الحال نفس الحال يبقى

فما الجدوى بخسران انتفاعِ !

***

رعد الدخيلي

 

مقهىً جنوبَ موجةٍ

جنوبَ حقلٍ من أجاص

أعلى من القلبِ الذي خبأتهُ في القنبة[2]

أدنىً من الناي الذي يسكبُ حزنَ القصبة

مقهىً جنوب قطةٍ

وغربَ مفحصِ القطاة

شَمال غرب القافية

الياسُ بكرٍ ها هنا[3]

وهاهنا شُكْرُ الرشيدي[4]

والهيلُ في شاي الشتاء

عبدُ العزيز[5] قادمٌ من محلّةِ العرب

شمالَ غربِ غابةِ الرُّطب

3144 ahmadأما يزال بيتنا مضاء؟

يحيا على ابتسامة ٍ(لفادية)[6]

وصيفُنا الطويل

والضحكةُ التركيةُ

على الزمان الزنجبيل

وكان عمراً اخضراً يا سيّدي

صلّت عليهِ العافية

مقهىً يرتبُ عزلةَ الأزهار في طفولة بعيدة

مقهى يُرتّبُ الحنينَ في طريق المدرسة

مقهى يحاولُ استعادةَ التي طارت حمامةً بيضاءَ نحو الضاحية

*

حميتُ نفسي منَ الأشواق كي أحبّك

وعندما العشّاق يمضون فلستُ ماضياً إلّا اليك

ويسقطُ الثلجُ على كتفي لكي اشاهدَ الصيف على يديك

مقهى على رصيفٍ واسعٍ

والوقتُ صيفٌ ربّما القاكِ في المرة الثانية

وربما خمسُ صنوبرات

يلْقينني في الشارع العام

وقربَ بيت الحاج قاسم [7]

وانتِ بستانُ من القطن الجميل

تفتّحت ازهارُهُ شمالَ غربِ القافية

***

د. أحمد شهاب

..........................

[1] مقى في رشيدية الموصل في الستينات والسبعينات اختفى الآن

[2] القنبة وهي كلمة تركية قد عُرّبت وهي الأريكة

[3] صديق الشاعر

[4] صديق الشاعر

[5] صديق الشاعر

[6] زوجة الشاعر

[7] بيت كبير من بيوتات الرشيدية

حين استدارَ النُّورُ

عن خاصرةِ الظِّلِّ

وانكسر العِطرُ على عتبةِ

الورد

​كانَ الفضاءُ المُلوَّثُ

بالبوحِ

يَفتحُ شهِيَّةَ الغياب

​مرَّت بِنا النَّشوةُ

رماداً مِن غُصنٍ أَعمَى

وخُطواتُ الدَّهشةِ

تُفتِّشُ عَن خُضرةٍ فِي

عينِ الحَجر

​كُنَّا على حافةِ الأَغصانِ

ثِمار سُكْرٍ مُؤجَّل

​هل كان ذاكَ الإِيقاعُ

دَمعَ القَيظِ

في رَملِ القَنَادِيلِ؟

كم التاثَ النَّرجِسُ

بنارِ

قصِيدتِنا السَّوداءْ

​نَحنُ الغَارقُونَ بِما

لاَ يُوصفُ

مِن وَلهٍ

مُثقَلونَ بِغيثٍ بِلا

سماء

تَركُضُ إِلينا مواسمُ

تَجهلُ أُسطورةَ

وَجدنا

​يا قَيُّومَ ما نتكهن

أَنا هالَةٌ هبَطتْ مِن رُؤيَا

امرأَةُ حَدسٍ

تطعَنُ البرِّيَّةَ بشهوةِ

الرَّيحانْ

​وأَنا بين يديَّ

حدائقُ الغَيمَ

لغةٌ هيفاءُ تنزِفُ

رَحيقها

فِي أَغصَانِ الزَّمنْ

​لم يجدِ الولهُ أَبهَى

من شهادةِ تبصُّري

المُتأَصِّلِ

في الرُّؤيَا

سوى أَن ننفُضَ رمادَ

الضَّوءِ

ونصيرَ سيلَ الجريانِ الَّذِي مضى

​أَسرَارُنا نَجتْ

حِين صِرنَا أَشَدَّ صِدقاً

مِن الأَزَلِ

***

د. مرشدة جاويش

وصايا الغيم / دار نون

2010

بين حقيبةٍ تشبه قبرًا صغيرًا،

وبوابات العبور المضيئة كشاشات الاحتضار،

يقف المواطن العربيّ..

يحمل تاريخًا من الهزائم في جيبه الأيمن،

ويورو معدنيًّا في جيبه الأيسر،

ويبحث عن ظلٍّ له في عواصم الضباب.

في مطار شارل ديغول*

أو على حافة هيثرو**

تفتش الكلاب البوليسية في أمتعته،

عن حنينٍ خفيٍّ سرقه من بيته،

أو عن رائحةِ زعترٍ تكفي لإدانته بتهمة الحنين العابر للحدود.

يمشي في "المنطقة الحرة"،

حراً كطائرٍ مكسور الجناحين،

يشتري عطرًا غربيًّا ليخفي به رائحة البارود العالقة في جلده،

ويبتسم لموظف الجمارك من وراء الزجاج الأملس،

بينما في صدرِ ه أمةٌ كاملةٌ تُطرد من تاريخها.

يستوقفه ضابط الحدود:

ـ ما سبب الزيارة؟

ـ أبحث عن بلادٍ لا تحترق،

ـ أبحث عن وجه أمي المنسي خلف جدار السنتيمتر الأخير من الخريطة.

لكنه يبتلع إجابته،

ويكتفي بختمِ دخولٍ مؤقتٍ..

مؤقتٍ جداً، كعمره،

كحلمه،

كأحلام الجياع على شاشات الفضائيات.

***

العامرية سعدالله / شاعرة من تونس

.....................

* مطار شار ديغول: مطار بمدينة باريس الفرنسية.

** هيثرو: مطار بمدينة لندن

يا مرحبا قد أقبلت * تناسقت ألوانُها

مِن كلّ لَون أزْهرتْ * كأنّها جِنانُها

وأينعتْ ثِمارُهُ * وَقَدْ بَدَا أوانُها

مِنَ الغِلالِ كُلِّهَا * تَمَايلتْ أغصانُها

تأرْجَحَتْ تَبَهْرَجَتْ* ومُنعشٌ رَيْحانُها

بَعدَ اِنتظار هِيتَ لَكْ * الآن ذَا زَمانُها

تَعسّلتْ تَرَقْرَقتْ * تَرنَّمَتْ أفنانُها

لِقَطفِهَا تَغنّجَتْ * مُستَسلِمَا عِنَانُها

فاِنْطلقتْ كالمُهْرةِ * إِذَا اِسْتوَى مَيدانُها

وقَد عَلا صَهْوتَها * مُتيّمٌ وَلْهَانُها

وشَدّ شدّا سَرْجَها * تزَعْزَعَتْ أركاتُها

فَحَمْحَمَتْ ضَابِحةً * تأجَّجَتْ نِيرَانُها

حَامِيةٌ آهاتُها * حَالمِةٌ أجفَانُها

تَأوّهَتْ لَذَاذَةً * أنّى لَهَا كِتْمَانُها

واِنتفَضتْ من نَشوةٍ * فِي عَينِها لَمْعَانُها

أَمِيرةً بَايَعتُها * قَالتْ أنَا سُلطانُها

***

سُوف عبيد ـ تونس

فَنَّانَانْ

اِلْتَقَيَا بِالصُّدْفَةِ فِي بُسْتَانْ

كَانَ اَلْأَوَّلُ يَرْسُمُ

وَالْآخَرُ يَعْزِفُ

وَالْإثْنَانْ

فِي أَبْحُرِ إِبْدَاعِهِمَا يَنْغَمِرَانْ

**

كَانَ اَلرَّسَّامْ

قَدْ أَنْجَزَ لَوْحَاتٍ تَتَلَوَّنُ فِيهَا اَلْأَحْزَانْ

وَالْعَازِفُ كَانْ

يَعْزِفُ أَلْحَانًا مَا عَزَفَهَا إِنْسَانْ

حَلَّ اَللَّيْلُ، فَقَالَا سَيَنَامَانْ

بِهُدُوءٍ وَأَمَانْ

بَيْنَ اَلْأَوْتَارِ، وَبَيْنَ اَلْأَلْوَانْ

**

نَامَ اَلْإثْنَانْ

فِي اَلْحُلْمِ رَأَى اَلرَّسَّامْ

أَلْوَانًا لَمْ يَشْهَدْ

مَا يُشْبِهُهَا قَبْلَ اَلْآنْ

وَرَأَى لَوْحَاتٍ تَتَرَاكَضُ،

وَهُوَ يُلَاحِقُهَا دُونَ اِطْمِئْنَانْ

أَمَّا اَلْعَازِفُ، فَالْحُلْمُ أَتَاهْ

وَهُوَ حَزِين يُرْبِكُهُ وَقْعُ خُطَاهْ

وَيَرَى نَفْسَهْ

فَنَّانًا أَسْلَمَ كَفَّيْهِ لِأَوْتَارٍ قَلِقَةْ

وَمَضَى مُلْتَاعًا يَعْزِفُ أَلْحَانًا نَزِقَةْ

**

مَاذَا سَيَقُولُ اَلْاِثْنَانْ

حِينَ يُفِيقَانْ؟

مَاذَا سَيَقُولَانْ؟ !

***

شعر: خالد الحلّي

مَا لِي فُتِنْتُ بِلَحْظِكِ الْفَتَّاكِ

فَوَجَدْتُنِي مِنْ أَسْرِهِ أَهْوَاكِ

*

وَسَلَوْتُ كُلَّ مَلِيحَةٍ إِلَّاكِ

فَكَأَنَّ وَجْدِي مَا احْتَفَى بِسِوَاكِ

*

يُسْرَاكِ قَدْ مَلَكَتْ زِمَامَ صَبَابَتِي

مُذْ عَانَقَتْ وَرْدَ الْهَوَى يُسْرَاكِ

*

وَمَضَلَّتِي وَهُدَايَ فِي يُمْنَاكِ

قَدْ ضَاعَ قَلْبِي بَيْنَ هَذِي وَذَاكِ

*

فَإِذَا وَصَلْتِ فَكُلُّ شَيْءٍ بَاسِمٌ

وَالْكَوْنُ نُوِّرَ مِنْ جَمَالِ بَهَاكِ

*

وَإِذَا هَجَرْتِ فَكُلُّ شَيْءٍ بَاكٍ

حَتَّى الْخَرِيفُ أَسَالَ دَمْعَ جَفَاكِ

*

هَذَا دَمِي فِي وَجْنَتَيْكِ عَرَفْتُهُ

يَسْرِي حَنِينًا عِنْدَمَا أَلْقَاكِ

*

لَا تَسْتَطِيعُ جُحُودَهُ عَيْنَاكِ

فَالسِّرُّ يُفْضَحُ مِنْ بَرِيقِ سَنَاكِ

*

لَوْ لَمْ أَخَفْ حَرَّ الْهَوَى وَلَهِيبَهُ

لَأَذَبْتُ قَلْبِي فِي لَظَى ذِكْرَاكِ

*

لَجَعَلْتُ بَيْنَ جَوَانِحِي مَثْوَاكِ

وَنَذَرْتُ عُمْرِي خَالِصًا لِفِدَاكِ

***

بِقَلَمِ: سُلَيْمَانَ بْنِ تَمَلِّيست

جَرْبَة، فِي 2026/08/16

من الجيدِ أن تكونَ حمارًا، يحسدُكَ الملايينُ من البشرِ كلَّ يوم.

قد يكونُ الأمرُ صعبًا في البداية،

ستنبذُ اللحومَ، وتلكَ الأطعمةَ الدسمةَ المليئةَ بالكوليسترولِ الضار.

ستُصادفُ الكثيرَ من الساخرينَ والمتشككين،

وقد تُضربُ وتُهان، ويُذهبُ بكَ لأعمالِ السخرةِ.

ومن حينٍ لآخر، يمكنكَ أن تحتجَّ على وجودِكَ في المكانِ الخطأ،

بالتبوّلِ واقفًا أو بالرفسِ،

ولكن أيضًا، سيكونُ لكَ أصدقاء،

رجالٌ جادّون، يساعدونكَ على تناولِ وجباتٍ مجانيةٍ من العشبِ الأخضرِ الطازجِ كلَّ يوم.

حينها يمكنكَ أن تتظاهرَ بالسعادةِ، وأن تنهقَ، وتضرطَ…

ويمكنكَ أن تردَّ الجميلَ أيضًا كحمارٍ لهُ كرامتُه،

تحملُ بعضَ متاعِهم،

ويجلس على ظهرك كبارَ السنِّ أثناءَ الفرامينَ عليهم.

مرحى يا حمار!

البشرُ يتداولونَ أعظمَ مقولةٍ قيلتْ فيكَ:

"لتكونَ سعيدًا، وعلى خيرِ ما يرام؛ كنْ حمارًا".

بالتأكيد، من الأفضلِ أن تكونَ كذلك.

مرحى يا حمار.

***

مراد سليمان علو

وحدك علمتني.. كيف تقيم الروح في غير ذاتها..

وكيف يصيرُ القلب بابا.. لا يُغلقه الانسحاب..

ظننتُ الودادَ عهدًا.. القلبَ ميثاقًا

وأن النبض إن صدق.. لا تُغويه رياح المسافات

وإذ بالأفعال تكسر الوعود.. تخدع الأسماء..

لأكتشف أن بعضَ العهود.. تُترك في مَهبِ التأويل..

وأن الصمت خيانة.. تغتال الروح في هدوء.

*

شيء ما فيك يبعثر ترتيبي..

يُسقط المقدمات.. ويتركُ الحكاية بلا خاتمة..

يُعيدني طفلة لا تُجيد سوى الدهشة.

كلما حاولتُ جَسَ نبضي..

تسللتَ من بين الدقات.. ذنباً يُنعشُ مشوار أيامي

يُسقط عني يقيني.. لأصيرَ احتمالاً لا مستقر له..

كلما حاولتُ ترتيبً الغياب..

زرعتَ الفوضى في كل المعاني

وجعلتَ الارتباك يكتبني كما يشاء.

*

ألتمس الوضوح.. فيتقدم نحوي ضباب..

يُغرقني في ظلمات الأبجدية..

ذنبي.. أني صدقت ارتعاش الحرف

حين تاه في دروب الشوق

لم أكن أعلمُ أن القلوب إن أفرطت في العطااء

صارتْ أوطاناً سهلةَ الاجتياح.. ؟

*

في البعد.. لا يضيق المكان فحسب..

بل يَختلُ ميزان الأشياء..

تصير الخطى أثقل من الطريق

ويغدو الزمن.. حجراً في مَجرى الروح..

في القرب.. لا أَستردُني كاملةً..

بل أتعلم كيف أكون أقلَ كي يتسع لك المشهد..

و يختفي الصوت.. ليصغي الصمت

إلى ما فيكَ من مجازٍ..

*

بيني وبينكَ.. حالة بَهماء

تُداهمُني كلما حاولت النجاة..

تُقيم فيَ كلما ظننتُ.. أني نجوت..

فإن كان لما يحدث اسمٌ.. فقد ضاق به اللسان..

وإن كان له مآلٌ.. فإن كل الطرق إليه

تمرُ عبر صمت ينمو..كشجرة لَبلابٍ

يمتد ظلها في كل الجهات..

*

بيننا..حكاية لم تُختم..

لا لأن القدر ضاقَ بنا.. بل لأنك اخترتَ

أن تتركَ الباب موارباً.. وتمضي..

تاركا الصمت مخنوقاً..

اللغة مرتبكة.. والحنين في حالة اضطراب

أفهمُ اليوم جيدا :

أن الصمت الذي مجدناهُ.. كان عذراً جبانا

لوعدٍ لم يكتمل.. حين غابت عنه الشجاعة.

*

كيف استطعنا.. أن نحملَ كل هذا الدفء

ثم نضعهُ على الرُّف.. كذكرى مؤجلة؟

كيف أقنعنا الأرواحَ.. أن التراجع حكمة..

ونحن نعلم يقينا.. أنه خوف يُتقن التبريرَ

عجزٌ.. يغتالُ.. كل ما هو جميل..

ويتركنا هياكل فارغة..

تنتحبُ خَلفَ قُضبان المستحيل

*

لستُ غاضبة لأنكَ رحلتَ..

بل لأنكَ بقيتَ.. نصف حاضر.. نصف غائب..

تُلوحُ لي كلما حاولت النسيان..

ثم تختفي كأنك لم تكن يوما..

سوى لحظة عابرة.. في مشوارٍ بَهِيم..

كنتَ تعرفُ.. أني لا أحب الطرق المعلقة..

الأبواب المغلقة..

والعلاقات اللتي تقتات على الاحتمال..

ثم تركتني أعيش فيكَ.. فكرة بلا مصير..

أتعلم؟.. ليسَ الفقدُ ما يوجع..

بل التواطؤ الخَفيُ على ألا نكتمل.

*

ها أنا الآن.. أغلقُ الصفحة بيد مرتجفة..

لا حبا.. بل غضبا.. من حكاية

كان من الممكن أن تكون كل شيء..

لو لم تَكنْ.. كل هذا التردد.. !!!

***

مالكة حبرشيد - المغرب

 

بِلا أيِّ قلبْ

مثلما يخسرُ التائهونَ الى آخرِ الليلِ أفئدةً وعيونْ

وعندَ الصباحِ يريدونَ أنْ يجدوا ـ دونَ جدوى ـ الذي فقدوا

فلا يعثرونَ على شيءِ بلْ تتعثرُ في ظلماتِ الدروبِ خطاهمْ

فلا العينُ تبصرُ وهجَ الفؤادِ، ولا القلبُ يبصرُ نورَ العيونْ

أرادوا المسراتِ صاعدةً في دروبِ السماءْ

أرادوا نخيلاً وبدراً وماءْ

أرادوا الصبايا الجميلاتِ ينذرنَ للحبِّ أرواحَهنَّ

ويكتبنَ في وهجِ العشقِ أتراحَهنَّ وأفرأحَهنَّ

ولكنْ صبايا المنافي مضينَ الى سوحهنَّ

وكانَ الحصادُ هباءْ.

*

لا الخمورُ تواسي الذي ضاعَ في حانةِ الغرباءْ

لا النساءُ اللواتي مضينَ بعيداً فماتتْ بِهنَّ النساءْ

لا النقودُ تواسي

والمآسي أتتهمْ جنوداً مجندةً في جيوشِ المآسي ..

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

انتظرت

زقزقة العصافير

وبقيت أنتظر

ولما يئست

فتحت

نافذتي

وألقيت

التحية

على الملأ

فرددتها العصافير

وطارت

بقيت

أنظر إلى السماء

وأنتظر

لعلّها تعود

بخبرٍ

يشبهك

لكنها

ابتعدت

وغاب صوتها

فأغلقت نافذتي

وجلست

أصغي

لعلّي أسمع

خطوةً

على الباب

***

جاسم الخالدي

بغداد ١٥/ ٨/ ٢٠٢٦م

 

تعالَ

فقد عُمِّد الحرفُ

بمكنُوننا

واستحالَ المجازُ

مُعتكَفاً

تعالَ نُقشِّرُ عنَّا رداءَ

الصمْت

لندخُلَ في بهوِ (نُونِ)

الجلالِ

فلا قصدَ يعلو

ولا انحنى عزمٌ لتذوي

جمرةٌ

في لُجّةِ المعنى وما

وراءَ القافية

​تعالَ لنُحصيَ أوجاعَ

هذا البياضِ

فصدري كتابٌ

ونبضي نزيفٌ يُظهِر

جُحودَ الغِياب

أنا اللغةُ الآنَ

أبسطُ كُلّي صراطاً إليك

فَمُت فيَّ شوقاً لِتحيا

بي

ما كانَ هذا البهاءُ ليُبصِرَ

لولاكَ

نُوراً تجلّى ليسجُدَ

بينَ يديكْ

أُريدُكَ معنىً عصيّاً

يُراودُ سكوني..

فيُنبتُ شكّاً ويُحيي

يقيناً

ويَسقي الصخَب

الذي في كياني

نبيذاً تقطَّرَ مِن مُقلتيكْ

​أنا الظِّلُّ الذي فارقَ

جسدَه

وإيقاعُ خَلق تمرَّده

​أنا المغايرةُ التي لا

تجيدُ التمثيلَ

بخُروج عن زيفِ التوازن

كي أَمشيَ خارجَ إيقاعِ

حبالهم

فلا تَقترب برُؤى

العابِرينَ

ولا تَختصرني بأُنثى

فإنِّي كونٌ منَ الوجد

لا يستريحُ

وأنت القُطبُ الذي

شَفَّ

حتَّى تماهى مع

العارفين

تعالَ بلا مطلبٍ

أو مآربَ طينٍ

فإنّي كفرتُ بكلِّ

الوُجوهِ

وآمنتُ فيك

لنكتملَ الآن كَوناً نقيّاً

يَغيبُ به (الكَافُ)

عن (كُنْ)

​فنغدو غرقاً

يَضيقُ به المحيطُ

بل يلُمُّكْ

​خُذِ الحرفَ منِّي

جَسداً يُصاغُ منَ

الغيمِ

لم يَلمس العُري إلا

ليُلبسهُ لؤلؤاً من لُغاتْ

أنا غايةُ الانطفاءِ

وأنت السَّنَا

فما نحنُ إلا اصطدامُ

القصيدةِ بالرُّوحِ

فكُن لي غيباً

كي أُعيدَ للَّهِ مَعناهُ

في حُطامكَ

فما نحنُ

إِلَّا الرَّعشَةُ الأُولى

للخلقِ

حين كان اللهُ وحدهُ

وكان الشَّتاتُ هو

الرُّؤيا!

***

مرشدة جاويش

مجموعة (سقوط الظل)

استانبول ٢٠١٨

إستهلال: كتبْتُ القصيدةَ بتاريخ الخميس 26 آذار 2009،

مهداةً الى شاعرِ السّاكسفونِ والبجعِ، الشّاعرِ العَذْبِ الرّقيقِ الطيِّبِ النّقيِّ الرّاحل (سامي العامريّ).

وإحياءً لذكرِهِ أعيدُ نشرَها، فلم يغِبْ يوماً عن البالِ والقلبِ.سامي العامري

***

شُغِفْتُ بما تقولُ هوىً مُراقا

صبـابةَ عاشـقٍ غنّى وتـاقـا

*

شُغِفتُ أنا القتيلَ بكلِّ حرفٍ

بجَمْرِ الشِّـعرِ يأتلقُ ائتلاقـا

*

فما مثلُ القـوافي غانياتٌ

نشدُّ بدربِها عيناً وساقا

*

تبـارزُنا البلاغةَ والمعـاني

تقاسمُنا المواجعَ أنْ تُطاقا

*

تفـكُّ أناملاً وتسـوقُ ريشـاً

يخطُّ صدى القلوبِ دماً مُراقا

*

تغـازلُنـا، فنغزلُهـا حُلِيًّـا

تُطوِّقُ جيدَ محبوبٍ عِناقا

*

تضمُّ مصارعَ العشاقِ تروي

مَلاعبَهـمْ لهيبـاً مُستذاقـا

*

وهل مثـلُ القوافي أغنياتٌ

عزفْنَ شرائعَ الحبِّ اعتناقا!

*

تُظلِّلُنـا بظـلٍّ مـِنْ جَناحٍ

رقيقِ الرَّفِّ بالأرواحِ حاقا

*

فهـذا عبقـرٌ لـَمَّ الرِّفاقـا

بواديـهِ وأطلقَهُمْ رِقاقـا

*

شياطينٌ تصبُّ لنا كؤوساً

لترويَ ظامئاً عشقاً زُهاقا

*

وتمـلأُ سـمعَ نادينـا رَويـًّا

شجيّاً يعلقُ النَّفسَ اعتلاقا

**

لذيذاً كم نذوقُ لكَ المَذاقا

بنارِ الشِّعرِ تُشعلُنا احتراقا

*

فكلُّ قصيدة تُشـجيكَ لحناً

وحبًّا شدَّ في الصَّدرِ الوثاقا

*

نزيفُكَ نزفُنا وصـداهُ صوتٌ

يدورُ بجَمعِنا كأساً دِهاقا

*

هـوانا واحدٌ فردٌ نزيلٌ

بلُبِّ القلبِ يعصرُنا اشتياقا

*

وهلْ بعدَ العراقِ لنا خليلٌ

يضمُّ ضلوعَنا طَوقـاً وطاقا!

**

أبغـدادَ المغانـي والمراثـي

لكِ الصَّبَواتُ تُمتشَقُ امتشاقا

*

شربْتُ بكفَّكِ الماءَ الفراتا

عَتَقْتُ بروضِـكِ الحُلْمَ انعتاقا

*

وإذْ ضاقتْ بـيَ الآفاقُ أهلاً

وشدُّوا حـولَ وادينا الخِناقا

*

حملْتُ مواجعي ورميْتُ حُلْمي

فعـاشـرْتُ المهاجـرَ والفِراقـا

*

ودُرْتُ مشارقاً وحلَلْتُ غرباً

بحاراً أم سهولاً أم زُقاقا

*

فلمْ أشـهدْ لحضنكِ مِنْ مثيـلٍ

يُخفِّـفُ لاعجاً ويُريـحُ سـاقـا

**

أيا خمرَ القوافي أنْ تُسـاقَى

لذيـذَ الشَّدوِ تسكبُها غُداقا

*

طربْتُ وقد سُحِرْتُ بفنِّ قولٍ

نُعـِدُّ لهُ السَّـوابقَ والنِّياقـا

*

صريعَ الشِّعرِ ما فاضَتْ بصدري

أحاسيسي رياءاً أو نفـاقـا

*

ولكنْ هزَّهـا قـولٌ بليـغٌ

جمالاً واصطياداً واختراقا

***

عبد الستار نورعلي

الخميس 26 آذار 2009

إنني صوت المنادي

وأنا حادي القوافل

ودمي الزهرةُ والشمسُ

وأمواج السنابل

"توفيق زياد"

***

وَجَعٌ بلا نُذُرٍ،

رمادُهُ ينهلُ،

أوجاعُهم نارٌ،

صديدُها والروحُ تُقتَلُ

*

سفَّ الزمانُ فلا

قرارَ والمسارُ مُؤجَّلُ،

أفي كلِّ قلبٍ ضياعٌ

في العراءِ، والنفسُ تسألُ؟

*

إن عشتُ يا وطني

فقلبٌ في دموعِكَ لا يذبلُ،

وإن هلكتُ فدربُكَ

هو الترابُ والمُنى الأكملُ

*

حبلٌ يشدُّ إلى البقاءِ،

وروحٌ مثلُ طيرٍ تُنحَرُ*،

نهشت جسدَها الليالي،

والسُّقمُ،

وهَمُّ السنينِ

يثقلُ.

*

إن عشتُ يا وطني

فقلبٌ في ضلوعِكَ لا يذبلُ

وإن هلكتُ فدربُكَ

هو الترابُ والمُنى الأكملُ

*

كودا

في رمادي

خَفْقُ طيرٍ لا يَذْهَلُ...

***

د. سعد محمد مهدي غلام

................

* النحرُ دلالةٌ رمزية على الاستلاب وقمع التوق إلى الحرية؛ وقد جاء تحوُّل القافية عند هذه اللحظة مقصودًا، ليوازي إيقاعيًا انكسارَ الروح وحدّةَ فعل النحر، ضمن الانفتاح الإيقاعي الذي لا يخفى لا القارئ.

سَقَيْتُ حُرُوفِي مِنْ مَنَاهِلِ عِزَّةٍ

فَما لان قَلْبِي عندَ هول الشَّدَائِدِ

*

وَأَمْضِي وَإِنْ ضَاقَتْ عَلَيَّ مَسَالِكِي

أُقَابِلُ خَطْبَ الدَّرْب مثلَ المُجَاهِدِ

*

وَإِنِّي لِعَهْدٍ قَدْ تَقَادَمَ وُدُّهُ

كَمَا الوردِ في سَكْبِ العَبيرِ وسائِدِي

*

وَإِمَّا رَماني الدّهرَ سَهم مُسدّدِ

تَلَقَّيْتُهُ بالصَدْرِ شأوَ مُجالدِ

*

وَقُلْتُ لِجُرْحِي: كُنْ دَوَاءً لِغَيْرِنَا

فَإِنِّي نَذَرْتُ العُمْرَ غَيْثًا لِقَاصِدِ

*

وَمَنْ يَطْلُبِ العَلْيَاءَ لَم يَخْشَ وَعْثَة

وَلَا يَتَّقِي بالمَجْد غزل المكَائِدِ

*

سَأَزْرَعُ فِي أَرْض المَكَارِم أَحْرُفِي

وَأَرْوِي بِدَمْع الجِدِّ تُرْبَةَ مَاجِدِ

*

فَإِنْ تَذْبُل الأَزْهَار يَوْمًا بِبُخْلِهَا

فَلِي في جِنَانِ العَزمِ أرقى الشواهدِ

*

وَأَحْمِلُ اسْمِي في ذُرَى المَجْدِ خَافِقًا

لِيَمْضِي مَدَى التَّارِيخُ بَيْنَ الخَوَالِدِ

***

ميلا العياري - تونس

 

تلك القادمة على طرَف البحر

بجانب قدميها ينساب صدى

من سعف النخل

مواعيد تضيء

وتكتظ بداخلها

تتخطى ما طرأ من الدهشة

جرّبتْ أن ترحل عن عزلتها

وهواجسها

أن تسكب في ناظرها

بعض ضباب البحر

وأن تُلجم أرصفة الوجع لديها

بقراها

وبياض منازلَ غيبيّةْ...

صارت تمشي وتقول:

ألا من ينفض عن كتفي

سدف الليل

يؤجج في الريح تضارس الريبةِ

ويغلق أسماء الأرض هنيهةْ؟

قادمة

يتهادى اللؤلؤ قي مقلتها

غاسلة بحفيف الذعر

دم الأسلاف

وقبل النوم مباشرةً

رسمت دائرة خضراءَ

على جسد الأصِّ وكان يقرفص

بجوار الدولاب يراقب في جذَلٍ

هندام الغرفةِ.​

***

مصطفى معروفي

عندما كنت في سيباي،

شعرتُ أن الموت يقترب.

لم أكن قادرًا على انتظاره ليأتي إلي،

فهربتُ نحو الجبل،

حيثُ الصخور الصامتة تحمل أسرار الهاربين.

غضب الفرمان، ولحقني،

انطلقتُ بعجالة نحو مدن كردستان الجميلة.

زحفَ الغضبُ خلفي حانقا،

وتحوَّلَ إلى جيشٍ من القرودِ المجنونة،

لكنَّني تركتُ السيركَ خلفي،

تسلَّلتُ نحوَ مدنِ الثلج،

حيثُ الروحُ تتوارى خلفَ نوافذِ الصمت،

وتبحثُ عن دفءِ لا يأتي،

وعن يقينٍ هاربٍ بينَ ضبابِ الأيامِ الثقيلة.

هناك، في مدن الثلج وجدتُ السلام.

***

مراد سليمان علو

لا تلعنوا راسبوتين

أنكم بذلك تصفعونَ وجوهكم يأيديكم

ألستُم صورتَهُ المعكوسة في مرآة

لعناتُكُم كلعناتِ القاتل لأقرانِهِ

ليوهِمَ الشَرَطة

أنّ الدماءَ التي تقطُرُ من فمِهِ

هي ما تميَّعَ من التسابيحِ والصلواتِ

كلّ لعناتِكم لن تتجاوزَ فوّهاتِ قناني خمورِكم

لو علِمتُم أنّها تخترقُ القبور

لفتحتُم رُخامَةَ قبرِهِ

ونزلتم لتقاسُمِ غنائِمِكُم مع جُثّته

**

ملعونُكُم أيها اللاعنون ما زالَ في موتِهِ حيّاً

وجثّتُهُ المدفونةُ في طيّاتِ كُتُب التاريخ

هي لواحدٍ من ضحايا المؤرِّخين

أنه في قبرِهِ يسمعُ لعناتِكم

ويُرطّبُها بلُعابِهِ

ليُبَرِّدَ بها آتونَ جحيمِه

ولأنّ القبورَ لا تتّسعُ لمزيدٍ من الشياطين

فقد اعتزلَ في قبرهِ الرَهبَنة

وتحوّلَ إلى صانعِ دُمى

يضُخُّ من تحتِ رُخامةِ القبرِ للمعابِدِ

أشباهَكُم من الدمى المقدّسة

دُمىً ذاتُ أسنانٍ

إذا لم تجدْ ما تقضِمُهُ

يقضِمُ بعضُها بعضاً

وذاتُ بطونٍ

رُفِعتْ عن الأرض بسِقالاتٍ

فقد نُفِختْ لتستوعبَ مواريثَ الأيتام

**

قُتلَ راسبوتين

لكنّ غيومَ ثلوجِهِ السُود

ما زالتْ تزحَفُ على سَمَاواتِنا المتعافية

لتُصيبَ نجومَنا بالجَرب

وتُنبِتَ أمطارُها في حقولنا

غاباتٍ من اللحى والعمائِم

***

شعر: ليث الصندوق

ما بينَ وجهِكِ والغروبِ

تغفو الحياةُ بلا لُغوبِ

*

لِيَطِلَّ مِنْ بينِ الغمامِ

بنورهِ وعلى دروبي

*

وأراكِ بينَ جنّائنٍ

إبداعُ علّامِ الغُيوبِ

*

اُمّي أيا نَبعَ الحنانِ

لَأنتِ طيبٌ للطيوبِ

*

مِنْ بَعدِ فَقدِكِ لم أجدْ

دِفئً كدِفئكِ في القلوبِ

*

أشتاقُ صدرَكِ عندَ ما

تجتاحُني ريحُ الخطوبِ

*

أشتاقُ صوتَكِ والصدى

ترنيمَةً فوقَ السُهُوبِ

*

هي ما تزالُ بمَسمعي

ودُعاءُكِ وقتَ الغُروبِ

*

ولدي حَمَاكَ اللهُ لا

تأسى وصبرًا يا حبيبي

*

سيَزولُ عنكَ نحوسُها

إنْ شاءَ ربّيْ عن قريبِ

*

اُمّي ظِلالُكِ مَؤلي

وإليكِ مِنْ وَجَعيْ هُروبي

*

يا دوحةَ البيتِ التي

بَرِئتْ ببلسمها نُدوبي

*

هذا نِثارُ الذكرياتِ

تلوّنَتْ فيها كُروبي

*

لأعيشَ ساكِنَها النَدِيَّ

مُكَفِّرًا فيها ذنوبي

*

وأرُشَّ روحيَ عِطرَها

فوّاحةً مِنْ غيرِ حُوبِ*

*

مُدني بقايا الذكرياتِ

أزورُها عِندَ الوجوبِ

*

وأطوفُ بعضَ رياضِها

مُتحامِيًا عَينَ الرقيبِ

*

شتّانَ روضكِ والرياضُ

إذا تَنَسّمَ بالهبوبِ

*

فالرَوحُ أنتِ وراحَتي

وإليكِ مُلهِمَتي نسيبي

*

أستلهِمُ الذكرى أُداوي

نازفًا أعيى طبيبي

*

أستلهِمُ الذكرى لكي

تبقى طيوفُكِ مِنْ نصيبي

*

لأرُدَّ وحْشةَ وحدَتي

وعواديَ الزمَنِ المُريبِ

*

يا جَنَّتي يا جُنَّتي

ذكراكِ تستدعي نَحيبي

*

فعليكِ تَسليمي الدوام

مِن الشروقِ الى المَغيبِ

***

احاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / فارا في يوم: الاحد 13 مايس 2012

..................

* الحُوب: الذَنْب

في نصوص اليوم