عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

من تُرى

أيقظ الريح حتى اسبطرّتْ؟

ومن نادى عليها

بلا غايةً؟

في ثياب الظلام انبرى نزَق الشجر المتهدل

في ملتقى الطرق العاليات

هناك خيام يبارزها الوقت

يختال فيها الصدى

هو حينا يكون على الاتضاح أميرا

وحينا بلا سبب يدلهمُّ

ويمضي إلى حاله...

وفلاة لذيذ هواها تؤدي

إلى جحيم ألذّ

ويبتدئ العشب يصعد

يستيقظ النزف بين السماوات

أبصرت كم مدناً لا تهادن

أضرحة الماء حتى لآخر

ما عندها من رمقْ...

شجنٌ شجَنٌ

والعناقيد لم تألُ هاربةً

صوب دالية غامضةْ.

***

مصطفى معروفي

خرجتُ من دار الطلبة التابعة لمعهد الفنون بعد سهرة قضيتها مع صديقٍ من طلاب المعهد كان عليّ أن أغادر قبل أن يغلق الحارس الأبواب، فبعد الساعة الحادية عشرة مساءً لا يُسمح للزوار بالدخول حتى الصباح. لذلك أسرعت الخطى على أمل أن ألحق بآخر ترام يمر في الشارع القريب.

كنت قد استعددت جيداً لبرد موسكو الذي لا يرحم؛ ارتديت معطفي الشتوي، وقبعتي الروسية، وقفازيَّ المبطنين، وجزمتي، ولففتُ عنقي بشالٍ صوفي، ثم انطلقت بخطى سريعة، أتحدى ثقل الملابس وقسوة البرد.

كان الثلج قد غطّى المدينة كلها. الشوارع والأرصفة والأشجار والمصاطب الخشبية أمام العمارات بدت وكأنها قطعة واحدة من البياض الصامت، فيما كانت ندف الثلج تواصل هبوطها في هدوء، فتجعل أضواء المصابيح أكثر صفاءً ولمعاناً.

وصلت إلى موقف الترام ووقفت تحت السقيفة أنتظر. مرّت الدقائق بطيئة، ولم يظهر أي ترام. لم يكن يُسمع سوى صرير الثلج تحت أقدام المارة القليلين.

اقترب مني رجل يترنح من أثر السكر، وتأمل السكة المطمورة بالثلج، ثم تمتم وهو يهز رأسه:

- لن يأتي الترام الليلة يا شاب

تمايل قليلاً، ثم ابتسم ابتسامة واهنة وقال:

- ليلة كهذه لا يحتملها إلا من معه زجاجة فودكا

ولوّح بيده، ثم غاب متعثراً في الظلام.

بقيت أحدّق في السكة التي غطاها الثلج. خطر لي أن السكير قد يكون مخطئاً، لكنني كنت أتعلم، منذ جئت إلى موسكو، ألا أستخف بخبرة أهلها في الشتاء. ومع ذلك انتظرت دقائق أخرى، كأنني أراهن على معجزة صغيرة.

لم يحدث شيء.

أخذ البرد يتسلل شيئاً فشيئاً عبر طبقات الملابس التي ظننتها كافية، حتى شعرت أن الوقوف في العراء لم يعد ممكناً.

ولأن مداخل العمارات في موسكو كانت تُدفَّأ بالتدفئة المركزية، لجأت إلى أقرب مدخل، وأسندت ظهري إلى الجدار الدافئ. أغمضت عيني لحظة، وبدأت أفكر: ماذا أفعل الآن؟ العودة إلى دار الطلبة لم تعد ممكنة بعد أن أُغلقت أبوابها، وأقرب محطة مترو تبعد مسافة ليست قصيرة، والسير إليها في هذا الطقس مغامرة قد تنتهي بالتجمد قبل الوصول. وحتى إن وصلت، فقد أجد أبواب المترو قد أُغلقت هي الأخرى.

وبينما كنت أستسلم شيئاً فشيئاً لدفء الجدار، دوّى صوت باب العمارة بقربي، فانفتحت مصراعاه بقوة، واندفعت لفحة من الهواء البارد إلى الداخل تحمل معها حفنة من الثلج.

سمعت صوتاً نسائياً يقول بفزع:

- يا إلهي... لقد أخفتني! ماذا تفعل هنا؟

فتحت عيني، فرأيت امرأة شابة تنظر إليّ بدهشة حقيقية. كان وجهها مستديراً متورداً من أثر البرد، وتشي ملامحها بعفوية يصعب تصنعها.

ابتسمتُ قائلاً:

- وهل الوقوف هنا ممنوع؟ كدت أتجمد في موقف الترام، فاحتميت بهذا المدخل

بدت علامات الارتياح على وجهها، كأنها اكتشفت أن خوفها كان بلا مبرر. ظننت أنها ستعتذر وتصعد إلى شقتها، لكنها بقيت واقفة عند الباب، وكأنها جاءت لتختبئ هي الأخرى.

وقفنا متقابلين، يستند كل منا إلى جدار. لم أتبين من ملامحها في ضوء المصباح الأصفر الخافت، إلا ما يكفي لأدرك أنها كانت جميلة على نحو هادئ.

ولفت انتباهي شيء واحد على وجه الخصوص؛ فبينما كنت أغرق تحت طبقات من الملابس الصوفية، كانت ترتدي جورباً شفافاً لا يكاد يقي ساقيها شيئاً من هذا الصقيع. يومها أدركت أن أهل موسكو يتصالحون مع الشتاء بطريقة لم أستطع فهمها، مهما طالت إقامتي بينهم.

سألتها:

- وأنتِ؟ ما الذي جاء بك إلى هنا؟

تنهدت وقالت:

- كنت عائدة إلى البيت، فأخذ سكير يلاحقني. دخلت هذا المدخل حتى يظن أنني أسكن هنا. بيتي قريب، لكنني لا أجرؤ على الخروج ما دام قد يكون في الخارج.

قلت:

- أما أنا فمشكلتي مختلفة. أسكن بعيداً، وأقرب محطة مترو تبعد عدة كيلومترات. ولو قررت السير إليها فقد أتجمد في الطريق، وحتى إن وصلت، فمن المحتمل أن أجد المترو قد أغلق أبوابه.

سكتت لحظة، ثم سألت:

– لست روسياً، أليس كذلك؟

ابتسمت.

- لا. أنا طالب عراقي

هزّت رأسها.

- عرفت أنك أجنبي، لكنني لم أتوقع أنك عراقي

- لماذا؟

- لا أعرف... ظننتك أوروبياً.

ابتسمتُ.

- ربما خدعتك ملامحي، لكنني لم أعتد هذا البرد بعد

ضحكت.

- اصبر... ربما تصبحان صديقين

كانت تلك أول جملة مرحة تقولها، وقد خففت شيئاً من التوتر الصامت الذي جمعنا في ذلك المدخل.

ولم أفهم ما قصدته إلا بعد حين. فقد اكتشفت أن الروس لا يستقبلون الثلج بوصفه برداً فحسب، بل بوصفه بداية فصل له طقوسه الخاصة؛ موسم التزلج، والحدائق البيضاء، والشوارع التي تستعيد، بعد كنس الثلج، نظافةً لا تراها في أي فصل آخر.

ثم عادت إلى الجدية.

- أما أنا فعليّ أن أستيقظ باكراً للذهاب إلى عملي، لكنني ما زلت أخشى أن يكون ذلك السكير بانتظاري.

قلت من غير تردد:

- إذا أردتِ، أرافقك حتى باب بيتك

نظرت إليّ لحظة، وكأنها تزن القرار في داخلها. ثم قالت بصوت خفيض:

- لا أعرف لماذا... لكنني أشعر أنك شخص يمكن الوثوق به

وأومأت برأسها موافقة.

خرجنا معاً إلى الشارع. كانت الريح قد اشتدت، والثلج يتساقط بكثافة أكبر، حتى بدا الطريق القصير الذي يفصلنا عن بيتها أطول مما هو عليه.

في البداية سرنا متباعدين قليلاً، كأن كلاً منا لا يزال يحتفظ بالمسافة الطبيعية التي تفصل بين شخصين التقيا قبل دقائق فقط. لكن بعد خطوات قليلة، دفعت الريح الباردة نحونا موجة من الثلج، فاقتربت مني وأمسكت بذراعي.

قالت بصوت خافت:

- البرد هذه الليلة لا يُطاق... ثم إنني ما زلت أخشى أن يكون ذلك الرجل في مكان ما

قلت:

- لا تقلقي. لن يحدث شيء. سأبقى معك حتى تصلي إلى الباب

لم تجب، لكنها شدّت يدها قليلاً على ذراعي. لم أعرف هل كان ذلك بسبب البرد أم الخوف، وربما كان بسبب الاثنين معاً.

سرنا بضع دقائق في صمت. كانت موسكو في تلك الساعة تبدو كمدينة نائمة تحت غطاء أبيض هائل. النوافذ المضيئة في بعض العمارات بدت بعيدة، كأنها عوالم أخرى لا علاقة لنا بها. شعرت للحظة أننا لا نسير في شارع حقيقي، بل في مكان معلق بين الليل والثلج.

قالت فجأة:

– منذ متى وأنت في موسكو؟

- منذ سنوات

- وهل اعتدت عليها؟

فكرت قليلاً قبل أن أجيب:

- نعم... اعتدت عليها، لكن هناك أشياء لا يعتادها المرء مهما طال الزمن

نظرت أمامها وقالت:

- أظن أن الغربة تجعل الإنسان ينتبه إلى أشياء لم يكن يراها من قبل.

سألتها:

- وأنتِ؟ هل تعيشين هنا منذ زمن طويل ؟

ابتسمت.

- طوال حياتي. ولدت هنا، وكبرت هنا. أحياناً أحلم بالسفر، ثم أعود فأشتاق إلى هذه الشوارع نفسها.

ضحكتُ وقلتُ:

- يبدو أننا جميعًا نشتاق إلى المكان الذي لا نكون فيه

هزّت رأسها موافقة، ثم سكتت.

لم يكن بيننا حديث طويل، لكنني شعرت أن الصمت بيننا لم يعد صمت غريبين كما كان في المدخل. كان صمت شخصين يعرف كل منهما شيئاً صغيراً عن الآخر، وهذا الشيء الصغير كان كافياً في تلك الليلة.

لم يكن بيتها بعيداً كما قالت. بعد دقائق قليلة وصلنا إلى بناية حجرية قديمة تشبه معظم عمارات الحي.

وقفنا أمام باب العمارة. دفعت هي أحد مصراعيه، ففتح بسهولة، ودخلنا.

وما إن أغلق الباب خلفنا حتى شعرت بالدفء يعود إلى جسدي بعد تلك الريح القارسة.

قلت مبتسماً:

- لقد أنقذتني من البرد في الطريق. سأجلس هنا على أول درجة حتى الصباح

نظرت إليّ مستغربة.

- هنا؟

- نعم. مدخل العمارة مُدفأ، وهذا يكفيني. كنت أفكر أن أستند إلى الجدار، لكنني قد أغفو وأسقط، أما إذا جلست على الدرج فلن يكون في الأمر خطر.

بقيت تنظر إليّ لحظات. ثم هزّت رأسها وكأنها لم تصدق ما تسمعه.

- هل تعني حقًا أنك ستقضي الليل في مدخل العمارة؟

ابتسمتُ.

- ليس لدي خيار آخر

سكتت قليلاً. بدا أنها تخوض نقاشاً صامتاً مع نفسها. ثم قالت:

- أحياناً أفكر أن الغرباء يكونون أكثر تهذيباً من الذين نعرفهم

نظرتُ إليها مستغرباً.

تابعتْ:

- لا أعرف لماذا قلت ذلك... ربما لأنك لم تسألني من أنا، ولم تحاول استغلال خوفي، بل عرضت أن ترافقني فقط.

ثم تنهدتْ وأضافتْ:

- لا... لا أستطيع أن أتركك هنا

ترددتْ قليلاً قبل أن تقول:

- تعال. يمكنك أن تنام في شقتنا، لكن بشرط واحد

- وما هو؟

- أمي نائمة في مثل هذا الوقت، ولا أريدها أن تستيقظ وتراك. وعليك أن تغادر قبل السابعة صباحاً.

شكرتها. في داخلي كان هناك تردد طبيعي؛ فالموقف كله بدا غير مألوف. امرأة لا أعرفها عرضت عليّ أن أدخل بيتها في منتصف الليل، وأنا وافقت لأن الثلج أغلق أمامي كل الخيارات الأخرى.

لكنني شعرت أيضاً أن رفضي قد يجرح ثقتها بي.

صعدنا بهدوء إلى الطابق الذي تسكنه. كانت تمشي أمامي بحذر، تضع قدميها بخفة على الدرج حتى لا يصدر أي صوت.

عندما وصلت إلى الباب، أخرجت المفتاح ببطء وفتحته. كان السكون يلف الشقة كلها.

دخلنا.

في المدخل نزعتُ معطفي وجزمتي، وحاولت أن أصدر أقل قدر ممكن من الضجيج. كان ينتابني شعور غريب بأنني دخلت عالماً لا يخصني، وأن عليّ أن أحترم سكون هذا البيت كما أحترم خصوصية أهله.

همستُ:

– أين أنام؟

أشارت إلى غرفة صغيرة قرب المدخل.

– ستنام في غرفتي، وأنا سأبيت في غرفة الجلوس. لا أريد أن يثير وجودك أي أسئلة إذا استيقظت أمي.

قلت:

- لا، هذا لا يصح. إذا استيقظت أمك ورأتك تنامين في غرفة الجلوس، فسيكون عليكِ أن تشرحي لها حكايةً لن تبدو معقولة.

قالت بهدوء:

-لا تقلق عليّ. لو تركتك في الخارج لما استطعت أن أنام

كانت جملة بسيطة، لكنها كشفت لي شيئاً لم ألحظه فيها من قبل. لم يكن في صوتها أثر للمغامرة أو التحدي، بل ذلك النوع الهادئ من التعاطف الذي يجعل إنساناً يقلق على غريب أكثر مما يقلق على نفسه.

دخلتُ غرفتها.

كانت صغيرة، لكنها مرتبة بعناية؛ سرير مفرد بمحاذاة الجدار، وخزانة ملابس قديمة، ورف مكتظ بالكتب، ومنضدة صغيرة يعلوها مصباح طاولة ينشر ضوءاً خافتاً.

لم تكن الغرفة تشبه غرف الذين يسعون إلى إخفاء فراغهم وراء المظاهر. كل شيء فيها كان بسيطاً، لكنه يحمل أثراً من صاحبه: الكتب المصطفة بعناية، الملابس الموضوعة في أماكنها، والأشياء الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد عادة، لكنها تكشف عن الإنسان أكثر مما تفعل الكلمات.

وقعت عيناي على رف الكتب. لم أستطع قراءة العناوين بوضوح، لكنني شعرت أنني أقف أمام جزء من حياتها لم يُفتح لي بعد. تراجعت عن الفضول؛ فبعض الأشياء لا تُسأل عنها، بل تُحترم..

قالت وهي تقف عند الباب:

- هل تحتاج إلى شيء؟

هززت رأسي.

- لقد فعلتِ الكثير من أجلي.

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

- أنت أيضاً فعلت شيئاً لم يكن عليك فعله

نظرتُ إليها باستغراب.

قالت:

- كان بإمكانك أن تتركني وأمضي وحدي. ربما كنت خائفة أكثر مما أظهرت

لم أعرف ماذا أقول. اكتفيت بابتسامة

خرجت، ثم بعد لحظات سمعت طرقاً خفيفاً على الباب. كانت قد عادت وبيدها ساعة منبهة

وضعتها على المنضدة، وأدارت عقربها إلى السادسة والنصف.

قالت:

- حتى لا نتأخر في الاستيقاظ

ثم ترددت قليلاً قبل أن تضيف:

- وأرجوك... لا تشغل بالك بي.. كل شيء سيكون على ما يرام

أغلقت الباب برفق.

جلست على حافة السرير لحظة، وأنا لا أكاد أصدق أنني انتقلت خلال ساعات قليلة من موقف ترام شبه مظلم في شارع تغطيه الثلوج إلى غرفة دافئة هادئة في بيت امرأة لا أعرف حتى اسمها.

كانت الملاءات نظيفة تفوح منها رائحة صابون خفيفة امتزجت بعطر نسائي رقيق. لكن أكثر ما بقي في ذهني لم يكن رائحة الغرفة ولا دفؤها، بل ذلك الشعور الغامض بأن بعض الأبواب تُفتح في اللحظة التي تظن فيها أن كل شيء قد أُغلق..

تمددت وأنا أنوي أن أريح ظهري دقائق قليلة قبل أن أنظر إلى الساعة. لكن التعب الذي تراكم منذ وقوفي الطويل في الثلج سبقني، ولم أشعر بشيء بعد ذلك.

رن جرس المنبه.

فتحت عيني ببطء. كان الضوء الرمادي للصباح يتسلل من خلف الستارة. للحظة لم أتذكر أين أنا، ثم عادت تفاصيل الليلة كلها دفعة واحدة.

رأيتها واقفة عند الباب تنظر إليّ.

كانت آثار السهر واضحة على وجهها، وعيناها متورمتين قليلاً.

ابتسمت ابتسامة متعبة وقالت:

- يبدو أنني عدت مراهقة... لم أستطع النوم طوال الليل

نهضتُ متثاقلاً.

ابتسمت مرة أخرى، ثم أشاحت بنظرها إلى النافذة. كانت ابتسامتها تقول ما لم تشأ الكلمات أن تقوله.

غسلت وجهي في الحمام. لم تطاوعني نفسي أن أستخدم مناشف البيت، رغم أنها كانت في متناول يدي، فمسحت وجهي بطرف شالي.

عندما عدت إلى الغرفة، كانت قد أعدت لي معطفي عند الباب.

ارتديت معطفي وجزمتي، واستعددت للمغادرة. كان كل شيء في الشقة ساكناً؛ ذلك السكون الذي يسبق استيقاظ البيوت في الصباح.

وقفت عند الباب، وأنا أشعر بشيء من الحرج. لم أكن أعرف كيف أشكرها على ما فعلته. الكلمات، مهما كثرت، بدت أقل من الموقف.

قلت:

- لا أعرف كيف أشكرك

ابتسمت وقالت:

- لا تشكرني. ربما لو كنت مكاني، لفعلت الشيء نفسه

لم أجب. كنت أعرف أن الأمر ليس بهذه البساطة. ليس كل الناس يفتحون أبواب بيوتهم لغريب في ليلة ثلجية، وليس كل الناس يجدون في ذلك أمراً طبيعياً.

تناولتْ قصاصة صغيرة من فوق المنضدة، وكتبت عليها رقم هاتفها، ثم ناولتني إياها.

قد تحتاج إليه يومًا.

طويت الورقة ووضعتها في جيبي.

- عليك أن تذهب الآن... قبل أن تستيقظ أمي.

أومأت برأسي، وغادرت.

خلفي أُغلق الباب برفق، وأمامي كان الصباح يفتح أبوابه.

***

قصة قصيرة

جودت هوشيار

أمواج البحر رأيتها في عيني جدتي...

كانت جدتي تحكي لي عن جدتها كما لو أنها تفتح باباً لم أره ولم أعيه ولم أتخيله، حكايات يخرج من كلماتها ضوء أخضر ورائحة خبز بعيد ودخان مواقد انطفأت قبل ولادتي بزمن طويل..

كنت أنظر إلى عينيها، فلا أرى عينين مثل عيون النساء العاديات، بل أرى البحر الذي لم أره قط.. بحر لا شاطئ له، في قاعه أعشاب خضر تتمايل ببطء. قلت لجدتي ذات مساء: "في عينيكِ ماء يا جدتي".

ضحكت ضحكة خفيفة..

قلت لها " رأيت في عينيك أعشاباَ، وحيتانا، ورأيت أسماكاً.. لا أعرف أسماءها"...

مدّت يدها ومسحت عينيها من الدموع ثم رأسى، بأصابع تشبه خوص سعفة يابسة:

 " هذه ليست أسماكاً يا ولدي، هذه هي مياه الشيخوخة. "

لكنني لم أصدقها. الأسماك لا تسبح في عيون العجائز، ولا تترك وراءها فقاعات فضية، ولا تختبئ بين الأعشاب الخضراء حين أحدّق طويلاً في العينين. كنت أعرف أن في عيني جدتي بلاداً كاملة، وأن كل بلاد لا بد أن يكون فيها ماء، وقوارب، ونسوة يغسلن القمصان على الصخور، ورجال يرحلون ولا يعودون إلا في الحكايات... كانت تضعني في غرفة نومها في سرير عالٍ، كأنه عشّ صغير معلّق على حافة العالم. كنت هناك استطيع أن ألمس سقف الغرفة،

وكانت الشقوق الرفيعة في الجص تشبه أنهاراً يابسة على خريطة قديمة. كان الضوء يدخل من النافذة ببطء، يزحف على الأرض مثل قطّ أصفر، ثم يصعد إلى حافة سريرها ويجلس قرب قدميها.. في تلك الغرفة لم أكن طفلاً عادياً. كنت كائناً محفوظاً في صندوق دافئ من الدعوات، ملفوفاً بصوتها، محروساً بأنفاسها، ومغسولاً كل صباح بنظرتها الخضراء.

لم أكن أعرف أمي كما يعرف الأطفال أمهاتهم، ولم أعرف إخوتي وأخواتي إلا كأصوات تأتي من خارج الغرفة، تمرّ قرب الباب ثم تبتعد. أما جدتي فقد احتفظت بي حتى سن الثامنة كما يحتفظ الفقراء بقطعة ذهب وحيدة مخبأة في ثنية قماش..

كنت ملكاً صغيراً في مملكة من مخدات ووسائد، وكانت هي الملكة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تاج، لأن التجاعيد التي حول عينيها كانت تكفي لتدلّ على عرشها.. أسألها كل ليلة أسئلة لا جواب لها. أسألها عن جدتها... ثم عن جدة جدتها.. ثم عن جدة جدة جدتها... أرفع أصبعي في الهواء وأرسم سلّماً من النساء يصعد إلى ظلام لا آخر له، وكنت أقول: كيف كنّ يا جدتي؟ هل كانت لهنّ عيون مثل عينيك؟ هل كنّ يضحكن؟ هل كنّ يخفن؟ هل كنّ يحببن رجالاً من وراء الجبال؟ هل كنّ يعرفن أنني سأولد ذات يوم وأسألك عنهن؟ جدتي تسكت قليلاً، ثم تنظر إلى الجدار كما لو أنها ترى عليه صوراً لا أراها أنا.. بعدها تبدأ الحكاية. كانت تقول إن نساءنا القديمات عشن في الوديان البعيدة، حيث كانت جبال زاغروس تقف مثل ظهور حيوانات عظيمة نائمة، وحيث كانت السحب تنزل أحياناً إلى مستوى البيوت، فتدخل من الأبواب كضيوف بيض، وتجلس قرب المواقد حتى يبتلّ الحطب من أنفاسها. كانت تقول إن هناك امرأة من جداتنا كانت تركض في الجبل أسرع من الغزلان، وإن شعرها كان طويلاً إلى درجة أنه إذا حلّ الليل ونامت، ظنّ الناس أن نهراً قد مرّ على الأرض بين الأزقة.. وتقول إن امرأة أخرى أحبت راعياً فقيراً، كان يعزف على مزمار من خشب البلوط، فإذا عزف تجمعت حوله الوعول، وانحنت بحزن كأنها تسمع حكاية نهاية حياة الفن والموسيقى وشهقات العشاق والجمال القصيرة في هذا العالم.. أحبته تلك المرأة، لكن أهلها أرادوا تزويجها لرجل يملك خيولاً كثيرة وقلباً فارغاً، فهربت ليلة اكتمال القمر، ولم يرها أحد بعد ذلك إلا في الينابيع، حين تهدأ وتصير فجأة أكثر صفاءً.. كنت أسألها: " وهل ماتت؟" فتقول: "كل من يدخل الماء لا يموت كما يموت البشر".. كنت أفتح عينيّ في الظلام الكثيف، وأفكر أن الموت ربما يكون باباً من أبواب الماء، وأن الذين نحبهم لا يختفون، بل يتحولون إلى سمك صغير يلمع في عيون الجدات... كانت جدتي لا تقول لي إن هذه الحكايات حقيقية، ولا تقول إنها مجرد حكايات خيالية. كانت تتركها قبل النوم بين الحقيقة والخيال، مثل رغيف ساخن، وكنت آكل منه حتى أشبع وأنام.... كانت لها قدرة غريبة على إحضار الموتى إلى منامي وأحلامي.. ما إن تذكر اسماً حتى يتحرك الهواء حولنا، وتصبح الستارة بيضاء أكثر مما يجب، ويصدر الخشب صوتاً خافتاً كأن أحداً جلس على كرسي غير مرئي. كنت ألتفت، فأرى ظلالاً طويلة تقف قرب الباب. رجالاً بملابس الكرد الفيليين، نساءً يحملن جرار ماء، أطفالاً وصبية و يافعات يخبئن رسائل حب في ضفائرهن.. شيوخاً يجرّون خلفهم عصياً وكلاباً وخرافاً... كنت أخاف، لكنها تقول:" لا تخف، هؤلاء أهلك"... فأشعر أن الغرفة تكبر. لا تعود غرفة صغيرة فيها سرير جدتي وسريري وخزانة ونافذة، بل تصبح وادياً، وجبلاً، وطريق قوافل، ومقبرة، وبستان نخيل وبرتقال وتين، وعرساً قديماً لم ينته بعد... تحكي عن طفولتها كما لو أنها طائر لم يكبر.. كل إنسان في حكاياتها كانت له طفولة، حتى الشيوخ الذين تخيلتهم بلحى بيضاء. كانت تقول إن جد جدتها كان طفلاً مشاكساً، يحاول أن يبهر الصبايا ببراعته وقوته ومهاراته.. قفز كبطل إلى جدول ماء، وخرج وعلى رأسه سمكة فضيّة لا زالت تتنفس، ومنذ ذلك اليوم أحبته الصبايا.. وصار يتنبأ بحدوث الطقس ونزول المطر قبل أن يأتي بثلاثة أيام.. وكانت تقول إن واحدة من النساء القديمات كانت تعرف لغة الريح. إذا أرادت أن تسمع خبراً من قرية بعيدة، خرجت عند الغروب، ورفعت كفها في الهواء، وانتظرت. كانت الريح تأتيها محمّلة بأصوات البشر، بصراخ الولادات، وبكاء الجنائز، وضحك العرسان، وشتائم الرجال في الأسواق. ثم تعود إلى البيت وتقول للناس ما سيحدث، فيحدث حقاً..

كنت أسأل:" وأنت يا جدتي، هل تعرفين لغة الريح؟" فتقول: " أنا لا أعرف لغة الريح.. أعرف لغة الحزن فقط. " ولم أفهم يومها أن للحزن لغة كاملة، لها حروف من ملح، وقواعد من انتظار، وأفعال لا تُصرّف إلا في زمن الفقد واليتم... كنت أحب جدتي حباً لا يشبه حب الأطفال. كنت أحبها كما يحب الغريق قطعة خشب، وكما يحب العصفور أول غصن يعرفه بعد الطيران. لم أحب أحداً في الدنيا كما أحببتها. كان العالم خارج غرفتها واسعاً ومشوّشاً ومليئاً بأقدام الكبار، أما قربها فكان العالم يأخذ حجمي، يصغر حتى أستطيع أن أضعه في كفي، وأقلبه مثل حجر أملس.

في الصباح كانت تجلس على حافة السرير، وظهرها منحنٍ مثل هلال قديم.. تلفّ شعرها الأبيض ببطء. كان شعرها يشبه دخاناً بارداً يتصاعد من نار انطفأت ولم يرد أن يغادر البيت. كانت تتمتم بأدعية لا أفهمها كلها، لكنني كنت أشعر أنها تبني حولي سوراً من كلمات وطلاسم وأن كل طلسم كان يحرسني من شرّ لا أراه... كنت أظن أن وجودها سيبقى إلى الأبد... الأطفال لا يفهمون أن الجدات يمتن... نحن نظن أن الجدات جزء من الأرض، مثل الآبار، مثل الأشجار الكبيرة، مثل الحجارة الكبيرة عند عتبات البيوت. نظن أنهن خُلقن قبل الزمن وسيبقين بعده، وأن الموت يأخذ الناس العاديين فقط، الناس الذين لا يعرفون كيف يحكون عن جدة جدة جدتهم...

لكن عام ١٩٦٢ جاء مثل غراب أسود، وقف على سطح البيت، ونفض جناحيه فوق رؤوسنا... في ذلك العام ماتت جدتي.. لم تمت كما يموت الناس في الحكايات. لم تتحول إلى غزالة، ولم تدخل ينبوعاً، ولم تترك وراءها مزماراً من قصبة بلوط. ماتت في السرير نفسه الذي كانت تجلس عليه وتفتح لي افقاً لا بوابه فيه إلى جبال زاغروس. فجأة صار السرير جبلاً خالياً، وصارت الوسادة حجراً أبيضاً، وصارت الغرفة أصغر من تابوت... نظرت إلى عينيها في الأيام الأخيرة، فلم أجد البحر كما كان. كان الماء ينسحب منهما ببطء، كأن مدّاً خفياً يأخذ الأسماك والأعشاب والحيتان إلى جهة لا أعرفها.

شعرت أن سقف الغرفة نزل على صدري. لم تعد الشقوق أنهاراً على خريطة، بل صارت شروخاً في قلبي. الضوء الذي كان يزحف مثل قط أصفر صار يدخل خائفاً، يقف عند الباب ولا يتقدم. حتى الهواء تغير. صار ثقيلاً، كأنه يحمل جسدها غير المرئي ويدور به في المكان.

بعد أشهر قليلة وفي بداية العام الجديد.. مات والدي. كأن الموت قد وجد باب بيتنا مفتوحاً، فدخل مرة ثانية دون أن يطرق... بعد موتهما لم أعد كائناً مقدساً على هذه الأرض.

***

فؤاد ميرزا

هلُمَّ

نُعرِّي مجازَ القصيدةِ

من شهوَةِ الثَّلجِ

مِن لهثةِ الطِّينِ

من ياءِ نداءٍ تُكبِّلُنا في

الحدودْ

تعطَّفْ

لندخلَ في غيبةِ الضَّوءِ

حيثُ المعاني تسيلُ

خُموراً

تُقدِّسُ فينا صلاةَ الرُّكودْ

​أنا الحرفُ

أنت الدَّواةُ التي

استغرقَت نُقطتي

فاستحالَ الوُجودُ

صراطاً

منَ الآه

لا شيءَ يُشبِهُنا في

الحُلولِ

سوى رعشةِ الفجرِ

حين تمُسُّ جبينَ المياهُ

فَتُفصحُ عَن كُنهها في

الشُّهود

​أُريدُكَ..

فيضاً بريئاً مِنَ القَصدِ

عُريهُ سِترُ

وبوحُه كُفرُ

نذوبُ معاً في مهبِّ

التَّجلي

فلا أنتَ أنتَ

ولا أنا أنا

نحنُ انصهارُ النَّقيضينِ

في لغةٍ

أوجَعتها القُيودْ

​دع النَّبض يكتُبُ

تاريخَ هذا الخَلاءِ

المُعطَّرِ

بالحُبِّ

لا بالهوى المُستباح

نحنُ ارتقاءُ المجازِ

إلى سدرَةِ الانطفاءِ

الأخيرِ

فما أجملَ الحرفَ

حين يصيرُ

خُلود!

***

مرشدة جاويش

 

دَعِــي عَـهْـدَ الـتَّـقَوْقُعِ وَالْـبُـرُودِ

لِـنُـحْرِقَ مَــا تَـرَاكَـمَ مِــنْ جَـلِيدِ

*

تَـعَالَيْ نَـنْسِفِ الْأَسْـوَارَ عِـشْقًا

وَنَـنْـسَـى كُـــلَّ تَـقْـيِيدٍ شَـدِيـدِ

*

أُرِيــــدُكِ ثَــــوْرَةً بَـيْـضَـاءَ تَــأْتِـي

لِـتَـقْـتَلِعَ الْـخُـمُـولَ مِــنَ الْـوَرِيـدِ

*

تَـعِـبْنَا مِــنْ قِـنَـاعِ الـزَّيْـفِ دَهْـرًا

نُــوَارِي الـشَّـوْكَ زَعْـمًـا بِـالْـوُرُودِ

*

إِذَا شَـاخَتْ سِـنِينُ الْـعُمْرِ هَـمًّا

فَـجَـدِّدْهَـا بِـعِـشْقٍ مِــنْ جَـدِيـدِ

*

دَقَـائِقُ مِـنْ صَـفَاءِ الـرُّوحِ تَـكْفِي

لِــتُـولَـدَ مِـــنْ جَــدِيـدٍ كَـالْـوَلِـيدِ

*

خُــذِي قَـلْـبِي إِلَــى أُفُـقٍ بَـعِيدٍ

لِـنَـبْـدَأْ رِحْــلَـةَ الْـعُـمْرِ الـسَّـعِيدِ

*

فَـــإِنَّ الْــحُـبَّ أَنْ نَـحْـيَـا جُـنُـونًا

نُــعِـيـدُ بِــــهِ تَـبَـاشِـيرَ الْـعُـهُـودِ

*

عَشِقْتُ الصَّعْبَ لَمْ أَحْفِلْ بِخَوْفٍ

وَمَـا هَـابَتْ خُـطَايَ مِـنَ الْـوَعِيدِ

*

سَـنَـتْرُكُ فِـي جِـدَارِ الـلَّيْلِ ثُـقْبًا

لِـيَـغْـمُـرَ نُــــورُهُ كُــــلَّ الْــوُجُـودِ

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

إلى عَالَمٍ مِنْ رُخَامٍ

تَأتي القَصِيدَةُ حَالِمَةً بِالمَرَايَا...

وَآخِرِ تَقْلِيعَةٍ...

وَنَمَارِقِ أُبَّهَةٍ...

وَالمَبَانِي حُرَّاسُهَا المُخْلِصُونَ!

*

تَمْشِي وَتَحْضُنُ بَيْنَ يَدَيْهَا

كَلْباً صَغِيراً...

وَسِيجَارَةً فَخْمَةً

لِلْوَسَامَةِ وَالمُعْجَبِينَ!

*

تَظُنُّ نَفْسَهَا سَيِّدَةَ الفِكْرِ

حُورِيَّةَ الحَرْفِ...

مِنْ قَمَرٍ لَا يَغِيبُ

وَشَمْسٍ بِخَدِّ مَلَائِكَةٍ وَارِفِينَ!

***

محمد ثابت السميعي

٢٠٢٦/٧/١٨م

أيّها الثائرُ لا شُلّتْ يداكا

دُمتَ عِزًّا ولِوا المجدِ لِواكا*

*

أنتَ فجرٌ صادقٌ يجلو الدُجى

بضياءِ الحقِّ والصبرُ رداكا

*

فنذرتَ النفسَ من أجْلِ العُلى

لا تبالي الخطبَ أن يأتي دِراكا

*

إنّه المجدُ لمثلكَ يَنتمي

عَزَّ أنْ يُبلَغَ إلا في دِماكا

*

فَزعٌ أنتَ ورعبٌ قاتلٌ

لزنيمٍ أينما ولّى يراكا**

*

ولباغٍ صار مرآك قَذىً

بين جِفنَيهِ وللطاغي هلاكا

*

ثورةٌ أنتَ ورمزٌ يُحتذى

وحِمى الاحرارِ في الدنيا حِماكا***

*

فلها أرخصتَ ما شحتْ به

أنفسٌ هانتْ فلنْ تَعلو عُلاكا

*

يا أخا الحقِّ وإنْ طالَ السُرى

ما ونى عزمُكَ أو كلّتْ خُطاكا

*

باسمكَ الدهرُ تغنّى مُنشدًا

فلكَ المَجد به نِلتَ السِماكا****

*

وإذا ما قيلَ هذا كوكبٌ

وأشاروا بافتِخارٍ كُنتَ ذاكا

***

قصيدة رقم 14

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

العراق / الكوت في صيف 1970

............................

* لوا: جاءت مُخفّفةً والاصل لواء

** الزنيم: المجهول النسب

*** يُحتذى به: السير على نفس الطريق

**** السِماك: السقف 

كان اللون الرمادي يبتلع شاشة الحاسوب كما يبتلع الضباب ملامح المدن البعيدة. كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرا، فيما ظل علي جالسا أمام مكتبه الخشبي العتيق، يحدق في الصفحة الأخيرة من روايته كما لو أنه ينظر إلى مرآة عمره كله. لم تكن الغرفة تتجاوز بضعة أمتار، لكن ضيقها كان يتسع لكل ما راكمه من خيبات وأحلام مؤجلة. على الطاولة فنجان قهوة بارد فقد رائحته منذ ساعات، وأوراق مبعثرة، وأقلام استنزفها الحبر حتى آخر قطرة، ونافذة نصف مفتوحة يتسلل منها هواء الليل محملا بصمت مدينة لا تعرف أن كاتبا في أحد أحيائها يضع اللمسة الأخيرة على حلم استغرق عامين كاملين من حياته.

لم يكن يبحث عن مجد أدبي، ولا عن صورته على أغلفة المجلات، ولا عن توقيع طويل أمام طوابير القراء. كان يبحث عن شيء أكثر تواضعا وأكثر صعوبة في آن واحد؛ أن يترك أثرا، أن يضيف حجرا صغيرا إلى البناء الهائل الذي شيده الأدب عبرقرون، وأن يقول للزمن، ولو بصوت خافت، إنه مر من هنا ولم يعش عبثا.

كتب الجملة الأخيرة.

توقف.

ظل إصبعه معلقا فوق لوحة المفاتيح كمن يخشى أن يوقظ حلما هشا. ثم وضع النقطة الأخيرة.

لم تكن نقطة فقط، لكنها كانت نهاية رحلة طويلة من الشكوك والقلق والتمزيق وإعادة الكتابة. شعر بأن حملا ثقيلا انزاح عن صدره. أسند رأسه إلى ظهر الكرسي وأغمض عينيه، فخيل إليه أن شخصيات الرواية التي رافقته طوال تلك الأشهر خرجت من صفحاتها، ولوحت له مودعة قبل أن تختفي في العتمة.

ابتسم لأول مرة منذ زمن.

همس لنفسه:

"الآن... أصبحت الرواية ملك العالم."

لكن العالم، كما سيكتشف بعد أيام، لم يكن ينتظر الرواية، بل كان ينتظر شيئا آخر تماما.

دخل دار النشر الأولى وهو يحمل مخطوطته كما يحمل الأب طفله الأول. كان المبنى فخما، تزين جدرانه صور أغلفة براقة لكتب تتصدر قوائم المبيعات، وتعلو الرفوف شهادات تكريم وإطارات مذهبة توحي بأن الثقافة تقيم هنا في قصرها الأخير.

استقبله موظف أنيق قاده إلى مكتب واسع يحتله ناشر خمسيني يجلس خلف طاولة من خشب الجوز اللامع. كانت نظارته ذات الإطار الذهبي تعكس ضوء الثريا أكثر مما تعكس اهتماما بالمخطوطة الموضوعة أمامه.

تناول الأوراق بيد باردة، لكنه لم يفتحها. اكتفى بوضع راحة كفه فوقها كما يفعل تاجر ماشية يختبر وزن بضاعته قبل المساومة.

ابتسم ابتسامة محسوبة وقال:

"وصلتني بعض الصفحات التي أرسلتها بالبريد الإلكتروني... لديك لغة جميلة، والرواية تبدو عميقة."

سكت لحظة، ثم أضاف وهو يدير خاتما ثقيلا في إصبعه:

"لكن العمق لا يدفع رواتب الموظفين."

ظل علي صامتا.

واصل الرجل حديثه بنبرة من اعتاد تحويل الأحلام إلى جداول حسابية:

"نحن لا نستثمر في المغامرات. إذا أردت أن ترى كتابك مطبوعا، فعليك أن تتحمل تكاليف الطباعة والتوزيع. خمسة آلاف دولار فقط، وستحصل بعد ذلك على عشرة في المائة من الأرباح إذا نفدت الطبعة الأولى."

توقفت الكلمات في حلق علي.

خمسة آلاف دولار.

رقم بدا له أكبر من أن يكون مجرد مبلغ مالي. كان يعادل عاما كاملا من السهر خلف شاشة أخرى، يدقق نصوصا ركيكة ويصحح أخطاء لا تنتهي في مدونات تجارية لا تؤمن بالأدب، ولا تعرف من اللغة إلا ما يجلب الإعلانات.

حاول أن يخفي ارتجاف صوته وهو يسأل:

"وإذا لم تُبع الطبعة؟"

ابتسم الناشر ابتسامة باردة وقال:

"المخاطرة جزء من اللعبة."

خرج علي وهو يشعر أن الرواية لم ترفض، بل أهينت قبل أن تقرأ.

لم يستسلم.

كان يؤمن أن دور النشر ليست نسخة واحدة، وأن بين الجدران الكثيرة لا بد أن توجد نافذة.

لكن النافذة كانت في كل مرة تتحول إلى جدار.

في الدار الثانية، استقبلته مسؤولة شابة تفوح منها رائحة العطور الباهظة أكثر مما تفوح منها رائحة الكتب.

قلبت الصفحات بسرعة، ثم قالت بابتسامة مصنوعة بعناية:

"أسلوبك جميل... لكنه لا يبيع."

نظر إليها مستفهما.

قالت وهي تشير إلى شاشة حاسوب تعرض رسوما بيانية للمبيعات:

"القراء اليوم يريدون الإثارة السريعة. أضف جريمة غامضة، أو فضيحة سياسية، أو علاقة عاطفية جريئة. اجعل البطل قاتلا متسلسلا أو صاحب قوى خارقة. وبعدها سنتعاقد مع بعض المؤثرين على تيك توك، وستصبح من الأكثر مبيعا خلال أسبوع."

شعر علي أن الكلمات تتحول إلى مطارق تضرب رأسه.

هل صار الأدب وصفة تسويقية؟

هل أصبحت الرواية مشروعاً إعلانيا يدار بخوارزميات المنصات؟

حاول أن يدافع عن نصه، لكن المرأة قاطعته بلطف قاتل:

"صدقني... الفن وحده لا يكفي."

أما الدار الثالثة، فقد كانت أكثر صراحة وأقل نفاقا.

وضع المدير أمامه عقدا ضخما.

قرأ علي البنود، فشحب وجهه.

يتنازل الكاتب عن جميع حقوقه الفكرية والمادية مدى الحياة.

تؤول حقوق الترجمة، والتحويل السينمائي، وإعادة الطبع، والنشر الإلكتروني إلى الدار.

عدد النسخ المطبوعة: مائة نسخة. ولا يحصل الكاتب إلا على بضع نسخ مجانية يوزعها بنفسه.

رفع رأسه مذهولاً.

قال المدير وهو يبتسم بثقة:

"هذا هو العقد الذي يوقعه الجميع." تناول علي مخطوطته بهدوء، ونهض.

لم يغضب.

كان الغضب يحتاج إلى أمل، أما هو فقد بدأ يفقد حتى دهشته.

عاد إلى غرفته مع غروب الشمس.

فتح الباب ببطء، كأنه يخشى أن ترى الجدران انكساره.

جلس أمام مكتبته الصغيرة.

امتدت عيناه فوق أسماء طالما أحبها؛ المتنبي، والجاحظ، والمعري، وطه حسين، ونجيب محفوظ، ومحمود المسعدي، والطيب صالح، وإدوارد سعيد... أسماء لم تكن بالنسبة إليه مجرد مؤلفين، وإنما رفاق طريق علموه أن الكلمة ليست تجارة، وأن الكاتب لا يقيس نصوصه بميزان السوق.

تساءل في صمت:

كم منهم كان سيجد ناشرا لو بدأ اليوم؟

وكم رواية عظيمة كانت ستُرفض لأنها لا تصلح لحملة إعلانية؟

شعر بأن العالم تغير بسرعة مخيفة، وأن السوق لم تعد تبيع الكتب، بل تبيع الوهم المحيط بها. صار الغلاف أهم من المتن، وعدد المتابعين أهم من عدد الأفكار، وصارت الشهرة تشترى بخطط التسويق، بينما يطلب من الكاتب الحقيقي أن يدفع ثمن حقه في أن يقرأ.

في تلك اللحظة، أدرك أن معركته لم تكن مع ناشر بعينه، بل مع زمن كامل يقيس القيمة الأدبية بمؤشرات المبيعات، ويختزل الإبداع في أرقام المشاهدات والإعجابات.

نظر إلى المخطوطة الملقاة أمامه. لامس أوراقها برفق.

كانت الصفحات تحمل آثار أصابعه، وسهره، وقلقه، وأيامه التي أهدرها في مطاردة الجملة الكاملة.

لم يشعر بالرغبة في تمزيقها. ولم يبك.

البكاء، في تلك اللحظة، بدا أقل كرامة من الصمت.

فتح حاسوبه، ودخل إلى إحدى منصات النشر الحر.

رفع الرواية بصيغة إلكترونية، ثم توقف قليلاً أمام خانة الإهداء.

ظل المؤشر يومض على الشاشة، كأنه ينتظر اعترافا اًخيرا.

كتب:

"إلى الذين حرموا من الكتب لأن الحقيقة أصبحت سلعة باهظة الثمن... هذه الرواية لكم. لم أعد أملك ما أبيعه، لكنني ما زلت أملك ما أهديه."

ضغط زر النشر.

لم يسمع تصفيقا.

ولم تصله رسالة تهنئة.

ولم يتحول بين ليلة وضحاها إلى كاتب مشهور.

لكن شيئاً عميقاً حدث داخله.

للمرة الأولى، شعر أن روايته خرجت من قبضة السوق إلى فضاء القراء، وأن الكلمات استعادت حريتها بعد أن كادت تُساق إلى المزاد.

أغلق الحاسوب.

أطفأ المصباح.

استلقى على سريره المتواضع.

وخارج النافذة، كانت المدينة تواصل نومها غير عابئة بما جرى في تلك الغرفة الصغيرة.

أما علي، فقد نام أخيرا، مبتسما في هدوء.

لم يكن لأنه ربح معركة النشر، بل لأنه انتصر في معركة أشد قسوة؛ أن يبقى وفيا  للكلمة، حين صار كل شيء حولها يباع ويشترىى.

وفي مكان ما، بعيدا عن مكاتب الناشرين وحسابات الأرباح، كانت طاحونة الحبر تواصل دورانها، تطحن أوهام السوق، وتترك للكلمات النقية فرصة صغيرة كي تعبر إلى من يستحقها.

***

كاتب مغربي

كَزهرَةِ لوْزٍ

على صَخْرِ "حِطِّينَ"،

يَهتاجُ بوْحُ نَداها

على كتفَيْهِ.

فتُوقِظُ في مقلَتَيْهِ

قُطوفَ الزَّياتينِ والسُّنْبُلاتِ.

وفاكِهَةُ الْقَهَوَاتِ،

على وَجْنَتَيْهِ

تُسَطِّرُها

حسْرةً وموَاسِمَ لِلسَّفَراتِ.

ويَنْهَضُ صَمْتُ الْمَراقِدِ

في صدرِهِ،

فَيَضِيقُ بِوَشْوَشَةِ الْعابِرِينَ…

وبيْنَ الْجِهاتِ،

يُطُوِّفُهُ طَيْفُ خَيْلٍ

يُفِيضُ على راحَتَيْهِ

حرائِقَ دَمْعٍ

وحُرْقَةَ نَبْعٍ.

ويَهْطِلُ وَجْهُ خَرائِطِهِ

وَجَعًا

وجِراحاتِ قَمْحٍ ودالِيَةٍ.

***

كَزَهرَةِ لَوْزٍ

على صخْرِ " حِطِّينَ"

تَحْلُمُ بالصَّبَوَاتِ

وتَضْحَكُ لِلْحَصَواتِ.

وللرِّيحِ

تَبْسُطُ  شالاً  بِعِطْرِ صَلاةٍ،

فلا النُّورُ منها يَفِرُّ

ولا الْمِلْحُ في مُقْلَتَيْها يَضِجُّ.

تَحِنُّ فَتُفْضي:

ألاَ أيّها الْأمْسُ!

كيف الْعُبُورُ إليْكَ؟

وكيْف الْمُضِيُّ في رِئَتَيْكَ؟؟

هناك

على رئتَيْكَ

تناثَرَ مُذْ أَمَدٍ

وَجْهُ أمّي

وغَيَّبَهُ الْغَيْمُ عَنِّي.

فيا أنتَ

هَلاَّ صَبَبْتَ

على مِعْصَمَيَّ

كُؤُوسَ الْقِيامَةِ

كَيْما أُرَصِّعَ بالنّورِ

جِسْرًا

إلى وَجْهِ أمِّي؟

وقُلْ لِي يُها الْأمسُ

كيفُ أُعَلِّقُ نَجْمًا

على صدر قرطبة.

***

كَلَوْزٍ يَنُضُّ نَداهُ،

تُعانِقُ " حِطِّينَ "،

تَنْضُو أَساهُ.

تقولُ: هنا، بيْنَ قَرْنَيْكَ،

قدْ أوْدَعَتْ شَمْسُكَ الْغُصْنَ مِسْكًا،

وإنِّي وَهَبْتُكَ نَبْضًا

لِأَلاَّ تنامَ الْحَكَايَا.

فَضُمَّ إلَيْكَ عَصايَ

تَجِدْها صِوانًا وآيًا.

وضُمَّ إليْكَ مَوَاوِيلَ شالِي

يُثَبِّتْ على صدرِكَ الطَّيْرُ غارًا ونايًا،

لِأَنِّي نَشيدُ الْمَقابِرِ

في شَفَتَيْكَ.

وما بيْنَ مَوْتٍ وموْتٍ

أُسَطِّرُ في صفحاتِكَ سَطْرًا.

***

بقلمي: هادية السّالمي دَجُبّي - تونس

......................

إضاءة:

" حِطّين": قرية فلسطينيّة مهجّرة. وتُعرف بجبل حطّين. عُرِفت تاريخيّا بموقعة حطّين الّتي انتصر فيها المسلمون على الصّليبيين، وأسفرت عن تحرير مملكة بيت الْمَقدس.

كان جَدّي يتحدّى موتَهُ بالتدخين

ماتَ في عُمر الخامسة والتسعين

وبين شفتيه سيكاره

فأعوادُ الكبريت كانت تُشعلُ فتيلَ حياتِهِ

مرَّ على موتِهِ ستونَ عاماُ

وما زالَ دُخانُ سَكائِرِهِ

يتسبب بهروب المخلوقات المذعورة

إلى ملاذٍ خالٍ من البراكين

أنا أكرهُ الزلازل والبراكين

لكني أحِبّ جَدّي

فتجاعيدُهُ تُذكّرني

بالوعول الناسِكَةِ في شِعاب الجبال والوديان

**

كانتْ سكائرهُ تتوالدُ من داخل فمه

حتى ظنّنتُ بأنّ فمَهُ مستشفى لولادة التوائم

ومع كل وجبة من المواليد

تنفثُ كلُّ ثقوب رأسه الدخان

حتى خلاياه تتحوّل أحياناً إلى أفواهٍ صارخة

ومثلَ ألأوكورديون

ترتفعُ طاقيته وتهبط بانتظام

ليتسلل الدخان المكبوتُ بإيقاعٍ نغميٍّ هاديء

**

ولِدَ جدّي وفي فمه سيكارة

كَبُرَ، وكَبُرتْ معه

تزوّجَ وأنجبَ أجيالاً من أعداء التدخين

بينما أنجبتْ عُلَبُ سَكائِرِهِ سُحُباً مَاطِرةً من الدخان

تكاثفتْ، وتكدّستْ في سقف غرفته

كان صغار الملائكة ينزلون عبرها

ليعبثوا بلحيتهِ

فسماؤهُم خاليةٌ من مُدُنِ الألعاب

أحياناً ينزلونَ راكبين البروق

يعقلونَها بأرجُلِ سَريرِهِ

وينزلِقونَ على صَلعتِهِ المتلامِعةِ بقطراتِ عَرَقٍ

تتوهّجُ في الأعياد كالمصابيح

فيتحوّلُ رأسُهُ إلى شجرةِ عيدِ الميلاد

**

كنتُ صبياً عندما انحنيتُ لتقبيل يدِهِ

فسقطَ عَقِبُ سيكارتِهِ على يدي

لم أنفضِ الجَمرةَ

التي تسللتْ إلى برميل البارود في أعماقي

فبدأ دخانُ الألمِ يتصاعدُ من أنفي

تركتُ الجمرةَ تحفرُ في يدي وِساماً

ما زلتُ أحملهُ ذكرى من جَدّي

وأنا في السبعين

***

شعر: ليث الصندوق

مرةً، أنقذنا العالم…

الشاب (حمّاد إسماعيل)، عزف على نايه طوال الليل، وكأن صوته يعيد ترتيب النجوم فوق نهر خابور، وأنفاسه تزيل الغبار عن الحكايات القديمة التي حوصرت في خيام النازحين..

وحين غربت الشمس على آثار أقدامنا، همس بنايه للريح كي تحمل قصّة القرى الطينية إلى الأفق البعيد.

والشاعر (حجي قيراني)، نظم قصيدة بالكُرمانجية عن أرملةٍ لا تعرف شكل البحر، ونامت على ساحل خيمتها في مخيم (جم مشكو).

كانت تغزل أحلامها ببطء، كما لو كانت تنتظر سفينة تعيدها إلى الوطن.

حين غربت الشمس على أحلامنا، نُقش بالكلمات عزاء الأرامل فوق صفحة الزمن، كأنه يزرع صبرًا في الأرض البور، ويضيء الصمت بالنشيد.

وأنا، كنت أعتني بسربٍ من الأوز العراقي المهاجر، أرافقه عبر الليالي الثقيلة، أُصغي لأغانيه المتناثرة فوق الماء، وحين طال الليل، كنت أسير خلفه وهو ينشد أغنية الوطن، كأنني كنت أطارد آخر ظلٍ للحكايات التي لم تكتمل، وكنت أحمل ضوءًا خافتًا لم يعرف طريقه إلى الصباح.

نحن الذين لا يُذكّروننا إلا في الهامش. مرةً، رسمنا للحياة دربًا لا يُرى.

نحن الذين لا نعرف بعضنا، لكننا، مرةً، أنقذنا عالمكم التافه، ثم اختفينا..

اختفينا وكأننا لم نكن هنا قط.

***

مراد سليمان علو

 

أنا من منحَ شفتيكِ طعمَ الكرزِ في لحظةِ اللقاء، ومن وهبَ أنفَكِ الدقيقَ حدسَ التعرّفِ إلى عطرِ الشوقِ قبل أن يُولد. وأنا من أشعلَ في عينيكِ برقًا يشبهُ ومضَ السماءِ في ليلةٍ شتويةٍ باردة.

*

وأنا من جعلَ نهديكِ يستيقظانِ لارتعاشةِ أناملي، فتسكنُ الحلمتانِ السَّمراوانِ بين كفَّيَّ كما يستريحُ قمرانِ صغيرانِ في حضنِ الليل.

*

وأنا من علَّمَ ساقيكِ نعومةً أخرى، حتى غدتْ أصابعي الخجولةُ تعرفُ تضاريسَهما كما تعرفُ المياهُ طريقَها إلى النهر.

*

وأنا من جعلَ أبوابَ مدنكِ العصيَّة، تلك المدنَ التي لم يرها غيري، تفتحُ أسوارَها صامتةً، وتُعلنُ استسلامَها أمامَ جيوشِ شغفي، فتندفعُ ينابيعُكِ العذبةُ فوقَ صهوةِ خيولي، كأنَّ الأرضَ تعودُ إلى أولِ خصوبتها.

*

وأنا من جعلَ أعماقَكِ البعيدةَ تحتضنُ بذورَ امتدادي، فتنطلقُ في فضاءِ رعشتكِ المجنونة، ثم تستقرُّ هناك... حيثُ يبدأُ العمرُ من جديد.

*

وأنا من جعلَ أناملكِ الصغيرةَ تتقنُ العزفَ على هضباتِ جسدي الأعزل، فتتحوَّلُ نبضاتُ القلبِ إلى سمفونيةٍ لا يعرفُ سرَّها إلا عاشقان.

***

بقلم: كريم عبد الله

بغداد - العراق

لِمَاذَا... لَا أُجَرِّبُ، مَرَّةً، أَنْ أَكْتُبَ نَصًّا لَا يَرْفَعُ قَبَّعَتَهُ لِلْمُعْجَمِ، وَلَا يَسْتَعِيرُ خُطَاهُ مِنْ عَصَا الْأَسْلَافِ؟

*

لِمَاذَا لَا أَفْتَحُ نَافِذَةً فِي جِدَارِ الْحَرْفِ، لِيَدْخُلَ الْهَوَاءُ إِلَى رِئَةِ الْمَعْنَى؟

*

سَئِمْتُ رؤية الْكَلِمَاتِ تَمْشِي بِعُكَّازِ الْعَادَةِ، وَتَشْرَبُ مِنْ جِرَارٍ لَمْ يَبْقَ فِيهَا غَيْرُ صُبَابَةِ الْمَاءِ.

*

أُرِيدُ نَصًّا... يُقَارِعُ اللُّغَةَ بِاللُّغَةِ، لِيُوقِظَ مَا نَامَ فِي عُرُوقِهَا، مُنْذُ آخِرِ مَنْ أَيْقَظَ الْحَرْفَ مِنْ نَوْمِهِ الْحَجَرِيِّ.

***

| مجيدة محمدي

منذُ أنِ انقطعتْ مسبحتي

عرفتُ

أنَّ العمرَ خيطٌ رفيعٌ

نحاولُ أن نجمعَ بهِ

ما تبعثرَ منّا.

ومنذُ ذلكَ اليومِ

وجدتُني أقفُ عندَ بابِ البيتِ،

أحملُ ملامحَ أمّي،

وصمتَ أبي،

وأوزّعُ الطمأنينةَ على الوجوهِ

كما كانا يفعلان.

أبتسمُ للصغارِ،

وأُخفي انكساري،

وأقولُ لكلِّ شيءٍ:

سيكونُ بخير،

بينما الخرابُ

يجلسُ في داخلي

بصمتٍ ثقيل.

كبرتُ يا أمّي،

حتى صرتُ أبحثُ في صوتي

عن نبرةِ أبي،

وفي يدي

عن دفءِ يدِكِ،

لكنّني كلّما حاولتُ أن أكونَ قويًّا

تساقطَ قلبي

مثلَ ورقٍ يابس.

اليومَ

انقطعتْ مسبحتي.

تناثرتِ الحبّاتُ على الأرضِ،

كأنَّ أعوامي كلَّها

تبعثرتْ دفعةً واحدة.

جلستُ ألتقطُها

حبّةً حبّة،

وأعيدُ نظمَها

بأصابعَ أنهكَها العمرُ،

وأخافُ

أن يضيعَ ما تبقّى منّي

بينَ الشقوق.

كلُّ حبّةٍ

تُشبهُ ذكرى،

صوتًا،

ضحكةً،

وجهًا مرَّ من هنا

ثم اختفى.

لكنَّ حبّةً واحدةً

عاندتني.

تدحرجتْ بعيدًا،

كلّما اقتربتُ منها

ابتعدتْ أكثر،

كأنّها تعرفُ

أنَّ قلبي معلّقٌ بها وحدها.

ركضتُ خلفَها

كما يركضُ أبٌ

خلفَ ابنِه

حين يوشكُ أن يغيب.

لكنّها أفلتتْ من يدي،

واختبأتْ في زاويةٍ

لا يصلُ إليها الضوء.

حينها فقط

عرفتُ أنّكَ أنتَ

يا ولدي.

أنتَ الحبّةُ

التي سقطتْ من مسبحتي،

فاختلَّ بعدها

ذكرُ الروح.

منذُ رحيلكَ

وأنا أحاولُ

أن أُكملَ أيّامي،

لكنَّ شيئًا ناقصًا

يُصدرُ صوتَهُ في كلِّ لحظة.

كرسيُّكَ الفارغ،

ضحكتُكَ المعلّقةُ في الجدران،

خطواتُكَ التي انطفأتْ فجأة،

كلُّها تقولُ لي:

إنَّ البيتَ بعدكَ

ليسَ هو البيت.

يا صغيري،

كيف استطاعَ الغيابُ

أن يكونَ بهذا الثقل؟

وكيف لأبٍ

كان يحملُ الدنيا بيديه

أن تعجزَهُ

حبّةٌ صغيرةٌ

هربتْ من مسبحته؟

الآنَ،

كلّما أمسكتُ مسبحتي

أتوقّفُ عندَ الفراغ،

وأتحسّسُ الخيطَ المنقطع،

وأدركُ

أنَّ بعضَ الفقدِ

لا يُعادُ نظمُهُ أبدًا.

***

د.جاسم حسين الخالدي

٢٤ / ٥ / ٢٠٢٦م

كان مقهى "الشرق" يقبع عند ناصية شارع قديم، كأنه آخر ما تبقى من زمن رفض أن يرحل.

كانت ساعة الحائط الضخمة تشير دائما إلى السادسة تماماً، عقربها المكسور تجمد هناك منذ عقود، حتى صار رواد المقهى يتندرون بأن الزمن نفسه يخشى مغادرة هذا المكان. أما "العم منصور"، صاحب المقهى، فكان يجلس خلف منصته الخشبية المرتفعة، يمسح الكؤوس الزجاجية بخرقة رمادية فقدت لونها الأصلي، بينما لا تغادر عيناه الوجوه. لم يكن ينظر إلى الناس بقدر ما كان يقرأ ما تخفيه ملامحهم، حتى شاع بين الزبائن أنه يعرف ما لم يقل أكثر مما يسمع ما يقال.

كان المقهى يعج بأصوات متداخلة؛ لاعبا دومينو يختلفان حول نقطة ضائعة، شيخ يطالع صحيفة صفراء تجاوزها الزمن، وشابان يتجادلان في مباراة كرة قدم لم تنته بعد في ذاكرتهما. رائحة البن المحمص تمتزج بدخان السجائر، فيما تتسلل من النافذة المطلة على الشارع خيوط شمس حارة تعلن أن الصيف بلغ ذروته.

في الزاوية اليمنى، بعيدا عن الضجيج، جلس شاب نحيل يرتدي قميصا أبيض بسيطا منكفئا على دفتر أسود ذي غلاف جلدي مهترئ. كانت يده تتحرك بسرعة فوق الصفحات، كأنها تلاحق فكرة تخشى أن تتبخر. وبين الفينة والأخرى كان يرفع رأسه، يتلفت حوله بحذر، ثم يعود إلى الكتابة، وقد ارتسم على وجهه ذلك التركيز الذي يميز من يكتب أكثر مما يميز من يقرأ.

راقبه العم منصور طويلا، ثم تنهد في صمت، وكأنه رأى المشهد نفسه قبل سنوات بعيدة.

فجأة انفتح باب المقهى بعنف، فاصطدم مصراعه بالجدار، وساد صمت ثقيل. دخل رجل ضخم الجثة، عريض المنكبين، يرتدي معطفا صوفيا بني اللون، رغم أن حرارة الصيف كانت في أوجها وتدفع الجميع إلى البحث عن الظل. كان المعطف يبدو أثقل من أن يلبس في هذا الفصل، ومع ذلك سار الرجل بثبات، كأن الحرارة لا تعنيه.

توقفت الأحاديث. رفع بعض الزبائن رؤوسهم ثم عادوا إلى أكوابهم متظاهرين بعدم الاكتراث، بينما تبادل آخرون نظرات خاطفة سرعان ما أخفوها. وحده العم منصور لم يتغير وجهه، لكنه توقف عن مسح الكأس التي بين يديه.

اتجه الرجل بخطوات محسوبة نحو الزاوية اليمنى، ولم يحد ببصره عن الشاب الجالس هناك. كانت عيناه الثاقبتان تقتربان قبل أن يقترب جسده.

شعر الشاب بذلك الحضور الثقيل قبل أن يرفع رأسه. وما إن وقعت عيناه على الرجل حتى تغير لون وجهه، وانقبضت ملامحه فجأة. ارتجفت أصابعه، فأغلق الدفتر بسرعة، وضغط عليه بكلتا يديه، كأنه يحاول أن يحمي شيئا أثمن من الورق.

اقترب الرجل حتى صار واقفا بمحاذاة الطاولة.

قال بصوت أجش يشبه دوي الرعد:

– مساء الخير...

لم يجب الشاب إلا بإيماءة باهتة.

مد الرجل يده الخشنة، وفي حركة خاطفة استل الدفتر من بين يدي الشاب، رغم محاولته اليائسة للاحتفاظ به. ارتطمت الطاولة بالأرض، واهتز فنجان القهوة حتى انسكبت قطرات سوداء على الخشب.

فتح الرجل الدفتر بعنف، والغضب يرتسم على محياه، كأنه يستعد لقراءة اعتراف طال انتظاره.

اقتربت الأنظار من بعيد، وتوقفت أنفاس الجالسين.

لكن...

لم يكن في الدفتر شيء.

صفحات بيضاء، ناصعة كالثلج، تمتد من الغلاف إلى الغلاف، بلا حرف واحد، ولا نقطة حبر، ولا أثر لكتابة.

تجمدت ملامح الرجل، ثم أخذ يقلب الصفحات بسرعة، واحدة تلو الأخرى، وكأن الكلمات ستظهر إذا استعجلها. ازدادت حركته عنفا حتى تناثرت بعض الصفحات المرتخية على الأرض.

أما الشاب، فقد ظل جالسا في مكانه، وقد اختفت من وجهه علامات الخوف، وحل محلها هدوء غريب، أقرب إلى ابتسامة لم تكتمل.

رفع العم منصور رأسه للمرة الأولى منذ دقائق، وأعاد الكأس إلى الرف دون أن يكمل مسحها.

وفي تلك اللحظة... دوى صوت الساعة العتيقة المعلقة على الجدار.

ست دقات متتالية.

مع أن عقربيها لم يتحركا قط منذ عشرات السنين.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

دعُوا لهمْ لهوَهم والكاسَ وانْسحِبوا

ولتنصُروا دينَكم يا فرسُ يا عرَبُ

رضا المُهيمنِ عنكم ذاكَ نصرُكمُ

لا رايُ منْ في عديدِ النّارِ قد كُتبوا

أفرحةٌ طولُها من طولِ باعثِها

غدًا تقولون فيها: ما لها سَببُ

أم فرحةٌ بحياةٍ لا تحاصِرُها

الأعمارُ والموتُ والأسقامُ والتّعبُ

هداكمُ اللهُ تبقىْ كاسُهم لهُمُ

مهما غلَبْتُمْ ومهما دونها غُلِبوا

فكم ظفِرتُمْ وكمْ ردَّتْ شرائعهمْ

من فورِها دونَ عُذرٍ: ليس يُحتسبُ

وفي حِساباتهِم معنىْ حضورِكمُ

أنّ الجميعَ له فوزٌ ومكتسِبُ

نجّاكمُ الله من كيدٍ به قصَدوا

حُكمَ السّماءِ وما جاءتْ به الكتُبُ

وأنتمُ وجهُهُ في الأرضِ فانتصِروا

وربَّ نصرٍ أتى قومًا إذِ انسَحبوا

***

أسامة محمد صالح زامل

أسعفني النهر

فأعطيت الضفة رافدةً

تتكئ عليها

صرتُ أؤجّل خطبي حتى

إشعار آخرَ

منتصف الليل دليل

للوجه الغدني

بجدٍّ آخذه

مع أني حذِرٌ أن يجلس

في كفي حجر يتفخّخ

ضدّي عنوةْ...

آصالا وغدوّا يرتج الباب

على صاحبه

تدخل منه الريح عليه

والغرفة تخلو من أوراق الشدة

ونوافذها في الظن الأغلب

بلغتْ مأتاها...

حين تفك الواحة أزرار قميص الصحراء

فقط عندئذ أفهم كيف الهاجرة

تصاب بداء الحبسة

والقفر تحت نواظرها

فاضت ثرثرةً شفتاه.

***

مصطفى معروفي

في زاوية الغرفة المظلمة، كانت الشمعة النحيلة تقاوم بريقًا أزرق انطفأ للتو، تاركةً وراءها مراهقًا يرتمي في أحضان والده كعصفور بلله المطر، يغسل بدموعه الحارة غبار تمردٍ أعمى سكنتْ بعده حركتُه المضطربة؛ تلك كانت اللحظة التي تكسرت فيها القشرةُ الزائفة، حين انقطع التيار الكهربائي في ليلة خريفية عاصفة، فغرق الفتى في صمت مرعب واجه فيه لأول مرة وجهَه الشاحب وعينيه الغائرتين في المرآة، مستمعًا لأنين أمه المخنوق بالدعاء خلف الباب وصوت أبيه المنكسر وهو يبحث له عن طوق نجاة.

قبل هذا السكون بنبضات، وتحديدًا عند الغسق المشحون بالخيبة، كان آدم يقف مطرودًا خلف أسوار ثانوية تتلاشى أصواتها، يمسك بهاتفٍ تلفظ بطاريته أنفاسها الأخيرة، ونفسٍ أشرفت على الهلاك التام؛ كان ذلك الحطام ثمنًا باهظًا لتحدٍّ متهور قاده داخل الفصل، حيث تحول فيه إلى إعصار من الحركة الزائدة والفوضى، يقاطع الأساتذةَ ويهزأ بالنظام ليغذي حساباتِه الافتراضية.

عاد إلى الوراء عبر ممرات الذاكرة القريبة، ليتكشفَ عُقدةَ هذا التيه الوجودي، وهذا الانفصام الحاد بين واقع يراه متخلفًا وفضاء رقمي يُتوِّجُ فيه "أفاتارَ" لا يقهر؛ إذ لم تكن تلك الفوضى المدرسيّة إلا صدى لضجيجٍ أكبر يسكن رأسه، صدى لمعارك افتراضية وعوالم بديلة تخوضها أصابعُه المرتجفة على الشاشة لساعات طوال، ممزوجةً بصرخات مؤثري الثقافة الهجينة الذين يطلّون بقصات شعرهم الغريبة ليزينوا له الانفلات من طاعة الوالدين ويسخروا من كل ما هو أصيل، فاستحالت طاقتُه الحركية الزائدة بركانًا من العقوق الصامت، يرى في وقار أبيه وتجاعيد أمه قيودًا بالية تكبل حريته الموهومة.

في البدء، قبل أن تستبدَ به الشاشةُ وتسرقَ بوصلتَه، كان آدم مجردَ فتى تضيق بنيتُه الغضة بطاقة متفجرة، كزئبق لا يستقر على حال، يقف عند مفترق الطرق على مائدة العشاء؛ حيث كانت كلماتُ والدِه المنسوجةُ من الصبر والاحترام تترسب كحصى في بئر عميق، بينما كانت الأضواء الزرقاء الخافتة تتسلل من شاشته الصغيرة لتغويه بالرحيل نحو عالم الأفاتار، معلنةً بداية حكايته المقلوبة التي انطلقت من بريق الوهم لتنتهي، بعد انطفاء الشاشة، بيقظة الروح على عتبات الأصول.

***

قصة قصيرة                       

د. سعيد السوقايلي - المغرب

 

تتعدد أسماء المدينة بتعدد وجوه سكانها. فلنسمِّها "بصراتو"، ولنرَ بعدها صدق وجودها الجغرافي من عدمه. ورغم هشاشة المدينة أمام الفاتحين في الثواني الأولى، فإنها تشبه نبات مصيدة فينوس الذي يطبق على فريسته من الحشرات، فيهضمها على مهل ويمتص روحها، جاعلًا إياها جزءًا من بنيته البيولوجية. فلنتجه من السماء، مرورًا بالسحب المحمّلة بأنفاس البحر الرطبة والحارة، ولنُلقِ بنظرنا على منطقة لا يُرى منها سوى أشواك رؤوس النخيل، وكأنها فرشاة شعر هائلة مقلوبة إلى الأعلى. لنقترب أكثر من بستان يقع على خاصرة نهرٍ تعددت أسماؤه، وُلد من زيجة مباركة بين نهرين عظيمين التقيا، مصادفةً، في شمال المدينة. كان النهر يسير إلى البحر بمفرده منذ آلاف السنين. فلنسمِّه "شط العرب"، ولنسمِّ النهرين "دجلة" و"الفرات" والديه، من دون تحديد هوية جندرية للعروسين.

نقترب أكثر من منزل طيني في جنوب البستان، يتكوّن من غرفة واحدة ونافذتين تتوزعان على الجانبين. هذا هو مدخلنا الآن، فلنمضِ بعيوننا إلى الداخل. هذه الغرفة، أو هذا المنزل، تسكنه امرأة في أواسط السبعين من عمرها تُدعى "أم غايب". عجوز ذات عينين رماديتين وبشرة سوداء معتقة، موشومة في الحنك والكفين برسومات وطلاسم خضراء غريبة، تنطوي على جسد نحيل جدًا تكاد الريح تكنسه إن مرّت به. يلتبس الأمر أحيانًا؛ فكل امرأة لا تلد تسميها نسوة المدينة "أم غايب". فهل لدى أم غايب ابن اسمه غايب أصلًا؟ من يعلم غيرها، وغير النسوة، والسيد "الشعيبي"، صاحب الأرض والقدر؟

بعض النسوة يصفنها بـ"المسكونة"، في إشارة إلى عالم الجن الموازي. وتتناقل النساء سرديات غير موثقة عن قدرتها على التواصل مع المخلوقات الماورائية وغير المنظورة في جلساتهن. وفي البيوت القديمة، اعتادت أن تروي أجمل القصص، كحكّاءة ماهرة، أو كنبي لم يرد ذكره من قبل. كانت تحكي عن "غايب"، ولدها الغائب، الذي ترك أمًا وثلاث فتيات في عنقها لتعيلهن.

وحين يدور الحديث، يسألنها عن غايب الغائب. فتجيب دائمًا:

"غايب خذوه العسكر للحرب، وما عاد من يومها."

فيستفسرن منها:

"أي حرب؟ الأولى، الثانية، الثالثة، الرابعة... أم الألف؟ بلدنا يحارب حتى الريح."

فترد:

"حرب الشتاء، على ما أذكر."

فتجيبها النسوة بصوت متهكم:

"وحتى هذه، حروبنا فيها ستين شتاء وستين صيف، يا أم غايب."

وبتردد تعيد:

"لاأعرف عن الحرب شي .. ما أعرفه ان غايب مازال فيها "

فتضحك النسوة، ويخمّنَّ أنها الحرب التي دارت بين العراق والأكراد في الشمال.

يصلنها بكثير من الفاكهة والتمور والخضروات ولحم البط، لكنهن لا يدخلن غرفتها لسبب ما. يحملن إليها على رؤوسهن ما يُسمى بـ"صواني الرحمة"، إحسانًا يرجون به ثواب قراءة سورة الفاتحة للموتى.

ومع الغلاء المتصاعد كالأبخرة، يجود عليها الميسورون بصدقاتهم، ليشعروا بعدها براحة الضمير ويناموا بعمق. وهي، من جهتها، تعيش من هذه الثغرة النفسية في برمجيات الأغنياء؛ تلك التي تقودهم إليها في كل مرة. يرشونها، ويرشون الله من خلالها، ليغفر لهم خطاياهم، أو يخففها، على أقل تقدير، وإن كانوا لا يترددون في اجتياز علاماته المرورية يوميًا ودهس إنسانيتهم عمدًا. ما يمنحونه لها يدفع عجلة يومها، ويؤجل سقوط عيالها يومًا آخر في تقويم الفاقة، ولو بصورة مزرية.

وحين ينقطع عنها هذا المدد، تفترش رقعة ترابية في سوق "البصرة القديمة"، في منطقة الصفاة، لتبيع الملابس المستعملة. ومن يعبر مسرعًا يصعب عليه أن يميزها بين أكوام العباءات السود الرثة والملابس الباهتة المهترئة. بجسدها الهزيل المقوس، كأقواس السعف التي تُصنع في أعراس البصرة، تعود عند الغروب بما تيسر لها من رزق. وإذا اشتد عليها الحال، تتبضع مجانًا من بقايا عربات الخضار: بصل ذابل، وطماطم نصف متعفنة، ودجاجة ميتة ملقاة، أو أي شيء يتركه الباعة عند انقضاء اليوم. وإذا عرفت أن ما كان يُباع للناس أصلًا تالفًا ومغشوشًا، فلك أن تتخيل ما الذي كان يستقر في كيس المسكينة أم غايب. شكّلت فواجع البلد مصدر الرزق الرئيس لها ولبناتها الثلاث، ولا سيما في ثمانينيات القرن الماضي، زمن المعارك الطاحنة على مشارف "بصراتو" بين العرب والفرس، التي كانت تمتد أيامًا. كانت الحرب موسمها الخصب؛ مزيدًا من الشهداء يعني مزيدًا من الطعام القادم من سرادقات العزاء، الممتدة من جنوب بصراتو إلى شمالها لم تكن "صواني الرحمة" تنقطع. رزق وفير، ونزيف لا ينضب من المدنيين والعسكريين. ثم جاءت حرب الخليج، الذكية جدًا في صناعة الموت. وبعدها مسالخ انتفاضة آذار في الجنوب، وقتلى التقارير الأمنية، وضحايا السرطانات التي انتشرت في المدينة كما تنتشر الانفلونزا. سلسلة لم تنقطع، وإن تبدلت نوعية الثوابات مع الحصار وشح المواد الغذائية. ثم تحسن الحال بعد مجيء الأميركيين، والدولارات، والميليشيات التي احترفت الاستثمار في قطاع القتل المربح. كانت النسوة يمازحنها: لو فرضنا الناس بطّلت تموت، منين تعيشين يا أم غايب؟فتجيب بثقة: السيد الشعيبي ما يتركني أموت جوع، أنا وبناتي .. حاشاه.

ثم تبتسم ابتسامة المؤمن الذي لا يشك في رزق كتبه له ربّه.

في ذلك اليوم الدبق برطوبة البحر كما هي كل أيام " بصراتو " وبعد أن غادرها خاد م السيد الشعيبي المدعو "رسول" ، صارت أم غايب تحدق في صرة التمر. أخرجت من إحدى التمرات نواة من فضة خالصة، دسّتها في جيبها، ثم مضغت الثمرة ببطء، مستلذةً بحلاوتها. وحدها كانت تعرف لماذا لا تخلو كل صرة تمر تصلها من تلك النواة.لفّت شالها الأسود حول كتفيها، وألقت نظرة على صورة غايب المعلقة فوق الجدار. لم تقل شيئًا. الانتظار لا يحتاج إلى كلام. خارج الغرفة، كانت الريح تعبث بأبواب الزقاق، ثم انطفأت الكهرباء كعادتها. أشعلت شمعة، وما إن استقرت شعلة النار حتى سمع طرقٌ على الباب صار يتصاعد مع الوقت .ظنّت للوهلة الأولى أن الريح هي الطارق فتشاغلت عنه تعبث بشعر بناتها المستلقيات ، لكنها حين زاد قامت و فتحت الباب لتجد رجلًا يقف في العتمة، يخفي الليل ملامحه.

قال بصوت مألوف لديها : أأجد عندك مأوى لهذه الليلة؟

نظرت إلى غرفتها الضيقة، التي بالكاد تتسع لها ولبناتها الثلاث وقدورهن وأكياس الخيش. ثم تنحّت جانبًا.

: ادخل. قالت وهي تزيح جسدها عن موضعٍ له على البساط المزركش بطيور صفراء وسعف أخضر. جلس قربها، ومدّ يديه إلى ما تبقّى من دفء النار الخامدة في طاسةٍ من الحديد الصدئ، عليها إبريق شاي معوجّ لم يبقَ منه إلا ذكرى.

سألته:من أين أتيت؟ كنتُ أعلم أنك ستأتي، ولكن متى وكيف، لا علم لي، يا ولدي.

قال بنبرةٍ يشوبها الشك:انتظرتِني؟ نعم، ولكن الموقد مطفأ، والبنات ناعسات.

وأضاف بعد تأمل: كلنا ننتظر، ولكن من الذي ننتظره؟ ومتى يأتي؟ ومن يعلم؟

قالت أم غايب، وهي تدني كفيها من دفء الموقد المتلاشي.

:العمر يأخذ منا كل شيء. أخذ مني ولدي. اسمه غايب... كأنك تعرفه؟ رفع الرجل رأسه إليها. كانت عيناه مرهقتين كعيني مسافرٍ أطالته الطرق.

قال:كلنا غائبون يا خالة. بعضنا يغيب في الحرب، وبعضنا يعود منها ولا يجد نفسه. كلنا غايب.

ساد الصمت. لم يبقَ سوى صفير الريح وهي تمر بين سعف النخيل، والجمر يلفظ أنفاسه الأخيرة.

تكلمت بعد برهة: ولدي غايب خرج مع العسكر. ما كنت أعرف للحرب اسمًا، ولا عدًّا. أعرف فقط أنه لبس ثيابه، ومشى... ومن يومها وأنا أنتظر. ظل الرجل يحدق في الجمر حتى حسبته يخاطبه.ثم تمتم بهدوء: أصعب ما في الحرب أنها لا تقتل الناس دائمًا. أحيانًا تتركهم معلّقين بين الرجوع والغياب.رفعت رأسها إليه فجأة.

: تعرف غايب؟

ابتسم ابتسامة باهتة.

: أعرف كثيرين يشبهونه.

ثم أضاف: من يرجع من الحرب لا يرجع كما ذهب. والحرب، إن عجزت عن قتل الرجل، قتلت شيئًا فيه.

ارتجفت يد أم غايب فوق ركبتها.قالت بصوت خفيض، كمن يحادث نفسه: إذن... يمكن أن يكون حيًّا؟

نظر إليها طويلًا، كأنه يفتش عن جواب لا يملكه.

: لا أعرف. لكن الذين نحبهم لا يغيبون بالطريقة التي نظنها.

طال الصمت مرة أخرى.وحين خفتت الريح، نهض الرجل، وجمع عباءته.

قال: أنا غايب، ولست أنا غايب. أنا مغادر الآن إلى منزل آخر. في أمان الله.

اعترضت أم غايب: ابقَ الليلة. فيك منه طولُه الخيزراني، وجدحةُ عينه. ابقَ يا ولدي، الطريق لا يهرب.ابتسم.

: الطريق لا يهرب... نحن من نهرب منه.

فتح الباب، فاندفع هواء الليل إلى الغرفة، وأطفأ الشمعة.وقف لحظة عند العتبة.نظر إليها وهي تمسح على رؤوس بناتها النائمات. دمعت عيناه، وغالب كلمةً على شفتيه أن تخرج، فابتلع حزنه مع ريقه. ثم اختفى في العتمة، كما لو أن الريح جاءت به وأخذته معها.

أغلقت أم غايب الباب، وجلست تحت صورة غايب. كان ضوء القمر قد حلّ بدل صفرة النار الآفلة. رفعت بصرها إلى صورة غايب، الذي كان قد غادر برواز الصورة، وهمست: أينما تكون... الله يجعل طريقك أحسن من طريقنا.

***

ياسين غالب

صَيفُ الطّفولَةِ

أَطوَلُ مِن كُلِّ الفُصولِ

رَحِبًا كهَرطقَةٍ مِن لُهاثٍ

وَطَويلًا كمَداخِلِ البَهاءِ

تَنْتَهِبُنَا يَعاسيبُ أَيَّامِهِ

مِنْ بابٍ..

شَهِيقُهُ غَضارُ مِلحِ

وَزَفيرُ مَصاريعِهِ

شَمْسٌ مُسَوَّمَةٌ بِسَوْطٍ زَعْفَرانيٍّ

يُسْلِمُنا..

شُعْثُ حَراشِفها لِأَهلينا

سُباتَ كَلامٍ

بِقَدَمَينِ مُغْبَرّتَينِ خاضَتا في حَناجِرِ البَساتينِ

ورُكبَتَينِ تَحمِلانِ آثارَ حَمْحمَةِ المُغامَراتِ

كُنّا..

بِتَرَفِ الخَيالِ

نَصنَعُ مِنَ العِصيِّ سُفُنًا

وَمِنَ غُرّةِ البِرَكِ

بِحارًا مِنَ ضَّوضاءِ

وَمِنْ شَجَرَةِ التُّوتِ مَملَكةً لا يَدخُلها الكِبارُ

كُنّا..

نُخَبِّئُ..

حَبّاتِ التّمرِ المسروقة في جُيوبِنا

أو في زيقِ دَشاديشِنا

وَحينَ نَعودُ مِن قِشرةِ الظهيرَةِ

وَوَحْشَةِ التَّسَكّعِ

إِلى ظِلِّ الجِدارِ

مُشتَعِلينَ بِالغِوايَةِ وَبأْسِ الجُلَّنارِ

تَنْتَظِرُنا أُمَّهَاتُنا

بِالماءِ البارِدِ

وَالعِتابِ الحَنونِ

لَم نَكنْ نَعرِفُ أَسماءَ السّاعاتِ

تَحتَ بَيارِقِ الصَّفيحِ السّاخِنِ

لَكِنَّنا

نَعْرِفُ مَوعِدَ الغُروبِ

مِن دَويِّ أوبَةِ الطُّيورِ

وَنَعْرِفُ مَوعِدَ النّوْمِ

مِن صَوتِ الجَدّاتِ الرّخيمِ

وَهُنَّ يَجمَعْنَ مِن هَدْأَةِ اللَّيْلِ:

حِكاياتِ الحُدُودِ الخَفِيَّةِ

لِنِسَاءِ أَلفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةَ

وَحَدائِقَ مُعَلَّقَةً برّيشٍ مُلَوَّنٍ

وَمَرايا مُدُنٍ لازَوَرْديَّةٍ

وَطَيشِ عِشقِ وامِضٍ فينا

وَالآن

الآن

كُلَّما جاءَ الصَّيفُ

أَبحَثُ عَن ذلِكَ الطِّفلِ فيَّ!

أَجِدُهُ..

أَحيانًا

في رَائِحَةِ التّرابِ

أَو

في

طَعْمِ فَاكِهَةٍ ناضِجَةٍ

يُلوِّحُ

لي مِن بَعيدٍ

ثُمَّ

يَرْكضُ ضاحِكًا

وَراءَ

فَراشَةٍ

لا

تَشيخ

***

طارق الحلفي

 

يسكنُ البياضُ عليكِ كما لو أنّ الثلجَ اختارَ أن يتعلّمَ معنى الدفءِ من جسدِ امرأة. ولباسُكِ الأبيضُ... ليسَ قطعةَ قماشٍ، بل حارسُ بوّاباتِ النعيم، واقفٌ بكبرياءِ ملاكٍ يمنعُ العيونَ من الوصولِ إلى سرِّ الوردة الحمراء، كأنّهُ يحملُ مشعلَ الغرور في وجهِ عاشقٍ لا يملكُ سوى الدعاءِ ولغةِ القصائد.

*

يغارُ منّي، ويزدادُ التصاقاً بكِ كلّما مررتُ بخيالي على ضفافِ حضوركِ، كأنّهُ يعرفُ أنّ خلفَ بياضِه تنامُ ممالكُ الضوء وكنوز الاشتهاء، وأنّ قلبي منذُ رآكِ صارَ منفياً على حدودِ الأمنيات.

*

يحزُّ في فضّةِ جلدكِ حزّاً رقيقاً، فأحسبُ ذلكَ الأثرَ جرحاً نازفاً في خاصرةِ اشتياقي، وأتمنّى لو أنّ النسيمَ يُضمّدُهُ بقبلةٍ من عطرِ الربيع، لا أكثر.

*

وأرى ثقوبَ نسيجِه نوافذَ صغيرةً لا تُطلُّ على الجسد، بل على دهشةِ القلب، ثقوباً تعبرُ منها الفراشاتُ إلى حدائقِ روحي، فتتركُ في دمي مواسمَ من الضوء، وتغادرُ وقد علّمتني أنّ الحبَّ هو أجملُ أنواعِ الانتظار.

*

يا امرأةً كلُّ ما فيكِ يُربّي القصائدَ على الشغفِ النبيل، حتى لباسُكِ الأبيضُ يتحوّلُ في عينيَّ إلى رايةِ سلامٍ ترفرفُ فوقَ مملكةِ الأنوثة، ويعلنُ بصمتِه أنّ أجملَ الكنوز ليست تلكَ التي تُرى، بل تلكَ التي تجعلُ القلبَ يرتجفُ احتراماً قبل أن يرتجفَ عشقاً.

*

فدعيني أبقى على عتبةِ هذا البياض، لا أغزوهُ، بل أكتبُهُ، ولا أكسرهُ، بل أرفعُهُ إلى مقامِ الأسطورة؛ لأنّ بعضَ الأسرارِ خُلقتْ كي تبقى وردةً في حديقةِ الخيال، ولأنّكِ أنتِ... كلّما ازددتِ احتجاباً بالنور، ازدادَ الحبُّ في قلبي اشتعالاً.

***

بقلم: كريم عبد الله

بغداد - العراق

 

سنظل نهتف دائما ونردد

لما يزل فينا الزعيم الأوحد

*

عبد الكريم وفي القلوب مكانه

في كل يوم حبه يتجدد

*

زعم الزناة الفاسقون بأنهم

قتلوا الزعيم فخاب منهم مقصد

*

لن يُقتل الشرف الرفيع ولا الكرامة

والسماحة والحجا والسؤدد

*

لن يقتلوا في الشعب روحا شامخا

تهفو بأنفاس الحياة وتصعد

*

لكنهم هتكوا الصيام ببدعة

من شر ما أفتى شباط الأسود

*

قتلوا بنا أنقى وأصدق لحظة

وتجاهلوا عما يجيء به الغد

*

بغداد كعبة مجدنا ستظل شامخة

برغم جراحها تتبغدد

*

ونظل نشخص للسماء إذا بدا

قمر الزعيم وطلّ نجم أسعد

***

قصي الشيخ عسكر

صَفْراءُ زَقْزَقةُ النَدَى

جَمْرٌ يُعَانِقُ بُرْعماً قَدْ

غَاصَ فِي صَحْوِ الرِمالِ

معَ الصَدَى

نشَرَ احْتِراقَ الوَجْدِ

رِيْحاً ويَدَا

تَنقل الغَيْب إِلى جِهةِ اليَقين

فِيْكَ تُعْلنُ تَوبةً سَمْحاءَ

يَاعَصْفاً عَلى أَقْمارِ سَرْوِ تَآكُلي

الشَمْسُ تَضْرِبُ بالْدُفوفِ

والشُعَاع يَلِّفُ قَامَته عَلى خَصْرِ المَدَى

تَوَضَأت فِي نَهْر أَحْزاني

فعَادَ القَلبُ يَطْحنُ نَبْضَه

قَمْحاً

فتَنْقُرني عصافيرٌ

تَحطُّ بِغابةِ الأَشْعار

فِي غاباتِ عُمْري

تتَصيّدُ الحُبّ المُؤَدْلجَ

فَوْقَ شَاهِدَة الطَريقْ

وَفِي شَراييْني التِي رَاحَتْ

لتُطعمَ لَيْلَ أحْلامي

دُمُوع الساهرين

عَسَلُ الكَلام يَسيْلُ

مِنْ شَفتيْن

باردَتيْن

تلْتَهمان مَاحَمَلت

رِياحِ الشَوْق

مِنْ ريْقِ الغُيوم

وَأَصْحُو..

لأَجِدَ المَوَاسِمَ قَدْ جَفَّتْ

وَفَمِي

مَلِيءٌ بِالرَّمَاد!"

***

مرشدة جاويش

عندما كنتُ صغيرة

كنتُ أعتقد أن الله يتركُ بعضَ مهامه للأطفال.

أجلسُ بالساعات أمام قرى النمل،

أسرقُ من مطبخ أمي حفنةَ قمحٍ

أو شيئًا من فتات الدقيق،

وأوزّعه أمام تلك الممالك الصغيرة

بكل سخاء طفولتي

كنتُ أرى النملةَ تحملُ حبتها

كما يحملُ الفلاحُ مواسمه،

فتتعثرُ أحيانًا،

وتنهضُ أحيانًا،

وتختفي داخل شقٍ ضيق

كنتُ أتخيله مدينةً كاملة.

وأحيانًا،

كان قلبي يستعجلُ الزمن

والمسافة

فأمدُّ أصابعي المرتبكة،

ألتقطُ النملةَ وحملَها معًا،

وأضعهما قرب الباب.

كانت تدورُ حول نفسها

مذعورةً من معجزةٍ لا تفهمها،

وأظلُّ أحدقُ فيها طويلًا

وأشعرُ أنني أصلحتُ شيئًا

في نظام الكون.

عندما كنتُ صغيرة

أحببتُ القطط أيضًا.

كنتُ أجمعُها من الشوارع

كما تجمعُ الأمهاتُ أبناءها من البرد.

أبني لها بيوتًا من الكرتون،

وأمنحها أسماءً

وأقتسمُ معها الحليب

والخبز

وأحيانًا الوسادة.

كنتُ أظنُّ أن القلبَ بيتٌ كبير

يتسعُ للجميع.

لكن أبي

كان يرى في القطط

ما لا أراه.

وكانت المعاركُ الصغيرةُ تنشبُ بيننا

كلما عثر على ضيفٍ جديد

أخفيه في البيت.

كم بكيتُ يومها،

وكم عوقبتُ من أجل قطةٍ جائعة،

لكنني لم أتعلم يومًا

كيف أخونُ ما أحب.

الآن،

بعد كل هذه السنوات،

أفكرُ في تلك الطفلة

التي كانت تمنحُ النملَ قمحًا

والقططَ مأوى

دون أن تسألَ العالم

إن كان يستحق.

وأدركُ أنها

كانت تتعلمُ سرًا قديمًا:

أن الرحمةَ

ليست فضيلةً نكتسبها،

بل كائنٌ صغير

يولدُ معنا،

ثم يقضي العمرَ كله

محاولًا ألا يموت.

***

وفاء كريم الفرشيشي

 

حين يستيقظ الضمير

في لحظةٍ صامتة، اجتمعوا حول جدارٍ يتداعى، وكلٌّ منهم يترقب الآخر. بعضهم تراجع، وبعضهم تظاهر أنه لم يرَ شيئًا، لكن واحدًا فقط تقدّم، فوضع كتفه على الحائط، فاستيقظ الضمير في الآخرين، وتحوّل الصمت إلى فعلٍ جماعي أنقذ الأرواح.

**

سراب القضية

في ساحةٍ غمرتها الأحاديث، كان الأصدقاء يتحدثون عن قضيةٍ كبرى، يرفعون الشعارات ويطلقون الوعود. لكن حين اقترب الامتحان الحقيقي، تلاشى الكلام كسرابٍ في صحراء الغيرة، وتكشّف أن الصداقة لم تكن إلا ظلًا هشًا، وأن الحقيقة وحدها بقيت عارية أمام العيون.

كان الطريق يلتفّ بين الصخور كأفعى تتربّص بخطواتهم، وكل همسةٍ تتسرّب من بين الظلال كانت تترك في صدره ندبةً غامضة. لم يعد يعرف إن كان يسير نحو ضفةٍ جديدة أم نحو هاويةٍ أعمق. هناك، في صمت الجبال، اكتشف أن الحلم الذي حمله لم يكن سوى سرابٍ يتنازع عليه أكثر من ظل، وأن الصداقة قد تتحوّل في لحظة إلى سلاحٍ موجّه نحو القلب.

**

صرخة حية

في كهفٍ واسعٍ مسيجٍ بالصخور، تحوّل جوفه العميق إلى بحيرة بفعل السيول، فاصلاً بين الداخل والخارج. في الداخل، مجموعة محاصرة تغمرها المياه، تعيش في ظلامٍ دامس، تتشبث ببضعة أمتار يابسة في زاوية ضيقة، ومصابيح يدوية توشك على الانطفاء بعدما قارب عمر البطاريات على النفاد. وقد بان أن الوقت تجاوز حدوده، فأصاب البعض اليأس وكأنهم على يقين أن لا جدوى من الانتظار.

وفي الخارج، قلوبٌ يثقلها القلق، لكنها تتشبث بالأمل أن الحب سيهرع لإنقاذ النفوس قبل أن ينفد الزمن. انزوى بعضهم في بيوتهم متجاهلين كل شيء، بينما آخرون يهبّون حاملين مشاعلهم، لا ليضيئوا العتمة فحسب، بل ليضيئوا اليأس بتضامنهم. هناك، في صدى الكهف، تحوّلت الصرخة إلى اختبارٍ للضمير: من يستجيب، ومن يتجاهل.

وحين انبثق الفجر، بقي أثر الصرخة حيًا في القلوب، علامةً على أن الحياة لا تُقاس بالصمت، بل بالاستجابة.

*

هكذا، بين يقظة الضمير، وانكسار الصداقة، وصرخةٍ حيّة في العتمة، تتجلى جذور الحقيقة. فهي لا تنبت في الشعارات ولا في الصمت، بل في المواقف التي تكشف معدن الإنسان حين يُختبر.

***

كفاح الزهاوي

......................

* (ثلاث ومضات قصصية قصيرة جدًا، تتشابك كجذورٍ تنبثق من صخورٍ صلبة، تبحث عن ماء الحقيقة في أرضٍ قاحلة. في كل قصة، يتكشّف وجه الإنسان حين يُختبر: ضمير يستيقظ، صداقة تنكسر، وصرخة تواجه اليأس. هكذا تتجمع الخيوط لتقول إن الحقيقة لا تُرى في الكلمات، بل في المواقف التي تفضح ما وراء الأقنعة)... كانت هذه مقدمة المجموعة

كاهن البحر صار

رفيقا بأحجاره

وتأمل في غيمةٍ قدِمتْ من

مدار الكنايات

نوبة صمت تكاد

تكون الأخيرة...

يا طائرالاحتمال الوثيق

دمي نجمة سطعتْ

بأديم البحيرات

جاري القريب يغني لياليه

نمتُ قليلا

وبرق السماوات أيقظني

لكأني به جاء منفردا

وخطاه غصون

قد اكتهلت

إنها ظامئةْ...

لي مَراثٍ هوائية الكنه

دونتها أمسِ في خوذة صدئةْ.​

***

مصطفى معروفي

قِفْ حيثُ انتَ، إذا الجَّهالةُ نازَعَتْ

فالجّهْلُ في نظر الجهالةِ مِقْوَدُ

*

إنْ كان في التزويقِ تَنْفِيسُ حَسْرَةٍ

فالضرُّ باقٍ، والتكلّفُ مسْنَدُ

*

لا َيلْتَوي مَن كان للنفس رادِعًا

والنفسُ ما تهواه، عُسْرُه مُبْعَدُ

*

وإذا الإرادَةُ فَعّلَتْ خُطواتها

حَصَلَ المَرامُ، ولِلإرادة مَوْقِدُ

*

يبقى التّحسسُ، للنَّباهَةِ مَوْرِداً

وعلائمٌ له، في الخُطى تَتَرددُ

*

ولنَكْهةِ الإبداع، سِربٌ مُشْرِقٌ

مِن النّجوم، ولِلبلاغةِ مَوْعِدُ

*

قفْ حيثُ يدعوك الوِدادُ بصِدقِه

وتأمل المَعنى، فَللْفَحوى يَدُ

*

مَسْعاكَ في شَدّ الأواصِر نعمَةٌ

والفضلُ يُذكَرُ، والمحاسِنُ تَرفدُ

*

شوْقي الى صِيَغ السّلام بلَهْجَةٍ

مع عِفَّةِ العَزْفِ الرّصين تُرَدِّدُ

*

ما أكثر الصنْف الذين سَمعتهم

بالقول، والأفعالُ تَغْفو وتَجْمَدُ

*

لحنُ القريضِ، على صَداه تراقصَتْ

أوزانُ شعرٍ، والتكلف يَشْردُ

*

سألوا النخيلَ عن الرفيف بسَعفه

قال: الحمامُ وصوتُ سعفي واحد

*

يا مُرسِلا عبر البريد تحية

أدب النقاء، بلا جَناحٍ يَصعَدُ

***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

الفصل الثاني: من رواية قيد الانجاز

عادت ندى إلى دوامة عملها تحملُ في كفِها المنهكِ توصيةً طبيةً تشير بوضوحٍ الى معالمَ وهنها، وتستجدِي رفقًا بجسدٍ لم يعد يقوى على مجاراةِ نهمِ الآلات والتزامات حمل وتفريغ البضائع والأثقال.

استقبلها زملاؤها القدامى بدفءٍ إنسانيٍّ، كان ينسكبُ على روحها كبلسمِ شفاء. ذادوا عنها كلَّ مجهودٍ يفوقُ طاقتها، فارتسمت على محيّاها ابتسامةُ امتنانٍ كانت تظنُّها استهلالًا لفصلٍ من الطمأنينة.

بيدَ أنّ القدرَ كان يخبئُ لها في طياتِهِ انعطافة حادة... صدرَ قرارٌ جافٌّ بإغلاقِ فرعِ الشركةِ تقليصاً للنفقات، لتجدَ نفسَها منساقةً كطريدةٍ إلى فرعٍ آخر، يسبقه صيتُ القائمين عليه بتنمرٍ لا مثيل له، وبكراهيةٍ صِرفةٍ وعنصريةٍ تتغذى على إقصاء الآخر.

ما إنْ وطأت قدماها عتبةَ ذلك المكان الجديد، حتى شعرت بنظراتِهم التي تشبهُ نصالًا باردةً تخترقُ كيانها. كان مديرُ الفرعِ قد قرأ ملفَّها بعينٍ ملؤها الحقد. لم يرد ان يتغاضى عن شموخَها وعنفوانها حين انتزعت حقًا مستلبًا في شكوى سابقةٍ أمام النقابة. استقبلها بابتسامةٍ صفراء لا تعكسُ إلا رغبةً دفينةً في الانتقام، وبفجاجةٍ لا تعرفُ حسن الخطاب، ألقى في وجهها كلماتٍ كالسموم:

ــ يبدو لي أنّكِ لم تتلقّي تربيةً كافية، وهنا.. سأتولّى أنا تهذيبكِ.

صدمةُ الكلماتِ كانت أعنفَ من أن يتحملَها كبرياؤها ورقتها. انتفضت من تحتِ أنقاضِ الذهول، وقالت بصوتٍ حاولت جاهدةً أن تجعلهُ هادئًا وراسخًا:

ــ أهكذا إذن؟! لنرَ... ولتعلمْ أنّني هنا لأداءِ عملي وواجباتي المِهنيّة فقط، وليس لأيّ شيءٍ آخر، وليس لكَ أدنى حقٍّ في مخاطبتي بهذه الغلظة.

سخرَ من ثباتِها بضحكةٍ خاوية، ثمّ رمى نحوها بقائمةِ مهامٍ شاقَّةٍ كأنها حبلُ مِشنقةٍ يلتفُّ حول عُنُقِ يومها الأول، وقال بوعيدٍ وقح:

ـ سنرى مَن منَّا سيجرُّ أذيال الهزيمة.

مضت نحو واجباتها والدمُ يغلي في عروقها كالبركان، لكنَّها اعتصمت بهدوئها. وحين تقدمت زبونةٌ تطلبُ عونها بكياسة، أشرقَ وجهُ ندى بابتسامةٍ مهذّبة، وما كادتْ تمدُّ يدَ المساعدة حتى انقضَّت عليها صرخةُ إحدى العاملات كعواءِ ذئبٍ في سكونِ الفجر:

ــ هَيْ، أنتِ!

هذا ليس مكانكِ.. انصرفي إلى المخزن حيثُ مديركِ، وكفاكِ تسكعًا وتكاسلًا!

في تلك اللحظة، شعرت بالأرض تميدُ تحتها، فالإهانةُ أمام الغرباء كانت طعنةً في شغافِ خجلِها. انهمرت دموعُها رغمًا عنها، ففرَّت إلى الخارج تستنشقُ هواءً حُرَّاً يغسلُ رئةَ كرامتها المنتهكة، لكنَّ المديرَ لحِقَ بها بصراخهِ العالي، ليشهدَ القاصي والداني على فصولِ تَنَمُّرٍ لم تشهد لها مثيلًا في أقسى كوابيسها.

عادت للداخلِ وهي تُهمسُ لنفسها بكلماتٍ حازمة عن الصبرِ والتجاهل، لكنَّ مرارةَ اليومِ كانت قد سمَّمت بدنها تمامًا.

عادت ندى إلى البيت في ساعةٍ كانت المدينةُ فيها توشك أن تغرق في أولى سدول سكونها، كأنَّ الليلَ وحدهُ من يفهمُ ارتجافَ الأرواح المُنهكة. دفعت الباب بيدٍ مرتعشة، تتوكأ على ما تبقَّى من صبرها، فاستقبلها صمتٌ قارس يشبهُ وحشة المقابر. كان زوجها غارقًا أمام شاشة الحاسوب، يحدّدُ خطوطه في أوراق المقامرة والمضاربة الإلكترونية بعينين جافتين، كأنَّ العالمَ لا يضيقُ إلا بها، وأنَّ انهيارَها لن يحدثُ الا في غيابة مكانٍ سحيق لا يعنيه. لم يلتفت إلى زرقة غرزات العملية التي لا تزال توشم كتفها، ولا إلى وجهها الذي بدا كمدينةٍ اجتاحتها الحروب.

وقفت لحظةً تتأمله، بغضبٍ متلفع بذلك الفتورِ المُرِّ الذي يولدُ حين يموتُ العتاب. شعرت أنّ المسافة بينهما باتت تقاس بأعوامٍ من البرود والخذلان المتراكم. انسحبت إلى غرفتها بخطواتٍ خافتة، كأنها تخشى أن تسمع نفسها وهي تنهار. ما إن أغلقت الباب حتى انفجرت مدامعها دفعةً واحدة، دموعًا حارّةً كأنها تُذيب ما ران على روحها من قذارةِ العنصرية والخوف والقلق في العمل، والبرودة واللوم واللامبالاة في البيت. كانت ترثي كبريائها، فالإنسان حين يُطعن في كرامته يصبح البكاء آخرَ ما يثبت أنه ما زال انسانا.

وفي الصباح، أعلن جسدها تمرّده الكامل. استيقظت كمن يحملُ صخرةً فوق صدره، عاجزةً حتى عن رفع رأسها. قال الطبيب بعد صمتٍ طويل إنَّ الجرح لم يقتصر على الكتف فقط، فقد امتدَّ عميقاً داخل الروح، في تلك المنطقة المعتمة التي تُخزّن فيها الصدمات بصمت. منحها إجازةً مرضية لأسبوع، وأوصاها بعلاجٍ نفسيٍّ عاجل، بعدما رأى في عينيها ذلك الانطفاء الذي لا تُخفيه المسكنات.

باتَ الخيارُ الوحيدُ المتبقّي أمامَ ندى هو اللجوءُ إلى نقابةِ العمال، رافعةً مظلمتَها ضدَّ غطرسةِ مديرِها ومن يلوذُ به من أعوان. وحينَ هاتفتِ النقابةَ يحدوها خيطُ أملٍ واهن، ارتطمَ صوتُها برَدٍّ جافٍّ:

ــ عليكِ بالصبرِ أشهراً طويلةً حتى يُدرجَ اسمُكِ في جدولِ المظالم.. وحين يأتي الميعاد، ستواجهينَهُ وجهاً لوجه لتدلي بكلمتِكِ الأخيرة.

وسرعانَ ما انقطعَ الاتصال، لتجدَ ندى نفسَها تُنزلُ الهاتفَ بنفَسٍ مخنوق، مستشعرةً أنَّ العدالةَ ذاتَها قد استقالتْ من هيبتِها، لتجلسَ خلفَ مكتبها البيروقراطيٍّ المتهالك، تُكدّسُ أوجاعَ البشرِ وتؤجلُ مصائرَهم كما تُرجأُ المعاملاتُ المنسيةُ في غياهبِ الأدراج.

صار الانتظار امتحانًا يوميًا لصلابتها. تذهب إلى العمل بوجهٍ شاحب، تؤدي ما عليها بآليةٍ مُرهقة، ثم تعود محمَّلةً بضجيج الداخل، كأنَّ حياتها تحولت إلى ممرٍّ طويل بلا انوار او نوافذ.

توالت الأيام ثقيلةً كأحجارٍ تُلقى فوق صدرها. في العمل، كانت نظرات التنمّر وافواهه تلاحقها كالإبر، وفي البيت كانت الوحدة تنمو حولها مثل نباتٍ بريٍّ بين الجدران. شيئًا فشيئًا، بدأت تتداعى من الداخل. صارت جلسات العلاج النفسي بالنسبة لها النافذة الوحيدة التي يتسلل منها هواء أقل اختناقًا. هناك، كانت ترى نفسها امرأةً أرهقتها معارك النجاة الطويلة، واستنزفتها أعوام الركض الدائم هربًا من الانكسار، تحمل من الجراح ما يفوق مجرد توقها إلى الشفاء.

أما زواجها، ذلك البناء الذي ظلَّت سنواتٍ ترمّم شقوقه بالصبر، فقد كان ينهار بصمتٍ لا رجعة فيه. وحين واجهت زوجها بعد تردد بطلب الانفصال، استقبلها بوجهٍ خالٍ من الدهشة والحزن، تتسيّده لامبالاة قاسية تقتل أكثر مما تفعله الخيانة نفسها. ثم جاء اليوم الذي غادر فيه... وقف الأبناء إلى جانب أبيهم، مدفوعين بارتباكهم وخوفهم، وربما بعجزهم عن فهم أمٍّ تتداعى أمام أعينهم. عندها شعرت ندى بأن وحدتها قد اكتملت، وأنها أضحت محاصرة بأقرب الناس إليها.

ومع ذلك، لم تمت فيها الرغبة في النجاة... اقترح طبيبها والمعالجة النفسانية إرسالها إلى مصحَّةٍ لإعادة التأهيل، بناءً على تقاريرٍ تشرح تدهور حالتها. وافقت، لأنها كانت بحاجة إلى هدنةٍ قصيرة مع العالم، إلى مكانٍ لا تضطر فيه كل صباح إلى ارتداء قناع المجابهة.

شيئًا فشيئًا، بدأت تستعيد خيوط نفسها. عادت تتواصل مع زملائها القدامى، أولئك الذين ظلّوا أوفياء لصداقتها وإنسانيتها. كانت لقاءاتهم تمنحها شعورًا خافتًا بالأمان، فيما أكَّد كثيرون استعدادهم للشهادة معها أمام النقابة. عندها فقط استبشرت، بأنّ الشرّ، مهما علا صوته، لا يستطيع أن يُخرس الجميع.

وبذكاءٍ ولد من رحم الألم، بدأت تسجّل سرًا كل ما تتعرض له من تنمّر وإساءة في العمل. كانت تعرف أنّ المعتدين بارعون في الإنكار، وأن الذاكرة وحدها لا تكفي لإدانة القسوة. وهكذا، راحت تجمع أدلتها بصبرٍ يشبه صبرَ الناجين من الحروب، أولئك الذين يتعلمون، بعد كل خراب، كيف يلتقطون بأيديهم المرتجفة ما تبقَّى من حياتهم ليبدؤوا من جديد.

تابع

***

سعاد الراعي

 

كانت تلك الصناديق الخشبية التي عادت ذات يوم، تحمل على أكتافها أسماءً كانت يومًا حيّة، أسماءً لم يمحها الزمن؛ فقد دُفنت قلوبنا معهم، ولم يفارقونا يومًا، إنهم فقط بدّلوا مكان إقامتهم.

لكن الحكاية الأكثر قسوة لم تكن حكاية الراحلين، بل حكاية أولئك الذين حالفهم القدر بالنجاة من رصاصات الأعداء وشظاياهم.

خرجوا من أرض المعركة أحياءً، لكنهم عادوا بلا أسماء، بلا ذاكرة، وبملامح ممحوة لا تدل على شيء من بداية الحياة؛ كانوا أولئك الذين احتُجزوا هناك، في زنازين العدو المظلمة.

خلف تلك الجدران الرطبة، وفي الحُجَر الضيقة المعزولة عن ضوء الشمس، دُفنت هوياتهم .. انتُزعت أظافرهم..  واقتُلعت أسنانهم.. وعادوا بأصابع خشنة مشوهة..  حتى إن بعضهم فقد عقله تحت وطأة التنكيل، وصار الجنون مأواه الأخير للهروب من واقع لا يُحتمل.

في مطلع التسعينيات، فُتحت البوابات وعاد الأسرى، لكن العودة لم تكن شفاءً؛ كانت مواجهة صادمة مع زمن تحرّك سريعًا في الخارج، بينما تجمّدوا هم في العتمة.

في ساحة المدينة الأم، كان الجميع في الانتظار..  كلٌّ منهم يحمل في صدره ذاكرةً غضّةً حيّة لم يغيّرها الغياب، ويترقب ملامح قديمة تشبّث بها لسنوات.

وقفت الأم تبحث بين الوجوه عن الفتى الذي غاب عنها في مقتبل العمر، وحين التقيا، صدمها شيبٌ أبيض كثيف يغطي لحيته، وعينان ذابلتان انطفأ فيهما بريق الحياة ومن هول الصدمة أمام هذا الكهل الذي صار إليه ابنها، ذهل عقلها، ونسيت تمامًا أن تخبره بالخبر الذي ظلّ حبيس صدرها سنوات طويلة: أن والده قد توفي.

وبالقرب منها كانت تقف الابنة الكبرى؛ تلك التي غادرها والدها وهي طفلة واعدة كانت تنتظر هذه اللحظة لتخبره أنها أوفت بوعدها القديم، وأصبحت طبيبة، وأنها تزوجت، وأن له الآن أحفادًا..  لكن الكلمات تجمدت على شفتيها أمام نظراته الفارغة التي لم تدرك من تكون.

أما الزوجة..  تلك التي كانت في كل مساء تعطّر خصلات شعرها بعطر الياسمين الذي يحبه، تيمّنًا بليلة اللقاء، فقد وقفت كغريبة تفوح منها رائحة الذكريات، دون أن يوقظ العطر في روحه الساكنة أي أثر.

وفي خطوة متثاقلة تقدم الأب الذي فقد بصره من طول البكاء..  لم يكن بحاجة إلى عينيه ليعرف ابنه؛ امتدت يداه المرتعشتان لتتحسسا وجهه، وتحركت أصابعه فوق وجنتيه، لتصطدم بتجاعيد خشنة وعميقة حُفرت تحت العينين؛ تجاعيد غريبة على عمره، لكنها تختزل كل العذاب الذي مرّ به.

ولم تكن بعيدة عنهم ابنة الجيران، التي أضناها انتظار السنين على عهد الطفولة. غطّى الشيب رأسها، وحاصر السواد عينيها من طول السهر والترقب، لتجد أن من انتظرته لم يعد يذكر حتى اسمها.

كان الجميع ينتظر بلهفة؛ لأنهم يتذكرون، لأنهم يحملون تفاصيل الماضي، ويظنون أن العائدين يشاطرونهم تلك الذاكرة..  لكن في لحظة اللقاء الحاسمة، خاب الأمل، وتلاشى الحلم.

لقد اكتشف الجميع أنهم لم يستعيدوا أحباءهم الذين يعرفونهم، بل استعادوا أمواتًا أُجّل موتهم ليس إلا؛ عادوا بذاكرة خاوية، لا تحمل سوى ندوب كثيرة في الجسد تأبى أن تُمحى، وخدوش غائرة في الروح لا يستطيع أي علاج أن يخفف من وقعها.

حينها..  كان صاحب العيون السومرية قد غادر الحياة، وتوقفت الحكايات، ولم يعد لذلك الدار أملٌ في عودته.

تجمدت الأبواب، ولم يعد يطرقها سوى الريح، تلامس أنفاس الفراتية البيضاء، وهي تراقب مشهد المدينة من نافذتها المطلة على تلك الساحة الأم؛ الساحة الكبيرة التي شهدت دموع الجميع منذ بداية الحرب، واستقبلت الصناديق والأسرى.

لكن الساحة مثل قلوبنا، لا تحتفظ بكل ما مرّ بها..  تمرّ عليها الذكريات كما تمرّ الريح على وجه الماء؛ تترك أثرًا للحظة، ثم تمضي.

ففي المكان ذاته الذي انكسرت فيه أصوات الأمهات، وانتظرت فيه العيون وجوه العائدين، كان أولاد المدينة يركضون كل يوم، يتقاذفون كرة القدم، وتتردد ضحكاتهم وخلافاتهم الصاخبة، ويقف الحكم المنحاز لابن المختار ليقسم بأن فريقه هو من سجل الهدف، رغم أن عيون الجميع رأت التسلل الواضح.

وهكذا بقيت الساحة شاهدةً على كل شيء؛ على من رحلوا، وعلى من عادوا ولم يعودوا كما كانوا، وعلى قلوبٍ تعلّمت أن تواصل الحياة فوق طبقاتٍ من الذاكرة المنسية.

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

عَــيْــنَاكِ أَسْــئِلَةٌ تُــرِيدُ جَــوَابَا

فَــعَلَامَ تُــغْلِقُ لِــلْهَوَى الأَبْوَابَا؟

*

أَخْــفَتْ بِــمَكْرٍ لَــوْعَةً وَصَبَابَةً

فَفُضِحْنَ حِينَ الدَّمْعُ مِنْهَا انْسَابَا

*

ظَــنَّتْ بِــأَنَّ الــكِبْرِيَاءَ يَصُونُهَا

وَبِــأَنَّــنَا لَا نَــعْــرِفُ الأَسْــبَابَا

*

مَــــا لِــلْــجُفُونِ الــنَّــاعِسَاتِ

كَــأَنَّهَا كَــتَبَتْ بِأَيَّامِ البِعَادِ كِتَابَا

*

يَــرْوِي فُصُولاً مِنْ حَنِينٍ مُوجِعٍ

وَيَــصُبُّ فِي كَأْسِ الحَبيبِ عِتابَا

*

كُــنَّا كَــرِيشٍ حَــرَّكَتْهُ زَوَابِــعٌ

هَــلْ يَــسْتَقِيمُ بِأَنْ نَعِيشَ سَرَابَا؟

*

يَا مَنْ حَجَبْتِ النُّورَ عَنْ مِحْرَابِنَا

هَــيَّا نَــعُودُ وَنَــدْخُلُ الــمِحْرَابَا

*

قَــلْبِي يَــدُقُّ عَــلَى جِدَارِكِ لَهْفَةً

فَــتَــلَطَّفِي، لَا تَــتْرُكِيهِ مُــصَابَا

*

فَــالحُبُّ سُــلْطَانٌ إِذَا نَادَى النِّدَا

جَــعَلَ الــقُلُوبَ العَاصِيَاتِ تُرَابَا

*

فَــافْتَحْ لِأَنْــسَامِ الــوِصَالِ نَوَافِذًا

وَاجْــعَلْ حَدِيثَ العَاشِقِينَ شَرَابَا

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

في نصوص اليوم