عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

ظلت شمس الصيف تجوس

خلال الشارع

والباعة في السوق لهم صخب

سال غزيرا

يسكب في لآذان دلاءَ سباب

وحوارا عيناه فارغتان

ولكنَّ الرجل المطليَّ بمنسوب كآبته

بمآقيه صهاريج عذاب

الأولاد مضوا في درب الغربة

هاهم وقد اندلقوا في المدن النائية

وأما الزوجة فلدى الباب الذاهل

لم تعد اليوم كما اعتادت تلقاه

على خاصرة الشارع ناء بكلكله الهش غريبا

بين يديه رغيفْ

يتقاسم منظره مع أعمدة مجهدةٍ

للنور المتساقط فوق الأرض

وقط يخطو متئدا

وبقايا أشلاء رصيفْ.​

***

مصطفى معروفي

يا حبيبتي.. هل نسيتِ ذلك الزمانَ الذي كنتُ فيه أمينَ سرِّ الربيع، أوزِّعُ على صباحاتكِ ألوانَ الثياب، فلا أختارُ لكِ لونًا، بل أختارُ للضوءِ الهيئةَ التي يليقُ بها أن يجاورَ وجهكِ؟

*

أما تذكرين قميصَكِ الأخضر؟ ذلك الذي كان يشبهُ غابةً صغيرةً هربتْ من قلبِ الأرض لتسكنَ كتفيكِ. كنتُ أضمُّ أزرارَه واحدًا.. واحدًا.. كأنني أجمعُ خرزاتِ عقدٍ تناثرَ من عنقِ نجمة، وأخشى أن يضيعَ من العالمِ شيءٌ من جمالكِ. ثم أبتسم.. فما كان الزرُّ يغلقُ قميصًا، بل كان يؤجِّلُ دهشةَ قلبي ثوانيَ أخرى.

*

وحين تمتدُّ يدي إلى سحّابِ ثوبكِ، لم تكن يدي تُحرِّرُ قماشًا، بل كانت تزيحُ ستارةَ مسرحٍ سماويٍّ، ليطلَّ منه ذلك الجسدُ الذي كانت الأساطيرُ تستعيرُ منه معنى الاكتمال. كنتُ أنظرُ إليكِ كما ينظرُ الرسّامُ إلى لوحتهِ الأخيرة، خائفًا أن يعجزَ اللونُ عن ملامسةِ المعجزة.

*

وهل نسيتِ كيف كنتُ أبحثُ عن عطرٍ لا ينافسُ أنوثتَكِ، بل يركعُ أمامها؟ كنتُ أختارُ لكِ رائحةً إذا مرَّتْ في الهواء، أحسستُ أن روحي تخلعُ عنها غبارَ العالم، وتدخلُ حدائقَ الملكوت. وكان عطركِ كلما اقتربَ مني، أسمعُ الملائكةَ تتبادلُ أخبارَ الأرض.

*

وهل نسيتِ كيف كنتُ أبحثُ عن الحذاءِ الذي يليقُ بقدميكِ الصغيرتين؟ لم يكن حذاءً.. بل آلةً موسيقيةً تُترجمُ خطواتكِ إلى نغمات. وكان الرصيفُ كلما مررتِ عليه، يتحوّلُ إلى بيانو، وتصيرُ المدينةُ أوركسترا تعزفُ لأجلِكِ وحدكِ أجملَ سمفونيةٍ عرفها الوجود.

*

أما شفتاكِ.. فكانتا وردتينِ تعلّمتا من الفجر حياءَه. وكنتُ أبحثُ عن اللونِ الذي لا يزيّنهما، بل يستأذنُهما ليولدَ عليهما. فما كان أحمرُ الشفاه يزيدُهما فتنةً، بل كان يستعيرُ من ابتسامتكِ معناه.

*

ووجهُكِ.. يا معجزةَ الضوء.. كم مرّةً مررتُ عليه بأنفاسِ عشقي، لا لأمسحَ عنه غبارَ يوم، بل لأوقظَ النورَ النائمَ في مسامِّه. فكان وجهُكِ كلما لامستهُ أنفاسي، يتلألأ كما لو أن الفجرَ اتخذَ من بشرتكِ وطنًا أبديًّا، وكأن الليلَ كلما أقبل، أشعلَ في ملامحكِ قناديلَهُ السرّية.

*

يا حبيبتي.. أنا لم أكنْ أختارُ لكِ ثوبًا، ولا عطرًا، ولا حذاءً، ولا لونًا، ولا ألمسُ تفاصيلَكِ كما يفعلُ العابرون.

*

كنتُ أكتبُكِ.. قصيدةً بحروفٍ من ضوء، وأرتّبُ تفاصيلَكِ كما يرتّبُ اللهُ أجنحةَ الفراشاتِ قبل أن يهبَها نعمةَ الطيران.

*

فهل نسيتِ؟ أم أن الذاكرةَ حين تخافُ من شدّةِ الحبِّ، تتظاهرُ بالنسيان.. بينما يظلُّ العاشقُ وحده يحفظُ حتى ارتعاشةَ الضوء حين كان ينامُ على كتفيكِ؟

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

 

اَلِاحْتِمَالَاتُ اَلَّتِي تَزْدَادُ كُلَّمَا

أَقُولُ إِنَّنِي

سَوْفَ أَكُفُّ ذَاتَ يَوْمْ

عَنْ كَشْفِ مَا أَرَاهُ مِنْ غموضها

عَنْ رَصْدِ مَا أَرَاهُ مِنْ نِكَايَةٍ وَلَوْمْ

اَلِاحْتِمَالَاتُ اَلَّتِي تَأْسِرُنِي

تَتْرُكُنِي

أَضِيعُ فِي دُرُوبِهَا

تُلْزِمُنِي

أَنْ أَحْتَمِي بِظِلِّهَا

وَأَقْتَفِي مَسَارَهَا

**

اَلِاحْتِمَالَاتُ اَلَّتِي تَزْدَادُ دُونَ حَدّ

تَتْرُكُنِي أضِيعُ بَيْنَهَا

مُرْتَبِكًا مُنْشَدِهَا

لَكِنَّنِي

فُوجِئْت أنَّكِ

اِنْبَثَقْتِ دُونَهَا

صِرْتُ أَرَاكِ تُبْعِدينَ ظُلْمَتِي

وَتَطْرُدِينَ وَحْشَتِي

فقُلْتُ يَا سَيِّدَتِي

اِمْسَحِي دُمُوعَ وَحْدَتِي

وَاسْتَبْدِلِي أَدْغَال غَابَتِي

بِالْوَرْدِ وَالزُّهُورِ يَا حَبِيبَتِي

لَكِنَّكِ

لَمْ تَسْمَعِي إِلَيّ

فَظَلَّتْ اَلْأَحْزَانُ تَرْتَوِي

مِنْ دَمْعِ مُقْلَتَيّ

***

شعر: خالد الحلّي

مرافئ مهجورةٌ

ونوارس موْتورةٌ.

ومقهى بلا عبق،

لا صوانَ ولا أقحوانَ.

وبين ضلوعي

صفيرُ هشيم وهمسُ رضيع.

وليل بصدري،

يُراود صبري ويحرق ضلعي.

فأغسل وجه الرّبيع

بملح الْمآقي وروْعي،

عساه بفيْض الضّياء يُطلُّ،

فيزهر جوعي.

وفي مقلتيَّ

خيالات عوْسجة وصقيعٍ.

وفي مقلتيَّ

مراقصُ نرجسةٍ وهزيعٍ.

**

مرافئ مهجورة

ونوارس موتورة.

ومقهى بلا عبق،

لا صوانَ ولا أقحوانَ.

ويملؤني نوْح فوْضايَ

أزمنةً ودجًى.

يُسفِّرني بوْحُها

بين عسعسةٍ ولظًى.

وأبحث في صفحات اللّيالي

عنِ الْقَمَرْ.

فيحضُرُني خببُ الْخيْلِ

حينا مِن السّفرْ.

ويمتلئ الْقاع

ألجمةً وبقايا شراع،

وفيه جراب

وطيْر يلازمه صدأٌ.

**

مرافئ مهجورة

ونوارس موتورة.

ومقهى بلا عبق،

لا صوانَ ولا أقحوانَ.

*

وفي شرفة الْقاع

صفصافة وبنفسجة.

وفيها مرابطُ خيل،

ورملٌ وأجنحةٌ.

وليالٍ بها جشعٌ

تحتسي عطرَ أغنية.

وفيْضُ نشيج جوارَ الْخليجِ

يُغشّي الرّؤَى.

فترسم أجنحةُ الحلم مَسْرايَ

أخيِلةً…

وينسِجُ ريشُ الخيال لِفوْضايَ

أشرعةً.

وبين جفوني

يمورُ

رمادٌ وسنبلةٌ وأقمصةٌ

ونُهورٌ تنوءُ بأسئلة.

وطوْقٌ مِن الْياسمين

تَسَوّرَ كفَّ الْمدى،

مثلَ أعطاف نخلٍ

يُعَطِّرُها وَهَجُ الشّنفرى.

فتعزف مجدا

جدائلُ تلك الّتي اِصطبرتْ.

ويَبْرُقُ وجهُكَ يا وطني

سَوْسَنًا وهَوًى.

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي - تونس

تغفو المدينة على أنغام ناعمة هادئة، وتنام مطمئنة على ذراع النهر.

هطلت ذات ليلة امطار غزيرة، لم تستوعبها السدود، فاض النهر، واندفعت السيول في الشوارع، تطارد الكلاب السائبة، والسكارى العائدين لبيوتهم، وتفسد عمل دوريات الشرطة المتصيدين لبنات الليل، إنقلبت أحلام النائمين الوردية الى كوابيس رمادية.

سمفونية ما بعد منتصف الليل، تصمت قبيل شروق الشمس  بساعة، بتوقيت دقيق صممه موسيقار المدينة السيد أبستين، مؤلف السيمفونية الفريدة في إبداعها، وفوائدها المدهشة حيث انها ترخي أجفان الذين يعانون من اضطرابات النوم، التي لا تنفع فيها أقوى الحبوب المنومة، ولا حتى الكؤوس المترعة بالخمرة، وهؤلاء هم القلة الفاحشة الثراء الذين يعانون من الأرق المزمن، ولا تزيد نسبتهم عن واحد بالمئة من سكان المدينة، فكان لها تأثير مدهش عليهم، تجعلهم يحلمون بجزر  اسطورية كالجزيرة العذراء في البحر الكاريبي، او بملاعب للغولف على سطح القمر  أو المريخ، بينما لم يستفد منها الفقراء  بشيء يذكر، لأنهم كانوا يرتمون كالأطفال بأحضان النوم، وهم يمضغون لقمة العشاء الاخيرة، ويصحون مبكرين كالعصافير، لأعمالهم اليومية، كانوا احيانا يحلمون ايضا، بعد يوم عمل شاق  مرهق، ولكن ليس كما يحلم الطوباويين بالمدن الفاضلة، فالفقراء خاصةً  يحلمون بمدينة نظيفة، ليست كمدنهم التي يحشرون فيها بأحياء  فقيرة، مكتظة بالناس، وتعج بالذباب والأطفال القذرين، وتنتشر فيها الروائح الكريهة، وإنما يحلمون في المدينة الام الرؤوم، الحانية على ابنائها كلهم على السواء دون تمييز، صحيح ان هذا الحلم لم يتحقق بعد، لكن تحقيقه ليس مستحيلاً في المستقبل، فقد فكر به فلاسفة إنسانيون، شعراء وفنانون، وكان أيضا حلم الأنبياء. ولما كان تحقيقه قريبا بعيد المنال، لذا الف الموسيقار أبستين، ابن المدينة العبقري،  قطعة موسيقية للخواص، تنساب كخرير الماء فوق حصى جدول رقراق، عذبة ساحرة، تجلب النعاس وتغمر المدينة بالقبل الدافئة، وتقديرا لعمله العظيم، أقيم  له تمثال في مركز المدينة كما يقام للعظماء، ومن هناك من جوفه  تبث الأنغام الساحرة،  وفق نظام إلكتروني دقيق التوقيت، ولكن الموجة الكبيرة التي داهمت المدينة احدثت تشويشا كبيرا على الذبذبات الصوتية، فانقلبت الأحلام الى كوابيس مزعجة، كما انها عبثت بالمنازل، وجرفت البضائع الموجودة في المحال التجارية، ومراكز التسوق الكبيرة، احدثت اضرارا كبيرة باقتصاد المدينة، اجتمع مجلس المدينة، ودار نقاش حاد بين أعضاءه، شن ممثل الأحياء الغنية هجوما على الموسيقار وطالب بازالة تمثاله، بسبب الخراب الذي لحق بأحيائهم الراقية، بينما سكت ممثل الأحياء الفقيرة، لأن الموجة قامت بتنظيف  أزقتهم ونقل نفاياتها للأحياء الراقية، وبذلك أسدت لهم خدمات كبيرة، لم تقم البلدية بمثلها من قبل، كان مفكر المدينة أرقًا كعادته ومتوعكا أيضا في تلك  الليلة المشؤومة،  نظر من غرفته بالطابق الرابع في العمارة المشرفة على مركز المدينة، حيث ينتصب تمثال الموسيقار المشهور، فرأى حمالات صدر وكلوسونات نسائية معلقة على ذراعيه بدا كأنه بائع يعرض بضاعته، اخذت المفكر  نوبة ضحك هستيري أفقدته الوعي، فسقط من فراشه مغشيًا عليه، وفي صباح اليوم التالي وجدوه ميتًا .

***

صالح البياتي

تَنْأى بِيَ الذكرى وشوقي غامِرُ

وبَريقُ حَرْفك في الجّوَى يَتَسامَر

*

ورَفيفُ أَجنحةِ القريضِ له صَدَىً

في الليل يسْرقُ غَفْوَتي ويُساهِر

*

وأَبُثُّ مِنْ شوقي ، بقافيةٍ إذا

عَزَّ اللقاءُ ، مع النسيمِ تُسافِرُ

*

أفَكُلما وَسَنٌ يُغازِلُ مُقْلتي

تَغْزوهُ نَسْمَةُ يقظةٍ فيُغادِرُ

*

وإذا رَقَدْتُ فَمنْ مَحاسِن رقْدَتي

حُلُمٌ به وَزْنُ القصيدةِ  عامِرُ

*

وإذا ارتَقى المضمونُ صَوْبَ عَلائه

يحلو النشيدُ بوَقْعِهِ ويُجاهِرُ

*

ينسابُ من رَوْضِ البراعَة بُرْعُمٌ

أحْلى صفاتٍ فيه انه زاهرُ

*

فإذا البيانُ مع البديع تواجَدا

فَلِرِحْلَةِ النظم البَليغِ تواترُ

*

ولِصورة الوصفِ الأنيقِ مَعالمٌ

تبدو اذا أذِنَتْ لذاك مَشاعِرُ

*

إنَّ التَفننَ في الكلام مواهبٌ

يسمو بها منْ في التجارب ناظِرُ

*

يبقى رَصيدُ المفرداتِ مُوافيا

للإنتقاءِ ولونُ حرْفِه ناضِرُ

*

إشراقةُ المعنى دَليلُ تَبَصُّرٍ

ورشاقةُ الألفاظِ حَرفٌ قادِرُ

*

أوْسِعْ خيالاً في رُؤاكَ تألُّقاً

فالشِعرُ دون تخَيلٍ يتناثرُ

*

وإذا شَمَمْتَ العِطرَ في أرْدانهِ

وعَلاكَ ضوْءٌ في القوافي سائرُ

*

ألِّفْ له لحْنَ التفوّقِ عازِفاً

واسْتوْحي ما يَعلو به ويُفاخِرُ

*

إنّ التبحُّرَ في جمالِ بُحُورِها

خَلْقٌ لإبداعٍ .. لديه بوادِرُ

*

وإذا عَلا الأغصانَ طائرُها شدا

دُرَرا بها عَبقُ البلاغةِ زاخرُ

*

تُهدَى لمن يبغي المعاليَ منهجا

فيه التعففُ والإباءُ سرائرُ

***

(من الكامل)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

مذ زُفّتْ

والجهة عراء

لم تخضّب بمسكٍ

ولا بريحان

تلك الماكرة اكتفت

بغرس خنجر في جثة معلّقة

ومضت.

**

ومضت في البعيد غيمة

تسوّف الجود

وما في قربة الشاعر العاشق

سوى القليل من الراح

فهذا الكائن

منذ زمن بعيد

اغتال طوعا

ــ في جحيم أدغاله ــ

أصوات القوافل التي تأخذ

من غير أن تعطي،

وحطّم البوصلة

وأقام في المعنى الذي

تختزله الصعلكة النبيلة

فقط،

هذا الكائن

وقد اغتدى مسخا

لا ترصده المرايا

أقسم أن...

في قلوب العذارى

يفتح بابا

ويوصد آخر

وفي آخر محطاته

ملء الغبن

نام.

**

هذا الكائن نام

لتتبرعم من بعده

لعنة

تتحين فرصة إحراق هذا العالم

والدفع به

رويدا رويدا

للاستحمام

في نور أبدي.

***

أحمد الشيخاوي - شاعر من المغرب

كنا نظن أن الزمن لعبة.

نرميه في الهواء

فيعود إلينا على هيئة كرة صغيرة

نضحك حين تصطدم برؤوسنا

ثم نركض خلفها حتى آخر الشارع.

*

الزمن يومها

كان طفلا أكثر منا.

يجلس على حافة السرير

يحرك قدميه في الفراغ

ويخفي عقاربه تحت الوسادة

كي لا تعرف أمه أنه تأخر.

*

نفتح أعيننا صباحا

فنجد الشمس جالسة إلى جوارنا

تأكل قطعة خبز مغموسة في الشاي

وتحذرنا من أن نكبر.

لكننا لم نكن نسمع.

*

كان الصباح يمد يده إلينا

نصافحه

فتَعلَقُ في أصابعنا رائحة الطفولة.

*

في ذلك الوقت

كانت الأشجار

أطول من أعمارنا بقليل

والريح تسرق قمصاننا من الحبال

ثم تعيدها إلينا

بعد أن ترتديها في الليل.

*

حتى الموت

كان يبدو مثل رجل غريب

يقف عند آخر الزقاق

لا يعرف عنواننا.

*

كنا نظن

أن الأبواب لا تتعب من فتح نفسها

وأن البيوت ستظل واقفة

حتى لو غادرها الجميع

وأن الكراسي ستتذكر أجسادنا

كما يحتفظ الماء بصورة القمر.

*

كنا نضحك.

يا لها من حماقة جميلة!

نضحك

لأننا لم نكن نعرف أن الضحك نفسه

يملك ساعة صغيرة

تدق في مكان لا نراه.

*

في ذلك الزمن

كانت أيدينا صغيرة

لكنها كانت قادرة على حمل العالم.

*

ثم كبر العالم.

أو ربما

كبرت أيدينا خطأ.

لا أحد يعرف.

*

كل ما أعرفه

أنني ذات صباح

بحثت عن الطفل الذي كنت عليه

فوجدت حذاءه القديم تحت السرير.

كان الحذاء مليئا بالتراب.

*

وحين انحنيت لأشم رائحته

سمعت الزمن يضحك من الخزانة.

ضحك طويلا.

ثم قال:

لقد انتهت اللعبة.

لكنني لم أصدقه.

وما زلت أبحث عن الكرة.

2

صار الزمن يزورنا

من دون أن يطرق الباب.

يدخل حاملا كيسا من الخبز

يجلس إلى المائدة

ويبدأ في تقشير أعمارنا

كما نقشر برتقالة.

*

لم نكن نراه.

كنا نراه فقط

حين يترك قشور السنوات على الأرض.

في البداية

ظننا أنها أوراق شجر.

ثم صرنا نكنسها من أمام أبوابنا.

*

كانت أمهاتنا

يضعن أعمارنا في جيوب بناطيلنا

كي لا تضيع في الطريق.

لكن الأعمار مثل القطط

كانت تعرف كيف تهرب.

*

كبرنا ونحن نركض.

ركضنا خلف الحافلات

خلف الوظائف

خلف النساء اللواتي كن يتركن عطرهن

معلقا في الهواء

مثل قبلةٍ

بقيت رائحتها على الباب

بعد أن غادرت المرأة .

*

ركضنا حتى تعب الطريق.

ثم جلس.

نعم

جلس الطريق.

مد ساقيه أمامنا وقال:

لنذهب إلى مكان آخر.

*

لكننا لم نكن نعرف مكانا آخر.

كل شيء كان يبتعد.

النافذة التي نطل منها على العالم

صارت أصغر.

الشارع الذي يتسع لركضنا

صار يضيق

حتى لا يتسع إلا لظل واحد.

*

أما الظل

فقد بدأ يكبر.

كان يمشي خلفنا

مثل كلب يعرف شيئا لا نعرفه.

كلما التفتنا إليه

تظاهر بأنه لا يعرفنا.

يا للسخرية!

حتى ظلالنا تعلمت الكذب.

*

في المساء

كانت الشمس تخلع معطفها البرتقالي

وتتركه على كرسي الغياب.

ثم تنام.

*

أما الليل

فكان يفتح فمه

ويبتلع البيوت واحدا واحدا.

*

لم نكن نخاف.

كنا نعرف أن الصباح سيأتي.

لكن الصباح في أحد الأيام

تأخر.

جلس على حافة السماء وأشعل سيجارة.

قال لنا:

لا أستطيع أن أبدأ كل شيء من جديد.

*

فهمنا للمرة الأولى

أن الصباح أيضا يتعب.

وأن الشمس ليست أُمَّا.

وأن الأشجار التي كنا نعتقد أنها تصفق لنا

كانت في الحقيقة

تحاول أن تتشبث بالأرض.

*

كان ذلك اكتشافا قاسيا.

اكتشافا له طعم الحديد

ورائحة غرفة مغلقة منذ سنوات.

*

حينها فقط

نظرنا إلى أيدينا.

كانت أكبر.

لكنها لم تكن أقوى.

كانت تحمل مفاتيح كثيرة

ولا تعرف أي باب

يؤدي إلى الطفولة.

*

في تلك الليلة

جاء الزمن وجلس إلى جواري.

لم يكن غاضبا.

كان يبدو شاحبا.

قلت له:

أعد لي ما أخذته.

فابتسم.

وقال:

أنا لم آخذ شيئا.

ثم أشار إلى المِرآة.

*

هناك، كان الطفل الذي كنا عليه

يقف في الجهة الأخرى.

يطرق الزجاج.

ويضحك.

*

لم أستطع فتح الباب.

لأنني كنت أنا

في الجهة الأخرى.

***

مروان ياسين الدليمي

قلْ للزّمانِ ظلمتَ حينَ حمَلتنا

من دارِ راحتِنا لدارِ شقانا

*

فإذا ادّعى أنّا منِ اخْتارَ الشقا

حينَ اكْتَملنا كارهينَ بقانا

*

فأجبْهُ ما كنّا لنكبُرَ لو وقفـْ

ــتَ بدارِنا ولمَا استُبيحَ نقانا

*

ذاك الجُموحُ وما الجُموحُ سوى اللّحا

ـقِ بهِ ليملأ بالأُجاجِ سِقانا

*

ولقد بعُدتَ وكلّما رُمنا الرجو

عَ لها لعِبْتَ بنا وضاعَ لقانا

***

أسامة محمد صالح زامل

قلتِ إنهم ثلاثة:

واحد صلب على جدع زيزفون.. والآخر ساح في أرض الله مجنون.. وابتلعتِ لسانك..!

قولي الثالث من يكون؟!

حدقتِ في وجهي الشاحب كقمر خانه العشق.. أمعنتِ النظر في أدق تجاعيد محياي المتكلس بفعل رطوبة هذا الوقت المنفلت من ربقة الزمن الأبدي.. قرأت فوق جلدي الملتصق بعظام هشة آيلة للسقوط كل أساطير الذين نجوا من لعبة الحياة بأعجوبة..! ثم أردت أن تقولي شيئا.. تذكرت أنك ابتلعت لسانك إلى الأبد..!

كنا نكرع خلف الخبز المعجون بعرق العظام المنخورة والمملح بزفرات الأرواح الحبيسة خلف الأضلع المكتوية بصهد الأيام الخوالي.. أقدامنا المتورمة بفعل الشوك والحسك ونتوءات صخور نبتت في الصدر قبل البر والبحر.. بعضنا مات في الطريق.. تركنا كواسر الغاب تتكفل بدفنه بعد أن صلينا عليه صلاة الغائب في اعماق اعماقنا.. بعضنا لا زال يحبو على أربع وحين يتعب يتوسد حجرا منسيا على قارعة الطريق ويرضع أصبعه عله يغافل النوم الأبدي فيسرق بطاقة رحلة إلى الأبدية..

أخدوني إلى حوش منسي يقبع فوق رابية تطل على سهول الشاوية "أرض الله".. ليس من شاهد سوى شجرة نبق علقت عليها النساء والعذارى بعضا من اقمصتهن بحثا عن سعد مفقود أو طردا لنحس موعود.. قيدوا يداي وكبلوا رجلاي ثم رموني جنب قبر غطوه بكفن اخضر.. حاولت أن أقاوم..لكن من سأقاوم؟ يصعب علي قلع فكرة ضربت بجدورها عمق جمجمة علاها صدأ توالي الأيام الخوالي..

اوصدوا الباب وجزم أحدهم: والآن دعوا صاحب الحوش يشتغل..! إن شفي فهو كذلك.. وإن ليس كذلك فهو لعنة.. أتركوه يتفطر وينحل رويدا رويدا.. كيما تمتص عناصره ساكنة هذا المكان..!

بقيت لوحدي وسط صمت لايشوشه سوى ذبيب حشرات هاربة هي الأخرى إلى قدرها المحتوم.. وشجرة السدر التي تنوء بأحلام فتيات ونساء القبيلة.. اللواتي تنتظرن ضربة حظ أو فتوى مول الحوش.. في مصير آمال وآلام نسجت بخيوط من ذخان.. أيحكم علي أن أستمر هنا إلى درجة التماهي أو الذوبان؟ لابد أن أقاوم..لكن من؟ حوش بارد حشرات لاعلاقة لي بها سوى أنها تنتظر معي فتوى الأقدار.. كي تعيش في جلدي وعلى لحمي وعظمي..شأن كل مخلوقات الأرض..

من سأقاوم..؟ حبال تشدني بقوة حتى أن حلها يعد بركة أو من قبيل المعجزة..؟ أزحف على بطني كما ثعبان هرم إلى باب الحوش.. الباب محكم الإغلاق من الخارج.. يداي مقيدتان خلف ظهري.. رجلاي معكوستان بحبل إلى بعضهما كما تكتف البهائم قبل الذبح.. رأسي وحدها تتحرك.. عضضت على خشبة الباب.. بقوة..آه..!

سقطت ثنيتاي سال الدم على ذقني.. تسابقت بضع حشرات إلى أول قطرة سقت تربة هذا الحوش البارد.. تزاحمن حولها يرتشفنها ربما بغبطة.. توالت القطرات.. وتوالت الحشرات..سرب آخر يتسلل من تحت الباب الخشبي.. من أعلمه أن هناك بداية وليمة..عرس..؟ وهل تعزم إليه باقي الحشرات بٱختلافها التي تسكن الجوار؟ ومن أدراني..؟ وأنا الذي لا أمتلك سوى الصمود..!؟

ضربت برأسي جدار الباب الخشبي.. اضرب أضرب.. اضرب.. أصرخ.. اصرخ اضرب..

اصرخ..سال الدم.. تشققت الرأس.. ربما سينفلق الى شقين.. هكذا اذن وقعت على نهايتي..!

ستشم باقي الحشرات دمي ورائحة مخي ولحمي ولن تبدل أي جهد كي تصل الى جمجمتي وتتسلل عبر الشق الى مخي..ستتابع باقي الحشرات الديدان.. الزنابير.. العقارب.. الافاعي..والثعابين وستقوم حرب فوق وعلى جثتي.. من يفز بالغنيمة.. ستبرم تحالفات ومعاهدات ومواثيق بين بني الحشرات حول اقتسامي.. وستوقع تلك المواثيق تحت رعاية مول الحوش..كيما ينال هو الآخر وسامه أنه فعلا أدرك أني مجرد لعنة!

لابد أن اقاوم..لكن من؟ ليس لي اعداء هنا..اعدائي خارج الحوش.. أو على الأقل "الحبل والباب" كيف انفلت؟ تلك بداية المعركة..

ضربت برأسي مجددا على الباب.. أضرب وأضرب ..أصرخ.. أصيح بالمكان وأهله.. لا شيء سوى صدى صراخي يتردد بين اركان الحوش في شبه عزاء بارد يثقل قلبي ويوجعه أكثر مما يشفيه ويطمئنه..

ساد الصمت فجأة! برد جسمي ككرة الثلج..

لا أدري كم مضى من الوقت، لكنني سمعت صوتًا خافتًا.. عله وقع أقدام، لا ليس كذلك.. ربما صرير مفتاح في القفل.. ولا هذا..! أصغيت السمع جيدا.. الصوت يأتي من داخلي.. شيء ما يتهاوى.. إني أنهد من الداخل كبناية قديمة.. أسقط طوبة طوبة..! صرت ركاما..!

حدقت في الحبال التي كانت تنهش معصمي وكاحلي، لم تعد قاسية.. صارت رخوة.! الخوف الذي ربطني بها كان أشد..!

همست لنفسي:

ـ من أقنع أهل المدشر أني لعنة؟ ومن أوحى أليهم بربطي إلى حبال سميكة ورمي في هذا الحوش البالي؟ ومن أدراهم أن شجرة السدر قادرة على شفائي؟ من يصدق أني لست مجنونا؟ ربما أنا الوحيد الذي أصدق ذلك.. لكني لا أستطيع ٱثبات ذلك.. لا أستطيع..!

البكاء؟ ليس حلا.. الضحك؟ منتهى التعاسة.. لكني بكيت بغير ذموع..

وضحكت.. لأول مرة بصوت أشبه بالنحيب..!

ارتدت الضحكة إلى الجدران، فارتجفت. ارتجفت شجرة السدر، وتناثرت عنها أسمال الأمنيات اليابسة، أحلام الصبايا.. صدى الضحكات يتتابع..! سأقاوم مرة أخرى.. كيف؟ أنا متكلس؟ سأحاول..

دفعت الباب بكتفي المنهك..

لم ينفتح!

لكن شيئًا آخر انفتح..!

أني أشم رائحة التراب الندي تتسلل عبر شقوق جدران الحوش.. أكاد أرى السهول ممتدة بين الخافقين.. الرعاة العائدون بقطعانهم حين المغيب يرددون أغاني أمجاد الشاوية "أرض الله".. الأطفال الصغار يتعاركون جنب البئر المعطلة.. والصبايا يحملن حزم حطب على رؤوسهن مقفلات صوب المدشر..! أرى كل هذا بعينين ليستا في محجريهما.. أكاد أنسلخ مني.. أشعر بأني حر تماما.. لم أعد مكبلا.. اندثرت الحبال.. انهدت جدران الحوش.. فرت كل الحشرات من حولي.. سدرة النبق تعالت بعد أن تخلت عن كل الأماني والأمالي التي علقت بها.. أنا الآن أقف منتصبا كتمثال من البرونز وسط هذه الأحراش.. تحولت يداي الى جناحين عظيمين.. رفرفت من قمة الهضبة.. وحلقت بعيدا.. بعيدا اختلطت بأسراب عديدة تجتاز السحب نحو الشفق الأحمر..!

***

الداودي الخالدي - المغرب

 

مشروعُ قصيدةٍ ـ قصَّةٍ طويلة..

القسم الأول ..

وقابَلَني في الطريقِ الى الحقِّ،

 في حينها لمْ أكنْ عائداً منه بلْ كنتُ أسعى اليهِ،

الى مبزعِ الشمسِ فيهِ،

 الى دورانِ الكواكبِ صادحةَ في مداراتِها في نشيدٍ يردِّدهُ الكونُ والكائناتُ،

مضينا معاً،

و الطريقُ طويلُ على جانبيهِ عواءٌ يؤدي الى غابةٍ في الظلامِ

 وحيثُ وحوشٌ تقاتلُ أو تتقاتلُ

 حتى تنالَ فرائسَها ثمَّ تمضي مخافةَ وهجَ الطريقْ ..

*

كنتُ وحدي،* ولكنَّني في الطريقِ الى الحقِّ قابلتُه،

كانَ يشبهُني في شجاعتِهِ ونبالتِهِ،

و صراحتِهِ وفصاحتِهِ،

وابتسامتِهِ ووسامتِهِ،

 والهدوءِ الذي يتهادى اليهِ،

وكانَ يحبُّ البناتِ الجميلاتِ،

و البحَر َوالنهرَ والبدرَ،

 يعشقُ مرأى الطيورِ تؤوبُ الى جنَّةٍ للمياهِ يسوِّرها النخلُ والقمرُ الذهبي،

 ولكنَّهُ في الطريق الى الحقِّ ينكرُ كلَّ نداءٍ وكلَّ صديقٍ

سوى انْ يكونَ لهُ الحقُ أعلى نداء ٍ وأسمى صديقْ ..

***

كريم الاسدي – العراق

25/7/20026

 

يا حبيبتي... أوَ لا تتذكرين كيف كانت الأرض تضيق بنا فنفتح في الحلم قارةً لا يطؤها أحد، وكيف كان الليل يخلع عن كتفيه عباءة الظلام ليجلس صامتاً يصغي إلى اللغة التي كانت تولد بين أنفاسنا؟

*

أوَ لا تتذكرين حين احتوانا سريرٌ واحد، ونحن عراةٌ إلا من العشق؟ كان الصباح يومئذٍ يؤجل ميلاده، وكانت النوافذ تغلق عيونها خجلاً كي لا ترى كيف يصير الحب وطنًا كاملاً يسكن قلبين.

*

أوَ لا تتذكرين حين طغى طوفانُ مدّي يكتسح خجلَ جزرِكِ المنتعش، وسمائي ترعد وتبرق عالياً صخباً حميمياً؟ كان البحر يتعلم من عينيكِ معنى الامتلاء، وكان الموج كلما لامس شاطئكِ عاد أكثر زرقةً، كأنه اكتشف أن للمياه قلباً إذا أحبَّ صار أغنيةً.

*

أوَ لا تتذكرين كيف كانت أصابعنا ترسم على الهواء خرائطَ لا يعرفها الجغرافيون، وكيف كانت المسافات تذوب بيننا كما يذوب الملح في حضن البحر، حتى غدا العالم اسماً واحداً هو اسمكِ؟

*

أوَ لا تتذكرين وأنتِ تتوسلين... أن يبقى للعشق سره الذي لا يبوح به إلا قلبان عرفا أن الحب ليس لقاءً عابراً، بل قدرٌ تكتبه النجوم على صفحة الروح؟

*

أوَ نسيتِ... أم أصبحتِ تتناسين ذاكَ الذي كان بيننا، وخمسةَ صولاتٍ لجيوشي حين اقتحمت فاتحةَ جزرِكِ النائية؟ لكنها لم تكن جيوشاً تعرف الهزيمة والانتصار، بل كانت أسرابَ شوقٍ تبحث عن مينائها الأخير، وكانت الجزر كلما استقبلتها أزهرت، وتحوّل الرمل إلى قصيدة، وتحوّل البحر إلى ذاكرة لا تستطيع الريح أن تمحو سطورها.

*

يا حبيبتي... إن الزمن لا يسرق إلا الوجوه، أما اللحظات التي خُلقت من نار المحبة، فتبقى معلقةً في أعلى شجرة القلب، تثمر كلما مرَّ اسمكِ على شفتي.

*

فإن كنتِ قد نسيتِ، فأنا ما زلتُ أسمع ذلك البحر كل ليلة، وأرى الجزر تلوّح من بعيد، وأرى المطر يتساقط من عيني السماء كما تسقط الذكريات من ذاكرة عاشق لم يتعلم كيف ينسى.

*

وما زلتُ كلما قلت: يا حبيبتي...أسمع الكون كله يردد بعدي: أوَ لا تتذكرين؟

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

في ساحةٍ غامرةٍ بالظلال، لم تكن الأقفاص من حديدٍ ولا من خشب، بل من نصوصٍ تُتلى كتعويذاتٍ قديمة. كل كلمةٍ تتحوّل إلى قيدٍ غير مرئي، وكل آيةٍ تُصبح سلسلةً تُكبّل الأرواح. النساء يجلسن كظلالٍ بلا أسماء، والأطفال ينامون في صناديقٍ من الحروف، كأنهم بضاعة تنتظر المشتري.

السوق لا يبيع أجسادًا فحسب، بل يبيع شرعيةً مغلّفة بالقداسة، حيث يتحوّل النص إلى سلعة، والإنسان إلى هامشٍ في كتابٍ لا ينتهي.

دخل الراوي الساحة بخطواتٍ مترددة، كأن الأرض نفسها ترفض أن تحمله. كان الهواء مشبعًا برائحة الورق المحترق، والكتب الممزقة تتطاير كأجنحةٍ مكسورة. وقف أمام قفصٍ من الكلمات، حيث امرأة تحدّق فيه بعينين لا تعرفان النوم، كأنها تسأله بصمتٍ:

ــ هل أنا نصٌ أم إنسان؟

اقترب أكثر، فسمع أصوات الباعة تتداخل مع تلاواتٍ قديمة، كل صوتٍ يعلن أن البيع مباح، وأن الأسر شرعي. لكن في داخله ارتفع صوتٌ آخر، لم يكن صوتًا بشريًا بل صدى الحرية نفسها، يقول:

ــ الكلمات ليست قدرًا، إنها أقفاص، وإن كسرتَها عاد الإنسان إلى نفسه.

فجأة، ارتفع صوت الحرية كريحٍ عاتية، فاهتزت الأقفاص المصنوعة من الكلمات، وتساقطت الحروف على الأرض كرمادٍ بلا معنى. الباعة تراجعوا مذعورين، والنساء خرجن من ظلالهن كأطيافٍ تستعيد أسماءها.

لم يكن السوق بحاجةٍ إلى سيوفٍ أو جدرانٍ لتنهار، بل إلى كلمةٍ واحدة تُقال بصدق:

ــ الإنسان ليس نصًا، بل حياة.

حين انطفأت الأضواء، لم يبقَ في الساحة سوى فراغٍ واسع، كأن الأرض نفسها تنفست أخيرًا. وقف الراوي في الوسط، ينظر إلى الرماد المتناثر، ويسأل نفسه:

ــ هل انتهى السوق فعلًا، أم أن النصوص ستعود لتبني أقفاصًا جديدة؟

***

كفاح الزهاوي

نَصٌّ يَنزِفُ أَمَلاً!!

مِن مَنفى الأرصفة البعيدة، حيث الشوق طائرٌ جريح،

أنكسُ أعلام الفجيعة الرمادية،

وأرفعُ فوق ناصية الروح عَلَمَكَ المَغزول من جمرٍ وماء.

أرفع حضوركَ المؤثر بالفن، بالموسيقا الصاعدة كبخار الحلم،

بالإبداع الذي يكسر هندسة الموت ويسخر من صلابة التوابيت.

أنتَ لم تمت.. كأنك تعبرُ في مدار المطر،

تتأرجح فينا بين الخيبات الكبيرة والضحكة التي تشرخ وجه الهزيمة.

هذا العَلَم الذي رفعناه معاً منذ كُنّا نقتسم الهواء في زواريب دمشق العتيقة،

لم ولن تنتهي صلاحيته.. وكيف تنتهي صلاحية النور؟

أنتَ باقٍ.. "زياد في قلب دمشق"،

تسكن حَناجر الشباب والصبايا، السوريين .. اللبنانيين والعرب،

أولئك الذين كبروا وهم يشربون صوتك في فناجين القهوة المُرّة،

وعلّمتهم كيف يكون الحب ثورة، وكيف تصبح السياسة مسرحاً للعبث النبيل.

الموتُ هو ولادةٌ فادحة الجنون.

تولدُ من جديد مع كل عازف شاب يسرق النار من ألحانك،

ومع كل صبيّة تغسل حزن المدائن بكلماتك الساحرة.

أنتَ الذي قلتَ يوماً عن غواية الأوطان:

"بلد مش معروف مين حاكمه، بس معروف مين داخله"،

وقلتَ عن مرارة العشق والانتظار:

"الحب مش بس كلمة، الحب موقف بيبكّي وبيقسّي".

بين عبث السياسة ويقين الفن، كنتَ الولد المشاكس الذي يمسك يد أُمّه.

عشقكَ لفيروز لم يكن مجرد بنوّة، بل كان صوفيةً وتقديساً.

كنتَ ترى في حنجرتها سماءً بديلة لشرقنا الممزق،

آمنتَ بأن صوتها هو المعيار الوحيد لسلامة هذا العالم،

وأن الأرض دون "فيروز" ليست سوى منفىً ضيق لا يصلح حتى للبكاء.

في زمن الانهيارات الكبرى، حين تضيق الممرات ويهرب الحالمون،

نقف على أطلال الذاكرة، نفتح النوافذ المغلقة بنحيب الغربة،

ونصرخ في وجه الريح العاتية:

 "إيه فيه أمل"!

سيبقى فينا الأمل.. لأنك تركتَ لنا "عايشة وحدا بلاك" تواسي وحشتنا،

ولأننا كلما تعبنا من ليل الغربة، رددنا خلف أُمّك العالية: "نسم علينا الهوى"..

لعل الهوى يحملنا إليك، إلى دمشق، إلى بيروت،

إلى حيث تبتسم أنتَ الآن ساخراً من موتك، ومتكئاً على كتف الخلود.

***

إباء إسماعيل

31 ديسمبر- 26 يوليو 2025

أصرخ: مَنْ منكم يراني

تحت هذا السكوت الذي لا يُغامر فيه الكلامُ،

أصرخ كي أتيقّن أنّي وحدي ـ أنا والظلامُ.

"أدونيس "

***

النشيد الأول

هل تلامسُ روحي؟

هل أحسستَ نبضَ الظلامِ قبيلَ الفجرْ؟

هل سمعتَ الأنينَ الخفيَّ، ذاكَ الذي

يمنحُ الصخرَ الميتَ

صدى ارتعاشِهِ؟

هل وعيتَ، وقد دبَّتِ الروحُ سرًّا؟

إذًا..

سوفَ أنتظرُكَ،

وأدعوكَ

**

النشيد الثاني:

هل تُبصرني الآن؟

هل شققتَ حجابَ الضبابِ عن

القلبِ؟

هل لمحتَ الشقوقَ الدقيقةَ، تلكَ

التي

تُسرِّبُ النورَ

إلى أعماقِ وحشتي؟

هل رأيتَ، وقد انحسرَ السمتُ،

كربًا؟

إذًا..

سوفَ أمضي إليكَ،

وألقاكَ

**

النشيد الثالث:

هل تعرفُ طريقي؟

هل رسمتَ خريطةَ الدمعِ

فوقَ وجنتي؟

هل تذوَّقتَ مُرَّ السؤالِ، ذاكَ الذي

يتركُ الروحَ ظمأى

ليقينِها؟

هل وجأتَ صمتي، وقد احترقَ الليلُ؟

إذًا..

سوفَ أصرخُ باسمِكَ،

فتسمعُني

**

النشيد الرابع:

هل أنتَ تسمعُني؟

هل ترهَّفَ سمعُكَ للنفلِ

قبلَ المطرْ؟

هل رأيتَ الجذورَ الخفيَّةَ، تلكَ

التي

تمنحُ الشجرَ الميتَ

أوراقَ ميلادِهِ؟

هل رأيتَ، وقد جلجلَ الرعدُ، برقًا؟

إذًا..

سوفَ أبحثُ عنكَ،

وألقاكَ

**

النشيد الخامس:

أنتَ في كلِّ ذرَّةِ دربٍ،

وفي كلِّ نفسٍ تهبُّ

على الوجدِ والوردْ

وأسمعُ خفقاتِ قلبِكَ تشقُّ الظلامَ،

كما يشقُّ الضياءُ السديمْ.

وتمزِّقُ أستارَ الليلِ بالنورِ،

حتى يصيرَ الزمانُ نعيمْ

هل علمتَ أنَّ الريحَ لم تعصفْ

عبثًا؟

وأنها كانت تحملُ اسمَكَ مختومًا

على ريشِ طيرٍ غريبٍ يحلِّقُ فوقَ

القممْ

وأنَّه كان يغرسُ عينيكَ في كلِّ

مرآةِ ماءٍ،

تنعكسُ فيها النجومْ

**

النشيد السادس:

نعم..

رأيتُ الجذورَ

تزحفُ تحتَ الثرى

كالأُسارى

تنقِّبُ عن معنى الحياةِ،

وعن سرِّ هذا العذابِ

الجميلْ

رأيتُ الشجرَ الميتَ

يهتفُ من فرطِ شوقٍ

إلى أن يُزهِرْ

فأخرجَ من جوفِهِ المتعبِ

برعمَ حلمٍ

جديدْ

ووعدًا

بأنَّ المساءَ

يعقبُهُ

فجرٌ آخرْ

وتجيبُ نداءَ الأرضِ

بالغيثِ

فتغسلُ وجوهَ البحارْ

وتأخذُ كفِّي

بكفِّكَ،

ونمضي معًا

على ضفَّةِ الوقتِ،

لا نخشى الانكسارْ

**

النشيد السابع:

إذًا..

سوفَ أبحثُ عنكَ

سأبحثُ عنكَ

في نفَسِ الصباحِ،

وفي ظلِّ غصنٍ

تدلَّى

من السحرْ

سأجدُكَ

حيثُ يسكنُ الرَّسْتُ،

وينبضُ فيهِ

الوترْ،

وألقاكَ..

سألقاكَ

حيثُ تنتهي

كلُّ الأسئلةِ،

ويبدأُ

كلُّ اليقينْ

**

الكودا

إنَّ للحياةِ

حقًّا

أن تُعاشْ

ولنا..

حقٌّ

أن نعيشْ

نعيشُ

لنكونْ

ولنُحبَّ،

ولنوقظَ في الأرضِ

ما نامَ

من حلمِها

ومنَّا،

ومن كلِّ شيءٍ

مضى

***

د. سعد محمد مهدي غلام

نزوات مشبوبة مع وقف التنفيذ

بركة ماء ناجزة أشهدها

من نافذتي

لي ذاكرة بالأرق التبست

فلْتمشٍ خطاها حتى تصعد

نحو الهاويةِ،

لقد أهملت استنساخ الصمت

على كرّاسي

هي فعلا كانت غيمات مفعمة

بالنزوات المشبوبة معَ

وقف التنفيذِ

يؤانسها رهط مراثي الزمن الأحدب

في كل الفترات المحترقةْ...

جبتُ فيافي

ناديت سمائي أن تمطر ذهباً

أما البحر السلس الأمواج فقد رازَ

وجوه القوم

تهادى مرحاً

عابثَ شجرا غجري السحنة

لكن عاد يقود صهاريج النفط

إلى الإفلاس...

يد الزئبق تمتد

فينهمر الغثيان على الوعد

إلى أن يصبح هذا وعدا

يلبس قبعة الكذبْ.​

***

مصطفى معروفي

في النوم ..

النسيان يعمّ كلّ شيء حيّ..

الذاكرة ظلام..

كلُّ وجهٍ يتجلّى كسؤال..

هل كان ذاك الوجه.. وجهك أم وجهي؟

**

الوعل الرمادي، بفروه المشتعل بضوء الفجر الذهبي، يستيقظ منتعشاً..

الحياة أجمل من الموت..

النور أجمل من الظلمة

**

الثالثة ليلاً ..

لا أحد يمضي في هذا الشارع وفي هذه الساعة غيرك..

أمامك برج ومانعة الصواعق ودوّارة مؤشر الريح وعلم جامد لا يخفق؟ ..

ماذا سيحدث عند الثالثة من آخر الليل..

من حولك العتمة تطبق..

روحك الحائرة تستضيء..

يتحرر طوفان نوراني من الطيور!

***

أصحو..

(أنا).. الضوء..

وميضٌ بين الظلمة.. والظلمة..

العاصفة بلا ريح والأمواج تهدر..

الغيوم العابرة ترسم سريراً فوق الشطآن والجبال..

تزول مع رمشة عين..

زنين أجراس الحاضر ينسكب في كأس الذاكرة..

ولا ينضب..

الصوت..

الموج..

أوووم! ..

أغفو في سكوني الحيّ!.

***

نصوص قصيرة

فؤاد ميرزا بغدادي

هيَ الأوْطانُ جوْهرُها الرجالُ

ومَركبُها التفاؤلُ والنضالُ

*

علائمُ مَجْدِها فيها تَنامَتْ

فأوْقدها التصارعُ والقِتالُ

*

بقدْرَتِها تَعالتْ في عُصورٍ

وألْهِمَها  التفكّرُ والرسالُ

*

حَواضرُها شَبابٌ إسْتناروا

ويَحْدوهمْ إلى هَدَفٍ سِجالُ

*

بما وَهَبَتْ مَعاليُها أجادَتْ

وقدْوَتها جَهابذةٌ ثِقالُ

*

بإصْرارٍ دؤوبٍ واقْتدارٍ

بها تسعى يُبَصِّرُها امْتِثالُ

*

إذا الإيمانُ في قلبٍ تَجلّى

فإنَّ الفعلَ بُرهانٌ ودالُ

*

بنا الأفكارُ تَنأى في سَماءٍ

تُناهِضُ أرْضَنا والناسُ مالوا

*

عَقائدُنا مُحَجَّبةٌ بوَهْمٍ

يُغفّلنا ويُرْعِبُنا السؤالُ

*

تُدَحْرجُنا رؤانا بانْفعالٍ

ويَلعَننا التَدهْورُ والعَوالُ

*

أضَعْنا قدْوةً عاشتْ مَناراً

بعاديةٍ وقد بارَ الحِصالُ

*

سُراةُ وجودِنا أعوانُ جَوْرٍ

فما نظروا وأغْواهُمْ مَنالُ

*

ولا بشرٌ ولا حزبٌ وَعاها

فأوْهَنها التَغافلُ والضَلالُ

*

تُساورُها شكوكٌ بالنوايا

ويَحْكمُها المَعامِعُ والذِيالُ

*

تعطّلتِ العقولُ في رؤوسٍ

يُجهِّلها مُريبٌ وانْعِضالُ

*

مَلكنا كلَّ مُنْطلَقٍ لمَجْدٍ

فأحْرَقَنا بنعْمَتنا اخْتِبالُ

*

تَداعى كلُّ مَقرونٍ بأمٍّ

فعنْ فشلٍ يُحَدّثنا المآلُ

*

فهلْ بَقيَتْ بها فرصُ انْتصارٍ

وقد مَلكَ المُباغِضُ والضِئالُ

*

وماتَ أصيْلُها في عَصْرِ ضَيْمٍ

ومَفسَدةٍ تولاها الخِشالُ

*

شعاراتٌ بها الأحْزابُ جادَتْ

سَراباتٌ يُطاردُها الخَيالُ

*

تُعللنا النواكبُ بانْفراجٍ

وتوهِمُنا بأنّ الصَبرَ حالُ

*

فلا انْفرَجَتْ ولا وفدَتْ ليُسْرٍ

مَواجعُها يؤجّجها الذِبالُ

*

فهلْ ألقتْ عَصاها واسْتراحَتْ

عَقائدنا وأسْقطها انْفِصالُ؟

*

إذا الأوْطانُ قائدُها تَقدَّسْ

فلا تَعْجَبْ إذا سَقطَ العِقالُ

*

وإنّ الشعبَ مَرهونٌ برأسٍ

يُترجمُ ما أتاهُ الإبتذالُ

*

بغابِرَةٍ إذا لعِبوا أجادوا

وتَتْبعهمْ أباليسٌ رغالُ

*

أزيلَ غطاؤها فبَدى أساها

فحَقَّ الحَقُ وابْتدأ انْتقالُ

***

د. صادق السامرائي

الراوي والكاتب (2)

 اختفى المهدي، اختُطف المهدي، وبقي بقَرُ علال تائهاً بين المراعي والمداشر

والجبال والسهول، يجترُّ تاريخاً مهترئاً. ً

كان يجلس بمقهى ضارب في القدم مواجه لباب المريسة، مردداً بيت الشاعر

 العباسي البحتري:

عَلَيَّ نَحـتُ القَوافـي مِن مَقاطِعِها... وَمـا عَلَيَّ لَهُم إِذا لَم تَفهَمِ البَقَرُ

يمد رجليه وهو يرتشف من كأس الشاي الشمالي المنعنع، سادراً ببصره نحو

 الباب التاريخي، منتظراً حضور صديقيه: عمر البحراوي، وحسن بن التايك.

موعدهم كان شبه يومي بعد العصر، وحديثهم يكاد ينحصر في استعادة الماضي وتفكيك تفاصيله؛ فتارةً تغلب عليه الذاتية والعاطفة، وتارةً أخرى تهيمن عليه

 الموضوعية المشفوعة بمقاربات نقدية تستند إلى سياقات الوضع السائد حالياً.

كان هو أكبرهم سناً، إذ يوشك على إتمام عقده الثامن وهما في منتصفه، وكانا

يلقبانه بـ«الحكيم»؛ لأنه قضى سنوات طويلة مناضلاً ومدرساً بمختلف مراحل

التعليم الممتدة من الابتدائي إلى الجامعي. كما أنه دخل السجن خلال فترتي

 الاستعمار وما بعد الاستقلال، وحتى وهو في أرذل العمر، ظلت نزعة التحدي

والرفض حاضرة بقوة في تعامله مع محيطه."

لم يطل انتظاره حتى حضر صديقاه على التوالي وأخذا مكانهما بمواجهته، حدق

بهما ثم ابتسم وقال بنبرة ساخرة:

-تأخرتما عن موعد حضوركما المعتاد أكثر من اللازم، ماذا منعكما أيها

الشريران؟

رد حسن بن التايك بصوت متهكم:

-التأخر في الحضور لا يعني بأي حال يا سيد درويش أننا ننتمي لعصبة

 الأشرار.

وأيد كلامه علال ، بحركة استنكارية من رأسه ثم قال:

-نحن نسميك الحكيم، والحكمة تقتضي ألا تصدر أحكام قيمة

ضحك بملء فيه وقال:

-هذه ليست أحكام قيمة، بل مجازات ولعبة ألفاظ واستفزاز لروح الدعابة الكامنة

 شاركه صديقاه ضحكَه، متجاوزين شغبه المقصود، وسأله عمر البحراوي:

هل من جديد عن المهدي؟

رد بصوت تشوبه نبرة ساخرة:

أي المهديين تعني؟ المنتظر أم ابن تومرت؟

سايره عمر في لعبة التلاعب بالألفاظ والمعاني وقال:

بل ذاك الذي يحمل شارعٌ اسمه في الرباط، ويمتد بين حي السويسي وحي

 الرياض

 ما يسعده كثيراً هو هذا التجاوب السريع من صديقيه، وقدرتهما على مسايرته في البحث عن المعنى التواصلي للكلمات الذي يتجاوز معناها الحرفي، ويقوي

الاستلزامَ الحواري الذي يُعْنَى بالمعاني المستنتجة التي تتجاوز التصريح المباشر وتُفهم من خلال السياق. ورغم كون عمر طبيباً سابقاً للجهاز العصبي، وحسن

مهندسَ قناطرَ متقاعداً، كانت لديه دائماً قناعة بأن الإنسان خُلق ليَتعلّم ويُعلّم،

ويتقاسم الأفكار؛ لصقل الرؤى، وتفكيك روافد الابتكار والإبداع، وتحويل

الإشارات الذهنية إلى حقائق محسوسة تصنع الرفاهية وتسعد البشرية.

كسر درويش الصمت الذي كان يهيمن على المكان وقال:

المهدي لم تعد ذكراه ترِد إلا لماماً، أما علال فلا يُذكر إلا مع إرثه الفكري والثقافي، وأحياناً بترديد نشيد الحزب:

مغربنا وطننا روحي فداه... ومَن يَدُسْ حقوقه يَذُقْ رَداه

دمي له، روحي له... وما ملكتْ يدايَ في كل آن

للحرية جهادنا حتى نراها... والتضحية سبيلنا إلى لقاها

قاطعه حسن بن التايك:

وماذا عن بقر علال يا حكيم؟

ردّ الحكيم ساخراً:

-البقر غيّر النهج وصارت له صفات البشر، انتهى زمن القطيع وبدأ عهد العقل والتفكير، لم يعد أحد يثق بتجار الشعارات ولا بسادة الظلام.

 فعلاً تغيرت الأحوال، وتبددت سذاجة الأمس، ولم تعد حيل السياسيين ولا تجارة الدين تجدان صدى عند أجيال تواقة للتحرر والتخلص من ربقة الخطب الرنانة، التي لا توفر الخبز لجائعٍ ولا العلاج لمريض. لكن المعضلة الكبرى تكمن في

اللامبالاة التي تواجه بها الأجيال الحالية هذا الوضع، رغم وعيها العميق،

وقدرتها الكامنة على وأد ظواهر الفساد المتفشية في النخب السياسية، وبعض

الجماعات التي تتاجر بمآسي العباد والبلاد.

 مساره الأكاديمي أتاح له فرصة التعامل مع أجيال متعددة، تباينت أفكارها

وتعددت رؤاها وتطلعاتها، لكنها تلتقي في نقطة واحدة، وهي روح الابتكار

والرغبة في تطوير مهاراتها الذهنية واليدوية بشكل يسمح لها بالاندماج في سوق العمل بأسرع وقت. قليلون هم الذين يطمحون إلى دخول مجال البحث العلمي

لحل مشكلات المجتمع المستعصية، وتحقيق التنمية الاقتصادية، والمساهمة في صناعة القرار. كان دائماً يحاول أن يطور لديهم الفكر النقدي؛ باعتباره المحرك

الأساسي لتقدم المجتمعات، ويشجعهم على تحويل الأفكار النظرية إلى منتجات

تكنولوجية وصناعية، ومشاريع ريادية ناشئة.

 أيقظه من سهوه صوت صديقه حسن بن التايك، وهو يتساءل:

أين سافرت يا حكيم؟

ضحك درويش وهو يحدق في وجهي صديقيه، ثم قال:

هي لحظة انفلات ذهني، وتساؤلات مرت عابرة كنسمة هواء عليلة.

ثم تابع وهو يمد رجليه على الكرسي المواجه له:

عذراً إن مددت رجليَّ في حضرتكما، فأنا أشعر ببعض الوجع في الركبتين

و الكاحلين.

قاطعه عمر قائلاً:

هذه أعراض تيبس المفاصل، تحتاج فقط إلى استخدام بعض المكملات الغذائية

الطبيعية، التي تلعب نفس دور مضادات الالتهاب غير الستيرويدية.

رد الحكيم بصوت تشوبه نبرة تساؤل:

ربما كانت أعراضَ مرض النقرس، الذي عانيت منه في السابق؟

استدرك عمر البحراوي:

سأكتب لك بعض التحاليل لمعرفة نسبة حمض اليوريك، وبروتين (سي) التفاعلي لمعرفة درجة الالتهاب، وبعد ذلك نحدد طريقة العلاج.

افتر ثغر الحكيم عن ابتسامة ماكرة وقال:

-لا يصلح العطار ما أفسد الدهر، وللسن أحكامه التي لا نستطيع تجاوزها."

تدخل حسن بن التايك ملوحاً بيديه:

-يا حكيم، نحن نعتبرك معلمنا وقدوتنا، وأنت كنت دائماً مفكراً وقامة علمية نعتز بمساهماتها في تربية الأجيال، وما وصفه لك الدكتور عمر ليس عطارة، بل نتاجٌ لأبحاث ودراسات علمية وتجارب سريرية دامت سنوات.

رد درويش ممتناً:

عذراً صديقيَّ، أحياناً تنتابنا حالة من الاستسلام تتسبب في قولنا أي شيء يخطر على البال، لا تنسَيا أنني إنسانٌ قبل أن أكون أستاذاً أو مفكراً.

 صدحت المآذن معلنة دخول وقت صلاة العصر، نظر درويش إلى باب

 المريسة فبدا له سامقاً شامخاً، وكان وجع ساقيه قد خفّ بعض الشيء.

 دخول وقت صلاة العصر كان بمثابة لحظة جنون وحمق بالنسبة للسلاويين

 قديماً؛ لأن الأبواب كانت تُغلق حينها خوفاً من هجمات القراصنة.

قال الدكتور عمر:

-ترى لو عادت بنا آلة الزمن إلى القرن السابع عشر، هل كنت يا حكيم تستطيع

الركض بقدميك العليلتين حتى لا تُوصد أبواب سلا في وجهك؟

استقام درويش في جلسته ولوح بيده في وجه صديقيه وهو يقول:

-كأني بكما تستخفان بقدراتي أيها الشريران!

تدخل حسن بن التايك مبتسماً:

-الدكتور فقط يحفزك ويستحث فيك تلك القدرات الرهيبة التي عودتنا عليها،

ما رأيك لو مارسنا لعبة الركض من ضفة أبي رقراق نحو أبواب سلا السبعة؟

قاطعه عمر:

-لعبة الركض هي نوستالجيا دافئة تربط بين الماضي الجميل والحاضر الرائع.

ابتسم الحكيم وهو يداعب زغب لحيته البيضاء الكثة وقال:

-أنتما توقظان شموع تاريخ غني، قد لا يخطر على بال هذه السابلة المتدفقة في

شوارع المدينة مستسلمة لضجيج العربات والدراجات البخارية، غير آبهة بتلك

الصراعات البحرية التي عرفها نهر أبي رقراق بين قراصنة جمهورية سلا، التي

أسسها الموريسكيون المطرودون من الأندلس، والأساطيل الأوروبية القادمة من

أجل الرد على هجمات قراصنة سلا بالبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.

 توقف الحكيم لحظة، ثم استدرك متابعاً كلامه:

من الناحية التاريخية المحضة، كانت الأبواب تُغلق لحماية ثروات قراصنة سلا، وتأمين المدينة من الردود الانتقامية للأساطيل الأوروبية.

تدخل حسن بن التايك بحماس زائد قائلاً:

-الحكيم بقوة الكاريزما التي يتمتع بها، حوّل الركض الفعلي إلى ركض ذهني بين محطات تاريخ العدوتين!

توقف لحظة، ثم واصل الحديث بروح مرحة:

-من غرائب الصدف أن مدينة سلا، وبسبب نوبة الجنون التي كانت تنتاب أهلها حينذاك، تحول ضريح الولي الصالح "سيدي أحمد بن عاشر" فيها إلى مقصدٍ لكل المغاربة الذين يفدون إليه قديماً طلباً للشفاء من الأمراض العقلية أو "المس"،

واليوم عوّضه مستشفى الرازي للأمراض النفسية والعقلية.

 كان الدكتور عمر ينصت باهتمام لتدخل صديقيه وما لبث أن قال:

-أنا أرى أن نوبة الجنون تلك لم تكن إلا استجابة فيزيولوجية لضغط الخوف

والترقب الذي عاشه السلاويون تحت تهديد المدافع وقراصنة البحر، وضريح

سيدي أحمد بن عاشر كان يلعب دور البيمارستان الذي يوفر العلاج الروحي

بالسكينة والعزل، قبل أن نصل اليوم إلى مرحلة مضادات الذهان ومضادات القلق ومستشفى الرازي.

ثم التفت نحو درويش وثغره يفتر عن ابتسامة عريضة:

لكن، لا تنسَ يا حكيم أن هذا الولي لا يرتبط بالجنون فقط، بل يرتبط أيضاً

بـموكب الشموع الذي ينير ليل سلا كل مولد نبوي؛ تلك الشموع التي تُحمل على الأكتاف كصروح ملونة تشهد على براعة وإبداع الإنسان المغربي، وكأن أهل

سلا أرادوا أن يثبتوا للعالم أن مدينتهم قادرة على بعث وهج الجمال من قلب

العتمة والخوف.

أمسك درويش بخيوط الحديث واعتدل في جلسته ثم قال:

يبدو أننا كلما أوغلنا في تاريخ المنطقة نكتشف كنوزاً منسية، وأسراراً مغيبة.

دعوني أحدثكما عن برج الدموع؛ أتعلمان لِمَ سُمي هذا الحصن بهذا الاسم؟ ليس لأن الأسوار تبكي حالها، بل لأن السلطان المريني أبا يوسف يعقوب، حين

وضعت الحرب أوزارها وهمَّ بتدشين هذه القلعة، خطف الموت منه زوجته،

 فأذرف الدموع الغزيرة، وامتزجت دموع النصر بدموع الفراق.

أخذ الدكتور عمر نفساً عميقاً وهو يشخص ببصره إلى لوحة زيتية معلقة بمدخل

المقهى تُبدي جزءاً من برج الدموع وقال بصوت عالٍ:

 - مفارقة عجيبة يا حكيم.. برج الدموع ارتبط في العهد المريني بدموع السلطان أبي يعقوب، ثم تحول بعد قرون في عهد جمهورية القراصنة الموريسكيين إلى

حصن لصد حملات الأساطيل الأوروبية، ودك بوارجهم، وحماية غنائم البحر

وأسرى المعارك.

 وفيما الأصدقاء الثلاثة مندمجون في حديثهم، ظهر فجأة شخصٌ في عقده السادس يرتدي لباساً يشبه ألبسةَ الممثلين في الدراما التاريخية، جذبَ الكرسي المواجهَ لدرويش وجلس، ثم قال بصوت تشوبه نبرة ثقة كبيرة بالنفس:

-حياكم الله

"ردّ عليه حسن بن التايك:

كيف تسمح لنفسك أيها الرجل باقتحام جلستنا دون إذن؟

ابتسم الرجل وقال:

-أنا هنا لأنكم في حاجة إليّ، فحديثكم الشيق من سيوثقه؟

ثم تابع كلامه:

-أنا الراوي أو السارد الذي هو ضرورة واجبة لنقل مكامِن الصدور، وما يصدر عن كل الشخوص من أفعال وسلوكيات، وتوثيق الأحداث والوقائع بما لها وعليها للمتلقي العاشق لسحر الكلمة، التوّاق للمعرفة. وأنتم أهل علم ومعرفة، ولكم إلمام بخبايا التاريخ، واطلاع واسع على ما جرى به ذكر الركبان، وصدحت به

الحناجر من فصاحة وبيان.

 بدت علامات الاستفهام على وجوه الأصدقاء الثلاثة؛ لأن وجود هذا الشخص

الغريب الأطوار بينهم لم يكن مُقنعاً ولا ذا جدوى، فهو يُمثل وضعاً ناشزاً وغير مقبول، ولباسه يوحي بأنه شخص بدون أهلية ولا عقل، وكان من المستحسن أن

يُجَاروه في هرطقاته حتى يُغادر المكان غير مأسوفٍ على ذهابه.

سأله الحكيم:

من سمح لك باقتحام جلستنا وأنت لا تعرفنا؟

رد الراوي:

أنا لا أعرفكم؟! قل شيئاً غير هذا يا سيد درويش، يا أستاذ الأجيال! أنا مطلع على سرائركم وأحوالكم؛ السّيد عمر دكتور متقاعد، والسيد حسن مهندس قناطر

 توقف عن العمل منذ سنتين.

تدخل الدكتور عمر مستنكراً ما قاله الراوي:

اسمع أيها البهلوان! ما قُلته يدخل في باب العموميات، ونحن كأشخاص لنا مكانتنا الاعتبارية في المجتمع، من السهل على أي كان أن يَتعرف على أسمائنا ومِهننا، فلا تحاول أن تفرض علينا سياسة الأمر الواقع، وتقايض معلوماتك الشخصية بالتدخل في حياتنا.

ظل الراوي صامتاً، ومكتفياً بالابتسام في وجه الأصدقاء الثلاثة، فاندفع حسن بن التايك مؤيداً كلام الدكتور عمر:

-ما دمنا غير راغبين في توثيق الوقائع والأحداث التي نعيشها أو نتداول في أمرها، فلا رغبة لنا في أن نكون أبطالاً لسرديتك، ولا شخوصاً تمارس عليها سلطتك الاعتبارية، وتتحكم بعاملي الزمن والمكان للتأثير على شخصياتنا وتحديد مسارها.

تريّث الراوي لحظة ثم قال بصوت واثق:

-يا أصدقائي الأوفياء، أنا لست هنا لإزعاجكم، أو محاولة مصادرة حقكم في ممارسة حريتكم في التصرف والفعل. وجودي محدود ومحدد في 'الرؤية السردية' التي ترتكز على المراقبة من خلفٍ دون تدخل في سيرورة الأحداث؛ فأنا الحاضر الغائب الذي ينقل تفاعل الشخصيات وصراعاتها الداخلية والخارجية بلا تأثير

خاص. فرجاءً لا تهتموا لأمري، وعيشوا حياتكم بهدوء وسكينة وكأني غير

موجود.

تبادل الأصدقاء الثلاثة النظرات؛ كان الراوي قد اختفى تماماً. وقال الحكيم لصديقيه إنّ رده الأخير كان مقنعاً، وإنه قد يظهر في وقت لاحق، ثم تابع قائلاً:

ظهوره المفاجئ في هذا التوقيت يُبرهن على أن زمن السرد، الذي أيقظنا جذوتَه، قد بلغ ذروته الجمالية؛ ليحوّل زمن القصة الواقعي إلى متعة.

وجد حديث الحكيم صدى لدى صديقيه فحركا رأسيهما موافقَيْن، وأعاد هو مدّ ساقيه على الكرسي الذي كان يجلس عليه الراوي.

هو يعلم مسبقاً أن الراوي، باعتباره كينونة لغوية، يلعب دوراً أساسياً في إدارة اللعبة السردية، والتلاعب بالزمن السردي عبر الاسترجاع، والاستباق، والتلخيص؛ وهم في أشد الحاجة إليه لضمان وجودهم الفعلي والتخيلي؛ لأنه لا يسرد في فراغ، بل يوجه خطابه نحو مستهلك للنص، وهو قارئ يُفترض أنه ضمنيٌّ وصاحب مرجعية ثقافية وفكرية تسمح بملء فراغات النص وبياضاته، فيتحول من

مستهلكٍ سلبي إلى منتج مشارك، قادر على تحديد أفق التوقعات، والتحكم في

في المسافة الجمالية، مما يسمح له بإرضاء ذائقته.

ارتد بصر الحكيم مجدداً نحو الأسوار العتيقة، وأشرقت في ذهنه ذكريات طفولته بسوق الغزل، هناك مارس شغب العنفوان صحبة أقرانه، وعاش لحظات من أنشطة السوق؛ حين كان يبدأ بعد كل صلاة عصر نشاطُ المزاد العلني تحت مسمى 'سوق الدلالة'، فيتحول الفضاء إلى حلقة بشرية نابضة بالحياة، وتأتي النسوة

حاملاتٍ لمنسوجاتهن كالحايك والزرابي والمناديل المطرزة، فأخذها الدلال

ويطوف بها في الساحة منادياً: 'باسم الله بدينا وعلى النبي صلينا، عطاوا (...)

 شكون يزيد.

وانتابته فجأة نشوة غريبة، أحيت في داخله رغبة قوية لربط الماضي بالحاضر، وملء البياضات والفراغات المسكوت عنها، بشكل يعيد للساحة والمعالم المحيطة بها مكانتها الروحية وامتدادها الوجداني في القلوب قبل العقول. إن هذا السوق لم يكن مجرد ساحة لبيع الصوف، بل عرفت ساحته يوماً صخب المزادات العلنية لبيع غنائم البحر، وافتداء أسرى المعارك البحرية الشرسة.

تراءى له من خلف بياضات النص الفكري خيال المجاهد العياشي، وهو يقود الجموع بصلابته الصوفية المعهودة، ذائداً عن ثغور الوطن ضد الأساطيل الأجنبية والفتن الداخلية؛ وبمحاذاته طيف القرصان الموريسكي الشهير

 'مراد رايس'، بنظراته الحادة الثاقبة وهو يديرُ جمهورية سلا الفتية.

شعر درويش بأن تلك الأرواح البعيدة لا تزال تسكن شقوق الحجارة السامقة،

وكأن دويّ المدافع القديمة وصراخ البحارة في لجج المحيط ما زال يتردد صداه

في عمق الصمت المهيمن على باب المريسة، محدثاً عن سيرورة ممتدة ضاربة

في القدم تشهد أن جينات الأجيال المعاصرة هي امتداد لجينات الأجيال السابقة، وأن الحمض النووي الذي تفجر في عمق المجاهدين الأسلاف ما زال مفعوله

 سارياً في شرايين أبناء الحاضر وبناته.

أيقظ صوتُ الدكتور عمر درويشاً من سهوه الماتع، وهو يقول:

أحس بأنك تستمتع بلحظات تأملك وحوارك الداخلي، فأرجو أن تتقاسم معنا هذه

المتعة.

ابتسم الحكيم وهو ينظر في وجهي صديقيه، ثم قال بصوت تشوبه نبرة ابتهاج:

-نحتاج في بعض الأحيان إلى حوار داخلي مع الذات، نستعيد من خلاله إشارات

من الماضي تمنح الحاضرَ دفئاً يسمح بتدفق متناسق للصور البصرية والتاريخية والحسية دفعة واحدة، ويساهم في عرضها بشكل يخدم الذائقة ويسعد النفس.

علق حسن بن التايك على كلام الحكيم قائلاً:

-كأنك تعتبر الانفلات الذهني الذي يداهمنا بين الحين والآخر، لحظة استراحة

للمحارب، وحافزاً للعودة بقوة إلى ساحة الوعي الشقي.

“يا له من تعبير بليغ هذا الذي جاد به لسان حسن بن التايك! لقد ربط بين الانفلات الذهني كلحظة استراحة تحفز على العودة إلى ساحة الوعي الشقي، التي ترتبط بجدلية الوعي والواقع والسؤال الجوهري: مَن يصنع الآخر؟ هل الوعي (الأفكار، العقل، الروح) هو الذي يخلق الواقع ويشكله؟ أم أن الواقع المادي (المجتمع،

الاقتصاد، البيئة) هو الذي يحدد وعي الإنسان ويصنعه؟”

خرج درويش من صمت تفكيره ليرد على حسن بن التايك:

نعم يا حسن، العودة إلى 'الوعي الشقي' معضلة حقيقية؛ لأن هذا الوعي يظل شقياً وممزقاً طالما أنه يتسبب في فجوة بين الفكرة والواقع. والسؤال الجوهري الذي

يفرض نفسه هنا: مَن يصنع الآخر؟ هل وعينا وأفكارنا هي التي تخلق واقعنا

وتشكله؟ أم أن الواقع المادي والبيئة المحيطة بنا هما اللذان يصنعان وعينا؟ إن

شقاء الوعي يكمن في عجز الأفكار النظرية عن تغيير الواقع المحسوس، وهنا

يتولد الاحتقان الذهني.

رد حسن على تساؤلات الحكيم قائلاً:

الواقع يضغط بثقله على عقولنا، لكن وعينا وفكرنا النقدي هما اللذان يقرران إما

 الاستسلام لهذا الضغط، أو إعادة ترميم الواقع وتغييره.

التقط الدكتور عمر خيط الحديث، وعدل نظارته الطبية قائلاً:

إذا سمحتما، لدي تفسير بيولوجي؛ الدماغ البشري لا يعمل بمعزل عن محيطه.

الواقع المادي والمثيرات الخارجية هي التي تغذي الخلايا العصبية بالمعلومات،

لكن الوعي هو ذلك التفاعل الكيميائي المعقد الذي يُحلل هذه البيانات ويعيد

صياغتها. نحن لا نملك وعياً مجرداً في الفراغ، بل وعياً يتنفس ويتحرك داخل

شروط الواقع، تماماً كما كانت نوبة جنون أسلافنا التاريخية بعد العصر استجابة

حتمية لواقع الحصار وقراصنة البحار."

 نبّه الحكيم درويش صديقيه إلى أن الحديث قد جرّهم إلى مناطق ظلّ شبه منسية، وكانت النتيجة أنهم عَبَرُوا بين محطات متداخلة؛ بدأت بالتاريخ المعاصر ثم

التاريخ الغابر، وتذكّروا الطّقوس والعادات، وفتحوا باب الفكر والعلوم الإنسانية، وخاضوا في العلوم الطبيعية، وتدخل مَن يزعم أنه الراوي ليؤكد أنهم كانوا قيد

متابعة ٍواهتمامٍ، وأن حضوره غير المؤثر كان من أجل توثيق ما دار بينهم من

حديث وحوار بصيغة تخصُّه، لإرضاء ذائقة مُتلقّين عاشقين للسرد الذي يشد

الأنفاس، ويسعد عشاق الحكي السلس الجزل.

أعلن المؤذن دخول وقت صلاة المغرب، وقال الدكتور عمر إنه يُستحسن أن

يُؤدوا الصّلاة في المسجد المجاور، ثم يذهبوا إلى بيوتهم بعد ذلك.

دفع الحكيم ثمن مشروباتهم، وفيما هم يستعدون للمغادرة، ظهر الراوي من جديد، ووجّه لهم التحية، ثم قال بصوت خافت:

جئتُ لتحيتكم، وأعدكم بما يرضي ذائقتكم ويليق بمستواكم الفكري، قبل أن أذهب لملاقاة الكاتب؛ فهو جالسٌ في مارينا سلا.

حديث الراوي:

”غادرتُ المقهى بهدوء خلف الأصدقاء الثلاثة، واكتفيت بما رأيت وسمعت،

وكان لا بد أن أعود لأقابل صديقي الكاتب المعروف بلامبالاته وقلة اهتمامه في

بعض الأحيان؛ فهو يكتفي برؤوس الأقلام والكلمات المفاتيح يُدوّنها على صفحة خاصة في هاتفه النقال.

 عندما وصلتُ إلى مارينا سلا، بحثتُ عن صديقي الكاتب فوجدته جالساً في ركن قصيّ بمطعمٍ مختصٍّ في تقديم وجبات السمك، وكان يتحدث في هاتفه النقال بصوت مرتفع، ومن خلال حديثه اكتشفتُ أنه يُكلم زوجته، وكان ينقل لها مشهداً يخص مجموعة من السياح الإيطاليين، بعددٍ كبيرٍ يتجاوز الأربعين شخصاً من الذكور والإناث، وأغلبهم من المتقاعدين كانوا سعداء فرحين. قال الكاتب لزوجته إنّ هؤلاء الغربيين يعشقون الحياة، ولا يعيرون اهتماماً لثقل السنين. كان يتحدث بفرح ويُبدي امتعاضه من سلوك كبار السن بين مواطنيه، الذين يعتبرون هذه المرحلة مرحلة نهاية وشيكة، وركوناً على الرفّ!

انتظرتُ انتهاءه من الحديث ثم تقدمتُ منه وهتفتُ به:

صديقي العزيز، ليس كل كبار السن في بلادنا بذلك الشكل النمطي الذي تتصوره، وأرجو أن نشتغل على هذا الموضوع؛ لأن كبار السن، وأنت واحد منهم، يستحقون حياة أفضل.

ابتسم الكاتب الذي تجاوز الستين من عمره وقال:

أنا لا أعتبر نفسي كبيراً في السن، وأعيش حياتي مسافراً، زادي الابتسامات وقَدْحُ الفكر والكتابةُ بسخاء، وحديثي إلى الزوجة هو تحصيل حاصل ومحاولة لبث روح التغيير.

ثم تابع قائلاً:

لكل مرحلة نكهتها التي تستحق أن نعيشها ونهتم بها دون شعور بالخذلان.

واستدرك مُفسّراً:

الحياة تقتضي أن نبتعد عن المنغصات، ونستمر في النشاط وتقاسم المشاعر والأفكار مع محيطنا.

رَدَدْتُ بصوت عميق:

من محاسن الصدف أنني هنا وفي جعبتي ما يرضيك؛ سردٌ متماسك وحديثٌ شيق لثلاثة مثقفين من هذه الفئة العمرية، التي لا تزال مؤثرة في صيرورة الحياة

 العامة.

لمعت عينا الكاتب ببريق غريب، وقرأتُ على ملامح وجهه تلك الرغبة المعتادة التي عودني عليها كلما تفجر عنده شغف المبدع، ثم التفتَ نحوي وقال بنبرة ملؤها التحدّي:

-أنا مستعد لسماع ما في جعبتك من كشفٍ لسرائر الشخوص، وتطورٍ للأحداث،

فأنا أعتبرك منذ اللحظة رَاوياً عليماً تتحكم في زاوية الرؤية بشكل مطلق ومن

موقع فوقي، وسأترك بث رسائلي الخاصة للقارئ، لتقديم التفسيرات الاجتماعية والأحكام الأخلاقية والفلسفية حول تصرفات الشخصيات، إلى آخر العمل السردي.

انتابتني نشوة لا حدود لها وأنا أحظى بهذا التقدير من صديقي الكاتب، الذي اختار أخيراً أن يخرج من منطقه الراحة السلبية، ويشتغل على موضوع ذي أهمية

قصوى في حياة الناس.

وفي تلك اللحظة، كانت الشمس توشك على الرحيل وهي تنثر آخر شظايا ذهبها

فوق مياه أبي رقراق، لتمتزج الألوان عند ضفة مارينا سلا؛ معلنةً ليس فقط نهاية النهار، بل ولادةَ سردية جديدة تنتصر للحياة والحكمة ضد صمت السنين.

***

محمد محضار - الدار البيضاء

 20يوليوز 2026

وا أَســفــا يـا وطـني يـا عـــــراقْ

أَخـفُّ مـا فيـــك غـدا لا يُـطــــاقْ

*

عَـزَّ بــك القـطـفُ على غــارسٍ

يَحسـبُ فيـك المُـرَّ حلـوَ المــذاقْ

*

وانخـفـضَ العـيـشُ بـنـا بعــدمــا

طـابَ بمــاضيــــك سُمُـوَّاً وراقْ

*

وأَوثــقَ الطغـيــــانُ أَغـــلالَـــــه

فينـا. ومَـنْ منَّـا يَـفـكُّ الـوثـــــاقْ؟

*

أَقـمــرتِ الأبــــدانُ في لـيــلِـهـــا

وبـاتَ نــورُ عقـلِهــا في مِحـــاقْ

*

كـأنّـمــــا بــلادُنــــــا أَصـبـحــتْ

رمادَ ماضٍ بعد طـولِ احتـــراقْ

*

لا جــذوةٌ يـُضـرِمُهـــا ثـــائــــــرٌ

ولا لـرفــعِ بـيـرقٍ مـن رفـــــاقْ

*

أَتُـبعَــثُ الحـيــــــاةُ في مـوطـني

والمـوتُ منـه آخـذٌ بـالخـنـــــاقْ؟

*

قـد شُـلّـتِ الأفعـــالُ فـيــه سـوَى

فـعـلٍ تَـمَـلَّى (كُـرةً) في ســبــاقْ

*

تَعـــارَكُ الأَقــــدامُ في ركــلِـهـــا

أو نـيــلِهــا بـوقـفـــةٍ وانـطـــلاقْ

*

إنْ نَـقَـصـتْ لـزاهِـــدٍ كـأسـُهــــا

كانتْ لـراغبـيـنَ فـيهـا دِهــــــاقْ

*

تَـشــوقُـهــــمْ. وهـلْ يَــردُّ الهـوَى

في شـرعةِ الحُبِّ مُحبِّـاً يُشـــاقْ؟

*

بيـن خـطــوطٍ لـم تَـفـتْ حـدَّهـــا

تَـجـري علَى قـواعــدٍ واتـفــــاقْ

*

ما غُـضَّ طرفُ العـدلِ عنهـا ولا

أَزِيــغَ عـن حقٍّ لهــا بانطـبــــاقْ

*

أَكـــرِمْ بـوجــهٍ لــم يُــرَقْ مــاؤُه

قد صانَه(التحكيـمُ) من أَنْ يُـراقْ

*

لله دَرُّ اللـعـــبِ فـي (مـلـعــــبٍ)

مـا لاثَـــهُ من(بـرلمــانٍ) نـفــــاقْ

*

ولافـســـــادُ حـاكـــــمٍ جـائــــــرٍ

ليــسَ لنــا مـن جــورِه مِـنْ وَاقْ

*

يَعـتـاقُــــه عـن عـدلِـــه ظلـمُـــه

خيــرُ(السـيـاسيِّ) بشَــرٍّ يُعــــاقْ

***

يـا كُــرةً جَـمـعـتِــنــــا بـعــدمـــا

فَـرَّقَـنــا عن بعـضِنـا الإنشقـــاقْ

*

عـشــــتِ وعـاشـــتْ قــدَمٌ حُـرَّةٌ

يـَسـعَى لفـنِّـهـا بـنـا الإشـتـيــــاقْ

*

فِـدَىً لهــا الـرأسُ الـذي خـانَـنــا

مُســتقبِــلاً قـاتِـلَـنـــا بـالعـنـــــاقْ

*

في ظـلِّـهـــا رَفَّـتْ لـنـــا رايــــةٌ

للوطنِ الغالي الحبيـبِ العــــراقْ

*

تَـلاقــتِ القـلــوبُ في حُــبِّــهــــا

وقَـبْـلَهــا عَـزَّ عـلـيـهــا التـــلاقْ

*

رُبَّ عـَـدوٍّ صــار خُــلَّاً بــهــــا

وابـنٍ أطــاعَ والـــداً وَهْوَ عــاقْ

*

وعـاطـفــــاتٍ يـابـســـاتِ الهوَى

صِرنَ بـهـا خُضْراً لطافـاً رقـاقْ

*

كـمْ رابـــحٍ سُــرَّ بـهــا فــرحــةً

وخـاســـرٍ بُــلَّ بـدمــعِ المـــــآقْ

*

إِنْ لـمْ نَـفـزْ بالكأسِ في شوطِهـا

فِـزْنا بلَـمِّ الشـعـبِ بعدَ الفــــراقْ

*

ولـيــتَــــه أَفــــــاقَ مـن نَــوْمَــةٍ

كمـا علَى (ريـاضــةٍ) قد أَفــــاقْ

*

مُـزحـزِحــاً عـن جَـفــنِــه ليـلَـــه

وحاضِنـاً من صبحِــه الإئتـــلاقْ

*

قـد سَــبَـقَــتْــنــا صَهَـواتُ العُـلى

وإِنـني لــطـامِـــــعٌ  بـاللحــــــاقْ

***

عبد الإله الياسري

مساءٌ يعقبُ الصبحا

وذكرى الأمسِ لا تُمحى

*

وشوقي مثلما قد كا

نَ يقدحُ في الحشا قدحا

*

أجبْ يا بحرُ إنَّ الصمتَ قيدٌ أطلقِ البوحا

*

أعادتْ زهرةُ الشطآ

نِ أمْ شوقي الذي أوحى

*

هنا يا بحرُ في شاطي

كَ أمستْ فرحتي نوحا

*

أنادي رافعاً صوتي

وأصدحُ شاكيا ً صدحا

*

فما أجدت نداءاتي

وصوتُ توسّلي بُحّا

*

ومرِّ العيدُ تلْو العي

دِ مرَّ الفطْرُ والأضحى

*

ولا خبرٌ يُطمأنني

ولا أهلا َ .... ولا مرحى

*

أواسي النفسَ بالذكرى

وحيدأً أصحبُ الجرحا

***

جميل حسين الساعدي

23/7/2026

قلْ للحياةِ بأنّها إنْ لمْ تَنُهْ

عَنْ طيشِها فلكلِّ صبرٍ آخرُ

والصّعبُ إنْ يُسَلِ الكريمُ الصّبرُ إنْ

يرتَحْ لهُ النَّذلُ اللئيمُ الذّاعرُ

والسّهلُ فكُّ الصّبرِ حتّى لوْ عنَى

إذْ ذاكَ أنّا بالحياةِ نُقامرُ

سَرقَتْ سُنونًا لمْ تُخلِّ سُويْعةً

إلّا ومنّا القلبُ فيْها حائرُ

حتّى ظَلَمْنا عُمرَنا و كأنّهُ

مِنْ غيرِ رايٍ للحَياةِ يُسايرُ

ولوِ اسْتَمَعْنا الأمسَ يومًا ما ظلَمـْ

ــنا العمْرَ وهْوَ بما يُعمِّرُ عامِرُ

أخَذَتْ وفاءً لا يُجّدِّدُ عهدَهُ

المخدوعُ إلّا والوُعودُ تُحاصِرُ

لكنّ ما تَعِدُ الحياةُ بهِ سحا

بٌ في بلادِ الحُلْمِ دوْمًا ماطِرُ

ونلومُ أنفُسَنا علىْ ما كانَ والـ

إخلافُ طبعٌ فيْ دِماها سَائرُ

وكذَلكَ المحرومُ للنّفسِ لو

مٌ للنُّفوسِ بدونِ أخذٍ شاكِرُ

للغيرِ مدَّاحٌ عَلَى النّفسِ الّتي

يَحْيا بِها مِنْ غيْرِ ذنْبٍ ثاِئرُ

بعبيدها تجريْ دماءُ حظوظِنا

والعبدُ أمسىْ بالحظوظِ يتاجرُ

ومُهاودٍ دنياهُ في تَعْسِ الحظو

ظِ لهُ إذا جفَتِ الحياة مَعاذِرُ

متناسيًا أنّ الحظوظَ بلا دمٍ

قتلى وظلمٌ أن تُلامَ مقابرُ

وترى عبيدَ المالِ والسّلطانِ والـ

ألقابِ كلٌّ في الفلاحِ يُناظرُ

هل عندَ نازعِ غيره من حظّهِ

إلا لسانٌ في التخرّص ماهرُ؟!

***

أسامة محمد صالح زامل

أيقظتُ آلهةَ الطينِ

من نومِها الطويل

وسكبتُ رمادَ الفصولِ

في كفِّ الوقت!

أغلقتُ أبوابَ المعبدِ

المهجور

ومضيتُ أحملُ على

ظهري عبءَ السلالاتِ

البائدة

تاركاً خلفي نقوشاً

يجهلُها العابرون..

وحكاياتٍ تآكلتْ أطرافُها

في فمِ العاصفة

​الوقوفُ في مهبِّ العدمِ

أهونُ

من صياغةِ الأبجديةِ

لزمنٍ يقدسُ الصمت

أو بيعِ الرؤى على

قارعةِ الصخبِ اليومي

كنتُ كاهنَ النارِ المقدسةِ

يوم كان للمجازِ

عرشُهُ

يوم كانت الكلمةُ تميمةً

تقي العابرينَ وحشةَ

الدرب

أضعتُ المفتاحَ في

زحامِ العصور

وصرتُ الغريبَ في

لغةٍ

تجهلُ نبرتي

​أهيمُ بوَجَعِ عشتار

وهي تبحثُ عن تموز

في دياجيرِ الأرض

السفلية

أنبشُ بأصابعَ متعبةٍ

ترابَ نينوى العتيق

علّي أجدُ رقيةً تقيني

غضبَ العواصف

أو تعيدُ للقصيدةِ شَرَفَ

الإناءِ المقدس

أسألُ السومريينَ القدامى

عن سرِّ البقاءِ وسطَ

الخراب

وكيف رمموا أرواحَهم

بتمتمةِ زاهدٍ لم

تلوثه

حساباتُ الورق

​وها أنا أخطُّ على جدارِ

العتمةِ صرختي الأخيرة:

إنَّ الذي أضاعَ قربانَهُ

الأولَ في مهبِّ الريح

لن يعودَ يغريهِ بريقُ

المعابدِ الجديدة

ولو سُكِبَتْ أمامهُ مياهُ

اليقينِ بضميرٍ

مستعار

***

مرشدة جاويش

في أول الحرب، كنت أعدّ القلوب كما نعدّ الذخيرة. وفي آخرها، لم يبقَ في صدري سوى طلقة واحدة، وأمنية خائفة تشبه ابتسامتكِ. كل شيءٍ كان قابلاً للانفجار: السماء، الأرض، صدغي، وصوتكِ العالق كالرصاصة بين ضلعين.

**

كنا نحفر الخنادق بأصابعنا، وفي الليل، نحشو الفقد بالضحكات القديمة. نمضغ البرد، نشرب وجعنا من قِربَةٍ مثقوبة بالأسئلة: هل الحب خيانة في ساحة الحرب؟ أم أن الحبيبة هي الوطن حين يتيه الوطن؟

**

في اليوم الذي صمتت فيه المدافع، تكلّمت عيونكِ. ذلك اليوم الذي خرسَت فيه البنادق، ترنّمت شفاهكِ على ناي الرؤية، وصار وجهكِ القصيدة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة.

**

حين التقينا، كنتُ خارجًا من معركة، يداي ترتجفان من فرط الحياة. لكنّكِ لم تنظري إلى ندبي، بل تأملتِ انحناءة ظهري كما لو كانت صلاة، وقلتِ: "الذين ينجون من الموت، يولدون من جديد في العيون."

**

كلما احتضنتكِ، كنت أسمع أصوات الرفاق: ضحكاتهم، صرخاتهم، خطواتهم على تراب غادر. وكنتِ تحتضنين كلّ تلك الأشباح، تسقينها من عينيكِ، حتى بردت الحرب في أعصابي.

**

الحبّ ليس هدنة. هو جبهة أخرى، لكنّ فيها القُبَل بدل الطلقات، والقلب هو الخندق، والصدر ساحة لا تُنتهك. أنتِ السلاح الوحيد الذي لم أتعلمه في معسكر التدريب، ولا احتجتُ لتفريغه من مشاعره.

**

كلما اشتقتُ إليكِ، قمتُ بانبطاحٍ تكتيكيّ في ذاكرة الليل، وأطلقتُ رشقات الحنين على جدران الغياب. لكنّكِ كنتِ دائمًا ترفعين راية قلبكِ، تسعفينني بنظرة، وتعيدين ترتيب وجعي كما تُرتب الجيوش بعد الكارثة.

**

يا أنشودةً هجرتها الحرب، يا صلاةً نزلت مع المطر على خوذتنا الصدئة، إن كنتِ حبيبتي، فأنا الجندي الأبديّ في خنادقكِ، أقاتل حتى آخر تنهيدة، وأسلّم نفسي لأسرٍ اسمه: حضنكِ.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

شعرت بالخجل وهي تدخل الشركة متأخرة مرة أخرى. كثرت حججها، حتى أصبحت مهددة بالتوقف عن العمل. تكون آخر الملتحقين بالعمل، وأول المغادرين له. انها زينب. لها طفل صغير، فهي التي تتحمل مسئولية اصطحابه الى الروضة والعودة منها. وغالبا ما تضطر الى احضاره الى مقر عملها لعدم وجود من يرعاه. قلت لها يوما "لماذا لا تتركيه بالبيت مع أبيه؟" ابتسمت بشكل آلي وقالت لي بصوت خافت "أنت لا تعرفينه. زوجي، شديد القسوة ولا يتحمل رعاية طفل في هذا السن؟" لم أفهم كيف تبرر سلوكه. قلت لها وهي منهمكة في مراجعة بعض الأوراق التي تراكمت عليها فوق مكتبها" زوجك له الوقت الكافي ليأخذه الى الروضة ويحضره، خصوصا أنه تاجر، يتحكم في وقته." ابتسمت من جديد بكل لطف وقالت لي" لقد حاولت معه. وفي كل مرة يقول لي، الطفل مهمتك أنت. تصرفي. أنا غير مسئول." وأضافت كأنها كانت تنتظر الفرصة لكي تحكي" خناقات يومية حول هذا الموضوع. هو عارف انني مهددة بالطرد من العمل، مع ذلك مصمم على رأيه." اقتربت منها وقلت لها بكل هدوء" اسمعيني، بما أنك تجدين دائما الحلول ولو على حساب عملك، هو لن يهتم. يجب عليك تغيير سلوكك اتجاهه" أصابها الهلع كأنها سمعت خبرا غير مفرح. حاولت تهدئتها وشرحت لها أنها فقط يجب أن تحمله مسئوليته ولا تستسلم.

ابتسمت كأنها وجدت حلا لعملية معقدة واتجهت بنظراتها صوب نافذة مكتبها ثم قالت لي بكل ثقة" كلامك عين الصواب. لقد تنازلت كثيرا وحان الوقت ليتغير هذا الوضع."

كانت عيناها تحملان شعلة من التحدي والرغبة في التغيير. سلمت علي وخرجت خروج المنتصرين رغم أنها كانت في بداية طريق جديد.

وتوالت الأيام، التقيتها يوما، كانت مبتهجة ومقبلة على العمل بحماس كبير. سألتها "هل هناك جديد؟" أجابتني بإشارة من يدها تحمل بشائر النصر..

 مكياج العقل

كانت سيدة أنيقة، تهتم كثيرا بلباسها ومكياجها. كل خطوة عندها محسوبة ومدققة. لا يمكن ان ترتدي أي فستان بدون ان تدقق في الألوان وما هي الموضة هذه السنة. تطيل النظر الى المرآة حتى تنسى أن تتناول فطورها. هي هكذا دائما، قالت يوما لأحدى صديقاتها "إذا خرجت من دون مكياج، ينتابني شعور بأنني عارية" يسيطر عليها إحساس غريب كلما فكرت في الخروج من دون الماكياج. ولا اللبس المناسب الغالي الثمن. سألتها يوما صديقتها:" أنك تبالغين في مكياجك. ماذا سيحصل لو خففت منه؟" تارت ثائرتها وقالت لها: "لا أستطيع".

توالت السنين، وهي في صراع مع الزمن والمكياج واللباس، روتين يومي يبدأ بالمرآة وينتهي بالمرآة. كانت يوما في لقاء عمل، وتفاجأت أن التي تديره هي صديقتها التي كانت تحاول أن تشوش على أسلوب حياتها. انتهى اللقاء، وهي صامتة، تائهة بأفكارها. باغتتها صديقتها قائلة: "أهلا بك، ما رأيك؟ "لم تفهم كيف مر كل هذا الوقت وهي في مكانها، وصديقتها أصبحت مسئولة عن قسم بأكمله في الشركة مع أنها كانت من الأوائل الذين التحقوا للعمل فيها..

سألتها بصوت متردد وخجول: "كيف ومتى حصلت على هذه المسئولية الجديدة؟"

اقتربت منها أكثر وقالت لها: "كنت ابحث عن مكياج آخر."

زواج غلط

تنتمي فاطمة الى أسرة فقيرة، تتكون من ستة أفراد. الأب مريض لا يستطيع العمل، بثرت يده يوما لما كان يشتغل بإحدى الشركات. واضطرت الأم العمل بالبيوت. بيت جد صغير في احدى الأحياء الشعبية. لا نوافذ ولا نور يدخل اليه حتى يعيد اليه بهجة الحياة. يظل باب البيت مفتوحا طوال اليوم، حتى تزوره الشمس والرياح وتنظفه من بواقي النوم. الحياة عند عائلة فاطمة، صعبة وشاقة ولا تعاش بسهولة. في يوم غائم، لا شمس فيه ولا مطر، غيوم ورياح تدق طبولها بقوة كأنها تعلن حالة حرب على الفقراء. زارهم رجل يطلب الزواج من فاطمة. كانت فرحة كبيرة استوطنت البيت الغائم، وحمدوا الله على هذه الفسحة التي أعادت إليهم نور الحياة ولو قليلا. تزوجت فاطمة، ورحلت الى بيت آخر، تسكنه هي وزوجها. مرت الأيام تتسارع كشلال في أعالي الجبال، أنجبت فاطمة ولدا وبنتا. كانت تساعد في مصروف البيت بالعمل في البيوت كأمها. كأنه قدر الفقراء أن يعيدوا انتاج وسطهم الاجتماعي. جاءت يوما تبكي حالها لأمها، وتصرخ وتطلب حلا لحياتها البئيسة. سألتها عن السبب. قالت فاطمة وهي تصرخ" زوجي رجل أحمق. يحتاج الى طبيب." حاولت الأم أن تهدئ من روعها وأن تشرح لها بأن كل الرجال حمقى. وأضافت "انظري الى أبيك، هل تعتقدين أنه رجل سوي. انه مجنون ومع ذلك أنا صبرت ولم أعد أهتم له." انتفضت فاطمة وصرخت بكل قوتها الكامنة بجسدها وروحها وقالت: "انه ليس مثل أبي. انه مجنون. صرت أخاف منه. لا أستطيع العيش معه."

تدخل والدها ليضع حدا لهذه الوضعية الصعبة والمؤلمة في نفس الآن. لأنه يعلم أن لا مكان لها ولا لولديها في البيت. وذلك الركن الصغير الدي كانت تحتله سابقا، قد صار من نصيب أختها الصغرى. قال لها بصوت صارم" ممنوع الطلاق يا فاطمة. يجب عليك أن تساعدي زوجك حتى يعود الى حالته الطبيعية." تارت ثائرتها وانزوت في ذلك الركن الصغيرمن الغرفة الوحيدة في البيت، وقالت لهما بصوت حزين "إذا رجعت الى البيت، سيقتلني. " استوطن المكان، صمت ثقيل كصمت الكهوف، قامت فاطمة تدك الأرض بقدميها دكا وتلعن حياتها التي توقفت عند بيت صغير بلا نوافذ. خرجت، لكنها لم تعد.

***

أمينة شرادي- المغرب

 

سيتبَعُ هذا النهرَ حتّى مصبِّهِ

ويحكي لنا عمّا رآهُ بدربِهِ

*

سيمضي وحيداً لا رفيقَ لهُ سوى

خُطاهُ وظلٍّ يستريحُ بقُربِهِ

*

لقد مرّت الأيّامُ عَجْلى كأنّها

حِسانٌ وغِيْدٌ ما أقمْنَ بقلبِهِ

*

يرى شجرَ العُمرِ الذي مالَ عُودُهُ

كليلٍ بهِ تهوي عناقيدُ شُهبِهِ

*

نوى سفراً لكنْ إلى أينَ ما درى

وما بينَ شرقٍ في الطريقِ وغربِهِ

*

رأى سِرْبَ طيرٍ فاقتفاهُ ورُبّما

يضيقُ بهِ هذا الفضاءُ برَحْبِهِ

*

على أنّ دربَ الماءِ ما كانَ كاذباً

وهذا الحصى الفضيُّ يُنْبِيكَ ما بِهِ

*

وتختلفُ البلدانُ في لونِ أهلِها

ولكنْ جميعاً من ترابٍ مُشابِهِ

*

وقد عيّروا الأشجارَ ثابتةً فلا

تسافرُ مثلَ الغيمِ في طبعِ وَثْبِهِ

*

وقد جهِلوا أنّ الجذورَ بإرثِها

تسافرُ في ماءِ الزمانِ وتُربِهِ

*

وأنّ وُرَيقاتٍ هوَتْ من غصونِها

سيحمِلُها هذا النسيمُ بعَذْبِهِ

*

فيا ولدَ الحزنِ العراقيِّ خالصاً

كيُوسُفَ ملقيّاً بغيهبِ جُبِّهِ

*

وجدْتَ بماءِ الياسمينةِ موئلاً

سيُغنيكَ عن ماءِ العراقِ وخِصبِهِ

***

عبد الله سرمد الجميل

لَا أَعْرِفُ مَتَى يَتَحَوَّلُ الْإِنْسَانُ إِلَى كَبِيرٍ.

رُبَّمَا حِينَ يَتَوَقَّفُ عَنْ تَصْدِيقِ أَنَّ الْغُيُومَ تَنْتَظِرُ مَنْ يُلَوِّحُ لَهَا.

أَوْ حِينَ يَمُرُّ بِجَانِبِ بِرْكَةٍ صَغِيرَةٍ دُونَ أَنْ يُجَرِّبَ الْقَفْزَ فِيهَا، خَوْفًا عَلَى حِذَائِهِ.

أَوْ حِينَ يُصْبِحُ الْحُزْنُ عِنْدَهُ أَكْثَرَ تَنْظِيمًا مِنْ أَلْعَابِهِ الْقَدِيمَةِ.

أُفَضِّلُ أَنْ أُجَالِسَ النَّاسَ الَّذِينَ مَا زَالَتْ رُكَبُهُمْ مُغَبَّرَةً مِنْ لَعِبِ الطُّفُولَةِ.

الَّذِينَ يَضْحَكُونَ بِكُلِّ أَسْنَانِهِمْ، لَا بِنِصْفِ ٱبْتِسَامَةٍ بَاهِتَةٍ.

الَّذِينَ يُرَاوِغُونَ فِي نُطْقِ كَلِمَةِ «أُحِبُّكَ»، لَكِنَّهُمْ يُتْقِنُونَ مَعْنَاهَا جَيِّدًا.

*

أَخَافُ مِنَ الْكِبَارِ الَّذِينَ قَتَلُوا أَطْفَالَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ،

ثُمَّ عَلَّقُوا صُوَرَ الْبَرَاءَةِ عَلَى الْجُدْرَانِ كَذِكْرَى.

يَمْشُونَ مُسْتَقِيمِينَ جِدًّا،

حَتَّى إِنَّ أَحْلَامَهُمْ تُصَابُ بِانْحِنَاءِ الْعِظَامِ.

*

أَمَّا أَنْتَ...

فَفِي جَيْبِكَ دَائِمًا حَجَرٌ أَمْلَسُ،

وَتَذْكِرَةٌ قَدِيمَةٌ لِمَدِينَةِ الْأَلْعَابِ،

وَنُكْتَةٌ تُنْقِذُ الْعَالَمَ مِنْ وَقَارِهِ الزَّائِدِ.

كُلَّمَا ضَحِكْتَ،

سَقَطَتْ سَنَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ عُمْرِي،

وَعَادَتْ إِلَيَّ رُكْبَتَايَ الصَّغِيرَتَانِ تَتَرَاقَصَانِ.

*

أَظُنُّ أَنَّ الْأُمَّهَاتِ لَا يُرَبِّينَ أَبْنَاءَهُنَّ فَقَطْ،

بَلْ يُخَبِّئْنَ فِي صُدُورِهِنَّ طِفْلًا ٱحْتِيَاطِيًّا،

لِيُعِدْنَهُ إِلَيْهِنَّ يَوْمَ تُتْعِبُهُنَّ الْحَيَاةُ.

فَكُلَّمَا قَالُوا لِي:

«كَبِرْتِ..»

أَبْحَثُ عَنِ الطِّفْلِ الَّذِي يَخْتَبِئُ فِي أَعْمَاقِي،

أَنْفُضُ عَنْ وَجْهِهِ غُبَارَ الْأَيَّامِ،

وَأُعْطِيهِ حَبَّةَ الْحَلْوَى الْأُولَى.

فَيَبْتَسِمُ...

***

مجيدة محمدي

هذا الجحيمُ

المسربلُ برؤياكِ

يحرقُ أنفاسي

اخرجي عن صمتكِ

دَندني بكلِّ أنغامِ الوجدِ

وأعلني

نبؤةَ انبعاثكِ

غيمةً

تفكُّ رموزَ صحرائي

وترسلُ الدُّخانَ

خيوطَ انتماءٍ

تغزلهُ العيونُ

كانبعاثِ السّنا

اخرجي عن صمتكِ

صوتاً …

وصدىً …

يُغرّدانِ على أفنانِ الشوقِ

ويختزلانِ المدى .

***

سلام البهية السماوي

الفصل الثالث من رواية قيد الانجاز

كانت ندى تجلس في المقهى المطلِّ على ميناء المدينة، فيما الأصيلُ يسكبُ ذهبه الخافت فوق صفحة الماء، فتبدو السفنُ البعيدة كأحلامٍ تائهةٍ تبحث عن مرافئها الأخيرة. وضعت فنجان القهوة بين يديها بحذرٍ يشبه احتضانَ الأشياء الهشّة، وأخذت تحدّق عبر النافذة الواسعة نحو الأفق، كأنها تفتش هناك عن بقيّة امرأةٍ أضاعتها السنوات بين ركام الخيبات ومتاهات الخذلان.

كان الهدوء الذي يحيط بها نادرًا إلى درجةٍ أثارت وساوس خوفها، فمَن اعتاد العواصفَ المكررة، يُربكه السلامُ المباغت. ومع ذلك، سمحت لروحها بأن تستريح لمرةٍ منذ زمنٍ بعيد، وتركت عينيها تسرحان في زرقة البحر التي استقرت أمامها كوعدٍ غامضٍ بحياةٍ أخرى تشبه انبلاج الفجر.

وفيما كانت غارقةً في لُجّة تأملها، التقت عيناها بعينين بدتا مألوفتين على نحوٍ يعزُّ على التفسير، كأنّ الأرواح في ملكوتها تتعارف قبل الأجساد بزمنٍ طويل.

رجلٌ على مقربةٍ منها تمنحه ملامحه الأوروبية الهادئة سمة الوقار، ويحمل في قسماته ذلك التعب النبيل الذي يتركه الحزنُ المكتوم في الوجوه العميقة. عيناه بلون السماء بعد جلاء المطر، صافيتين على نحوٍ يبعث في النفس طمأنينةً لم تحسب لها حسابًا.

لاحقته نظراتها بخجلٍ ظنت أن الأيام قد انتزعت قدرتها على اقترافه، خجل امرأةٍ حسبت أن الكلال قد استنزف من أنوثتها طاقة الإلفة الجميل. انتبه إليها وهو يطلب قهوته، فحيّاها بإيماءةٍ خفيفة من رأسه، ردّت التحية بابتسامٍ ملوّن بشيء من الشفافية انبعث من شفتيها بعفوية، فبدت كطاقةِ ضوء انفتحت فجأةً في جدار بيتٍ معتم. وربما كانت تلك الابتسامة وحدها دافعًا كافيًا ليقترب من طاولتها، مستأذنًا مشاركتها الجلوس.

وافقت، وهي تشعر بنبضٍ دافئ يتحرك في أعماقها الباردة، شيء ظنّت طويلًا أنه استحال رمادًا تحت أنقاض تجاربها القاسية. كان حديثهما في مبتدئه حذرًا، يشبه اقتراب كفين يخشى كلاهما ملامسة جرحٍ مفتوح لدى الآخر، ثم ما لبث الحديث بينهما أن تدفق بسلاسةٍ غريبة، كأنّ كلًا منهما وجد في رصيف الآخر مرآةً تعكس خيباته القديمة.

تسلل إليها من خلال وهج حديثه ان مايك هو الآخر قد خرج لتوه من زواجٍ فاشل، وأنه يعي جيدًا مرارة ذلك الفراغ المهول الذي يتركه الانكسار في الروح.

غير أنّ أكثر ما شدّها إليه إضافة الى تشابه جراحهما، هي طريقته في فلسفة النجاة من جراحه. كان يتحدث عن خساراته بهدوء رجلٍ تصالح مع انكساراته واخفاقاته الإنسانية، قَبِلها ولم يهرب من مرارتها.

أما هي، فقد بدأت تكتشف في ظلال حضوره شيئًا افتقدته طوال سني عمرها:

أن تُصغي إليها عيونٌ دافئة بلا لوم، بلا لوم يسحقها وبمنأى عن أحكام مسبقة، أن ترى نفسها امرأةٍ مكتملة الحضور، لا كعبءٍ عابر أو ضحيةٍ تثير الشفقة.

انتهى لقاء الصدفة بوعدِ لقاءٍ آخر، ثم توالت اللقاءات حتى غدت جزءًا حميمًا من إيقاع أيامها الجديدة... شيئًا فشيئًا، أخذت الحياةُ تدبُّ في عروق روحها المتعبة، كحديقةٍ يابسة باغتتها ديمومة الأمطار بعد قحطٍ دهري.

استعادت ضحكتها المنسية، وأقبلت على غدها بقلبٍ أقل توجسًا، مؤمنةً أن النجاة ليست وهمًا ذابلًا، وأنها يمكن أن تُمنح فرصة لتعيد بناء نفسها من وسط الحطام، ولكن بطريقةٍ أكثر حكمةً وأصدق يقينًا.

وفي خضم ذلك التحول الهادئ الذي يرمم روحها، جاء النبأ السار ليتوّج صبرها. ربحت قضيتها المرفوعة في النقابة، كأن العدالة قد تباطأت في خطواتها فقط لتأتي أكثر جلالًا وإنصافًا. تلا ذلك صدور موافقة الضمان الصحي على إرسالها إلى المصحَّة للعلاج. وكأن الحياة، التي طالما أغلقت في وجهها الأبوابَ وصدمتها بالجدران، بدأت أخيرًا تفتح لها نوافذها لتغمرها بالضوء.

***

الفصل الرابع: جمهورية الوجع

في ظهيرةٍ تشرينية غسلتها الأمطارُ برذاذٍ شحيح، توقف القطارُ عند تلك المحطة النائية التي ترقبُ المجهول بصمتٍ متذبذب. نزلت ندى من مقصورتها تحملُ بين ضلوعها خلاصة من الأرق، وحقيبةً صغيرةً لم تكن تحتوي إلا على ما تبقّى من رمق أحلامها المجهضة.

لم تكن وحدها على رصيف الانتظار. تجمهر قربها زهاء ثلاثين ظلاً، وجوهٌ تشبهُ أوراق الخريف التي تلاعبت بها رياحُ الخيبة، لكلٍّ منها حكايةٌ مبتورة، وعيونٌ تفتشُ في الفراغ السديمي عن مرفأٍ أخير. كان الجميعُ في جوف ذلك السكون بانتظار الحافلة التابعة للمصحّة، التي ستقلع بهم نحو الضفة الأخرى من المجهول.

ارتقت الحافلة، وغاصت في مقعدها كمن ينسحبُ من صخب العالم.

لم تكن تلتفتُ للمسافات التي تُطوى، أو القرى التي تمرُّ وراء الزجاج كشريطٍ سينمائي باهت، فقد كانت رحلتُها الحقيقية تغوص في الداخل، حيثُ الأنا تتشظى وتعيدُ التئامها في صراعٍ محموم. كان قلقُها من المجهول يتقاطعُ مع يقينٍ واهي بأنّ هذه الرحلة هي الانبعاث الجديد لروحها المثقلة.

لطالما أغرتها قراءاتها الشغوفة عن المصحات النفسية، وصوّرتها مخيلتها كمناسكَ مقدسةٍ يُغتسلُ فيها من درن التوتر والاوجاع، وتُرمّمُ تحت أسقفها تصدعاتُ الروح. كانت تهمسُ لنفسها، والابتسامةُ ترفرفُ على ثغرها كجناح فراشةٍ منهكة:

" أخيراً، سألقي بمرساتي في أيدي متخصصين يدركون لغة الصمت، سأهدي أعصابي الذابلة لتقنياتِ الاسترخاء والتدليك، وأتركُ لندى القديمة أن تذوب في أحواضِ البخار الدافئة، لعلّي أستعيدُ تلك المرأة التي ضاعت مني في زحامِ الألم والخوف والتهميش."

خلف معطفها القاتم الذي يلتفُّ حول جسدها النحيل كشرنقةٍ صلبة تحميها من كل ما يحيطها، كانت تعيشُ رهقًا نفسيًا خالصًا. عيناها اللتان كانتا يومًا مناراتٍ للزهو والشجاعة، استحالتا الى بئرين غائرتين من الاستنزاف، كلما رنت بهما إلى الخارج، ارتدَّ إليها بصرُها متخاذلًا، منكسرًا، ومصطدمًا بأشباحِ ذكرياتٍ مؤلمة تتكدسُ في زوايا وعيها كغيومٍ حبلى بصواعق الالم الحاد والندم المُرّ.

راحت ترقبُ رفاقَ دربها في تلك الرحلة الغريبة بفضولٍ مُتوجّس، تأمّلت ذلك الشاب الذي انحنى ظهرهُ تحت وزرِ ثقلٍ لا تراهُ العيون، وتلك المرأة التي تُرمّمُ انهيارها الداخلي بابتسامةٍ واهية من الحزن، انتابها شعور غامض بانتماءٍ لهذا المجتمع الموجوع. لم تعد غريبةً بعد الآن، بل أصبحت مواطنةً شرعية في "جمهورية الوجع"، حيثُ الألمُ هو اللغةُ الرسمية، والانكسارُ هو القاسمُ المشترك.

هذا الاكتشاف، منحها عزاءً باردًا، كأنّ جرحها النازف وجد له أشقاءً يشاركونه هذا العراء.

فجأة، انفتح الأفقُ عن تلك المصحّة التي بدت كأطروحةٍ معماريةٍ صاغها الزمنُ قبل ثلاثة قرون او أكثر، مجمعٌ مهيبٌ من الأبنية الأثرية الحجرية، تتراصُّ في هندسةٍ نجمية منسجمة، وتتمددُ كمدينةٍ نائمةٍ في حضنِ غاباتٍ كثيفة تحرسُها بحيراتٌ ساكنة تشبهُ مرايا عملاقة تعكسُ وحشة المكان وجلاله. بدت المصحّة كشبه جزيرة معزولة، قررت في لحظةِ زهدٍ صوفية أن تنفصل عن ضجيج الوجود، لتخلقَ عالمًا موازيًا يُعاد فيه تدويرُ الأرواح المكسورة وتطبيعها مع الهدوء البكر.

حين ترجلت من الحافلة، وضعت قدميها على الأرض بحذرٍ غريزي، كأنها تخشى أن تزعج سكون المكان. رفعت رأسها ببطء، واستنشقت هواءً بارداً مشبعاً برائحة الصنوبر والرطوبة، فاندفعت إلى صدرها رجفة خفيفة لم تعرف إن كانت من برد الصباح أم من رهبة اللحظة التي انتظرتها وخشيتها في آنٍ واحد.

امتد المبنى أمامها هادئاً، تحيط به أشجار باسقة تتمايل رؤوسها في الريح كحراسٍ صامتين. كان كل شيء يوحي بالهدوء، غير أن داخلها كان يعجُّ بضجيجٍ هامسا، بأن الطريق الذي قادها إلى هنا لن ينتهي بوصفةٍ دوائية أو ساعاتٍ من الاسترخاء، فثمة طبقات من الألم ترسبت عبر السنوات، وأبواب أوصدتها بإحكام خشية ما يختبئ خلفها..

وقفت هناك، شامخةً برغمِ كل هذا الوهن الذي يخترقها، تتأملُ جلال البناء والأشجار العالية، تاركةً لقلبها المرتجف أن يستقر على حافةِ التغيير، ففي هذا المكان، إما أن تنبعثَ كالعنقاءِ من رمادها، أو تظلَّ مجرد أثرٍ منسيٍّ في كتابِ الغابة الغامض.

تابع

***

سعاد الراعي

وَلْـيَـكُـنْ نَـهْـرُكِ

خَـزِّنـي عـنـدكِ قَـمْـحـي لِـعِــجـافْ

وإذا لَـمْ .... فَـلِـقـطـعـانِ الـزرافْ

*

لا تَـقـولـي نَـفـدَ الـوقـتُ إذا

نَـفـدَ الـوقـتُ

وقـولـي الـوقـتُ كـافْ

*

كـافُ تَـشْـبـيـهٍ؟

كـمـا شِـئْـتِ

إذَنْ

سَـرِّحـي

شَـعْـرَكِ مِـنْ غـيْـرِ قـوافْ

*

سَـنْـبِـلـي شِـعْـرَكِ مِـن قَـمْـحـي

تَــرَيْ

حَـوَّمَ الـطـيْـرُ حـوالَـيْـكِ وطـافْ

*

أو ذَري صَـوْمَـعَـةَ الـقَـمْـحِ إلى

صـوْمَـعَـةِ الـراهِـبِ

في كـوخِ الـكـفـافْ

وَلْـيَـكُـنْ نَـهْـرُكِ في الـواقِـع

يـا قـاصـدتي

عـاريـاً

يَـشْـطَـحُ مِـن غـيْـرِ ضـفـافْ

*

أنـا لا أخـشى اتِّـهـامـي

فـاسِـقـاً

إنّـمـا مِـن

شَـظَـفِ الـوَصْـلِ أخـافْ

***

وعُـنـقـودُكِ الـسَـكْـران

أُقَـلِّـبُ فـيـكِ الـعُـمْـرَ

مَـجْـمَـرَةَ الـمـعْــنـى

وجَـذْوايَ يـا جَـدْوايَ دافِـئـةً تَـفْـنـى

*

حَـزانى إذا اخـتـاروا مَـلـيـكـاً

لِـحُـزْنِـهِـمْ

مُـتَـوَّجُـهُـمْ لا بُـدَّ أعْـرَقُـهُـمْ حُـزْنـا

*

مـلـيـكٌ! نـعَـمْ مَـولايَ

ذاكَ لأَنَّـكُـمْ

تَـدَلَّـتْ مِـن الـصَـفْـصـافِ

ألـقـابُـكَ الـحُـسْـنى

*

كـأنَّ إلـهَ الـنـاسِ ... دَعْ عَـنْـكَ

هـاكَـهـا

مَـدائِـحَ

بُـرْجٍ دامَ مِـن دونِ ما مَـبْـنـى

*

بِـإطْـلالَـةٍ زرْقـاءَ كـانَ خـريـفُـهـا

لـهُ سـدْرةٌ فـي الـغَـيْـبِ

جَـرَّدَهـهـا غـصْـنـا

*

وحـاجـةُ نَـفْـسٍ ظَـلَّ

يَـعْـقـوبُـهـا الـذي

تُـراوِدهُ وأْدَاً

يُـؤَخِّـرُهـا دَفْـنـا

*

رمـادُكَ إذْ يَـربـو قُـبـورُ نَـيـازِكٍ

وعُـنْـقـودُكَ الـسَـكْـرانُ يـصْـحـو

إذا غَـنّـى

***

إنْـ سـ ان

بَـلـى هـوَ الـمَـدْحـوضُ والـداحِـضْ

والـجـوْهَـرُ الـمَـكْـنـونُ والـعـارِضْ

*

حَـيَّـرنـي حُـلْـواً ومُـرّاً وتـا

وتـارةً كـأنّـمـا حـامِـضْ

*

وتـارَةً مِـنْ مَـزْجِ أحْـوالِـهِ

جـاءَ الـمـقـامُ الـرافِـعُ

الـخـافِـضْ

*

أحْـلامُـهُ غـيـومُـهُ حُـرَّةٌ

وَهْـوَ فَـتـاهـا الـ تَـحْـتَـهـا

رابِـضْ

*

أشَـحُّ مِـن بِيـدٍ عـلى ظـامِـىءٍ

بَـحْـرٌ مِـن الـمِـلْحِ بـهِ فـائِـضْ

*

شِـبـاكُـنـا

وبَـحْـرُهُ مَـيِّـتٌ

كَـ ساحِـرٍ وديـكـهُ بـائِـضْ

*

كَـ قَـيْـصَـرٍ

لَـمّـا يَـزَلْ عـاريـاً

يَـلْـبَـسُـهُ قَـمـيـصُـهُ الـغـامِـضْ

***

إنَّ الـقـصـيـدةَ حُـبْـلـى

فـي سِـفْـرِ فِـتْـنَـتِـهـا بـابٌ تُـوارِبـهُ

فَـصْـلاً فَـفَـصْـلاً

كَـتَـشـويـقٍ لِـوازِرِهـا

*

هـلْ حِـبْـرُهـا دَمُـهُ ؟

قـالـوا مـدادُ نـدىً

أيْ طَـلُّ إطْـلالَـةٍ مـنـهـا لِـشـاعِـرِهـا

*

قـالوا

ولـيـسَ كـمـا قـالـوا

الـغُـيـوبُ هِـيَ الـ

هـيَ الـيـمـامُ الـذي

فـي كُـمِّ سـاحِـرِهـا

*

إنَّ الـغـيـوبَ شَـمـولٌ

طـالَـمـا أُحْـتُـجِـبَـتْ

عـن الـنَـدامـى بِـقَـبْـوٍ عـنْـدَ عـاصِـرِهـا

وأصْـلُـهـا نَـحْـتُـهـا مـاءً

مُـكـاسَـرَةً

بـالـزنْـجَـبـيـلِ أَلا طـوبـى لِـكـاسِـرِهـا

*

تـأَرْضَـنَـتْ بَـعْــلدَمـا احْـلَـوَّتْ

وزاغَ بِـهـا

عـن الـمَـلائِـكِ طـيـنٌ

فـي مَـصـائِـرِهـا

*

مِـنْ تَـحْـتِ مُـؤمِـنِـهـا

أو تَـحْـتَ كـافِـرِهـا

إنَّ الـقـصـيـدةَ حُـبْـلـى

مِـنْ مُـعـاشِـرِهـا

***

جـمـال مـصـطـفـى

في نصوص اليوم