عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

العكس يضرم في السفح

ويحرق عند السهل

ويسفك في المقل ..

**

خامل أنت يا جبل الجليد ..!!

لست كالسهل أنت

أو كالشراع الذي

تمزقه ريح الشمال

وريح الجنوب

العاتيات ..

**

تكسره الامواج في اليم

ولا تعاني ..

كحال النوارس

عند السواحل

يرتجفن من نثيث المطر..

ثم، يكتحلن بشمس الصباح

وليس مباح لهن ركوب البحر..

وكما هو حال القطا،

يسبحن بين رذاذ قامات القصب..

ولا يأبهن بالرصاص العنيد

بالقرب من حشود الغضب..

**

غارق أنت أيها البحر

بالضباب وبالضجيج وبالخطر

تتكسر الأمواج تحتك لا تبالي..

تتوجع الحصوات

عند ساحلك الرهيف ولا تعاني..

عظيم انت ايها البحر

صابر عبر كل العصور..

صابر بين اكوام

المهازل والمهالك والقبور..!!

**

تطهرت يوما بـ(رغوك) كي اطوف

مع النسائم أنتشي، وأسائل نفسي:

هل مات تشرين من الهم وقهر الارتياب.. ؟

ام يتنفس الصعداء في اليم الرخيم..؟

لا شيء في تشرين يدنو للقطوف..

خذها التي قد عفتها في جوف تشرين المزايا ..

خذها الى حيث معترك الحياة كأحجية المرايا ..

فلقد تداعت حال تشرين، مذ غربت رؤاه كما

نراها، هي موسم الصولات والجولات

في اليم الرحيم..

فتمزقت في دربها تلك السرايا

وتعرت الاجساد تحت الشمس

تحت اغطية السلام ..

لم يبق غير انين من رحلوا

ومن ماتوا في دروب

هدها شغب الزحام ..!!

**

يتحدث الموهوم عن

(وهم) يريده يحيى من جديد

يتبجح الموتور في معنى السلام ..

الحل عندي والقوم ما زالوا يتاما في الخيام ..

لم لا تكف عن الصراخ عن السلام ..؟

وفوق مسرح أمتي

يتهافت السفهاء منهم

يتبختر الحمقى

يماطلون ويفتكون..!!

لم لا تطالب من تمادى بالرجوع الى الوراء..

صراخك لا يعني بحال عند قوم في الخيام..

وصخبك لا يعدو سوى قمع وإذلال وتيه تحت أقبية

الظلام ..!!

***

د. جودت صالح - إسطنبول

4 / 9 / 2026

حين دعوت الليل ليستريح على صدري، ويلقي بظلمته الموغلة بالمجهول والغموض بأعماق ليل عمري وعتمة دربي، ضحك، بسخرية واستهزاء، واخرج من أمعائه المغطاة ببياض ناصع يذهل العين ويخطف البصر لسانا متقدا بفوهات بركانية تسيل من أحشائه إلى أحشائه، واندفع يشكل ملامح الساعات ببريق جهنمي الطلعة، وسالت منه روائح نار زكية، روائح حشائش دستها في طفولة عمر تقضى بين أحضان البيارات والجبال والسهول والربى.

قال لي:

صدرك صغير، غير مكتمل النمو، لا يتسع لفراش السهل، بل لا يتسع لبيت نمل في جبل، ولا يتسع لجذر نرجسة تسكن ربوة من ربى الأرض التي تعرفك ولا تعرفها، وأنا، طويل، ممتد، من حد الكون، إلى حد الكون، كبير، من حد الأرض، إلى حد السماوات، ثقيل، لا تسعني الأرض، ولا تسعني الشمس، والقمر أعلن عجزه منذ الأزل، وصدرك صغير صغير، تنحره حبة عتمة، وتذبحه حبة ظلمة.

قلت:

في صدري عوالم مفتوحة الآفاق والآماد، تترامى أطرافها إلى اللانهاية، وتمتد جذورها إلى أعماق لم تصلها عتمتك أبدا، ولم تغزوها ظلمتك، وعلى صدري جلد مغطى بشعر، غابة تغص بالغنى، تشعر بالبرد، تنتفض حرا، تتنسم رحيق النسيم المغادر ثرى الأرض لتؤصله بذاتها، في صدري تسكن حياة، تمور بها مياه الانفعال، وتتلاطم أمواج الحب، وتسجر بالغضب المشتعل، وتنساب جداول الرضى بين أروقة المجهول، وتزهر براعم عطف، تكبر، تنمو، تتحول دغلا متشابك الأغصان، كثيف الخضرة، ثخين الجذوع، تتفجر ينابيع الحنان، لتروي الدغل، لتمنحه البقاء، الثبات، الرسوخ، المتانة.

تفيض أبحر الكراهية، وتعلو أمواج الحقد، تتشكل اعاصيرا جارفة، تضرب جنبات النفس والصدر، يكبر شعر الصدر، ويعلو الجلد، يسمك، هذا بعض من عوالم تسكن صدري، بعض قليل، قلة ظلامك أمام وهج شمس دافئة.

قال:

مسكين أنت، تستحق شفقة الديدان، هل تعلم معنى الرهبة؟ معنى الوحشة؟ معنى المجهول؟ معنى العمى؟ معنى السواد؟ ومعان أخرى تتلفع بصفاتي؟ حين أخيم، يسدل الستار على الأشياء والأمكنة، على الآماد والآفاق، على الشواطىء والكثبان، على الصحارى والأنهار والجداول، كلها تضيع في عتمتي، تختفي في ظلامي، يصبح لها شكلا آخر، ومعنى آخر، فالصحراء التي تغتسل بحمام شمس، ليست هي الصحراء التي تنخرها برودة ظلامي، ليست هي التي يتجرؤ الإنسان عليها، حين أخيم، يظهر جبن الإنسان أمامي، يتجلى، دون خجل أو حياء، حين تسقط دموع تيهه على رملي الناعم، لتذوي، تتلاشى، في حين ينمو الرعب في جوفه كصبار وحشي الشوك، يخزه في قلبه، في روحه، فتراه يسقط مكوما على نفسه، عاجز عن الحركة، ثابت بالرعب مكانه، بين طيات عتمتي.

قلت:

ولكن حين تشرق الشمس، ويتنفس الصبح، تراه ينطلق محلقا بين الأغصان، وعلى قمم الجبال، كنسمة عشق، وروح شهيد، يناغي الأزهار، ويرفع الحجر عن الأعشاب المخضوضرة، كقصيدة شعر، ترن حروفها بأعماق أبي القاسم الشابي، الذي قاوم حمى المرض، ووجع الليل، بالغناء الرقيق للطبيعة والجبال، وكأن تونس الخضراء أصبحت حية فقط بكلماته، هل زرت تونس يوما، لو زرتها لعرفت أنها بديوان الشابي، أجمل منها بالحقيقة، لأنه استطاع أن يعيد بناء خضرتها من قلبه المُدَمًى وروحه المرهقة، لكنه نسيك أنت، وتجاوزك، كما يتجاوز العمر لحظات الظلام وهو يمسك بين أحداقه بشعاع شمس لا تطفأ.

هناك وفي الأرض الممتدة من نور الشمس إلى نور الغناء والمرح، تكبر الأشياء وتتجلى المكونات، تنهار عوالم، وتنهض عوالم، تتلاشى آفاق وتنفتح آفاق، يصعد الدَوًريُ ليوازي الغراب، وتخرج الأفعى وهي تتلع برأسها، تنضنض بلسانها، تبحث عن فأر أو جرذ، تسخن الأرض وتغلي الدماء، يقع في روع الموت نهايات، ويبرز من قلب العدم بدايات.

قال لي:

جاهل أنت، بل ومغرق بغرور الجهل، لأنك ما زلت تحبو على أربع، تماما كما يحبو الجنون بأعماق خلايا العقل المكسور، الكسيح، أنت والغباء صنوان متقابلان.

أتدري ما الفرق بين الإنسان المنتشر بالنور، وبين الإنسان المكور في الظلمة، هو نفس الفرق الكامن بين من يصول ويجول في لحظات الاستئناس بالوجود العارم للناس والأشياء المحيطة بذاته، وبين الإنسان المعرى أمام حقيقية ذاته وكينونته.

فالإنسان بين الناس، وتحت شعاع الشمس، وبين خيوط النور والضوء، وبين هدير الحياة والحركة، هو ليس الإنسان الذي تلفه طبقات الظلام والعتمة في جبل مهجور أو صحراء خالية.

هناك تبدأ الغلالات بالتمزق والتكشف، قسرا وقهرا وجبرا، ليتهاوى قناع الذات ويتهتك، ولتخرج النفس بأبهى وأنقى صورها المتماسكة مع الحقيقة والجبن، هناك تسيل زوابع الأشياء التي تختفي في الصدور تحت ضوء الشمس ونورها.

انظر معي إلى ذاك الرجل المتروك على قمة جبل مهجور، وقد توغلت الظلمة فيه إلى حد الهوس واليقين، أتراه كيف يرتجف، خوفا ورعبا، هل تسمع دقات قلبه وهي ترج العظام وتخلخل الجمجمة، لو كنت مثلي تستطيع الانتشار بداخله، لعرفت كيف يمكن لصرخة مخفية في حنجرة يشلها الخوف، أن تمزق الكون وتفتت الوجود، انظر جيدا إلى شعر صدره الممتد كدغل متشابك، كيف ينتصب كالإبر والدبابيس، حتى يبدو وكأنه يود أن يخز الجبل فيؤلمه.

هل ترى الدموع المنهلة كمطر لا يرحم، وهل ترى النظرة الزائغة الحيرى، اعلم بأنك لا تستطيع أن تدرك ذلك، لا تستطيع أن تفهم ذلك، ولو كنت قادرا على مثل هذا، لما كانت عتمتي كابوسا يمس تلابيب دماغك، وتنسكب في رؤاك كسواد عقيم لا يحمل غير الرعب والجنون.

أنت الإنسان، ذات الإنسان، الذي ولد ليغذي ويتغذى بالغرور والجهل والغباء، بالتخفي أمام اشراقة الشمس، ليرى نفسه، وليقدم نفسه للإنسان كما يحب ويشتهي، والحقيقة، كل الحقيقة، بان الدودة الراقدة في جسدك، والتي تنتظر هبوطك للقبر، لتسبح في كل مكوناتك داخل العتمة، تملك من الرؤى والبصيرة أضعاف أضعاف ما تملك أنت.

***

مأمون احمد مصطفى

فلسطين – مخيم طول كرم

النرويج – 1- 06- 2007

مُوتيفاتٌ من أسفار النَّدى وعَتْمَة المدى

  ***

بعد أن سمّروني وألقيت عينيّ نحو المدينة

كدت لا أعرف السهل والسور والمقبرة

"بدر شاكر السياب"

1

في مرافينا نوارسْ

تستريحُ من المسافةْ

تشربُ الأحزانَ صمتًا،

وتعيدُ الماءَ خُطوَهْ

*

كلُّ شيءٍ كان يسألْ:

هل تعودينَ إلينا؟

هل يعودُ الصوتُ حيًّا،

ويعودُ القلبُ رَهْفًا؟

*

ها أنا أمشي وحيدًا

فوق ألحانِ العتابْ

لوّحتْ كفّي لظلٍّ

غاب في أقصى الضبابْ

*

غسلَ الموجُ جبيني،

وغفا الحزنُ على نافذةْ

*

(أهو هذا الذي يريدون؟

أشلاء وأنقاض منزل

مهدود)1

2

يا صباحًا يتفتّحْ

فوق جفنِ الكلماتْ

يا نداءً خفيًّا يسري

من عميقِ الوجعِ

جئتِ، والضوءُ الشفيفُ

شقَّ سترَ الظلماتْ

يبحثُ عن بقاياكِ

في الليلِ الداجي

*

حرّرتِ الجرحَ من صمتهِ،

فأبى أن يرحلَ

*

فتعالي، قد تعبتُ

من خرابٍ يتردّدْ

ومن الصحوِ الذي يبني

سرابًا ثم يهوي

فتعالي نوقدِ الوردَ

الذي خبّأهُ سامْ*

إنَّ صبحًا دون عينيكِ

يطولُ ولا يجيءْ

*

(مُدنٌ بلا فجرٍ تنامْ

ناديتُ باسمكَ في شوارعِها،

فجاوبني الظلامْ)

3

صرخَ البابُ: أهذا

وقعُ خطوتِها البعيدةْ؟

أين وجهٌ كان يأتي،

فتلينُ لهُ العتبةْ؟

كان خشبُ البابِ يصحو،

ويعيدُ الظلَّ طفلًا

مرّتْ عليهِ نفحةٌ منها

من شبابيكِ التمنّي

*

عاد عطرٌ ثم غابْ،

وأنا أبحثُ في الصمتِ

عنِ الصوتِ القديمْ؛

كان يهديني نداءً

ويمدُّ الليلَ نوءًا؛

مرَّ في بغدادَ جديدٌ

فاستفاقَ الحجرُ مذعورًا،

بدّلتْ أبوابُها أقفالَها

واختبأ المفتاحُ فيها،

وحدّقتْ شُرَفُ البيوتِ

في رمادٍ لا ينامْ،

وانحنتْ في الظلِّ مئذنةٌ

*

كأنَّ الضوء ذنبْ؛

يا بقايا بابِ عمري

هل كفانا أن نكونَ شظايا؟

*

(أو يفض الظلام ألا لكي تندّك جيكور

بالسلاح الجديد)2

4

في مرافينا تواريخٌ

تموتُ ولا تُشيَّعْ

ومدينةٌ مدّتْ خناقًا

نافذةٌ نادتْ ظلالًا،

فاستجابَ لها الغبارْ

*

حين ألقى الليلُ شهقتَهُ،

أتتْ ريحُ الفراقْ

يا بعيدةْ،

كيف أبصرتِ انكساري؟

حين دارَ البحرُ في صدري،

وفاضَ على الكلامْ

*

يا بقايا الوجدِ عودي،

وامنحي قلبي هداهْ

تشكّلي غيمًا خفيفًا،

واستردّي الوقتَ منّي

ثم غيبي عن عيوني،

كي أعودَ إلى الندى

*

(أسريت أطوي دربي النائي

بين الندى والزهر والماء

أبحث في الآفاق عن كوكب)3

5

كنتِ نارًا،

كنتِ سيفًا،

كنتِ بابًا للوجودْ

كنتِ صوتَ العائدينَ

حين ضاقَ نشيجُ الطريقْ

*

فتّشتُ فيكِ عن دروبٍ

ضاعَ أولُها

وعن الوردِ الذي أبقتْهُ

في مرآتها الرؤى

وعن البيتِ الذي نامتْ

على أعتابهِ خطواتُنا

*

نام ملحُ البيتِ وحدهْ،

واستحالَ الخبزُ طيفًا

جاء من بيتِ الجوارِ

دون كفٍّ أو سلامْ

أنكرتْ جرّتُنا الماءَ،

وضاع مفتاحُ الذاكرةْ

والوجوهُ رأتْ سواها،

فرأتْ في المرآةِ قناعًا

*

كلّما ناديتُ: لارا،

انتبه في الليلِ جسرْ

وأضاءَ النهرُ قنديلًا،

وأخفاهُ عنِ العابرينْ

*

لستُ أدري:

أنتِ مَن غابتْ؟

أمِ اختبأتْ مدينةٌ

في سوادِ العينِ منكِ؟

*

(ولست أسأل عابريها عن بعيد عن قريب

من منتهاها واكتئابي

والحنين مع الغروب)4

6

يومُ نورٍ قد تكسّرْ

في دمي، فابتلَّ صوتي

كتبتْكِ الروحُ ماءً

فوق ألواحِ الحروفْ

كنَفَسٍ

يسري خفيًّا في المسافةْ

*

دخلتِ في ضوءِ الندى،

فاهتزَّ غصنٌ كان صابرْ

واستفاقَ الظلُّ فيهِ

بعد أعوامِ الخريفْ

*

وكتبتُ الليلَ سرًّا

ينثرُ النوءَ الخفيَّ

فوق جفنِ المساءِ،

فتستفيقُ بهِ النجومْ

وتسلّلَ الفجرُ نحوكِ،

فاستحالَ الليلُ بدرًا

وجهُكِ الموشومُ بالغسقِ،

استفاقَ بهِ الشجنْ

فتفتّحتِ الملامحُ

عن سكونٍ من سحرْ

*

(صيحاتك صوت نبيٍّ يبكي تحت

الأسوار)6

7

كانتِ السهولُ تخطُّ

للمسافرِ دربَهُ

وكان نهرُ الضوءِ يهدي

للطيورِ مسارَها

والنخيلُ العتيقُ ينسجُ

من ظلالِهِ الحكايا

*

كلّما ألقى دجلةُ

للغروبِ مراياهُ،

رأى لارا

ثم راحَ يشقُّ في الطينِ

دروبًا لضفّتيهِ

باحثًا عن ثوبِها

في نخلةٍ عبثتْ بها الريحُ

*

يا نسيمًا مرَّ هادئًا

على طرفِ الندى

يا ورودًا في شراييني

تدلُّ القلبَ دربَهْ

لو تعودينَ لأورقْ

في خُطانا كلُّ دربْ

وردَّ النهرُ المعنى

*

(غابتْ وعدتُ خاسرًا مهزوم

أُسائلُ الأطلالَ والرسوم)7

8

يا شباكي، دمعةٌ تمشي

على كتفِ السحابْ

*

خطوةٌ عادتْ بلا ظلٍّ،

تجرُّ تعبَ السنينْ

تنثرُ الريحُ حزنَها

فوق الترابِ الجافي

*

أُصغي، وما حولي

سوى صمتٍ وغبارْ

والكتابةُ تستفيقُ

إذا مشتْ فوق الشجنْ

فتعيدُ الصوتَ حيًّا

بعد أن نامَ صداهْ

ليس ليلٌ مثلَ ليلٍ

ضلَّ فيهِ عاشقاهْ

ليس بحرٌ مثلَ قلبٍ

ضاعَ في الموجِ مرساهْ

*

عادَ مَن غابوا،

فما عرفتْ خُطاهمُ العتبةْ

وقفوا عندَ البابِ،

والجدرانُ عادتْ للصمتِ

*

مرَّ خبزُ الأمسِ بينهم،

فاستنشقوهُ ولم يدروا

*

(ما أوحشَ الليل إذا ما انطفأ

المصباح)8

9

يا مسافرةَ الندى،

ما ظلَّ في الكفّينِ منكِ؟

ماذا تبقّى في يديكِ؟

ضوءٌ خبّأهُ الغيابْ

*

خدعتْ ريحٌ خُطايَ،

ومحتْ وجهيَ القديمْ

*

يا نجومَ المدنِ القصوى،

أضيئي للعائدينْ

ربَّ نجمٍ ضلَّ فيها،

وهدى مَن أضاعَ دربَهُ

*

فتعالي كي أرى وجهًا

يلمُّ البوحَ من جمرِ العناقْ

فالليالي تستريحُ

حين يرقُّ بها النسيمْ

حين ينسلُّ اقترابُكِ

فوق صدرٍ مستهامْ

يكتبُ الليلُ من النجوى

ضوءَكِ فوق الكلامْ

علّني أدركُ معنًى

يمشي خلفي كالسؤالْ

مرَّ بي حينًا وغابَ،

ثم عادَ بلا ملامحْ

والشوارعُ خبّأتْ

تحت الغبارِ أسماءَنا

والنخيلُ يسائلُ الماءَ:

مَن استبدلَ الوجوهَ؟

*

مَن أضاعَ الاسمَ فيها،

وسوّى الوجهَ بالقناعِ؟

مَن تركَ ميزانَ بيتٍ

في مهبِّ الريحِ ينكسرْ؟

*

يا لارا، أين تركتِ

للمدينةِ ظلَّ عينيكِ؟

وفي أيِّ المرايا خبّأتْكِ

يدُ الغيابِ عن عينيَّ؟

كلّما ناداكِ دجلةُ

عاد مكسورَ النداءْ

باحثًا في الماءِ

عن وجهٍ توارى

وعن اسمٍ لا يُقالْ

*

(الصيفُ جاء وذهبْ

وأنتِ تضحكين

لاهيةً، بالرمل تلعبينْ

حطّ على شُرفتك الغرابْ

وارتحل الأحباب)9

***

الكودا

سأجمعُ منكِ الظّلالَ

كي لا يبدّدَها الرحيلُ

وأوقدُ من جفوني

قبسًا يمحو المسافةْ

بين نبضي

والنّدى

*

أنا آخرُ ماءِ دجلةَ

حين ينسى النهرُ مجراهْ

يحملُ النخلَ المكسّرْ

في مراياهُ ويمضي

ويمدُّ للضفافِ كفَّهُ

كي يستردَّ من الغيابِ

صوتَ لارا،

ويعيدَ إلى البيوتِ

ملحَها،

ودفءَ خبزِ الجيرةْ

*

أنا آخرُ الماءِ

إن ضاعتْ ضفافُ الأرضِ

أحملُها بقلبي،

ثم أمضي في ظلالِكِ

نحو أوّلِ قطرةٍ

في الندى.

***

د. سعد محمد مهدي غلام

...................

هوامش

1,2,3,4 بدر شاكر السياب

5,6,7,8,9 عبد الوهاب البياتي

* سام هو العم سام كناية عن الولايات المتحدة الأمريكية

وُلِدتُ في زمنٍ

لم يولد بعدْ.

جئتُ وفي فمي

طعمُ كلمةٍ

لم تُنطقْ.

كبرتُ،

وكان الغد

يكبر بعيدًا عنٌي.

كلّما ركضتُ نحوه،

عثرتُ على أيامٍ مستعملة،

ووجوهٍ

تلبس مقاساتٍ قديمة.

قالوا:

كن واقعيًّا.

وضعتُ أذني

على صدر الواقع...

سمعتُ طفلًا

يحاول أن يتذكّر اسمه.

فصرتُ أفتّش

عن شقوقٍ

يتسرّب منها الجدار،

وعن عتمةٍ

تخفي في قاعها

بذرةَ ضوء،

وعن الإنسان

وهو يخلع

جلد الإنسانْ.

وحين أحببتُ،

لم أحبّ وجهًا؛

كنتُ أبحث

عن نافذةٍ

يأتي منها

هواءٌ لم يتنفّسه أحدْ.

وحين تعبتُ من الزمن،

نزعتُ ساعتي

وعلّقتها على شجرة.

في الصباح،

كانت الأغصان

تُورق دقائقْ.

ومنذ ذلك الحين

أمشي بلا وقت...

وفي يدي

أثرُ يدٍ

كانت تبحث عنّي

قبل أن أُولدْ.

***

بقلم:️ سليمان بن تمليست - تونس

جربة بتاريخ 10 سبتمبر 2026

شيدت جدارا للصمت على

جثث الموتى

لم أر في كفي صحراءَ

تشج الفيء

وتلبس تحت عويل الريح

ثياب الثلج

وتتلو تاريخا ما زال على ورق هش

يحبو بطلاقته المعتادة

تنبت بين جوانحه

وتطيش الأنباء

سأظل أدور كما هي حالي

وأغامر

لي فاكهة بظلال العالم تنضج

فوق الأرض المخمورة...

أنظر في المرآة

فيأكل بصري منها مدنا شائقة

تحتضن الشمس

ودربا بشعاب تهذي

تتجمد فيها الأبوابْ

أبصر مقهى وطن ساجٍ

يشرب فيه التتر الأنخابْ

أبصر سردابا للموتى عينه شاخصة

في الأفق الواسع

كالورق اليابس لم يفتأ ينغل

في ردَهات كتابْ.​

***

مصطفى معروفي

لم أكن أعرف، قبل تلك الرحلات إلى الموصل، أن الطريق يمكن أن يحمل في داخله ذاكرة أثقل من المدينة التي ينتهي إليها.

أخرج من أربيل وفي ذهني شيء من التردد الذي يسبق كل رحلة لا نذهب إليها بكامل رغبتنا، ثم أستسلم للمقعد الضيق في الميكروباص، مستسلما أيضا إلى أولئك الركاب الذين لا تجمعني بهم معرفة، سوى أننا سنقضي معا الساعات نفسها، ونصغي إلى صوت المحرك، وننظر إلى الطريق وهو يتراجع خلفنا.

لم تكن وجوههم تزعجني.

بينهم عامل تحمل يديه آثار عمله، وقروي تبدو في ملابسه رائحة الأرض، ورجال من أولئك الذين اعتادوا أن يحسبوا قيمة الأشياء قبل أن يشتروا شيئا.

أشعر، وأنا بينهم، بأن الفقر لا يصنع اختلافا بين الناس، بل يكشف فقط هشاشتهم المشتركة. لكنني أعرف أن الرحلة الحقيقية لم تبدأ بعد.

تبدأ حين تظهر السيطرة.

عند بداية الحدود الإدارية للموصل، يحدث ذلك التحول الغريب الذي لا تستطيع العين أن تلتقطه، ولكن النفس تدركه قبل كل شيء.

يخف الكلام، تتجه الأيدي إلى الجيوب، وتظهر الهويات كما لو أن الركاب، من كثرة ما مروا بهذا المكان، تعلموا الطقس دون أن يتفق أحد معهم عليه.

السائق ينعطف عن الطريق العام ويتوقف. ثم يأتي أحد عناصر الأمن. في تلك اللحظة أشعر دائما بشيء يشبه انقباضا قديما في صدري، ربما لأنني أعرف أن الهوية، وهي مجرد قطعة صغيرة من البلاستيك تحمل اسما وصورة، يمكن أن تتحول فجأة إلى شيء يشبه الحكم المؤجل.

الرجل يأخذ الهوية، ينظر إليها، ثم يرفع عينيه إلى صاحبها.

من أين أنت؟

من أي عشيرة؟

أين تسكن في أربيل؟

أين أهلك في الموصل؟

ماذا تعمل؟

كنت أتساءل أحيانا: هل كان يريد معرفة شيء عنا، أم أنه كان يبحث في وجوهنا عن شيء يعرفه هو ولا نعرفه نحن؟

وإذا لم تعجبه الإجابة، أو الوجه، أو ربما شيء غامض لا علاقة له لا بالإجابة ولا بالوجه، كان يأمر الرجل بالنزول والتوجه إلى الكرفان. هناك، خلف نافذة صغيرة منه، يجلس عنصر آخر أمام جهاز الحاسوب. يدخل الاسم، وينتظر. وفي أثناء الانتظار يتحول الإنسان إلى احتمال:

مطلوب، غير مطلوب، مشتبه به، أو مجرد اسم آخر مر أمام الشاشة.

أكثر ما يؤلمني ليس السؤال نفسه، وإنما ذلك الشعور الخفي الذي يبقى بعده، الشعور بأن حياتك، التي عشتها يوما بعد يوم، يمكن أن تختصر في لحظة إلى خانة مضيئة على شاشة.

لقد سألوني أكثر من مرة:

لماذا تسكن في أربيل؟

متى سكنت أربيل؟

هل كنت في الموصل عندما سيطر تنظيم داعش عليها؟

كنت أجيب، لكنني لم أكن أجيبهم وحدهم. كنت أجيب أيضا شيئا في داخلي بدأ، مع تكرار الأسئلة، يشك في حياته هو الآخر.

متى سكنت أربيل؟

كنت أعرف التاريخ. لكن متى، بالضبط، يبدأ الإنسان بالسكن في مدينة؟ هل هو اليوم الذي يستأجر فيه بيتا؟ أم اليوم الذي يترك فيه المدينة القديمة وراءه؟ أم اليوم الذي يكتشف فيه، فجأة، أنه لم يعد يعرف أين يجب أن يعود؟.

ذات مرة كنت أجلس في مقدمة الميكروباص. عندما اقترب أحد العناصر، أخرجت هويتي من جيبي ومددتها إليه، لكنه أشار بيده أن لا حاجة. أعدتها. كان يمكن للحكاية أن تنتهي عند تلك الإشارة الصغيرة. لكنها لم تنته. دقق الرجل هويات الركاب، ثم طلب من شابين أن ينزلا ويتجها إلى الكرفان. حمل هويتيهما ومشى خلفهما. بقيت في مكاني. وضعت ذراعي على حافة النافذة، ونظرت إلى الخارج، كما لو أنني أصبحت، فجأة، شخصا لا علاقة له بما يحدث. ثم جاء عنصر آخر. اقترب من النافذة وقال:

— لماذا لم تنزل وتذهب إلى الحاسبة؟ هل أنت أفضل من الآخرين؟ هيا، انزل.

كانت نبرته تحمل شيئا لم أجد ضرورة لتسميته.

نزلت.

كنت غاضبا، لكنني كنت أعرف أن الغضب في ذلك المكان لا يعود ملكا لصاحبه. قد يظهر على الوجه فيتحول إلى إساءة، وقد تخرج كلمة فتتحول إلى مشكلة، وقد تحاول أن تشرح موقفك فتجد نفسك مضطرا إلى شرح أشياء لم يسألك عنها أحد. لذلك صمت.

وقفت خلف الشابين. كنت أنتظر دوري، ولا أدري لماذا تذكرت في تلك اللحظة أشياء بعيدة لا علاقة لها بالسيطرة: غرفة قديمة، طريقا في الموصل، صوتا أعرفه، ووجها ربما لم أره منذ سنوات. لعل الخوف يعيد ترتيب الذاكرة على طريقته. عندها لمحني العنصر الذي كان قد طلب مني في البداية أن أبقى في السيارة. اقترب مني وقال:

— لماذا أنت واقف هنا؟

كان السؤال بسيطا، لكنني شعرت للحظة أنني دخلت بين سؤالين لا أملك الخروج منهما. لو قلت له إن زميله أمرني بالنزول، فقد يغضب زميله. ولو سكت، فقد يبدو صمتي مريبا. قلت:

— زميلك هو الذي أمرني.

وضع يده على كتفي، وأعادني إلى الميكروباص.

قال:

— ارجع واجلس في مكانك.

عدت.

كان العنصر الآخر يقف بعيدا ويراقبنا. لم يتحرك.

جلست، وتحركت السيارة بعد قليل.

وأنا أنظر من النافذة، شعرت أن السيطرة لم تبق وراءنا، كما يفترض للأماكن أن تبقى. كانت قد انتقلت معي.

ربما لهذا السبب، كلما فكرت بعد ذلك في السفر إلى الموصل، لم تعد المسافة بين المدينتين هي ما يشغلني. كنت أفكر في تلك الدقائق القليلة، في اليد التي أشارت، وفي الكلمة التي قيلت، وفي الكرفان الصغير، وفي الشاشة التي يظهر عليها اسم الإنسان ثم يختفي. والأغرب أنني، بعد كل تلك السنوات، صرت أخرج هويتي قبل أن يطلبها أحد. أتحسسها في جيبي. ثم أتركها هناك. أحيانا أنظر إلى صورتي عليها وأشعر بأنني أتعرف إلى رجل أعرفه منذ زمن طويل، لكنني لا أستطيع أن أضمن أنه ما زال هو الرجل نفسه. ربما لهذا السبب صرت، كلما اقترب الميكروباص من السيطرة، أسأل نفسي السؤال الذي لم يطرحه علي أي عنصر أمن:

إذا كانت الهوية تثبت من أكون، فمن الذي يثبت أنني ما زلت الشخص نفسه؟

تنعطف السيارة. وتظهر السيطرة.

أمد يدي إلى جيبي، قبل أن تمتد يد أخرى نحوي.

***  

مروان ياسين الدليمي

 

عندما بنَينا أوَّلَ معبدٍ مَخروطيٍّ جميل، كانَ الإلهُ حاضرًا بينَنا.

وفي عيدِ الجَماعيَّة، باركَ الجميع،

قالَ: "أنتمْ تعلمونَ الحاضرَ، ولكنَّني أعلمُ القادمَ،

لنْ يمسَّكمْ ضررٌ أبدًا، ستعيشونَ بسعادةٍ، وستحكمونَ العالمَ".

حينها، اهتزَّتِ الشَّواربُ فخرًا،

وتراقصَتِ الجدائلُ طربًا.

قولُ الإلهِ كانَ ضمانًا للأبدِ.

ومضت الأيَّامَ والقُرونَ،

وأصبحَ الجميعُ يسخرونَ منَّا، نحنُ أبناءُ الشَّمسِ.

وفي فرمانِ الجيرانِ الأخيرِ علينا،

قصَّ الكواجكُ لحاهمْ، وألقوا جدائلَهمْ على الأرضِ.

في حُزنِهمْ، تذكَّروا الماضيَ، وسألوا: "أينَ كانَ الإلهُ حينَ ماتَ الجميعُ؟

أينَ كانَ حينَ ذُبِحَ الرِّجالُ، واغتُصِبَتِ النِّساءُ، واختُطِفَتِ الفتياتُ؟

وماتَ الأطفالُ عطشًا في الجبلِ؟"

أجابتْ أرواحُ الأطفالِ:

"كانَ الإلهُ حاضرًا،

كانَ معَ الدَّواعشِ،

يقتلُنا، نحن الأيزيديِّينَ"..

***

مراد سليمان علو

ماذا لو جعلني اللهُ طائرأ؟

أمرُّ عليكِ كلَّ حين،

وأبني لنا

عشًّا

في شجرةِ بيتكم،

قريبًا،

قريبًا

من شرفتِكِ

المحاطةِ بالضوء.

*

أعلّقُ قلبي

غصنًا صغيرًا

على نافذتِكِ،

وأتركُ للريح

أن تقولَ لكِ:

إنني مررتُ من هنا.

وفي الصباح

أجيءُ محمّلًا

بقطرةِ ندى،

أضعُها

على حافةِ النافذة

كي لا تظمأ

الأشياءُ التي أحبُّها.

وحين تنامين،

أضمُّ جناحيَّ

وأظلُّ هناك،

على الغصن

الأقربِ إلى عينيكِ،

أحرسُ نومَكِ

من أحلامٍ

لا تعرفُ طريقَها إليكِ.

*

ماذا لو جعلني اللهُ طائرين؟

لأصبحتُ

كلما اشتقتُ إليكِ

رفرفتُ،

وكلما ناديتِني

عرفتُ الطريق.

ولما احتجنا

إلى رسائلَ كثيرة؛

يكفي أن أتركَ

ريشةً

على شرفتِكِ

لتعرفي

أنني مكثت هنا.

***

جاسم الخالدي

الثلاثاء/ ٨/ ٩/ ٢٠٢٦م

أبياتٌ أُوحيَتْ إليَّ بعد أدائي صلاةَ الفجرِ ليوم الجمعة 3 ربيع الاول 1446 هجرية 6.09.2024 م:

***

ويقولُ قائِلُهُمْ: وكيفَ تسالَما

بُرْدُ الصَّلاةِ وبُرْدُ ماركسَ وهوَ ما

*

لم يتفقْ أبداً، وظلَّ مَصارِعاً

حتى الرِّكابِ دماً وفكراً قائما

*

وبلادُ خَلْقِ اللهِ في دوّامةٍ

والنَّاسُ في حيصٍ وبيصٍ دائما!

*

فرفعْتُ رأسي والضِّياءُ يضمُّني

فأجابَ عنّي الْأصغرانِ كلاهما:

*

إنْ صحَّ قولُهُمو فما مِنْ مَثْلَبٍ

مادامَ فكرُكَ والضَّميرُ تناغَما

*

فاللهُ قد خلقَ الْعقولَ وصاغَها

هو خيرُ مَنْ يهدي وخيرٌ حاكما

*

حتَّى رهينُ الْمَحبِسَينِ تراكمَتْ

فيهِ الْفؤوسُ ففجَّرَ الْمُتراكِما:

*

"إنْ صحَّ قولُكما فلسْتُ بخاسرٍ

أو صحَّ قولي فالخَسارُ عليكما"*

***

وبعدَ هذا أقولُ للمندهشين والمندهشاتِ، والمعارضين والمعارضاتِ، والمصدومينَ والمصدوماتِ:

***

لا يعجبَنْ أحدٌ، فإنِّي أنظُرُ

متأمِّلاً مُتفحِّصاً لا أخسَرُ

*

دُنيايَ في عينيْ وقلبيْ مُفعَمٌ

بالنُّورِ ينبضُ بالأمانِ ويكبرُ

*

ماضرَّ إنْ كانَ الَّذي أسرى بنا

روحٌ، وعقلٌ مُبصِرٌ، ومُفكِّرُ!

*

هذي الحياةُ: مسيرةٌ وتجدُّدُ

لا شيءَ يبقى والْفواصِلُ تُصهَرُ

*

أ وَ لمْ يقلْ ذاكَ النَّقيُّ الطَّاهرُ:

"لو كانَ في الفقرِ الرُّجولةُ يُقبَرُ"

***

عبد الستار نورعلي

أيلول 2024

.....................

* أبيات المعريّ كاملةً:

قالَ المَنجّمُ والطّبيبُ كِلاهما:

لا تُحشَرُ الأجسادُ؛ قلتُ: إليكما

*

إن صَحّ قولُكما، فلستُ بخاسرٍ،

أو صَحّ قولي، فالخَسارُ عليكما

*

طَهّرْتُ ثَوْبي للصّلاةِ، وقبلَهُ

طُهرٌ، فأينَ الطّهرُ من جسديكما؟

*

وذكرتُ رَبّي في الضّمائرِ، مؤنساً

خَلَدي بذاكَ، فأوحِشا خَلَديكما

*

وبكرْتُ في البُردينِ أبغي رَحمَةً

منهُ، ولا تُرَعانِ في بُرْديكما

*

إنْ لم تَعُدْ بيَدي مَنافعُ بالذي

آتي، فهلْ من عائدٍ بيَدَيكما؟

*

بُرْدُ التّقيّ، وإن تَهَلّلَ نَسجُه،

خيرٌ بعلمِ اللَّهِ من بُرديكما

إلى متى نهربُ من بعضنا؟

ونحتمي

خوفاً من الأقدارِ

في جُبّةِ هذا الزمنِ الرعديد

ونحن قد جئنا إلى الدنيا

لكي نذوبَ في بعضٍ

وكي نولَدَ بعدَ رِحلةِ العَناءِ من جديد

**

إلى متى نُعلي إلى السماءِ ما نَبني من الجدران ؟

وعندما تنهشُنا ظلالُها

نشكو إلى أنفسنا من عُتمةِ السجن

ومن شَرَاهة القضبان

كلٌّ رأى شبيهَهُ

فظنَهُ عَدُوَّهُ

وسارَ تارِكاً ما بينَهُ مسافةً آمنةً

خوفاً من الكُثبان أن تبلعَ في حَراكِها الكُثبان

**

في غفلةٍ نحن تحوّلنا إلى ضدّين

فارتفعتْ أدخِنةُ العَدَاءِ من أثوابنا المحترقة

من دون أن تُعلنَ كلُّ جبهةٍ بدايةَ الصِراع

كلٌّ مضى يحمِلُ فوقَ ظهرِهِ صَليبَهُ

في زمنٍ يُنمي الخطايا

وبه تنمو كما الفسائلُ الصُلبان

سِرنا كما العُميانُ في رأدِ الضُحى

وأفسدتْ مَرَارَةُ الغيظِ

بقايا الشَهدِ في أوهامنا

خارقةً صلابةَ العظمِ إلى النُخاعْ

كيف مضينا

دون أن نجمعَ - كي نُعيدَ - ما كنا كسرناهُ ؟

وهل كسرنا غيرَ ما من شَهقَةِ الروح بنيناهُ ؟

لقد سَلكنا طُرُقاً لا تلتقي

مذ مُحيتْ من أُمسياتِ صَمتِنا مُفردةُ الوداعْ

فانحسَرَ الصفاءُ عن أحداقِنا

وغلّفتنا سُحُبُ الغَواش

ألاغنياتُ أصبحتْ مثلَ الزجاجِ تجرَحُ الأفواه

أما المصابيحُ

فما عادتْ تُنيرُ عَتمَةَ الأيام

إذ انّها مما نُعاني تشتكي الصُداعْ

**

نحنُ انتهزنا غفلةَ الحُبِّ لكي نَطعنَهُ

فأُجهِضَ الجَنينُ

والحُلمُ الذي عِشنا لِنستَهدي بهِ قد ضَاعْ

***

شعر: ليث الصندوق

لِلتُّرَابِ ذَاكِرَةٌ

تُحْسِنُ العَضَّ،

زَيْتُونَةٌ

تُسَرِّحُ شَعْرَهَا فِي الرِّيحِ،

وَفِي قَلْبِهَا

مِفْتَاحٌ عَتِيقٌ،

كُلُّ غُصْنٍ

يُشِيرُ إِلَى جِهَةٍ مَا،

سَمَاءٌ مُشَقَّقَةٌ،

وَطَائِرٌ يُفَتِّشُ فِي الهَوَاءِ

عَنْ مَكَانٍ

نَفَتْهُ الخَرَائِطُ.

-2-

عَلَى الحَافَّةِ

بَقَايَا سِتَارَةٍ...

تَتَحَرَّكُ وَحْدَهَا،

كَأَنَّ امْرَأَةً مَا

مَا زَالَتْ تَعْبُرُ الغِيَابَ

بِثَوْبِهَا القَدِيمِ.

-3-

فِي الخَيْمَةِ

مِصْبَاحٌ صَغِيرٌ

يُضِيءُ نِصْفَ وَجْهٍ.

النِّصْفُ الآخَرُ

تَحْتَفِظُ بِهِ أُمٌّ.

وَعَلَى الأَرْضِ

رَغِيفٌ بَارِدٌ،

وَحِذَاءٌ صَغِيرٌ

يَنْظُرُ إِلَى بَابٍ...

لَا أَحَدَ يَفْتَحُهُ.

-4-

لَيْلٌ

لَهُ أَسْنَانٌ مَعْدِنِيَّةٌ.

يَمْضَغُ البُيُوتَ

بَيْتًا بَيْتًا،

ثُمَّ يَتْرُكُ فِي الفَمِ

طَعْمَ الحَجَرِ.

-5-

طِفْلٌ

يَرْسُمُ شَجَرَةً

أَكْبَرَ مِنَ الجِدَارِ.

وَالبَحْرُ هُنَاكَ

يَمُدُّ ذِرَاعَيْهِ

لِاحْتِضَانِ الفَرَحِ،

فَتُعِيدُهُمَا الأَمْوَاجُ

فَارِغَتَيْنِ.

-6-

وَعَلَى الرَّمْلِ

صَدَفَةٌ مَكْسُورَةٌ،

فِي جَوْفِهَا

صَوْتُ مَدِينَةٍ

بَائِسَةٍ...

-7-

مِفْتَاحٌ

عَلَى صَدْرِ عَجُوزٍ.

كُلَّمَا نَامَتِ البِلَادُ،

أَدَارَهُ فِي سُكُونِ الفَجْرِ...

فَتَئِنُّ جِهَةٌ بَعِيدَةٌ،

وَيَتَحَرَّكُ شَيْءٌ

تَحْتَ التُّرَابِ...

-8-

فِي الفَجْرِ

يَمُرُّ خَيْطٌ ذَهَبِيٌّ

بَيْنَ حَجَرَيْنِ،

فَيُوقِظُ بَذْرَةً قَدِيمَةً...

تَشُقُّ البَذْرَةُ التُّرَابَ.

وَرَقَةٌ وَاحِدَةٌ...

ثُمَّ وَرَقَتَانِ...

شَجَرَةٌ يَانِعَةٌ،

جُذُورٌ قَوِيَّةٌ

تُعِيدُ كِتَابَةَ الخَرِيطَةِ.

***

مجيدة محمدي

 

فِي ذَلِكَ اللَّيْلِ كَانَتْ سُنْبُلَةٌ

تُقَاوِمُ الْجَفَافَ،

وَكَانَ طِفْلٌ يَرْسُمُ عَلَى جِدَارٍ مُهَدَّمٍ

نَافِذَةً كَيْ لَا يَنْسَى لَوْنَ السَّمَاءِ.

*

قَالَ شَيْخٌ حَنَّكَتْهُ التَّجَارِبُ:

قَدْ يَعُودُ النَّهْرُ إِلَى مَجْرَاهُ،

وَقَدْ يَتَعَلَّمُ الرَّمَادُ الْوُقُوفَ،

لَكِنْ وَطَنًا صَارَ لِكُلِّ حَجَرٍ فِيهِ

ذَاكِرَةٌ لِلدَّمِ لَنْ يَلْتَئِمَ.

*

قَدْ نُرَمِّمُ الْجُدْرَانَ،

وَنَرْفَعُ الرَّايَاتِ،

وَنُطْفِئُ النَّارَ...

لَكِنَّنَا لَنْ نَسْتَطِيعَ أَنْ نَمْحُوَ الْخَرَابَ

الَّذِي بَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الرُّوحِ.

*

قَالَ طِفْلٌ كَانَ يَرْسُمُ

عَلَى لَهَبِ الْحَرِيقِ

شَمْسًا فَوْقَ الرَّمَادِ:

لَا، يَسْتَطِيعُ الرَّمَادُ

أَنْ يَتَعَلَّمَ الْوُقُوفَ،

وَتَسْتَطِيعُ الْأَرْضُ أَنْ تُسَامِحَ.

*

مَنْ قَالَ إِنَّ لِلْخَرَابِ ذَاكِرَةً لَا تَنْسَى،

وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْوَطَنَ الْمَكْسُورَ سَيَظَلُّ يَتَذَكَّرُ الشَّرْخَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ؟

*

سَيَعُودُ الْوَطَنُ يَوماً ما مَرْفُوعَ الرَّايَةِ،

وَتُلْقِي الْأَيْدِي السَّكَاكِينَ،

وَيَنَامُ النَّاسُ دُونَ أَنْ يَخَافُوا الصَّبَاحَ.

*

فَالْجُرْحُ حِينَ يَبْرَأُ يُصْبِحُ نَافِذَةً،

تَدْخُلُ مِنْهَا الهَواءُ وَالضَّوْءُ،

لِيُولَدَ الْوَطَنُ مِنْ جَدِيدٍ.

*

يَكْفِي أَنْ نُطْفِئَ النَّارَ،

وَنُعَلِّمَ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ الْحُبَّ

عَلَى مَا تَبَقَّى مِنَ الْبِلَادِ.

*

فَالطَّرِيقُ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا دَلِيلًا عَلَى الْغِيَابِ،

فَكُلُّ حَجَرٍ يَحْمِلُ اسْمًا،

وَكُلُّ نَافِذَةٍ تُطِلُّ عَلَى مَاضٍ مُغْلَقِ الْأَبْوَابِ،

وَفِي كُلِّ حَفْنَةِ تُرَابٍ بَذْرَةٌ

تُخَبِّئُ تَحْتَ صَمْتِهَا وَعْدًا جَمِيلًا،

بِزَمَنٍ لَا يَحْمِلُ بُنْدُقِيَّةً،

وَيَدٍ لَا تَعْرِفُ إِلَّا الْمُصَافَحَةَ.

وَعْدًا بِعَوْدَةِ الْقَلْبِ إِلَى جِهَتِهِ الْأُولَى،

وَوَجْهٍ يَسْتَعِيدُ مَلَامِحَهُ الْقَدِيمَةَ،

وَوَجْهَ الْوَطَنِ الْمُوشى بالآمال.

*

إِنَّنِي أَعْرِفُ جَيِّدًا

أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّمَا أُحْرِقَتْ

أَخْفَتْ فِي أَعْمَاقِهَا

رَبِيعًا لَا يَعْرِفُ الْهَزِيمَةَ.

***

الشاعر د. أحمد الحلاق - سوريا

 

كأي نورسةٍ تستفيضُ السماءُ أمنياتٍ

كأي نورسةٍ تراوغُ العلياءَ بعيونٍ عارية،

بجمالكِ المنفلت،

بشتاءاتِ عينيكِ،

برائحةِ الصلبانِ في الكنائس،

وبرائحةِ العوسجِ البري

في باديةِ ماردين.

بطعمِ الكونياك،

بأصغرِ تفصيلة في جسدكِ المائيّ،

لا اللغةُ تسعفني،

ولا التأويل.

سأقولها بكلامٍ بسيط كالماء،

وعبر ولهات القصيدة

وانتظار الكلام الجميل كسرب حمام

كإناث الطيور

وشهقات، أو رائحة الفرح

تستحم بحروف اسمك.

سلس كأغاني الحصاد سأقول:

أحبكِ.

مستسلما لعطر يزرع الحلم حقيقة

فانا لا اجيد الكتابة بالدمع

تحترق على شفتي آخر كلماتي.

وحزني القديم،

انا لا اعاني من امسي

لا أعاني من الغد

اعاني من يوم لا اسمع فيه صوتك....

***

كيفهات أسعد

قلتُ للمَوتِ: تمهّل...

فأنا مازلتُ أحبُو

رغم كلّ السّنواتِ العَادياتِ

رغمَ أنّ عقلي شَيخٌ

رغم قلبي المُترهّل...

إنّني مازلتُ بعدُ

أصبو للعمرِ المُدلّل...

إنّني مازلتُ بَعْدُ...

أحمِل حَيرةَ طفلٍ

لم يرَ كُنهَ الوُجودِ

عقلُهُ غِرّ مُكبّل

إنّني مازلتُ بَعدُ

أحمِل فِطرةَ طفلٍ...

لم يعِش مِلء الحَياة

حينَ يبكِي حِين يشدو

لم يذُق شَهدًا ويثمَل

*

أيّها  الموتُ..!! تمهّل...

فأنا مازلت اجري

أقتَفِي خطوَ الأماني

أهرُب مِن نابِ غدرٍ... اقتفاني

لم أقف أو ألتفت... كي اتأمّل

إنّني مازلتُ أجرِي

في دروب مُجدِباتٍ

لم أحَقّق رَغبَاتِي

والقِطارُ كلَّ حِينٍ... يَتَعَطّل

كَم بَحثتُ بَينَ طيّاتِ اللّيالي!!

لِسؤالٍ تاهَ مِنّي

عَن جوابٍ... عن مَعانٍ شارداتٍ

في البَرارِي تَتعَثكَل...

فتمهّل...

*

أيّها الموتُ..!! تمهّل...

إنّ أحلامًا كِثارًا

تَسكُنُ رُوحي وتَأمل

ابتغِي استرِجاعَ نَزقِي

لاقترافِ حَماقاتٍ

لم أتُبْ عنها وأندَمْ

أبتغي انتِباذَ لَوْحٍ

أحفَظُ فِيهِ طُقوسِي

أرسُمُ عمري طيورا

حُرّةً تَمضِي بعيدًا

حَيثُ عَقلي دُون قَيدٍ يترَحّل

أرسُم الحُبَّ قلوبًا مِن وفاءٍ

تَحضُنُ الأشواقَ دَومًا

تكسِرُ سَهمًا تَسلّل..

*

أيّها المَوتُ..!! تمهّل...

بَين أيّامي تُطِلّ حَسَراتٌ

خلّفتها عَثرَةُ الحَظّ المُنكّل

قصّةُ حُبِّ كَبيرٍ لم أعِشْه

وحبييبٌ بَيْنَ نِجادِ العِظامِ...

لَم أجِده..

كنتُ اراه جسورا

يرفَعُ الوطَنَ الجرِيحَ

نحو العَنانِ فَخورا...!!

كنتُ أراه نقيّا كنبيّ

كان حلمِي العَربيَّ

كان سُلطانِي المُبجّل...!!

فانتَظِره... وانتَظِرنِي

عَلّهُ يأتي إلينا بَعدَ حِينٍ

يُسعِفُ الوطَنَ... ويُسعِفُني...

تمهّل...!!

*

تمهّل.. فأنا لم أجِد وقتًا

لأقطِفَ فرحَةً

أو لِكُحلِي وفَساتِينِي أدَلّل..

وأنَا مازلتُ في طَوْرِ التعلّمِ

ابحَثُ لي عَن سبيلٍ

حتّى أواصِلَ حلمِي.. حتّى أفعَل

إنّ في عُهدَتِي ثأرٌ

لحياتِي مِن زمان

جَحَدَ رَوْحِي

وودَقِي إذ تَفضّل...

إنّ في عُهدَتِي وَعدٌ

لحروف في بَراعمها

بجُنون الشّعراءِ... تتغزّل

كَي أوشّيها قصيدًا

باذِخَ الغُرّةِ... أكمَل!!

*

أطْرَقَ المَوتُ قليلًا...

ثمّ قال مشفِقًا:

إنّ طَرِيقِي طَويلٌ

خطّ الوُصولِ بَعيدٌ.. مستحيلٌ!!

حَتّى مَتَى.. سنُؤجِّل ؟؟

***

كوثر بلعابي - تونس

استيقظتُ على نغماتِكَ القادمةِ معَ نورِ الفجرِ،

كانَ لحنًا علويًّا حينَ ضربتْ أصابعُكَ على أوتارِ طَنبوري،

طَنبوري المُتروكُ الذي لم أَلْمَسْهُ حُزنًا على رحيلِكَ.

الليلةَ الماضيةَ، جلستَ بقُربي،

وأنشدتَ أُغنيَتَنا التي ألَّفْناها عنِ الحبِّ.

الليلةَ الماضيةَ، انتشَينا من جديد،

واستيقظتُ هذا الفجرَ من النَّشوة.

وكأنَّ الفجرَ يحملُ بينَ خُيوطِه وعدًا خفيًّا،

وعدًا بلقاءٍ جديدٍ بينَ الحُلمِ والواقعِ.

آه، كم كانَ لطيفًا حلمُ ليلةِ أمس!

فلقد أحالَ حُزني إلى فَرحٍ،

وصمتك إلى لحن.

***

مراد سليمان علو

القصيدة الأولى:

إنّي أحسّكِ كلما نزلَ المطرْ

وأشمُّ عطرَكِ كلّما ابتسمَ الزّهَرْ

*

عودي إلي فأنتِ أجملُ من جبيــ

نِ الشمْسِ في نظري ومن وجهِ القمَرْ

*

عودي إليَّ فأنتِ أغنيتي الحبيــ

بةُ لمْ يلحّنْ مثلها يوما ً وَتَرْ

*

كمْ هِمْتُ، كمْ سافرتُ في البلدانِ أبـ

حثُ عنكِ كالمجنونِ في كلِّ الصورْ

*

إنّي انبعثتُ على يديكِ أمام وجــ

ـهكِ جدولا ً مُترقرقا ً بين َ الحجَرْ

*

قدْ كُنْتُ مثْلَ المَيْت ِ لكنّي حييـ

تُ وَعُدْتُ ثانية ً إلى دنيا البشرْ

*

فكتبتُ اسمكِ فوقَ أمواج البحا

ر ِ، على الرمالِ، وفوقَ أوراق الشجرْ

*

في مقلتيك ِ إذا نظرتُ أحسُّ أنــّ

ي مُسْتثارٌ، سندباد ٌ في سَفَرْ

*

وبأنني أوشكتُ أكتبُ قصّة ً

المبتدا عيناكِ فيها والخَبَرْ

**

عودي إليَّ أميرةً غجَريّة َ

فكّي حصارَ اليأسِ عنّي والضَجَرْ

*

أنا هكذا لحنٌ بدائيٌّ قديـ

ـم ٌ طفتُ في الدنيا فرددني الغجَرْ

*

لغتي تخطّت كُلَّ أشكالِ الفنا

ء ِ ولمْ تَمُتْ كلماتُها بيد ِ التَتَرْ

*

غنّتْ أناشيد َ الجمال ِ وبشّرتْ

بالخيْرِ، بالحُبِّ الكبيرِ المُنْتَظرْ

*

الحبُّ يجري في دمائي إنّهُ

قدري، فهلْ يُجدي مع القدرِ الحذرْ

*

مُذْ غبْتِ عنّي غابتِ الأقمارُ غا

بَ الورْدُ، غابَ العطرُ والشعْرُ انتَحَرْ

*

ما عادَ يذكرني سوى حزني الذي

أمسى ينادمني إلى وقت السَحَرْ

*

وأنا على ذكراكِ أحيا فارجعي

الحبُّ مرْجعُنا وما منهُ مَفــر

...................

القصيدة الثانية:

قرّرتُ فراقـــــكِ مضطـــــرّا ً

وحلفـــت ُ بمعبــــودي سَبْعـا

*

أنْ أبعــــد َ عــنْ درْب ِ امرأة ٍ

تتحيّـــــن ُ لـدْغي كا لأفـــعـى

*

الحـــبُّ لديـــها مَنْفعـــــــــة ٌ

فهمتـــه ُ شـراء ً أوْ بَيْـــــــــعا

*

اليوم صحوتُ فلا أمــــــــــل ٌ

بغــــد ٍ قدْ ضقـت ُ بـه ِ ذّرْعـا

*

أقمارُ سمــــاواتي خُســــفتْ

لمْ أبصـــرْ نـورا ً أو لمْعــــــا

*

الليل ُ تسلّل َ فـي غُـــــرفي

وشمـوعي مُطْفأة ٌ صَرْعى

*

أحلامــــــي أمســتْ ذابلــة ً

لا تُورق ُ قاحلة َ المرْعــــــى

*

قلبي قدْ غصَّ بأوجـــــــاعي

ومزاميــــــري نَزَفَتْ دَمْعــــا

*

فارقت ُ الصبــر َ بلا أَســـف ٍ

إذْ طـــال َ ولمْ يجلــــبْ نَفْعـــا

*

إغــــراؤك ِ سوف َ أعرّيـــه ِ

وسأدفَعــــــــه عنّـــي دَفـــــْعا

*

ما كنت ُ غبيّــــا سيّــــــــدتي

لأمـــــوت َعلى شفتـــيْ أفْعـى

***

جميل حسين الساعدي

 

خطرْتِ على بالِ السحابِ فأمطرا

وفكّرَ فيكِ الوردُ فارتدَّ أحمرا

*

وقد شمَّتِ الأشجارُ عطرَكِ فانتشَتْ

وباسمِكِ نادى الصخرُ فانسابَ أنهُرا

*

إذا ما مشى عيسى على الماءِ مُعجِزَاً

فأنتِ على الأنسامِ سِرْتِ تَبَخْتُرا

*

تجسّدَ فيكِ الصبحُ والليلُ والمدى

فصِرْتِ زماني والمكانَ المُشجَّرا

*

ونازعَني ظلّي إليكِ لأنّهُ

رأى الماءَ من عندي إليكِ تحدّرا

*

فساتينُكِ الصيفيّةِ الرسمِ لوحةٌ

وعينيَ فُرشاةٌ تلوِّنُ ما ترى

*

وما الليلُ إلا سائلٌ في زجاجةٍ

ستكسِرُها شمسُ الغروبِ لِنَسْهرا

*

وما الصبحُ إلا سارقٌ كانَ يرتدي

من الليلِ جِلْبابَ الضياءِ تَنَكُّرا

**

أُعانقُ فيكِ النهرَ نهرَ اغترابِنا

فَوَرْدُ اشتياقي فيكِ زادَ تجَذُّرا

*

إذا شِئْتِ سُؤْلَ النهرِ عن حالِ أمرِهِ

سَلِي ضِفَّتَيْهِ تُنْبِئَاكِ بما جرى

*

يُترجمُ هذا الغصنُ عن حالِ طينِهِ

كذلكَ وجهي عن فؤاديَ أخبرا

*

أيَا امْرأةَ الغيثِ الذي هُوَ مُضْمَرٌ

وأجملُ غيثٍ فيكِ ما كانَ مُضْمَرا

*

أرى هذه الدنيا كسجنٍ وإنّني

أسافرُ في عينَيكِ كي أتحرّرا

***

عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

أقفُ ها هنا بلا عصا،

ولا رياحَ في الشّارعِ تبتسم للمدى.

في الشّارعِ الْممتدّ غيمات وشوْك

وشموسٌ ليس للأطيار فيها عنَبٌ.

على الرّصيف قهوتي تسيحُ،

والرّيحُ تصَرْصِرُ ولا تَنِي.

*

تُدَنْدِنُ الْغيْماتُ

والرّيحُ تَسُحُّ حَصَبًا،

تصيحُ بالدّجى :

إليكَ مِبْرَدي، شُدَّ عليه

تَتَساقَطْ أَظْفُرُ الرُّبى بُرَادَةً.

ولَكَ في تلك الرّبى مَوْعِدَةٌ،

وفي سمائها مَآرِبُ تَسُرُّني.

*

تُصَرْصِرُ الرّيحُ

وفي رِكابِها يُرَنِّقُ النَّوْرَسُ

دونما هُدًى.

يَمتشِقُ اللَّيْلُ جناحيْهِ

وفيهما شرانقُ وقمحٌ وجَوًى.

وفيهما بَوْصَلَةٌ وإبَرٌ لا تهتدي.

لا ظلَّ للشّمسِ به يَدَّثَّرُ الشّارعُ

حين يَتَدَفَّقُ،

ولا نُجُومَ في سمائه تُطَوِّفُ الْعنقاءَ

في الرّبى.

**

أنفاسُ " كافْكا "

تَتَرَصَّدُ سماءَ الشّارعِ الْممتدِّ والْمدى.

تَهْجُرُني السّماءُ

والشّتاءُ كالصّخرِ يُهَشِّمُ عباءتي…

يشتعلُ الْخريفُ في يدي،

وتَهْوِي في الزِّحامِ قهوَتي.

فهل تَفِيضُ صَهْوَةُ الْماءِ

ولا تَغِيضُ في الْقصيدِ يا دمي

و أنتَ فيكَ يَخْفُتُ الْخَريرُ

والْخُزامَى تكتَوِي؟

**

أَلَسْتَ فيْضًا يا دمي

مِنْ أَزَلٍ ؟

وفيكَ تَهْطِلُ الْمَآقي كَمَدًا؟

مُذْ كُنْتُ،

كُنْتُ فيكَ مَجْرًى لِلْهَوَى،

والْيومَ تشْقَى فيكَ أَضْلُعِي.

كَأنَّكَ الْيَوْمَ تَرُومُ النَّأْيَ عنِّي

وتُراضِي وَجْهَ لَيْلٍ يَتَوَشَّحُ

بِأَلْوَانِ الْقِلَى.

وما أرَى لِلْعِزِّ في نهج الْكِرامِ

ما بهِ تَهْتَرِئُ الرُّؤَى.

**

أما رَأَيْتَ في فُؤَادي يا دمي

حَشْرَجَةَ النَّشِيجِ

أمْ تُرَاكَ لا تَرَى شَظَايا قَمَرِي؟

فكيْفَ لِلْهَديلِ أنْ يُوقِظَ صُبْحِي

والضِّبَاعُ تَرْتَوِي مِنْ مُهْجَتِي؟

وأيُّ مِحْرابٍ بهِ أسْرِي

إلى غَدِي؟

***

بقلمي: هادية السّالمي دجبي- تونس

أهـذا هَـواكِ الـذي تَـزعُـمـيـنْ

حـديـثُ الـتَـفَــكـهِ لـلـشـامـتـيـنْ

*

حـديـثٌ يَـلـوكُ بـهِ حـاســدٌ

وآخــرُ يُـدعـى مِـنِ الـنـاصـحـيـنْ

*

وأنّـى يـكـونُ الـهـوى خـالـصًـا

وأنـتِ الـسَـمـيـعُ لـهـذا الـطـنـيـنْ

*

وكـيــفَ يَــدومُ لــنـا حُـبُّـنـا

وظِــلُّ الـشـكـوكِ عـلـيـهِ يَـريـنْ*

*

تَـلُـفـيـنَ حــولًا عـلى شُــبـهـةٍ

لِـتُـصْـبِـحَ عـنـدكِ عَـيْـنَ الـيـقـيـنْ

*

بـزعـمـكِ هـذا يـرِبُّ الـهـوى

ولـيـتَ الـجـوابَ بــه مـا يُـعـيـنْ**

*

وهـمـسـةَ حُــبٍّ إذا أرتـجـي

أراقـــبُ حَـــولًا ولا تَـسْــتَـبـيـنْ

*

تَـمـَسّـكـتِ ظــلـمًـا بـواهٍ بــدا

فـصــبـرًا سـأبـقى بـحُـبّي ضـنـيـنْ***

*

عـسى أنْ يـكـون الـذي بـيـنـنـا

بَــوادرَ خــيــرٍ لِـــنَــهــجٍ أمــيـنْ

*

غَـمـامُـكِ جــاءَ فـكـانَ الـجَـهـامَ

وظِـلُّ وعــودُكِ حَــبْـلي الـمَـتـيـنْ****

*

فـإنْ قـد سـأمـتِ عـنـاءَ الـهـوى

فـهـاتِ الـقـرارَ لـكـي أســـتـبـيـنْ

*

وأنّ الـطـريـقَ بــدا مُـتْـعِــبًـا

فـقـــولـي أُنــفّــذُ مــا تـطــلـبــيـنْ

*

لأنَّ الـصــراحـةَ تــبـقـى لــنـا

خَـلاصًـا وعِـتْـقًـا لـقـلـبي الـسـجـيـنْ

*

صـحـارى هــوايَ أجــوبُ بـهـا

وغِـسـلـيـنُ حُــبّي شــرابي ســنـيـنْ*****

*

وحــيـدًا وزادي بــقـايـا الــمُـنى

بـحــــارًا أخــوضُ ولا أســتـكـيـنْ

*

تَـسـامى فـكُـلُّ ريـاحِ الَـسَــمَـومِ

بـأرضــكَ تـكــبـو ولـو بَـعـدَ حـيـنْ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

العراق/ الكوت

السبت في 28 أيلول 1985

......................

* يَـريـن: يُـغَـطّي

**يَـرِبُّ: أي يُـربـيـه ويَـزيـدُهُ

*** الـضـنـيـن: الـبـخـيـل

**** الـجـهـام: الـغـيـم الأبـيـض الـخـالـي مِـن الـمـطـر

*****الـغِـسـلـيـن: صـديـد أجـسـام أهـل الـنـار.

كانت الأيامُ الأخيرةُ تنسابُ فوق روحِ ندى بطيئةً الى حدٍّ يلامسُ حدودَ العذاب المُر.. كأنَّ الزمنَ في ردهاتِ تلك المصحّة قد تخلّى عن فِطرتِه السّيالة، وتحوَّل بغتةً الى كتلةٍ صلدةٍ من الساعاتِ الرمادية الرتيبة التي لا تنقضي. لم تعد ندى تميّزُ فجرًا من غسق، ولا سبتًا من أحد، فكلُّ ما حولَها كان يذوبُ في أتونِ انتظارٍ طويلٍ مجهد، انتظارِ تلك النهاية اللامرئية التي بدت لقلبِها المنهك بعيدةً مراوغة، كشاطئٍ ناءٍ لا تصلُ إليه السُّفنُ الضالّة.

كانت تستيقظُ في كلِّ صباحٍ وفي صدرِها الغاضب سؤالٌ واحدٌ يلحُّ عليها بإيقاعٍ موجعٍ لا يهدأ:

"متى الانعتاقُ من هذا المكان؟

متى أعودُ الى بيتي الدافئ الذي تركتُ بين أركانه نصفَ قلبي، والى حياتي الفطرية التي كانت تشبهني، قبل أن تبتلعَ نضارتي، هذه الجدرانُ البيضاءُ المصمتة، ببرودِها القاتل؟"

كانت تعدُّ الأيامَ الزاحفةَ كما يعدُّ السجينُ المحكوم خطواتِه الأخيرةَ نحو شمسِ الحرية، تحسبُها بالدقائقِ المتلكئة تارةً، وبخفقاتِ قلبِها المرتجفةِ تارةً أخرى.

حين وفدت الى هذه المصحّةِ في المبتدأ، ظنّت في غمرةِ وهمِها الشفيف أنها تهربُ من جراحِها النازفةِ لكي تتعافى.. لكنها اكتشفت، بعد طولِ اختبار، أن بعضَ الأمكنةِ المرتجاة لا تشفي الآلامَ أبدًا، بل تعرّيها بعنفٍ حتى آخرِ طبقاتِها المستورة.

كانت ندى تبدو للنزلاءِ من حولها هادئةً، متزنةً الى أبعدِ الحدود، لكنها في مُحاق دورتِها الداخلية كانت ساحةَ حربٍ مستعرةٍ لا يهدأ لظاها. روحُها المتعبةُ تتأرجحُ بعنفٍ بين رغبةٍ ضارية في النجاة، وخوفٍ دفينٍ أسودَ من أن تكونَ قد فقدت جَوهرَ نفسِها ومفاتيحَ هويَّتِها الى الأبد.

 وكان أكثرُ ما تخشاه ويقضُّ مضجعَها، أن تتحولَ تلك المصحّةُ بالتدريج الى قدرٍ جاثم، الى حياةٍ معلّقةٍ في البرزخ، لا هي تنتمي فيها الى العالم الخارجيّ الحي، ولا هي قادرةٌ على الاندماج في هذا العالم الداخلي الممسوخ.

وحين أشرقَ صباحُ اليومِ قبل الأخير، استشعرت ندى شيئًا يشبه الرجفةَ الغامضة يسري في أوصالِ المكانِ كلِّه، إذ أخبرتهم المشرفةُ، بنبرةٍ تخلو من التعاطف، أن اللجنةَ الطبيةَ المختصة ستقابلُ الآن كلَّ فردٍ منهم على انفراد، لتقررَ مصيرَه النهائي:

هل انتهت رحلتُه العلاجيةُ وحانَ سراحُه، أم أنه سيبقى رهينَ الأسوار لأسابيعَ أخرى؟

كانت المشرفة تتحدثُ بلهجةٍ عمليةٍ جافة، لكنَّ كلماتِها سقطت في أعماقِ ندى كصخورٍ ثقيلةٍ تتكسر في بئرٍ مهجورة. أوضحتْ أن اللجنةَ الوقورة تضمُّ مسؤولَ المصحّةِ الأول، ورئيسةَ الأطباء النفسيين، والمشرفين المباشرين على الخطط العلاجية، وأن القرارَ النهائي سيُبنى حصرًا على التقارير الطبية المدونة ومدى استجابة كل مريض للتدجين العلاجي.

منذ تلك اللحظةِ العاصفة، بدأ صدر ندى يضيقُ شيئًا فشيئًا، وكأنَّ الهواءَ في القاعةِ صار أثقلَ من أن يُستنشقَ في الرئتين. جلست تنتظر دورَها المجهول، وكفاها متشابكتانِ بقوةٍ مفرطةٍ في حِجرها لتقييد ارتعادهما. كانت تحاولُ مستميتةً أن تبدو متماسكة، غير أن القلقَ الخبيث كان ينهشُ أعصابَها المشدودةَ في صمتٍ مروع.

وحين نادى أحدُهم اسمَها بنبرةٍ آلية، نهضت ببطءٍ وَوَهن، لكنها شعرت فجأةً بدفقٍ دافئٍ عجيب يعبرُ شغافَ قلبِها، إحساسٌ غامضٌ شجي يشبه حضورَ يدِ والدها الراحل، تلك اليدِ الأبويةِ الحانية التي طالما استشعرت دفأَها على كتفها الايسر في لحظات خوفها القديمة، كأنَّ روحَه الطاهرة كانت تأتي وتتجسدُ كلما ضاقت بها سبلُ الدنيا، لتهدهدَ روعَها وتقول لها بصمتٍ أبويٍّ بالغ الرأفة:

ـ لا تخافي يا بنيتي، أنا معكِ.

عندها فحسب، شعرت أن خطواتِها على البلاطِ البارد أصبحت أكثرَ ثباتًا ورسوخًا، وأن عبيرًا من الطمأنينة الفطرية قد عاد ليسكنَ رُوحَها المرتبكة.

ولجت الى غرفةِ اللجنة، فاستقبلتها وجوهٌ جادةٌ صارمة، وملفات كثيرة مبعثرة فوق الطاولة الخشبية الفسيحة. راحت الطبيبة المسؤولةُ تقلب ملفها الطبي ببرودٍ ميكانيكي قبل أن ترفعَ رأسَها قائلةً بنبرةٍ هادئة:

ـ التقاريرُ المرفوعةُ تشير بجلاءٍ الى تحسنٍ ملحوظٍ في حالتكِ العامة، وهذا أمرٌ إيجابيٌّ وجيد جدًا، لكننا، من منظورنا الطبي، نرى ضرورةَ الاستمرارِ في برنامج العلاج والمتابعة لستةِ أشهرٍ إضافية بعد عودتكِ الى منزلكِ... فما رأيكِ؟

أصغت ندى لتلك الكلماتِ وهي تلتقطُ أنفاسَها المتهدجة من بين ثناياها، ثم أجابت بصوتٍ هادئٍ رصين يحملُ صدقًا عميقًا لا زيفَ فيه:

ـ نعم.. أنا أعترف بكامل الإرادة أنني استفدتُ كثيرًا من وجودي هنا، وأشعرُ حقًا أنني أفضلُ بكثير مما كنتُ عليه في السابق، وسأواصلُ خطتي العلاجيةَ بعد عودتي الى بيتي بكل تأكيدٍ وانضباط.

ابتسمت المسؤولةُ ابتسامةً مقتضبةً باردة، وانتهى اللقاءُ البيروقراطي سريعًا.

خرجت ندى من الغرفة وهي توقنُ أن الأمرَ قد حُسم لصالِحها، وأن شمسَ الغد ستحملُها أخيرًا بعيدًا عن أجواء هذا السجن الإداري الرمادي. لأول مرة منذ أسابيع العتمة، امتلأت روحها بخفةٍ ونور يسريان في جنبات قلبها، كأنَّ نافذةً من الأمل قد انفتحت أخيرًا في نهاية ذلك النفق المظلم الطويل.

وفي المساء، وبين أجواء حفل الوداع البسيط الذي أقامته المجموعةُ النزيلة، بدت ندى مشرقةَ المحيّا، وما هي إلا لحظات حتى أحاطت بها بعضُ الوجوه، تخاطبها بنبرةٍ تقطر شفقةً وأسفًا:

ـ لكنكِ يا ندى لن تغادري أسوارَ المصحةِ معنا غدًا.

التفتت إليهم بذهولٍ صاعق، واتسعت عيناها المذعورتان كأنها لم تستوعبْ فحوى ما قيل:

ـ ماذا؟!

من الذي قال هذا الهراء؟

ـ المشرفةُ هي من أخبرتنا قبل قليل...

ستبقينَ هنا في المصحة لأسبوعين إضافيين او أكثر.

في تلك اللحظة الرهيبة، شعرت ندى كأنَّ الأرضَ الصلبةَ قد انشقت وانسحبت من تحت قدميها. ارتفع الدمُ حارًا متدفقًا الى رأسها دفعةً واحدة، وقفزت من مكانها كالملسوعة، متجهةً الى مكتب المشرفة بخطواتٍ مضطربةٍ يغمرها غضبٌ عارم. دفعت البابَ بعنفٍ ودخلت دون استئذان، وصوتُها يرتجفُ بين القهرِ الدفين والانفعال الحارق:

ـ هل صحيحٌ ما يُشاع بأنني سأبقى محتجزةً هنا؟

رفعت المشرفةُ عينيها ببرودٍ إداري كالح، وأجابت بجفاء:

ـ نعم... هذا هو القرارُ النهائي للجنة الطبيّة.

حدقت ندى فيها بنظراتٍ زاغ فيها التصديق:

ـ لكنهم لم يجرؤوا على إخباري بذلك أثناء المقابلة!

لم يسألني أحدٌ منهم إن كنتُ أوافقُ على هذا البقاء القسري ام لا.

ثم أنى فهمتُ من كلماتهم أنني سأغادر غدًا برفقة الآخرين. أريدكِ أن تتصلي بهم الآن ودون تأخير...

أخبريهم أنني أرفضُ البقاءَ في هذا المكان يومًا واحدًا، بل ساعة واحدة إضافية!

كان الغضبُ المستعر في نبراتِها ممتزجًا بخذلانٍ موجع، تراءى لها أنها خُذلت وأن حقَّها الفطريَّ في تقرير مصيرها يُنتزع منها عنوةً، مرةً أخرى تحت لافتة الطب.

كانت ندى، برغم كل ما يغلف كينونتها من رقة، تحمل في سجيتها عنادًا خفيًا صلبًا، عنادَ مَن تعلَّم بعد الآلام الطوال والجرعات المرة ألا يسمحَ لكائنٍ من كان بأن يصادرَ صوته الحرَّ أو يمسخَ إرادته.

تنهدت المشرفةُ بضيق، وقالت ببرودها البيروقراطي المتعالي:

ـ لا أملكُ لكِ من الأمرِ نفعًا...

اذهبي الى الغرفةِ رقمِ اثنينِ وعشرينَ، وهناك يُفصلُ في شأنكِ.

خرجت ندى من عندها كأنها مَذعورةٌ تطاردُ آخرَ خيطٍ من خيوط حريتِها الموشك على الانقطاع.

توجهت مباشرةً صوب الغرفة المطلوبة، وهناك بسطت موقفَها بإصرارٍ وعزمٍ قاطع لا يلين. تحدثت بقوةٍ عن حقّها القانوني والمشروع، وعن ضرورةِ أخذ موافقتها الخطية، وعن ذلك الخطأ الإداري الجسيم الذي اقترف دون علمها.

لم تكن تتحدث في تلك اللحظة لتغادر المصحّةَ فحسب، كانت تدافعُ باستماتة عن شيءٍ أعمق وأقدس بكثير:

عن حقّها في أن تُعاملَ كإنسانةٍ كاملة الإرادة والآدمية، لا كحالةٍ طبيةٍ جامدة تُنقل قراراتُها ومصائرُها ببرودٍ بين رفوف الملفات الكرتونية.

طلبت منها الموظفةُ الجالسة خلف المكتب، بنبرةٍ متوجسة، أن تنتظرَ في الرواق الخارجي حتى يتم الاتصالُ الهاتفي بالمسؤولين المعنيين بملفها.

وكان الانتظارُ هذه المرة أشدَّ ضراوةً وقسوةً على روحها من كل ما سلف.. إذ بدت لها الساعاتُ دُهورًا متيبسة. جلست تارةً وعيناها في الأرض، ونهضت تذرعُ الممرَّ جيئةً وذهابًا تارةً أخرى، وعيناها معلقتانِ برتاج الباب المغلق كأنَّ مصيرَ حياتِها بأسرها يقفُ متوجسًا خلفه.

كانت تسمعُ ضرباتِ قلبِها المتلاحقةَ بوضوحٍ يثقب الصمت، وترى خوفَها القديم وإصرارَها المتجدد يتصارعانِ في حلبةِ رُوحِها بلا رحمة.

ثم… وفي نهاية المطاف، انفتح البابُ المغلق بصريرٍ خفيف. أطلّت الموظفةُ من خلفه، وهي تقول بنبرةٍ هادئةٍ زُفت كالبشارة:

ـ يمكنكِ المغادرةُ غدًا صباحًا برفقةِ الآخرين.

في تلك اللحظةِ الغامرة، أحست ندى بشيءٍ يشبه استعادةَ كينونتها الذاتية السليبة، كأنما انتزعت رُوحَها المخطوفةَ بقوةٍ وعناد من قبضةِ الخوفِ الضاري، وعادت أخيرًا الى حِمى نفسِها للمرة الأولى منذ زمنٍ بعيد.

لم يغمض لندى جفنٌ في تلك الليلةِ العاصفةِ بالترقب. كانت الساعاتُ المتوانية تمرُّ فوق قلبِها الوجل بطيئةً متوترة.. كأنَّ الزمنَ في هذا المعتزلِ البارد يتعمدُ اختبارَ صبرها الأخير وقدرتِها على الصمودِ قبل الخلاصِ الموعود.

أنهت إعدادَ حقيبتِها الصغيرة منذ وقتٍ مبكر، رتَّبت ثيابَها بعنايةٍ فائقةٍ أقربَ الى إقامةِ طقوسِ مقدسة، ثم وضعتها قريبًا من الباب، كأنّ هاجسها الأكبر كان أن ينكث الفجرُ وعدَه، فتضطرّ إلى الركض وراء الانعتاق، خوفًا من أن ينفلت من بين يديها.

جلست على حافة السريرِ تُحدّق في تلك الحقيبةِ مأخوذةً بركودها، وفي أعماقها تتنازع مشاعرُ غريبةٌ.. مزيجٌ من فرحٍ مرتبك، وخوفٍ غامض، كأنها من فرط الخيبات لا تصدّق تمامًا أنها ستغادرُ أسرَ هذا المكان أخيرًا. كانت تخشى بكبرياءِ الأنثى الخائفة أن يحدثَ أمرٌ طارئٌ في اللحظةِ الأخيرة.. أن يُفتح البابُ بغتةً ليقال لها بنبرةٍ بيروقراطيةٍ صلبة إن ثمة خطًا آخر قد وقع في السجلات، وإنَّ عليها البقاءَ أسابيع إضافيةً داخل هذه الجدران المصمتة التي استنزفت رُوحَها ببطءٍ مرير.

ولم تُطلعْ ندى خطيبها مايك بشيءٍ مما جرى معها في تلك الليلةِ المشهودة، لا عن صراعِها المرير مع اللجنةِ الطبية، ولا عن قلقِها الطويل الطاغي، ولا حتى عن الموعدِ الدقيق لعودتها. أرادت بحبٍ وعاطفةٍ أن تفاجئَه بظهورِها المباغتِ أمامه كالنور، لتلمحَ في مآقي عينيه تلك الدهشةَ الدافئةَ التي افتقدتها وطال حرمانُها منها في غربتها. كانت تتخيلُ لحظةَ اللقاءِ العاصفةَ تلك مرارًا وتكرارًا في خيالِها الصامت، حتى غدت الفكرةُ وحدها كافيةً لتبديدِ وحشةِ الأسابيع الماضية وعذابها الصامت.

غفت ندى لبرهةٍ قليلةٍ من فرط التفكير والإعياء، لكنها انتفضت فجأةً من مرقدِها كمن سقط من حلمٍ مضطرب. تناولت ساعتَها بلهفةٍ، فإذا بعقاربِها تشيرُ الى الثالثةِ بعد منتصف الليل، فنهضت على الفور، وكأنَّ النومَ في تلك اللحظة المصيرية صار خيانةً لانتظارها الطويل. تركت زخات الماء تغسل ببطء بقايا هواجسها، ارتدت ملابسَ السفر كاملةً، صففت خصلات شعرها بعنايةٍ ورقة، ثم سحبت حقيبتَها في هدوءٍ حذر، وخرجت صوبَ الحديقة العامة للمصحّة، كي لا تستسلمَ لغفوةٍ أخرى قد تؤخرُها عن الفجر الذي انتظرته طويلًا.

كان البردُ في ساعة الفجر الاولى رقيقًا وقاسيًا في آنٍ معًا، يلفُّ أركانَ المكانِ بصمته الفضيّ الساحر. جلست ندى على إحدى الأرائك المعدنية الباردة، وضمَّت كفيها المرتجفتين الى صدرها، لعلها تستمد من جسدها دفئًا غائبًا.

بدت الحديقة الفسيحة شبه خاليةٍ من الحركة، إلا من جذوع الأشجار الشاخصة التي تقف في العتمة ساكنةً كحرّاسٍ متعبين يرقبون في صمت انطفاءَ ساعات الليل الأخيرة.

ومع انبعاث خيوطِ الفجر الأولى، شعرت ندى بدفقٍ دافئٍ عجيب يتسرَّب الى أحشائها، كأنَّ الضوءَ الطالعَ لم يكن يشرقُ على صفحة السماءِ الزرقاء وحدها، بل كان يشرقُ ويهلُّ على رُوحِها المظلمة أيضًا. راحت ترقبُ تبدُّلَ الألوان ببطءٍ أسطوري على الأفق، والصباح وهو يفتح بواباتِه الفسيحةَ للحياة.. دبت حركةُ عمالِ النظافة في الممرات، وبدأت الأبوابُ تُفتح تباعًا استعدادًا لولادة ذلك الروتين اليومي الرتيب الذي حفظته عن ظهر قلب، الوجوه المنطفئةُ نفسها، التعليماتُ الجافة نفسها، وساعاتُ العلاج والتدجين نفسها. لكنها، في هذه المرة الفريدة، كانت تنظر الى تلك التفاصيل كلها من الخارج، كأنما انفصلت روحُها أخيرًا وبشكلٍ حاسمٍ عن ذلك العالم البيروقراطي الذي لوّعها طويلًا.

رفضت ندى هذه المرة بكبرياءٍ وعناد أن تذهبَ الى ردهة المطعم لتناول وجبة الإفطار، فما كان بها توق الى زادِ الجسد، بل كان جوعُها دافقًا صوبَ مائدةِ الحريةِ والانعتاق. بقيت عيناها معلقتينِ بالطريق الطويل الممتد الذي ستطلُّ منه الحافلةُ الموعودة التي ستقلُّها الى محطة القطار، كأنما تخشى في سرّها أن تتأخر الحافلةُ عن موعدها، أو ألا تأتيَ أصلًا لتتركَها لمصيرها.

وبدأ النزلاءُ الآخرون يتوافدون الى فناء الحديقة واحدًا تلو الآخر، بوجوهٍ أكلها التعب وأحلامٍ مبعثرة، بعضُهم كان يبتسم في خفاءٍ باعتزازِ المنتصرين الذين هزَموا الوعكة، وبعضُهم الآخر يحمل في ملامحه حزنًا خافتًا، لأنه سيغادر المكانَ دون أن يستشعرَ في أعماقه أنه تعافى تمامًا من عِطبِه الروحي. أما ندى، فقد لزمت الصمتَ المطبق على عادتها القديمة، وهي تغالبُ ارتجافًا خفيًّا يعصف بوجدانها.

أطلّت المشرفةُ أخيرًا بوقارِها الإداري المعهود، وهي تحمل بيديها قائمةَ الأسماء والرسائل الطبية المغلقة. بدت تنادي أسماء المغادرين واحدًا تلو الآخر بنبرةٍ رتيبة، وكلما قرأت اسمًا من السجل، سلمت صاحبَه تقريرَه الطبي النهائي المختوم قبل أن تأذنَ له بالصعود الى جوف الحافلة.

كانت ندى تراقب ذلك المشهد الختامي وقلبُها يخفق بعنفٍ يكاد يثقب صدرها، وكلما اقترب الدورُ منها، ازداد شعورُها الداخلي بأن هذه اللحظةَ رخوة للغاية وقابلةٌ للتهشم تحت أي عذر بيروقراطي. حتى إذا نودي اسمُها أخيرًا، نهضت بحذرٍ رصين، وتناولت الظرفَ الطبي من يد المشرفة، ثم صعدت درجات الحافلة بوصفها آخرَ المغادرين لذلك اليوم من تلك المصحّة.

جلست قرب النافذة الزجاجية، وما إن دارت محركات الحافلة وتجاوزت بوابةَ المصحّة الحديدية بأمتارٍ قليلة، حتى شعرت كأنَّ قيدًا ثقيلًا من الرصاص قد تشظى في أعماق ذاتها وتلاشى الى الأبد.

غاصت في مقعدِها الوثير كمن ينجو بأعجوبةٍ من غرقٍ طويلٍ مرير، ثم نزعت شالَها الصوفيّ برفقٍ وربطته حول عينيها بإحكام، فلم تكن تريدُ إطلاقًا أن تلمحَ مبنى المصحة وهو يبتعد في الأفق، ولا نوافذَه الصماء، ولا أسوارَه الكالحة، ولا أيَّ زاويةٍ من ذلك المكان الموحش الذي شهد أيامَ آلامها واوجاعِها الصامتة الرهيبة.

أسندت رأسَها المتعبَ الى ظهر المقعد وأغمضت عينيها بقوةٍ تحت الشال، كأنما تمحو بظلمته تلك الصورَ البشعةَ المحفورةَ في تلافيف ذاكرتها، فلم تكن تريد أن تتذكرَ نفسَها هناك قط.. ان تتذكر تلك المرأةَ المنهكةَ المستسلمةَ التي كانت تتلمس بقايا آدميتِها وسط عواصف الخوف والوحدة والاغتراب. أرادت في تلك اللحظة أن تدفنَ الى الأبد كلَّ اللحظات القاسية، وكلَّ الوجوه العابرة الجافة، وكلَّ تلك الليالي الطوال التي بكت فيها بحرقةٍ وصمت كي لا يسمعَ نحيبَها أحد.

وفي أعماق روحها المكلومة كانت كلماتها تؤكد:

"بأنَّ النسيانَ الكامل لما مضى أمرٌ مستحيل، لكنَّ الإنسانَ في بعض الأحيان لا يُكتبُ له العيشُ والنجاة، إلا حين يختار بكامل وعيه وإرادته أن يفتح نافذةً جديدةً مشرقةً للحياة، بدلًا من التحديق المستمر والسقيم في أطلال الخراب القديم."

لذلك، تركت الحافلةَ تمضي بها مسرعةً نحو غدٍ جديد، بينما كانت رُوحُها المنعتقةُ تركضُ بوثباتٍ واسعةٍ الى الأمام، الى ذلك اللقاء الدافئ القادم... الى الحياة الحقيقية الحرة التي تنتظرها بكل لهفةٍ خارج أسوار ذلك الكابوس الثقيل.

*

سعاد الراعي

من رواية تحت الطبع

أصر على السراب فتصحرت قدماه

المدى يلوح بالماء يبتعد ويزداد لمعانا

  كلما اشتد العطش

 أحكم البريق فتنته

 طرق أبواب الوهم فتبعثر ظله

باب يلد بابا، خطوة تأكل أختها

 والطريق ينسج من خطاه مسافة لا تنتهي.

ليس كل بعيد يدرك، ولا كل صعب يقهر

فبعض القمم لا تسكنها الغيوم

 وبعض الدروب تائهة بلا مصباح. ظل يطرق... وظل الفراغ سليما

لا باب استفاق

 كان الصدى يعود سؤالا يرد سؤالا.

في هدوء المطرقة،

سمع وقع خطاه القديمة، فرأى نفسه على درب مفروشة بالاغتراب. أضاع الضوء وهو يطارد لمعانا بعيدا

 لم يعد للدهشة جدوى

أدار ظهره للصدى

لا هاربا بل عائدا إلى كنهه الأول

كنهر جداوله فضة

 يشق الصخر ويمضي في الطريق.

***

رائدة جرجيس

تَوَرَّدَ وجهكِ الآتي

بلاسَفَرٍ

أيَا مُهْجَةْ.

تَنفَّسَ هيئة البُشرى

وبَنْكَ البَسْمَةِ العُمْلَةْ

وفَضٌ بكارة النجوى

لیٌثبٍتَ أَنَّكِ الأقوى

وأنكِ أَبْلَغُ الدنيا

لسان الحُبِّ..واللهجةْ !

*

وأنكِ في الهوى تأتينَ

من آياتهِ

مِن قلب أسْكَنَهُ

بلا بحرٍ

ولا مَدٍّ

ولا جَزْرٍ

ولا مَوْجَةْ!

*

وأنكِ شاطِئ الأحلامِ

شمس بدايتي الأولى

عروس الحرفِ

خَطَّ هَدَيلَهُ الموبايل

وجه مدينةِ البهجةْ!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

كنتُ طفلةً أرى العالم بعينين واسعتين، فأمنح الأشياء الصغيرة من قلبي ما لا تمنحه الحياة للكبار.

ولم أكن أعرف يومها أنني عندما دفنتُ قطّي الأبيض كنتُ أدفن معه شيئًا من طفولتي سيظلّ يطلّ من الذاكرة كلما اشتقتُ إلى ما لا يعود.

كنت أظنّ التراب مجرد حفّارٍ صامت يأخذ الجسد ويُخفيه، ثم يجلس فوقه وكأنّ شيئًا لم يحدث.

وعندما كبرت صرتُ أعرف أنه يحتفظ بالأشياء التي نحبها أكثر مما نحتفظ نحن بها، وأنه كلما أودعناه شيئًا ثمينًا صار علينا أن نقضي بقية أعمارنا نفتّش عنه في رائحته.

كنت طفلة يوم دفنت قطّي الأبيض، وكان العم الحكيم خليل واقعي أكثر مما تتصورون، وأكثر مما تتخيّله طفلة ساذجة تداعب قطّها، وتقاسمه طفولتها الحالمة على أنّه شيء خالد إلى الأبد.

وقتها قال لي العم الحكيم إنّ القط مات، وكأنّ الموت خبر إداري صغير يمكن إبلاغ طفلة به في جملة واحدة ثم متابعة شؤون الحياة بشكلها الطبيعي من الغداء، والمدرسة، والكهرباء التي انقطعت، والجارة التي جاءت تستعير السكر ولم تُرجعه منذ ثلاثة أشهر.

أما أنا، فلم أفهم لماذا كان على العالم أنْ يستمر.

جلستُ إلى جوار قطّي أحدّق في جسده الأبيض الممدّد أمامي.

كان يبدو نائمًا بصورة فاضحة متآمرا على قلبي الصغير الضعيف.

لم أصدّق أنه مات، فقلت له:

- قم يا صغيري.

ولم يقم.

ربّتُّ على رأسه.

- لا تفعلها بي... افتح عينيك.

ولم يفتح.

اقترب أخي وقال:

- خلص، مات.

نظرت إليه بغضب.

- ومن قال لك؟

قال بثقة رجلٍ يملك شهادة في الطب الشرعي:

- لأنه لا يتحرك.

قلت:

- يمكن يكون زعلان.

ضحك.

ضحكتُ أنا أيضًا، لأنني كنت أحتاج إلى أي سبب يمنعني من تصديق الحقيقة.

كانت تلك أول مرة أكتشف فيها أنّ بعض الضحكات ليست فرحًا، وإنما طريقة مهذبة للبكاء أمام الآخرين.

حمل أبي قطّي في قطعة قماش قديمة، وقال:

- هيا، سندفنه تحت الرمّانة المستندة على سور أرض البئر الأولى.

تبعته وأنا أبكي.

كان قبره صغيرًا جدًا…صغيرًا إلى درجة أثارت غضبي.

قلت لأبي:

- لماذا حفرت له هذا المكان الضيق؟

قال:

- لأنه قط.

نظرت إلى الحفرة ثم إلى أبي، وشعرت أنّ حجته غير مقنعة إطلاقًا.

قلت:

- لكنه كان كبيرًا في قلبي.

سكت أبي.

ولم أكن أعرف يومها أنّ تلك الجملة ستكبر معي أكثر من كلّ الأشياء التي كنت أظنها مهمة.

دفناه، ووقفنا.

كان أبي يريد أن ينهي المراسم سريعًا، أما أنا فكنت أريد أنْ أعيد الزمن إلى الوراء، وأنْ أفتح القبر، وأنْ أقول للتراب: آسفة، أخطأنا العنوان.

صرخت:

- ترى ماذا فعل التراب بوجهك يا صغيري؟

لم يجبني أحد.

ومنذ ذلك اليوم ظلت الجملة عالقة في رأسي.

ترى ماذا فعل التراب بوجهك يا صغيري؟

كنت أتحسس وجهي بيديّ الصغيرتين الباردتين وأنا أسأل عن وجه القط، وعن كل شيء يبتلعه الغياب.

مرت السنوات…كبرتُ، وكبر معي السؤال.

تعلمت في المدرسة أنّ الأشياء لا تعود إذا دفنت، ثم اكتشفت أنّ المدرسة نفسها ستصبح يومًا شيئًا مدفونًا في ذاكرتي.

ضحكات الصديقات، ورائحة الدفاتر الجديدة، والطابور الصباحي، والمعلمة التي كانت تعاقبنا لأننا نضحك في الحصة مع أنها كانت تضحك أكثر منا حين تغادر المديرة، وذلك المقعد الخشبي الذي تركنا عليه أسماءنا معتقدين أننا بذلك سنخلّد أنفسنا بينما جاء عامل النظافة بعد سنوات ومسحها في دقيقتين، ليعلّمنا أول درس حقيقي في هشاشة الخلود.

دفنتُ طفولتي دون أن أعرف، وهذا هو أسوأ ما في الأمر.

نحن لا نعرف أننا ندفن الأشياء الأخيرة إلا بعد أنْ نصير عاجزين عن استعادتها.

كبر البيت أيضًا، أو ربما صغرت أنا، والغرف التي كانت تبدو واسعة صارت ضيقة، والساحة التي كانت تتسع لركضنا صارت بالكاد تتسع لسيارة.

ذات يوم عدت إلى البيت القديم، ووقفت أمام الباب طويلًا.

مددت يدي إلى المقبض، ثم ترددت…كان الباب يعرفني أكثر مما أعرف نفسي.

فتحته، فلم أجد الطفولة…وجدت الغبار.

قلت في سري: حتى أنتِ؟ ثم ضحكت.

يا للسخرية! كنت أبحث عن طفولتي في بيت قديم، كما يبحث رجل عن مفتاح سيارته في جيب معطف دفنه منذ عشرين عامًا.

لم أجد سوى فتحة صغيرة في قلب الباب الخارجي، نظرت منها، فكان كل شيء في مكانه تقريبًا إلا نحن، وهنا فهمت شيئًا مخيفًا.

جلست على عتبة الباب التي كنت أجلس عليها وأنا طفلة…أغمضت عيني، وفجأة سمعت صوتًا قديمًا…ضحكة، وخطوات، وبابًا يُفتح، وصوت جدّتي فاطمة، وصوت العم الحكيم خليل، وصوت أمي، وصوت الجارة التي استعارت السكر ولم تعده، ثم فتحت عيني فلم أجد أحدا، لقد صار البيت خبيرًا في الأشباح.

بعد أعوام دفنت أشياء أخرى…دفنتُ رسائل لم أجرؤ على إرسالها، ودفنتُ صداقة ماتت بسبب كلمة مع أنّ صاحبة الكلمة نسيتها بعد خمس دقائق، ودفنتُ حلمًا كنت أظنه سيصبح ذات يوم حقيقة، ودفنتُ أشخاصًا خرجوا من حياتي، وهؤلاء أصعب مَن فقدت.

فالميت الحقيقي يمنحك حق البكاء، أما الذي يرحل وهو حي، فيتركك في حيرة أخلاقية…هل تبكي عليه؟ أم تبكي على نفسك؟

أم تضع إعلانًا في الصحيفة تكتب فيه:فُقد شخص كان عزيزًا، آخر ظهور له في قلبي كان قبل غروب شمس اليوم، ومن يجده يرجى عدم إعادته، فقد تغيّر كثيرًا.

ضحكت حين خطرت لي الفكرة، ثم بكيت.

وفي إحدى الليالي، كنت أرتب صندوقًا قديمًا، فعثرت على صورة.

صورة لي وأنا طفلة، لكنني لم أجد صورة قطّي الأبيض…يا الله ليتني حملته في الصورة!

كان وجهه أبيض كما أتذكره، وكانت عيناه واسعتين، وكانت يداي صغيرتين إلى درجة جعلتني أشعر بالدهشة.

حدقت في الصورة طويلًا، ثم سألتها:

- أين ذهبت تلك الطفلة؟

لم تجب الصورة.

قلت:

- هل دُفنتِ أنت أيضًا؟

سكتُّ، ثم أدركت الحقيقة.

نعم، لقد دفنتها في مكان ما بين السنوات، ولم أعد أعرف متى حدث ذلك، ربما يوم دخلت المدرسة الثانوية، وربما يوم اكتشفت أنّ العالم ليس عادلًا، وربما يوم مات شخص أحببته، وربما يوم قيل لي للمرة الأولى: كبرتِ، كوني عاقلة.

كم هو غريب هذا العالم!

نحن نربّي الأطفال على أنْ يكبروا، ثم نقضي بقية أعمارنا ندفع ثمن ذلك.

أعدت الصورة إلى الصندوق، لكنني لم أستطع إعادة السؤال.

ظلّ واقفًا أمامي:

تُرى ماذا فعل التراب بوجهك يا صغيري؟

هذه المرة كنت أسأل عن وجوه كثيرة…عن قطي الأبيض المدلل، وعن العم الحكيم خليل وصندوق حكاياه، وعن جدّتي وهي تناديني باسمي، وعن أمي عندما كانت تضحك بلا خوف، وعن صديقة كانت تعرف أسراري ثم صارت لا تعرف عني شيئًا، وعن بيت كان عامرًا بالأصوات، وعن مدينة كانت تبدو لنا أبدية، وعن حلم تركناه لأنّ الحياة قالت لنا: ليس الآن، ثم مرّ العمر، ولم يأتِ الآن.

والآن، وبعد هذا العمر لا زلت أبحث عن وجه الطفلة التي دفنت قطها، ثم مضت في الحياة وهي تظن أنها دفنت قطًا واحدًا، لكنّها تعي جيّدا أنّ بعض الأشياء لا تعود، لكنها لا ترحل تمامًا.

تبقى في نبرة صوتنا، وفي طريقة ضحكنا، وفي خوفنا، وفي أغنية عابرة، وفي رائحة بيت قديم، وفي شارع لا نجرؤ على دخوله، وفي جملة طفلة صغيرة تقف أمام حفرة ضيقة وتبكي كأنّ العالم كله قد دُفن فيها:

ترى ماذا فعل التراب بوجهك يا صغيري؟

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين 

تَمُرّينَ...

فَيَنْسَى الطَّريقُ

إلى أينَ كانَ يَمضي،

وتَرفعُ النَّوافذُ

ستائرَها للضَّوء.

في عينيكِ

ليلٌ لم يَنَمْ،

وفجرٌ

يتعلَّمُ خُطاه.

مَن علَّمَ الحزنَ

أن يبدو جميلًا

حين يسكنُ وجهكِ؟

ومَن تركَ في صوتكِ

كلَّ هذا المطر؟

لا تَحزني...

فالعمرُ أقصرُ

من أن نُطعِمَ الغيابَ

أيّامَنا،

والقلبُ أضعفُ

من أن يحملَ موتاهُ

ويمشي.

دَعي للريحِ

ما تَساقطَ منكِ،

وللأمسِ

مقاعدَهُ الفارغة،

وتَعالي...

نُطفئُ هذا الليلَ

بنافذة،

ونُربكُ العتمةَ

بضحكة.

خُذي يدي؛

فالمدينةُ خلفَنا

كومةُ ضجيج،

وأمامَنا

شارعٌ لم تُجرِّبْهُ

خُطانا بعد.

وإن سألَكِ الحزنُ

إلى أين؟

قولي له:

إلى رجلٍ

كلّما رآني

أعادَ ترتيبَ قلبِه،

وتركَ لي

مكانًا

بين نبضتين.

***

إبراهيم السعدي

أنتَ سماء ملء العين

تحيدُ

وقد تجنح للأرض

أنا عكسك

أحيا مفتونا بأديم البحر

تبلله النار بأحجار شراستها...

أعشق فرحي المتجدد

والمطر المرميَّ على كنبات الطين

أرش سجايايَ بملح رغيف امرأة تطلع

من رحم الأرض

على كتفيها تحمل هاجرة

وتقل مهاوي الريح إلى حيث

مصبات الماء

تماما ككآبتنا العربية حين حين

تقل إلينا الزمن الحاضر

للأهل وللأصحاب...

أقايض سنبلة الأيام بسنبلة

ودم الشجر أدسه تحت الإبط

سأفتح صندوق نوايايَ علانيةً

هذا جسدي عرس لم ينته بعدُ

ولم أفهم كيف الخوصصة تجوب الميناء

ولم تأخذ رأي نوارسه سلَفاً.

***

مصطفى معروفي

الاثنين /

 ارهقتني رحلة العودة للبيت بحافلة تبقعت مقاعدها بالشحوم. وبعد نزولي منها كان عليّ ان اقطع ما يقارب الكيلومترا كي اصل الى غرفتي وهي في الاصل كرفان اقيم على صفوف من الآجر في سطح تابع لملحق بيت لا املك ادنى فكرة عن ساكنيه قمت باستئجاره من مكتب عقاري في الجوار.

 بدت غرفتي ــ عدا موقعها المنعزل ــ اشبه بنيزك ساقط من حالق. دلفت للداخل مزيحا ستارة الشباك الصغير ليمنحني الموشور المتسلل من خلل الشباك ما يكفي من نور الظهيرة كيما يجنبني الارتطام بأثاثها المتزاحم حيث السرير ومنضدة الركن المغطاة بلوح زجاجي تناثرت عليه صور شخصية جلبتها من محل التصوير الذي اعمل فيه.

 ارحت كاميرتي على تلك المنضدة قاذفا ببدني المتهالك على السرير مستسلما لإغفاءة قصيرة، وحين استيقظت لهوت بتأمل البوسترات الجدارية المتعددة الاحجام وكان معظمها لفاتنات، ممثلات كنت اقع في غرامهن مقضّيا سنوات في انتظارهن فلا يجئن ولا يجئ غودو !

 يقع محل التصوير بالقرب من الجسر الاحمر الذي تطوق سياجه اشجار صفصاف ودفلى ويوكالبتوس ويتمايل على تياره المندفع غربا ما تبقى من نخيل البستان الذي اعتاد اهل المدينة في ماضي الايام التنزه في افيائه قبل زحف الاسفلت !

 اتجنب النظر الى الكامرتين اللتين اعتدت اصطحابهما معي ايام كنت مصورا متجولا ومرد ذلك التحاشي راجع الى وخزات افتقاد لتلك النزهات التي لن تعود !

الاثنين ايضا /

 ارتجت جدران الغرفة وتناهت الى سمعي ارتطامات ذرات الرمل التي كانت ريح السطح تثيرها في اركانه الفسيحة المهجورة.بغتة وبالتزامن مع عصف الخارج هوى مصباح الغرفة الفاقع الصفرة ليتهشم على ارضها فتناولت المكنسة والمغرفة ونظفت البقعة واضعا الشظايا في كيس بلاستيكي محاذرا من السير حافيا. فتحت الباب بدون عناء ملاحظا توقف هبات ريح السطح فقررت اغتنام تلك الفرصة ورميت الحطام الى جوف حاوية قريبة من الباب واذا بي اباغت بمشهد لنبات تسلقت اغصانه متكئة على جدار الكرفان !

 كانت اوراق الاغصان لا تفتقد النضارة على الرغم من عدم انبعاث ايما رائحة منها. تصلبتُ في وقفتي وقد دوهمت بانذهال جعلني اتساءل عن كيفية وصول هذا النبات الى زاوية الكرفان. هل التصق بإهاب بجامتي او ان رياحا رخية قد جاءت به الى حيث السطح فعاش على موجات المطر التي هطلت في اواخر الربيع ؟ لاحظت ان بعض الاوراق لم يتحمل لهب القيظ فتحول الى هشيم ورقي فيما اصفر قسم اخر من الاوراق وتهيأ للذبول والانطفاء،اما المجموعة الثالثة من تلك الاوراق فبقيت خضراء نضرة بعد ان افادت من شآبيب مطر هطل قبل زمن ليس بالبعيد.

الاربعاء /

 عدت الى سريري جالسا على حافته دون ان اتوقف عن التساؤل بشأن هذا الاجتياح الغير المتوقع. لمحتُ مجلة كنت احضرتها معي ونسيت تصفحها فتناولتها ورحت اقلب صفحاتها طردا للسأم الذي يهيمن على هذا المكان الذي اسكن فيه. وانا اقلب صفحات تلك المجلة، جذب انتباهي عنوان لقصة من خيال كاتب سومري تحت عنوان (المصور رودريغو الذي مات سعيدا ) (*)، وحين قرأت النص اذهلتني درجة التخييل الابداعي الذي انتجته موهبة الراحل فقمت بتدوين ملخص له في كراسة يومياتي : " خطرت لمصور كورسيكي بائس يدعى رودريغو فكرة جنونية تمثلت بالتقاط صورة لممثلة الاثارة والاغراء مارلين مونرو سعيا وراء المجد والمال اللذين حرم منهما. في البداية رفضت مارلين مونرو فكرته ثم وافقت اشفاقا منها على وضعه البائس لاسيما وانه كان يعيش في مأوى للمتشردين، بشرط ان يلتقط صورة واحدة لها وهي نائمة، وبالفعل تسلل المصور الى غرفة مارلين ليجدها لفرط ذهوله غارقة في نومها فقرفص وراح يتأمل جسد المرأة الكريستالي الممدد امامه الى ان سحبته الخادمة الى الخارج عنوة. ومرت الايام وتوقعت الممثلة ان يقوم ذلك المصور بنشر الصورة كسبق صحفي لكن انتظارها طال كثيرا حتى اتها نسيت امر الصورة مع زحام الايام. وبعد اكثر من عشرين سنة توفي رودريغو بالسرطان في مأوى للمتشردين لكن اصدقاءه رووا عنه قصصا مشوقة لاسيما حينما كان يصف لهم انكسار الضوء المتسلل من النافذة على وجنتي مارلين وهي نائمة وصدرها وهو يعلو ويهبط ورائحة الجاردينيا الممزوجة بعطرها فكانوا يقولون : " لقد شممنا ذلك العطر يا رجل !"

 اثر رحيل رودريغو بقي جثمانه مسجى لثلاثة ايام متتالية ذلك لأن المأوى لم يكن يمتلك ثمن الدفن حتى عثروا في حاجياته على صورة مارلين مونرو نائمة بصورة فوضوية.لقد فضل الفقر والعوز على ان يشاركه احد تلك اللحظة النادرة التي جمعته مع نجمة الاغراء في غرفة واحدة فاضطر المأوى لبيع الصورة لتغطية نفقات دفنه. وفي يوم احد ماطر كئيب دفن رودريغو في مقبرة (سان انطونيو) المخصصة للغرباء على نحو لائق ! "

الخميس /

 في صبيحة اليوم التالي وبعد تناول بيضة مسلوقة بدون رغيف عزمت على ممارسة تسكعي اليومي في ركن من اركان المدينة، لكنني ــ وفيما كنت اهم بالنزول ــ ادرت اكرة باب السطح دافعا به الى الداخل فلم يستجب كما لو ان يدا خفية قد عمدت لإيصاده من داخل البيت.

 شعرت بالاختناق جراء هذا الاحتجاز على سطح مهجور بلا حياة عدا هديل القبرات وزقزقة الطير وريشه المتهافت وفضلاته المنتشرة في كل مكان.. هل ستكون خاتمتي كخاتمة الملياردير روتشيلد الذي مات حبيس الخزانة العملاقة التي تضم ثروته الخرافية ؟! هدأت من سورة قلقي.. اليس المفلس في القافلة امين؟!

 خرجت الى فيافي السطح تاركا باب غرفتي مواربا. ادنيت الوعاء من النبتة العطشى ساكبا الماء على الطبقة الترابية الرقيقة التي كانت تطوق جذورها، فيما اندفعتْ هبات ريح لولبية مجتاحة مدخل الكرفان. فأسرعت بالدخول ساحبا مزلاج الباب. ادركت من خلال نظرة خاطفة ان الصور التي كانت متناثرة على منضدة التصوير لم تعد موجودة هناك فقد تطايرت بعد ان بعثرتها هبات الريح قاذفة بها الى ارضية الغرفة !

***

محمد سهيل احمد

.....................

(*) النص المقصود لصاحبه القاص السومري القدير محمد حياوي

كان الوحيد من بين أقرانه الذي لم يستطع قبول العزلة جراء أحداث الاقتتال الطائفي. ففي النصف الأخير من شهر حزيران في العام السادس من بعد الألفين، ومثلما اعتاد عليه سابقاً، اصطحب جهاز التسجيل وصفيحة ماء بارد، وقطعة صغيرة من البطيخ وعنقود عنب، وضعها في صندوق فليني مع قطع من الثلج بجوار قنينة الكحول. كان القارب عريضاً ثقيلاً. تقدم ووضع مقتنياته في جوفه ودفعه بعيداً عن ضفة النهر. هبت نسائم خفيفة باردة بعض الشيء، ولاحت في البعيد غبرة غطت السماء. تلألأ من الجانب الآخر ضوء خافت عكسته أشعة الشمس الساقطة فوق منارة الجامع. جدف مبتعداً بقاربه نحو عمق النهر، ثم عاف القارب ينزلق الهوينا مع انحدار الماء، مد يده والتقط جهاز التسجيل الذي وضعه فوق الحافة الخلفية العريضة للقارب، ضغط زر التشغيل فانطلق صوت أم كلثوم يصدح:

إسأل روحك.. إسأل قلبك

قبل ما تسأل أنا غيرني إيه....

كل شيء من حوله قد تغير. ذاك ما شعر به الآن، حتى جرف النهر بدا وكأنه يزحف نحو العمق باتجاه الضفة الأخرى، وبان له المنظر مشوهاً كسيحاً. طالع الشاطئ الآخر فانتابته لحظة كدر شعر معها بكربة وألم يجتاح كيانه. فكّر بتلك الأيام حين كان يلهث ويقع مجهداً جراء عبوره النهر سباحة. ولكنه يعتقد الآن أن خمس دقائق ستكون كافية للوصول إلى الضفة الأخرى، لقد أجدب النهر.

يلامس بيديه الماء، فيشعر ببرودة لذيذة تتسلل نحو جسده، أحس معها بشيء من نشوة تغمر كيانه. فتح قنينة الكحول وارتشف كأساً حادة الطعم، ودس في فمه بعجالة حبتي عنب.

يتلذذ بفرادته وينتشي بأصوات الطيور وهي تهرب نحو أعشاشها تاركة وراءها يوماً مليئاً بالضجيج والحركة. يشعر بالغبطة والاسترخاء. يدع القارب يأخذ طريقه منساباً مع مياه النهر ويروح يطالع السماء منتشياً.

سابقاً في هذه الوحدة والسكون كان يحسم خياراته ومشاغله، يحاور روحه بصفاء ورضاً، ينتشي بعدها أيما انتشاء. تستمر ممارسته لطقسه اليومي الأثير أكثر من ساعتين، خط النهاية ذلك الجسر الحديدي، بعدها يستدير ليعود بعد أن تغيب الشمس وتختفي بعيداً. فيتجه حيث المكان الذي انطلق منه، قرب المقهى الصيفي الصغير. يوقف القارب ويركنه عند جذع شجرة صفصاف صغيرة متيبسة غُرزت جذورها عميقاً في الطين، بعدها يقذف جسده المتعب من التجديف والنازّ عرقاً وسط الماء، ويندفع ليتهادى في غمره حتى شاطئ الجانب الآخر للنهر، يعود بعدها والسكينة تملأ قلبه وكيانه.

الساعة، كل تلك الوجوه وملامح البنايات المجاورة يراها قد اختفت أو تشوهت. خلا الشاطئ من البشر ومثله الشوارع المجاورة، وانطفأت مصابيح الطرق والبيوت ما عدا ضوء الشمس الكسيحة التي تميل باحمرارها المختنق بالغبار نحو المغيب. شعر بالوحشة والغربة وكأنه دخل عالماً مسكوناً بالأرواح الشريرة. تلفت حوله محاولاً أن يتلمس في الجوار بعض حياة، ولكنه لم يجد غير طيور النوارس التي راحت تتعارك حول جيفة يجرفها الماء، وثمة أشواك تأتي لترتطم باللسان الرملي الذي امتد ليكون شبه جزيرة تخترق النهر وتضيّق مجراه. لم يكن هناك أثر لريح، وكانت الشمس تهبط رويداً فوق طرف السماء من جهة الغروب، والأماكن على جانبي النهر كتل صمّاء جامدة. انساب القارب نحو عمق النهر، فتركه يتهادى دون أن يبذل جهداً لتصحيح مسيره. تلفت حوله بحذر وأحس بالرهبة من الفراغ المفزع الذي يحيط بالمكان، شعر بالندم يسحق روحه، فكر بالعودة وترك نزهته المعتادة ليوم آخر، هذا السكون المجوف ربما يخفي مفاجأة غير سارة، فقد أحس بمئات العيون تترصده من ثقوب البيوت المطلة على النهر، حتى طيور النهر عافت طعامها وراحت تحوم حوله. لم يشعر بطعم الفاكهة وهو يلوكها. لا شيء هناك في الأفق غير السماء الرصاصية المصفرة وهي تهوي مقتربة من سطح الماء الرجراج. تمالك أعصابه ووجه لنفسه تقريعاً ولوماً حادين.

طالع هيكل الجسر الحديدي الذي اقترب منه. بدا الجسر وكأنه شبكة حديدية وضع الزمن بصماته عليها ببقع صدئة داكنة ونافرة. تذكر أن الجسر كان دائماً هو خط النهاية لنزهته، وعليه أن يعود أدراجه. ارتشف كأساً أخرى ونظر في الأفق البعيد. فجأة سمع صوت إطلاقة تخترق السكون وترتطم بقاعدة الجسر القريبة، فزع إثرها سرب عصافير. نهض واقفاً يبحث عن مصدر الإطلاق ولكنه بوغت برشقة رصاص من المكان ذاته. أطلق صرخة تردد صداها في المكان. انتفض جسده وانحنى شيئاً فشيئاً إلى أن هوى في قعر القارب، وكانت عيناه الفزعتان مفتوحتين على سعتهما تطالعان المنحنى المتشابك للجسر الذي كان ينزلق بصمت فوقه بالضبط.

***

فرات المحسن

 

بماء الوَدْقِ لو تُسقى النباتُ

كما تُسقى بآدابٍ بناتُ

*

كذا الأجيال بالأخلاق تنمو

إذا صُبَّت عليها المُكرماتُ

*

لأنَّ النّبْتَ بالإيراق يزهو

و بالأخلاق تزهو الطّالباتُ

*

فضخّوا للمدارس ما استطعتمْ

أساتذةً بهمْ تحكي اللّغاتُ

*

فلا فرقاً لدى الإسلام لمّا

تُدَرَّسْ بالفضيلةِ أُمَّهاتُ

*

فلن يأتي لنا جيلٌ هجينٌ

و لن تأتي بجيلٍ إمّعاتُ

*

فقوموا و انهضوا هيّا فرادى

جموعاً علّموا .. تسمُ الحياةُ

*

إذا التّعليم لا يرقى بجيلٍ

نرى الأستاذَ ذيباً حيثُ شاةُ

*

و كم بالأمس شاهدنا خفايا

و ويلاتٍ حوتها الجامعاتُ

***

رعد الدخيلي

روحي تندفعُ بخِفَّةٍ، وتدورُ حولَ الغدرانِ وتتسلق الكُثبانِ الرمليَّةِ التي تُزيِّنُ أطرافَ القَريةِ.

في البيادِر، تحتَ الشمسِ الذَّهبيَّةِ الدافئة،

أسيرُ عميقًا في الشَّمالِ، نحوَ الجبلِ،

عبرَ طريقِ الزُّهورِ البريَّةِ، والشَّقائقِ.

يا نبعَ ذكرياتي، ومصدرَ مُتعتي، يا مَلاذي في وحدتي وتَخَيُّلاتي!

أتذكَّرُ روعةَ بلَّلكَ تحتَ مَطَرِ نيسانَ،

وفضاءَ القَريةِ الذي يُمدُّني بطاقةٍ لا نهائيَّةٍ،

وجمراتِ المَواقدِ، وحكاياتِ السَّهرِ،

باحاتٍ مُضاءَةٍ، وليالٍ يضحكُ فيها القمرُ.

يا لِرائِحَةِ تلكَ الأيَّامِ، يا لِذاكَ العُمرِ،

حينَ تَستسلمُ العُيونُ للأحلامِ، وتَغرقُ القلوبُ في العَطرِ،

والقُبلاتُ تتصاعدُ من الأعماقِ، ترتفعُ إلى سماءِ (سيباي).

اذهبي يا روحي، إلى تلكَ الروائِحِ، وألعبي في فَضاءِ القَريةِ الواسعِ.

وليكُنْ شَرابُكِ من ماءِ المطر ِالذي يتدفَّقُ من المَزاريبِ وهي تَنهَمِرُ.

ما أسعَدَ من لهُ جناحٌ ينطلقُ بهِ هذه الليلة،

يَتركُ حُزنَ الهجرِ،

ويُصافحُ الفجر!

***

مراد سليمان علو

 

لم يصدق أحد أن الست نيرة يمكن أن تمرض، ولكن هذا ما حدث فعلا، وإن كان المريض العادي يأتي إلى المشفى على حمّالة مرضى إن كان متعبا، أو كرسي متحرك يجره عامل صحي، أو أحد أبنائه، وبأحسن الأحوال على قدميه إن كان وضعه مقبولا فإن الست نيرة جاءت في موكب مهيب، حرّاس، وخدم، وحشم، ووصيفات، وفوق ذلك بنين و بنات.

من في المدينة لا يعرف الست نيرة، وتراني عزيزي القارئ لا أجرؤ على ذكر اسمها مجردا من اللقب رغم أني كنتُ الطبيب الذي أشرف على علاجها فما سأرويه لك سوف ينزع من نفسك الاستغراب والعجب في زمن العجب العجاب في بلاد الأعراب.

الست نيرة، المرأة التي قاربت السبعين عاما، لم تكن تجيد القراءة والكتابة ولم تكن بحاجة لهما أصلا لتدبر حياتها فقبل ثلاثين عاما من تاريخ دخولها إلى المشفى كانت زوجة ثانية لرجل ميسور بمقاييس نهايات ستينيات القرن الماضي، التقاها قبل ذلك بسنوات قليلة في زيارة والدها ذي الخلق السيء والذي كان يخشاه الجيران وعابرو السبيل ولذلك لم يتقدم لخطبتها أحد رغم جمالها الظاهر وعيونها العسلية، وشعرها الناعم،  لكن أبا نمر كان صلد الجسد والقلب، لفته إليها خصوصا استدارة عضديها وبياضهما وهي تقدم له الشاي، خطبها دون تردد، ولم ترفضه رغم زواجه الأول وفارق العشرين عاما.

مات أبو نمر بعد سنوات قليلة وترك لها أولادا ثلاثة وابنة واحدة، ومسؤولية يعجز عنها الرجال، ولكن الست نيرة لم يهزَّ لها جفن في تحملها.

لم يكن لأبي نمر أطيان ولا أراض ولكنه كان سلبوطا بلهجتنا المحلية أي يفرض الإتاوات على التجار في سوق المدينة الشعبي ولم يكن يجرؤ أحد على الرفض، فهو الحامي لمن دفع، والقاتل لمن رفض، وإن تلطف به فسيطرده من السوق دون رجعة.

خلافة أبي نمر كانت معضلة حقيقية، فالعالم لا يحتمل الفراغ، ورغم تطور الزمن، كان السوق الشعبي بأمس الحاجة إلى سلبوط يحميه و ينظمه، وبما أن الطبع غلَّاب، تصدت الست نيرة للمهمة دون تردد فهي ابنة أبيها وخليفة زوجها.

ترحم تجار السوق وصناعيوه على أيام أبي نمر، الذي لم يكن ميّالا للعنف إلا عند الضرورة القصوى، وكان مشهورا بجملة:

-قاتلكم الله، أنا مضطر لعقابكم!

أمّا أرملته فلم تتردد بالضرب بيد من حديد على كل مقاوم لدفع الإتاوة ولو بصوت خافت، ويروي من عرف أحوال السوق أنَّها كانت تلوي ذراع الرجل القوي حتى يصرخ من الألم،... والذل.

الست نيرة على طاولة الفحص، يقوم الطبيب المقيم بفحصها، وحوله جيش من الحراسة والحماية والأبناء والبنات والأحفاد، ولك أن تتصور عزيزي القارئ مقدار التركيز الذي سيساعده على أداء مهمته الإنسانية الإجبارية.

قد يكون الإنسان حيوانا ناطقا، أو له تاريخ، أو قادرا على القراءة والكتابة، فيتميز عن غيره من الحيوانات، ولكنه خصوصا حيوان قادر على التعود على أسوأ الظروف مهما كانت، ولذلك بعد أسبوع من إقامة الست نيرة في المشفى الذي يقع على مرمى حجر أو رصاصة من السوق الشعبي الذي يحكمه الآن أبناؤها بقبضة من حديد ولكن بقفاز حريري فرضه تغير الزمن في السنوات الأولى من قرن المصائب، فبعد مضي هذه الأيام القليلة كان قسم الأمراض الباطنة الخاص بالنساء قد اعتاد على وجود الست نيرة بهيبتها ذاتها ولو أنها الآن عجوز مريضة فاقدة للوعي، و أبناؤها الثلاثة في مكتب رئيس القسم الذي سلمهم مفاتيحه عن طيب خاطر كما ادَّعى، كان المرضى سعداء بوجودها وهذه حقيقة وليست سخرية، فمن جاور السعيد يسعد، فالأدوية المقطوعة عادة بتعبير المشافي العامة توفرت بقدرة قادر للجميع، فلا أحد يرغب بتعكير صفو إقامة الضيفة الكريمة.

اتصل الطبيب المقيم باختصاصية الإنعاش الشابة، تلعثم كقاتل ملك وقع بين أيدي حراسه:

-السسسستتت نيييييرة، توقققفف قلبها.

بهدوء ودون انفعال، أجابته الطبيبة بانها قادمة، وأمرته ببدء الإنعاش القلبي الرئوي حسب بروتوكول المشفى الصالح لجميع المرضى.

كان الطبيب المقيم ابنا لأحد تجار السوق الشعبي، وكان قد تشرب خوف الست نيرة عبر السنوات، ولا أبالغ بالقول بأنه تمنى في تلك الدقائق الأربعين أن يموت فداء للست نيرة.

ما كان يشغله هو والفريق التمريضي في تلك اللحظة هو كيف سيخبرون أبناء الست نيرة بوفاتها بعد أن أيقنوا أنه بغياب معجزة ما فهي لا محال ميتة.

تقدمت الطبيبة الشابة من ابن الست نيرة، وبصوت واثق:

-توقف قلب الوالدة وتنفسها، حاولنا إنعاشها، لكنها ماتت، البقاء لله، لها الرحمة ولكم الصبر والسلوان.

ردَّ ابن نيرة:

- شكرا يا دكتورة، قمتم بما عليكم.

***

فراس ميهوب

10/04/2023

في نصوص اليوم