عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

الاثنين /

 ارهقتني رحلة العودة للبيت بحافلة تبقعت مقاعدها بالشحوم. وبعد نزولي منها كان عليّ ان اقطع ما يقارب الكيلومترا كي اصل الى غرفتي وهي في الاصل كرفان اقيم على صفوف من الآجر في سطح تابع لملحق بيت لا املك ادنى فكرة عن ساكنيه قمت باستئجاره من مكتب عقاري في الجوار.

 بدت غرفتي ــ عدا موقعها المنعزل ــ اشبه بنيزك ساقط من حالق. دلفت للداخل مزيحا ستارة الشباك الصغير ليمنحني الموشور المتسلل من خلل الشباك ما يكفي من نور الظهيرة كيما يجنبني الارتطام بأثاثها المتزاحم حيث السرير ومنضدة الركن المغطاة بلوح زجاجي تناثرت عليه صور شخصية جلبتها من محل التصوير الذي اعمل فيه.

 ارحت كاميرتي على تلك المنضدة قاذفا ببدني المتهالك على السرير مستسلما لإغفاءة قصيرة، وحين استيقظت لهوت بتأمل البوسترات الجدارية المتعددة الاحجام وكان معظمها لفاتنات، ممثلات كنت اقع في غرامهن مقضّيا سنوات في انتظارهن فلا يجئن ولا يجئ غودو !

 يقع محل التصوير بالقرب من الجسر الاحمر الذي تطوق سياجه اشجار صفصاف ودفلى ويوكالبتوس ويتمايل على تياره المندفع غربا ما تبقى من نخيل البستان الذي اعتاد اهل المدينة في ماضي الايام التنزه في افيائه قبل زحف الاسفلت !

 اتجنب النظر الى الكامرتين اللتين اعتدت اصطحابهما معي ايام كنت مصورا متجولا ومرد ذلك التحاشي راجع الى وخزات افتقاد لتلك النزهات التي لن تعود !

الاثنين ايضا /

 ارتجت جدران الغرفة وتناهت الى سمعي ارتطامات ذرات الرمل التي كانت ريح السطح تثيرها في اركانه الفسيحة المهجورة.بغتة وبالتزامن مع عصف الخارج هوى مصباح الغرفة الفاقع الصفرة ليتهشم على ارضها فتناولت المكنسة والمغرفة ونظفت البقعة واضعا الشظايا في كيس بلاستيكي محاذرا من السير حافيا. فتحت الباب بدون عناء ملاحظا توقف هبات ريح السطح فقررت اغتنام تلك الفرصة ورميت الحطام الى جوف حاوية قريبة من الباب واذا بي اباغت بمشهد لنبات تسلقت اغصانه متكئة على جدار الكرفان !

 كانت اوراق الاغصان لا تفتقد النضارة على الرغم من عدم انبعاث ايما رائحة منها. تصلبتُ في وقفتي وقد دوهمت بانذهال جعلني اتساءل عن كيفية وصول هذا النبات الى زاوية الكرفان. هل التصق بإهاب بجامتي او ان رياحا رخية قد جاءت به الى حيث السطح فعاش على موجات المطر التي هطلت في اواخر الربيع ؟ لاحظت ان بعض الاوراق لم يتحمل لهب القيظ فتحول الى هشيم ورقي فيما اصفر قسم اخر من الاوراق وتهيأ للذبول والانطفاء،اما المجموعة الثالثة من تلك الاوراق فبقيت خضراء نضرة بعد ان افادت من شآبيب مطر هطل قبل زمن ليس بالبعيد.

الاربعاء /

 عدت الى سريري جالسا على حافته دون ان اتوقف عن التساؤل بشأن هذا الاجتياح الغير المتوقع. لمحتُ مجلة كنت احضرتها معي ونسيت تصفحها فتناولتها ورحت اقلب صفحاتها طردا للسأم الذي يهيمن على هذا المكان الذي اسكن فيه. وانا اقلب صفحات تلك المجلة، جذب انتباهي عنوان لقصة من خيال كاتب سومري تحت عنوان (المصور رودريغو الذي مات سعيدا ) (*)، وحين قرأت النص اذهلتني درجة التخييل الابداعي الذي انتجته موهبة الراحل فقمت بتدوين ملخص له في كراسة يومياتي : " خطرت لمصور كورسيكي بائس يدعى رودريغو فكرة جنونية تمثلت بالتقاط صورة لممثلة الاثارة والاغراء مارلين مونرو سعيا وراء المجد والمال اللذين حرم منهما. في البداية رفضت مارلين مونرو فكرته ثم وافقت اشفاقا منها على وضعه البائس لاسيما وانه كان يعيش في مأوى للمتشردين، بشرط ان يلتقط صورة واحدة لها وهي نائمة، وبالفعل تسلل المصور الى غرفة مارلين ليجدها لفرط ذهوله غارقة في نومها فقرفص وراح يتأمل جسد المرأة الكريستالي الممدد امامه الى ان سحبته الخادمة الى الخارج عنوة. ومرت الايام وتوقعت الممثلة ان يقوم ذلك المصور بنشر الصورة كسبق صحفي لكن انتظارها طال كثيرا حتى اتها نسيت امر الصورة مع زحام الايام. وبعد اكثر من عشرين سنة توفي رودريغو بالسرطان في مأوى للمتشردين لكن اصدقاءه رووا عنه قصصا مشوقة لاسيما حينما كان يصف لهم انكسار الضوء المتسلل من النافذة على وجنتي مارلين وهي نائمة وصدرها وهو يعلو ويهبط ورائحة الجاردينيا الممزوجة بعطرها فكانوا يقولون : " لقد شممنا ذلك العطر يا رجل !"

 اثر رحيل رودريغو بقي جثمانه مسجى لثلاثة ايام متتالية ذلك لأن المأوى لم يكن يمتلك ثمن الدفن حتى عثروا في حاجياته على صورة مارلين مونرو نائمة بصورة فوضوية.لقد فضل الفقر والعوز على ان يشاركه احد تلك اللحظة النادرة التي جمعته مع نجمة الاغراء في غرفة واحدة فاضطر المأوى لبيع الصورة لتغطية نفقات دفنه. وفي يوم احد ماطر كئيب دفن رودريغو في مقبرة (سان انطونيو) المخصصة للغرباء على نحو لائق ! "

الخميس /

 في صبيحة اليوم التالي وبعد تناول بيضة مسلوقة بدون رغيف عزمت على ممارسة تسكعي اليومي في ركن من اركان المدينة، لكنني ــ وفيما كنت اهم بالنزول ــ ادرت اكرة باب السطح دافعا به الى الداخل فلم يستجب كما لو ان يدا خفية قد عمدت لإيصاده من داخل البيت.

 شعرت بالاختناق جراء هذا الاحتجاز على سطح مهجور بلا حياة عدا هديل القبرات وزقزقة الطير وريشه المتهافت وفضلاته المنتشرة في كل مكان.. هل ستكون خاتمتي كخاتمة الملياردير روتشيلد الذي مات حبيس الخزانة العملاقة التي تضم ثروته الخرافية ؟! هدأت من سورة قلقي.. اليس المفلس في القافلة امين؟!

 خرجت الى فيافي السطح تاركا باب غرفتي مواربا. ادنيت الوعاء من النبتة العطشى ساكبا الماء على الطبقة الترابية الرقيقة التي كانت تطوق جذورها، فيما اندفعتْ هبات ريح لولبية مجتاحة مدخل الكرفان. فأسرعت بالدخول ساحبا مزلاج الباب. ادركت من خلال نظرة خاطفة ان الصور التي كانت متناثرة على منضدة التصوير لم تعد موجودة هناك فقد تطايرت بعد ان بعثرتها هبات الريح قاذفة بها الى ارضية الغرفة !

***

محمد سهيل احمد

.....................

(*) النص المقصود لصاحبه القاص السومري القدير محمد حياوي

كان الوحيد من بين أقرانه الذي لم يستطع قبول العزلة جراء أحداث الاقتتال الطائفي. ففي النصف الأخير من شهر حزيران في العام السادس من بعد الألفين، ومثلما اعتاد عليه سابقاً، اصطحب جهاز التسجيل وصفيحة ماء بارد، وقطعة صغيرة من البطيخ وعنقود عنب، وضعها في صندوق فليني مع قطع من الثلج بجوار قنينة الكحول. كان القارب عريضاً ثقيلاً. تقدم ووضع مقتنياته في جوفه ودفعه بعيداً عن ضفة النهر. هبت نسائم خفيفة باردة بعض الشيء، ولاحت في البعيد غبرة غطت السماء. تلألأ من الجانب الآخر ضوء خافت عكسته أشعة الشمس الساقطة فوق منارة الجامع. جدف مبتعداً بقاربه نحو عمق النهر، ثم عاف القارب ينزلق الهوينا مع انحدار الماء، مد يده والتقط جهاز التسجيل الذي وضعه فوق الحافة الخلفية العريضة للقارب، ضغط زر التشغيل فانطلق صوت أم كلثوم يصدح:

إسأل روحك.. إسأل قلبك

قبل ما تسأل أنا غيرني إيه....

كل شيء من حوله قد تغير. ذاك ما شعر به الآن، حتى جرف النهر بدا وكأنه يزحف نحو العمق باتجاه الضفة الأخرى، وبان له المنظر مشوهاً كسيحاً. طالع الشاطئ الآخر فانتابته لحظة كدر شعر معها بكربة وألم يجتاح كيانه. فكّر بتلك الأيام حين كان يلهث ويقع مجهداً جراء عبوره النهر سباحة. ولكنه يعتقد الآن أن خمس دقائق ستكون كافية للوصول إلى الضفة الأخرى، لقد أجدب النهر.

يلامس بيديه الماء، فيشعر ببرودة لذيذة تتسلل نحو جسده، أحس معها بشيء من نشوة تغمر كيانه. فتح قنينة الكحول وارتشف كأساً حادة الطعم، ودس في فمه بعجالة حبتي عنب.

يتلذذ بفرادته وينتشي بأصوات الطيور وهي تهرب نحو أعشاشها تاركة وراءها يوماً مليئاً بالضجيج والحركة. يشعر بالغبطة والاسترخاء. يدع القارب يأخذ طريقه منساباً مع مياه النهر ويروح يطالع السماء منتشياً.

سابقاً في هذه الوحدة والسكون كان يحسم خياراته ومشاغله، يحاور روحه بصفاء ورضاً، ينتشي بعدها أيما انتشاء. تستمر ممارسته لطقسه اليومي الأثير أكثر من ساعتين، خط النهاية ذلك الجسر الحديدي، بعدها يستدير ليعود بعد أن تغيب الشمس وتختفي بعيداً. فيتجه حيث المكان الذي انطلق منه، قرب المقهى الصيفي الصغير. يوقف القارب ويركنه عند جذع شجرة صفصاف صغيرة متيبسة غُرزت جذورها عميقاً في الطين، بعدها يقذف جسده المتعب من التجديف والنازّ عرقاً وسط الماء، ويندفع ليتهادى في غمره حتى شاطئ الجانب الآخر للنهر، يعود بعدها والسكينة تملأ قلبه وكيانه.

الساعة، كل تلك الوجوه وملامح البنايات المجاورة يراها قد اختفت أو تشوهت. خلا الشاطئ من البشر ومثله الشوارع المجاورة، وانطفأت مصابيح الطرق والبيوت ما عدا ضوء الشمس الكسيحة التي تميل باحمرارها المختنق بالغبار نحو المغيب. شعر بالوحشة والغربة وكأنه دخل عالماً مسكوناً بالأرواح الشريرة. تلفت حوله محاولاً أن يتلمس في الجوار بعض حياة، ولكنه لم يجد غير طيور النوارس التي راحت تتعارك حول جيفة يجرفها الماء، وثمة أشواك تأتي لترتطم باللسان الرملي الذي امتد ليكون شبه جزيرة تخترق النهر وتضيّق مجراه. لم يكن هناك أثر لريح، وكانت الشمس تهبط رويداً فوق طرف السماء من جهة الغروب، والأماكن على جانبي النهر كتل صمّاء جامدة. انساب القارب نحو عمق النهر، فتركه يتهادى دون أن يبذل جهداً لتصحيح مسيره. تلفت حوله بحذر وأحس بالرهبة من الفراغ المفزع الذي يحيط بالمكان، شعر بالندم يسحق روحه، فكر بالعودة وترك نزهته المعتادة ليوم آخر، هذا السكون المجوف ربما يخفي مفاجأة غير سارة، فقد أحس بمئات العيون تترصده من ثقوب البيوت المطلة على النهر، حتى طيور النهر عافت طعامها وراحت تحوم حوله. لم يشعر بطعم الفاكهة وهو يلوكها. لا شيء هناك في الأفق غير السماء الرصاصية المصفرة وهي تهوي مقتربة من سطح الماء الرجراج. تمالك أعصابه ووجه لنفسه تقريعاً ولوماً حادين.

طالع هيكل الجسر الحديدي الذي اقترب منه. بدا الجسر وكأنه شبكة حديدية وضع الزمن بصماته عليها ببقع صدئة داكنة ونافرة. تذكر أن الجسر كان دائماً هو خط النهاية لنزهته، وعليه أن يعود أدراجه. ارتشف كأساً أخرى ونظر في الأفق البعيد. فجأة سمع صوت إطلاقة تخترق السكون وترتطم بقاعدة الجسر القريبة، فزع إثرها سرب عصافير. نهض واقفاً يبحث عن مصدر الإطلاق ولكنه بوغت برشقة رصاص من المكان ذاته. أطلق صرخة تردد صداها في المكان. انتفض جسده وانحنى شيئاً فشيئاً إلى أن هوى في قعر القارب، وكانت عيناه الفزعتان مفتوحتين على سعتهما تطالعان المنحنى المتشابك للجسر الذي كان ينزلق بصمت فوقه بالضبط.

***

فرات المحسن

 

بماء الوَدْقِ لو تُسقى النباتُ

كما تُسقى بآدابٍ بناتُ

*

كذا الأجيال بالأخلاق تنمو

إذا صُبَّت عليها المُكرماتُ

*

لأنَّ النّبْتَ بالإيراق يزهو

و بالأخلاق تزهو الطّالباتُ

*

فضخّوا للمدارس ما استطعتمْ

أساتذةً بهمْ تحكي اللّغاتُ

*

فلا فرقاً لدى الإسلام لمّا

تُدَرَّسْ بالفضيلةِ أُمَّهاتُ

*

فلن يأتي لنا جيلٌ هجينٌ

و لن تأتي بجيلٍ إمّعاتُ

*

فقوموا و انهضوا هيّا فرادى

جموعاً علّموا .. تسمُ الحياةُ

*

إذا التّعليم لا يرقى بجيلٍ

نرى الأستاذَ ذيباً حيثُ شاةُ

*

و كم بالأمس شاهدنا خفايا

و ويلاتٍ حوتها الجامعاتُ

***

رعد الدخيلي

روحي تندفعُ بخِفَّةٍ، وتدورُ حولَ الغدرانِ وتتسلق الكُثبانِ الرمليَّةِ التي تُزيِّنُ أطرافَ القَريةِ.

في البيادِر، تحتَ الشمسِ الذَّهبيَّةِ الدافئة،

أسيرُ عميقًا في الشَّمالِ، نحوَ الجبلِ،

عبرَ طريقِ الزُّهورِ البريَّةِ، والشَّقائقِ.

يا نبعَ ذكرياتي، ومصدرَ مُتعتي، يا مَلاذي في وحدتي وتَخَيُّلاتي!

أتذكَّرُ روعةَ بلَّلكَ تحتَ مَطَرِ نيسانَ،

وفضاءَ القَريةِ الذي يُمدُّني بطاقةٍ لا نهائيَّةٍ،

وجمراتِ المَواقدِ، وحكاياتِ السَّهرِ،

باحاتٍ مُضاءَةٍ، وليالٍ يضحكُ فيها القمرُ.

يا لِرائِحَةِ تلكَ الأيَّامِ، يا لِذاكَ العُمرِ،

حينَ تَستسلمُ العُيونُ للأحلامِ، وتَغرقُ القلوبُ في العَطرِ،

والقُبلاتُ تتصاعدُ من الأعماقِ، ترتفعُ إلى سماءِ (سيباي).

اذهبي يا روحي، إلى تلكَ الروائِحِ، وألعبي في فَضاءِ القَريةِ الواسعِ.

وليكُنْ شَرابُكِ من ماءِ المطر ِالذي يتدفَّقُ من المَزاريبِ وهي تَنهَمِرُ.

ما أسعَدَ من لهُ جناحٌ ينطلقُ بهِ هذه الليلة،

يَتركُ حُزنَ الهجرِ،

ويُصافحُ الفجر!

***

مراد سليمان علو

 

لم يصدق أحد أن الست نيرة يمكن أن تمرض، ولكن هذا ما حدث فعلا، وإن كان المريض العادي يأتي إلى المشفى على حمّالة مرضى إن كان متعبا، أو كرسي متحرك يجره عامل صحي، أو أحد أبنائه، وبأحسن الأحوال على قدميه إن كان وضعه مقبولا فإن الست نيرة جاءت في موكب مهيب، حرّاس، وخدم، وحشم، ووصيفات، وفوق ذلك بنين و بنات.

من في المدينة لا يعرف الست نيرة، وتراني عزيزي القارئ لا أجرؤ على ذكر اسمها مجردا من اللقب رغم أني كنتُ الطبيب الذي أشرف على علاجها فما سأرويه لك سوف ينزع من نفسك الاستغراب والعجب في زمن العجب العجاب في بلاد الأعراب.

الست نيرة، المرأة التي قاربت السبعين عاما، لم تكن تجيد القراءة والكتابة ولم تكن بحاجة لهما أصلا لتدبر حياتها فقبل ثلاثين عاما من تاريخ دخولها إلى المشفى كانت زوجة ثانية لرجل ميسور بمقاييس نهايات ستينيات القرن الماضي، التقاها قبل ذلك بسنوات قليلة في زيارة والدها ذي الخلق السيء والذي كان يخشاه الجيران وعابرو السبيل ولذلك لم يتقدم لخطبتها أحد رغم جمالها الظاهر وعيونها العسلية، وشعرها الناعم،  لكن أبا نمر كان صلد الجسد والقلب، لفته إليها خصوصا استدارة عضديها وبياضهما وهي تقدم له الشاي، خطبها دون تردد، ولم ترفضه رغم زواجه الأول وفارق العشرين عاما.

مات أبو نمر بعد سنوات قليلة وترك لها أولادا ثلاثة وابنة واحدة، ومسؤولية يعجز عنها الرجال، ولكن الست نيرة لم يهزَّ لها جفن في تحملها.

لم يكن لأبي نمر أطيان ولا أراض ولكنه كان سلبوطا بلهجتنا المحلية أي يفرض الإتاوات على التجار في سوق المدينة الشعبي ولم يكن يجرؤ أحد على الرفض، فهو الحامي لمن دفع، والقاتل لمن رفض، وإن تلطف به فسيطرده من السوق دون رجعة.

خلافة أبي نمر كانت معضلة حقيقية، فالعالم لا يحتمل الفراغ، ورغم تطور الزمن، كان السوق الشعبي بأمس الحاجة إلى سلبوط يحميه و ينظمه، وبما أن الطبع غلَّاب، تصدت الست نيرة للمهمة دون تردد فهي ابنة أبيها وخليفة زوجها.

ترحم تجار السوق وصناعيوه على أيام أبي نمر، الذي لم يكن ميّالا للعنف إلا عند الضرورة القصوى، وكان مشهورا بجملة:

-قاتلكم الله، أنا مضطر لعقابكم!

أمّا أرملته فلم تتردد بالضرب بيد من حديد على كل مقاوم لدفع الإتاوة ولو بصوت خافت، ويروي من عرف أحوال السوق أنَّها كانت تلوي ذراع الرجل القوي حتى يصرخ من الألم،... والذل.

الست نيرة على طاولة الفحص، يقوم الطبيب المقيم بفحصها، وحوله جيش من الحراسة والحماية والأبناء والبنات والأحفاد، ولك أن تتصور عزيزي القارئ مقدار التركيز الذي سيساعده على أداء مهمته الإنسانية الإجبارية.

قد يكون الإنسان حيوانا ناطقا، أو له تاريخ، أو قادرا على القراءة والكتابة، فيتميز عن غيره من الحيوانات، ولكنه خصوصا حيوان قادر على التعود على أسوأ الظروف مهما كانت، ولذلك بعد أسبوع من إقامة الست نيرة في المشفى الذي يقع على مرمى حجر أو رصاصة من السوق الشعبي الذي يحكمه الآن أبناؤها بقبضة من حديد ولكن بقفاز حريري فرضه تغير الزمن في السنوات الأولى من قرن المصائب، فبعد مضي هذه الأيام القليلة كان قسم الأمراض الباطنة الخاص بالنساء قد اعتاد على وجود الست نيرة بهيبتها ذاتها ولو أنها الآن عجوز مريضة فاقدة للوعي، و أبناؤها الثلاثة في مكتب رئيس القسم الذي سلمهم مفاتيحه عن طيب خاطر كما ادَّعى، كان المرضى سعداء بوجودها وهذه حقيقة وليست سخرية، فمن جاور السعيد يسعد، فالأدوية المقطوعة عادة بتعبير المشافي العامة توفرت بقدرة قادر للجميع، فلا أحد يرغب بتعكير صفو إقامة الضيفة الكريمة.

اتصل الطبيب المقيم باختصاصية الإنعاش الشابة، تلعثم كقاتل ملك وقع بين أيدي حراسه:

-السسسستتت نيييييرة، توقققفف قلبها.

بهدوء ودون انفعال، أجابته الطبيبة بانها قادمة، وأمرته ببدء الإنعاش القلبي الرئوي حسب بروتوكول المشفى الصالح لجميع المرضى.

كان الطبيب المقيم ابنا لأحد تجار السوق الشعبي، وكان قد تشرب خوف الست نيرة عبر السنوات، ولا أبالغ بالقول بأنه تمنى في تلك الدقائق الأربعين أن يموت فداء للست نيرة.

ما كان يشغله هو والفريق التمريضي في تلك اللحظة هو كيف سيخبرون أبناء الست نيرة بوفاتها بعد أن أيقنوا أنه بغياب معجزة ما فهي لا محال ميتة.

تقدمت الطبيبة الشابة من ابن الست نيرة، وبصوت واثق:

-توقف قلب الوالدة وتنفسها، حاولنا إنعاشها، لكنها ماتت، البقاء لله، لها الرحمة ولكم الصبر والسلوان.

ردَّ ابن نيرة:

- شكرا يا دكتورة، قمتم بما عليكم.

***

فراس ميهوب

10/04/2023

"اسقِني كأساٌ وخُذْ كأساً إليك"

- محمد سعيد الحبُّوبي -

***

وأنا في سَكْرةِ العمرِ

على خطوتِهِ العشرينَ

أغراني مِدادي،

فانسكَبْ:

"لِمْ لا تعيشُ نواسيَّاً بلا ظمأٍ

تسقي الحياةَ، فلاخوفٌ ولا سهَرُ

*

ماتَ النواسيُّ، ماتَ الشيخُ واعظُهمْ

نموتُ نحنُ، يموتُ الطيرُ والشجرُ

*

فكلُّنا في ظلامِ القبرِ يجمعُنا

صمتُ الترابِ ويغفو فوقنا الحَجَرُ"*

**

ها هُمُ اليومَ وحَبلُ الخَنْقِ

مرفوعٌ على أيديهُمُ

يصرخُ قاضيهِمْ بملءِ البُغضِ:

لا تشربْ،

ولا تسْقِ عظامَكْ،

مِنْ كرومٍ (خلقَ اللهُ)

ومِنْ أنهارِ خمرٍ

(سوف تلقاها أمامَكْ)!

نسيَ الشيخُ الفقيهُ..

الحاملُ الرايةَ..

في الفرسانِ

صنديداً يجاهدْ

حينَ غنّى صادحاً:

"فاسقِني كأساً وخُذْ كأساً إليكْ

فلذيذُ العيشِ أنْ نشتركا "

***

عبد الستار نورعلي

.........................

هامش للعلم

في أيام الصِبا الخوالي، وزمانِ الوصلِ ببغدادِ المكارمِ والمعالي، كانتِ الكأسُ سميري ونديمي في لياليَّ مع الكتبِ والأوراقِ والأٌقلامِ والموسيقى والغناءِ، وفي نوادي السمرِ والسهرِ البريء. لكنّني ومنْ زمنٍ بعيد طلّقْتُها طلاقاً بائِناً. ومنْ يومِها لم تلامسْ شفتايَ، ولا دغدغَتْ اشتهائي وعينيَّ، ولا هفَتْ إليها نفسي فأمُدُّ يديَّ، مع أنَّ حولي مقاصفَ فاخرةً شهيَّةً، وحاناتٍ أنيقةً بهيَّةً، ومراقصَ صاخبةً سنيَّةً، ومرابعَ مُشرقةً زهيَّةً، ومحلاتٍ بأنواعِ المشروباتِ غنيّةً. لم يمنعْني في طلاقِها قانونٌ مانعٌ جائرٌ، ولم يعظْني واعظٌ مِنطيقٌ سفسطائيٌّ ماهرٌ، في اللغوِ شاطرٌ، ولم يُجبرْني جابرٌ، ولم يهدّدْني دعيٌّ داعرٌ، ولم يُقاضِني قاضٍ دجّالٌ غادرٌ. لقد عافتْها النفسُ عن قناعةٍ راسخةٍ، وإرادةٍ صُلبةٍ ثابتةٍ، واختيارٍ مدروسٍ حاسمٍ، وقرارٍ قطعيٍّ جازمٍ. هكذا، كانَ قراري أنا مِنْ حالي وبالي. والحمدُ للهِ العالي.

*هي الأبياتُ الأخيرة منْ قصيدةٍ كتبتُها وأنا في عشرينيات العمر:

هاتي الشِّفاهَ فقد أضنانيَ السَّهرُ

هاتي العيونَ ففي أعماقِها الدُّرَرُ

*

هاتي الخدودَ دماءً فيَّ نازفةً

لونَ الشقيقِ وجمرَ النَّارِ أستعرُ

ما زلتُ أختارُ الغيابَ لِأحضُرا

أغمضتُ عيني في الطريقِ لكي أرى

أنا غيمةٌ وُلِدَتْ منَ البرقِ الذي

قد قبّلَ الأمطارَ ثُمَّ تكسَّرا

مُتجذِّرٌ في الضوءِ حتّى إنّني

أنبتُّ شمساً من تباريحِ السُّرى

عشبٌ وهاجسُهُ الرحيلُ وزنبقٌ

طعنَ المياهَ فكانَ أصفرَ أحمرا

ورفيفُ أجنحةٍ سيَغزِلُ أغصُناً

من نسمةٍ عذراءَ كي تتبخترا

أنا عشبةٌ لم تسعَ يوماً للخلو..

دِ وإنّما رأتِ الفَناءَ الأبهرا

لي خافقُ الأشجارِ وهْيَ تشيبُ في

صمتٍ وتتركُ حكمةً فوقَ الثرى

لي ما لِهذا الطيرِ من كلِّ السَّما

شيءٌ قليلٌ صارَ عنديَ أكثرا

لمّا تدلّى الغُصنُ لم أقطِفْ سوى

مطرِ الترابِ وقد تركتُ الأخضرا

هل كانَ حُلْماً أنّني مُتوسِّدٌ

نهراً وموسيقى تفيضُ على القُرى

حيثُ العساليجُ اشرأبَّتْ من يدي

وتفتّحَتْ مدنُ الكلامِ لِأعبُرا

يا أيُّها المطرُ الخفيفُ سقيتَني

حزناً بأقصى الروحِ فيَّ تجذّرا

من قطرةِ المطرِ الرهيفةِ سوفَ أُوْ..

لَدُ ثُمَّ أكبُرُ في المدائنِ أنهُرا

أعطيتُ هذا الماءَ لونَ طفولتي

وأبَيتُ يوماً أن أكونُ مُفسَّرا

أنا غارقٌ في وردةِ الليلِ التي

من ملحِ أيامي سقَتْنِيَ سُكّرا

ولأجلِ هذا الحبِّ خُضتُ معاركي

مُتغرِّباً مُتصعلكاً كالشَّنْفَرى

بارزتُهم بالغصنِ أخضرَ يانِعاً

فهزمْتُهم وكسرْتُ ذاكَ الخِنجرا

أنا لستُ أقطِفُ وردةً لحبيبتي

لكن سأزرَعُها بها كي تُزهِرا

لمّا قرأتُ على النساءِ قصائدي

رفرَفْنَ كالأطيارِ في هذي الذُّرى

والموتُ والِدُنا ونحنُ صغارُهُ

في الأرضِ أودَعَنا وقالَ وقد جرى:

فَلْتَنعَموا في الأرضِ وَلْتتمتّعوا

أنا عنكُمُ (واللهِ) لن أتأخّرا

***

د. عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

رَفْعُ المَكانةِ، بالتَزْويقِ مَنْقَصَةٌ

وللحقيقةِ دَوْرٌ، في المَضامِينِ

*

وللاصالةِ رَفْضٌ، إنْ احاطَ بها

ما يوهِمُ السمْعَ، في عَزْفٍ وتلْوينِ

*

عَزْمُ الرجالِ بإيمانٍ، له مَدَدٌ

مِن جَنّة الإرثِ، بين الحِين والحِينِ

*

وفي التكلُفِ، يبدو الحِسُّ مُرتَبِكاً

والحِسُّ طَبْعٌ، بإيعازٍ وتَمْوينِ

*

ليس الدواءُ بِشافٍ، دون مَعرِفةٍ

ورُبَّ داءٍ مَضى، في حُسْنِ تَقْنينِ

*

ياسائرا بوِسام المَجْدِ، مؤتَلِقاً

نِلْتَ الخلودَ، بأسبابٍ وتمْكِينِ

*

عَزْفٌ يرافِقُ إنشادا، له أثَرٌ

في جوْهر القلبِ، مِن عِزٍّ وتَزْيينِ

*

يزهو القرِيضُ بأوصافٍ بكَ اقتَرَنَتْ

وللنُصوصِ افْتِخارٌ، بالأفانِينِ

*

ليس الثناءُ، كُليماتٍ مُنَمَّقَة ً

إنْ لم يكن في رحاب الحقِّ والدينِ

*

سُمْرُ القَنا، إنْ رأتْ في الكفِّ مَسْكَتَها

بالعَزْمِ تزْدادُ خَرْقاً، في العَناوينِ

*

مهِمَّةُ البُعدِ، للأشواقِ كَشْفُ صَدىً

كم مُقْلةٍ دمْعُها في البعدِ يَرويني

إن عَفَّ في الوصل حُبٌّ، دام مَغْرسُه

وعِفَّةُ الجِّيلِ، نَهْجٌ في الأساطِينِ

***

(من البسيط)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

تقولُ: أما آنَ وقتُ التلاقي

حبيبي، حبيبي، كفاني اشتياقي

*

فقلتُ: أما آنَ أن تقدمي

لقد طالَ ليلي، وطالَ احتراقي

*

أُنادِيكِ والليلُ يرخي ستاراً

وأُخفي حنيني وراءَ المآقي

*

فإن جئتِ عادَ الربيعُ لقلبي

وعادَ إلى الروحِ بعضُ انبثاقي

*

وإن غبتِ ظلَّتْ على بابِ نفسي

بقايا خطاكِ، وطيبُ عناقي

*

أيا من سكنتِ عميقَ الحنايا

أما تعلمينَ شَجَا ما أُلاقي؟

*

أطوفُ دروبَ المنى كلَّ ليلٍ

وأرجعُ وحدي بغيرِ اتفاقِ

*

فهل من صباحٍ يضمُّ خطانا

ويُرجعُ للروحِ عهدَ الوفاقِ؟

*

تسابقَ شوقي إلى مُلتقانا

ونمضي إلى الوصلِ دونَ افتراقِ

*

على ضفّةِ النهرِ مرّتْ خطانا

فأيقظَ شوقي هديرُ السواقي

*

تعالي، فقد طالَ هذا التجافي

وأضنى فؤادي طويلُ الفراقِ

*

تعالي نُرمِّمُ ما قد تشظّى

ونبعثُ في الحلمِ معنى انعتاقي

*

أحنُّ إليكِ حنينًا تسامى

إذا لاحَ في الأفقِ برقُ العراقِ

*

سقيتُ اللياليَ من كأسِ شوقي

فصارَ الحنينُ لذيذَ المذاقِ

*

فعودي، فما عادَ لي من سلوٍّ

وما لي سوى موعدٍ بالتلاقي

*

وما الحبُّ إلا بقاءُ اشتياقٍ

إذا ظلَّ في القلبِ رغمَ الفراقِ

*

تَعَالَيْ، فَإِنِّي سَئِمْتُ التنائي

وَأَضْنَانِيَ الشَّوْقُ بَعْدَ افتراقي

*

سَأَبْقَى عَلَى العَهْدِ حَتَّى التَّلَاقِي

وَأَسْقِي حَنِينِي بِدَمْعِ المَآقِي

***

جاسم الخالدي

ولي قلبٌ به أحوي البرايا

وأجمع من غدوا منهم سبايا

*

وأمشي فيهمُ ليلاً .. نهاراً

ولن أعيا إذا أرقى الرّبايا

*

وأعبر محنة الصّحراء فيهمْ

ولن أخشى الحوادث والمنايا

*

صبوراً .. صابراً أسري لوحدي

على صبر الأباعر والمطايا

*

فما كلّت بإصراري صفاتي

وما انهدت بداخليَ الخبايا

*

أسير العمرَ في الدّنيا وئيداً

وأسرع كلّما هاموا ورايا

*

وأشهر سيفيَ الصّمصامَ حرباً

على من لم يستجلِ القضايا

*

وأطلق شفرةَ التجريح شعراً

على من شجَّ في الأفق المرايا

*

وأمطر غيمة التّظليل جمراً

على سرب الأفاعي والعضايا

*

سأجعل كوخيَ المسكين قصراً

منيفاً شاهقاً قصداً وغايا

*

لكي تحيا الجموع على وجودي

وبعد الموت تحييني الوصايا

*

لأنّي لن أموت كمن أميتوا

ولن أثوى كما تثوى المطايا

*

أعيش الدَّهْرَ ؛ إسماً دونَ رسمٍ

وأتركُ ما أخطِّطُ للبرايا

*

وأُتبِعُ رحلةَ السّبعين عمراً

إلى الألفين .. ما خابت نوايا

*

وأُسمِعُ جوقةَ الحادين لحناً

يُمَوْسَقُ في المدى ناياً فنايا

*

يغنّي كلُّ من يمشي ورائي

ويطربُ من سرى يقفو خطايا

*

سأحمل في الصّقيع بما أستطعتُ

طوال الدّهر للنّاس الهدايا

*

لأنّي لم أمت إلّا انولدتُ

كما العنقاء من بين الشّظايا

*

أفتّش في الظّليمة عن عيوني

وعن رأسي بمعترك المنايا

*

وأبقى هكذا صَلْباً عتيداً

وذي أقصى الأماني في مُنايا

*

فلم أَخضع بأعوامي لباغٍ

ولم أَخدع بسافلة البغايا

*

عراقيَّ الشّمائلِ.. من نخيلي

ورثتُ الكِبْرَ محمودَ السّجايا!

***

رعد الدخيلي

لا تمت

في هذا اليوم القاسي.

أصابعي متعبة

لن تستطيع أبدًا

أن تمسح الدموع المتجمّدة

المتعلّقة بأهداب

شواطئ الرؤية.

لم تعد تُميَّز الألوان

عن بعضها.

الأفكار ترفرف

بالأبيض والأسود.

كل شيء هشّ،

يمرّ بك

كريحٍ بلا رأس.

أحيانًا،

تغطي يدٌ وجهك

كي لا تتحرك شفاهك

مرةً أخرى.

بعد كل هذه المشاهد المملّة،

لم تعد تتعرّف

إلى وجوه العابرين.

شخصان،

على مدّ البصر،

يمشيان ببطء،

كأنهما يطآن

على قشور بيض

الحياة.

صياح ديك،

وسكين جزار،

يمتزجان بأصواتهما،

كأنها محادثة

تجري تحت الأمواج—

ألحان بلا معنى.

وهل للكلام

دومًا وجه؟

أحدهما يتمنى

أن يكون هو

النائمَ المستيقظ،

بينما الآخر

ينطق بكلمات لم تفهمها.

ألم ترَ

الی الطائر

الذي طار

من قفص صدره؟

خطوتان إلى الوراء.

والآن، انظر.

لقد استقرّ الخريف

على الأغصان.

لا تدع

أوراق قميصك

تسقط.

وإذا ضللت الطريق،

فاختفِ

أقل من الضياع.

بينما حركة المرور

لن تتوقف

من أجل تابوت

يتأرجح تحت

تلك الشمس النادمة،

الشمس التي سقطت

في حفرة الأفق.

غدًا

ستشرق مبكرًا،

بعينٍ واحدة ناعسة،

كأنها لم تتذوّق قط

مرارة الرحيل،

فتجعل ظلال

شواهد القبور

أكثر قتامةً من الأمس.

تكفي نظرة واحدة.

وسرعان ما تجد نفسك

مثقلًا بالنعاس،

مستندًا إلى

ذراع شقّ.

الوجهة بعيدة.

فلا تجادل نفسك.

لم يعد أمامك شيء

إلا أن تهبط من السطح

على سلّم الزمن،

إلى الأسفل،

حيث تجد مهدًا

تستلقي فيه روح—

غريبةً عنها

الأحلام المتضخمة.

ما أسعد حظك!

لم تُسلب

علی خطوط منفاك

خلف جدران المعرفة.

ولم يبتلعك همسٌ

بجوار بقايا

حاجزٍ مظلم.

في إحدى الليالي،

سقطتَ

من بين فكي

ذئبة عجوز،

وهبطتَ

على رصيف

شارعٍ خالٍ.

أسرعتَ في طريقك

بمحاذاة الرايات الملوّنة.

لم تتوقف

الصرخات.

وكانت الأحلام

تفرك عيونها.

كان هناك

ملجأ وحيد.

ومهدٌ

ينتظر في الأسفل.

وروحٌ

لا تزال مستلقية

على ظهرها،

تنتظر—

تنتظر

عودتك.

***

سوران محمد 

....................

....................

Phase

Do not die

on this harsh day.

Tired fingers

will never be able

to wipe away

the frozen tears

clinging to the eyelashes

of the shores of vision.

Colors can no longer

be told apart.

Thoughts flutter

in black and white.

Everything is fragile,

passing you by

like a headless wind.

Sometimes,

a hand covers your face

so that your lips

will not move again.

After so many tedious sights,

you no longer recognize

the faces of those passing by.

Two figures,

as far as the eye can see,

walk slowly,

as though they were stepping

upon the eggshells

of life.

The crowing of a rooster

and the butcher's knife

mingle with their voices,

like a conversation

taking place beneath the waves—

melodies without meaning.

And does speech

always have a face?

One of them wishes

to be the one

who sleeps while awake,

while the other

utters extraordinary words.

Did you not see

the bird

that flew from the cage

of its chest?

Take two steps back.

Now look.

Autumn has settled

upon the branches.

Do not let

the leaves of your shirt

fall.

And if you lose your way,

disappear.

It is less

than being lost.

Traffic will not stop

for a coffin

swaying beneath

that remorseful sun,

the sun that fell

into the hole

of the horizon.

Tomorrow

it will rise early,

one sleepy eye opening,

as though it had never tasted

the bitterness of departure,

casting the shadows

of gravestones

darker than yesterday.

A single glance

is enough.

Soon you will find yourself

overcome by sleep,

leaning upon

the arm of a notch.

The destination is far.

So do not argue

with yourself.

You have nothing left to do

but descend from the roof

upon the ladder of time,

down to the bottom,

where you will find a cradle

in which a soul lies—

a stranger

to immense dreams.

How fortunate you are.

You were not robbed

during your exile

behind the walls of knowledge.

No whisper swallowed you

beside the remains

of a dark barrier.

One night,

you fell

from the jaws

of an old she-wolf

and landed

upon the pavement

of an empty street.

You hurried on

beside the colored banners.

The screams

did not cease.

The dreams

rubbed their eyes.

There was a lonely refuge.

A cradle

waiting below.

A soul

still lying on its back,

waiting—

waiting

for your return.

***

دون تحية المساء، جلست لورديس إلى جانبي.

قالت:

- أشعر بنقص.. بنقص كبير بين نزيلات المصحّة، خصوصًا من ينمن تحت سقف غرفتي.

يرفضن الحديث معي. أشعر بالإقصاء التام من الجميع، خصوصًا في قاعة الأكل.

هل لأنني دميمة، عبدول؟

كنتُ..

كنتُ أقرأ رواية «الشيخ والبحر» في نسخة إسبانية.

وضعت ريشة الحمام بين الصفحتين 90 و91.

بالضبط.. في صراع العجوز سنتياغو مع السمكة الكبيرة، وهو يحاول الاحتفاظ بتوازن ما تبقى من قامته، مجددًا شبابه الذي رحل مع عراك الحياة ودورة الفصول، في سهو وخلسة.

سنتياغو:

عن أي عالم تفتش؟

اللغة مقام بديل؟

أين يعلن الموت حضوره، أفي الأصل أم البديل؟

كيف تراوغه؟

هل تزعجك الشيخوخة؟

ما الذي يقلق سنتياغو؟

البهجة عشتَها، والألم حملته معك. عشت ويلات الحرب، سافرت كثيرًا، أحببت ألف امرأة، شربت النبيذ في كل حانات مدن وقرى أوروبا، كتبت وعرفت الشهرة. وماذا بعد؟

وأنت الذي علمتني أبجدية المقاومة.

وقلت لي:

- الإنسان لم يُخلق لليأس، قد يتعثر، الكرامة تطالبه بأن ينهض حيث سقط، وقد استوعب الدرس وأدرك الخطأ، ويواصل المشي.

أبله..

أبله من لا يتلفع بمعطف الأمل في وقت تقلبات الجو وسخط القر والحر والعواصف.

حتى أنت، سيدي سنتياغو، خنتني. بتلك الرصاصة من بندقية صيد كانت هدية من أبيك، والتي رافقتك طوال حياتك، فيها تشم رائحة الوداع الغامض.

وحطمك أخيرًا اليأس، أيها الملاكم القديم.

وأنت الذي علمتني أبجدية المقاومة.

فيجيبه غاضبٌ آخر؛ فينسنت فان غوخ،بنبرة حسرة وتعب:

- كلما تقدم العمر بنا، غدونا أكثر تعلقًا بها.. لأجل ذلك أغادرها في أوج اشتعالي.

ولكن لماذا؟!

إنه الإخفاق مرة أخرى.

لن ينتهي البؤس أبدًا.

وهي تكفكف دموعها، قالت:

- هل لأنني دميمة، عبدول.. يرفضني الجميع؟

لم أكن أنظر إلى وجهها. كنتُ أنظر خلفه. أنا، في الحقيقة، أحتفل بالباطن. وأعرف جيدًا أن أهل الباطن لا يعمرون طويلًا.

أهله يموتون في محطات غريبة وبطرق بشعة؛ وإن كان أحدهم محظوظًا، تنتهي حياته تحت سقف مارستان.

يقال إن قارئ كف وُضعت أمامه صورة لكف إنسان. تأمل طويلًا في خطوطها وتعرجاتها، وقال العرّاف:

- هذه كف رجل قذر ولص خطير.

وبصوت اليقين.. أضاف:

- وقاتل.

ذهب قارئ الكف المشعوذ ضحية الإيمان بالظاهر.

الكف كانت لفيكتور هوغو.

أعدت سنتياغو إلى قبره، على رف بين شلال من الكتب، كلٌّ ورقمه تمامًا كالسجناء والأموات، بل إن مفتاح مكتبة المصحّة تحت إدارته، وهي تعرف لمن تسلّمه. الجدد، في نظرهم، هم الكتب، وينبغي أن يساعدوا المعالجين النفسيين على قراءة صفحات حياتهم. سيسمح لهم بالفوز بالمفتاح عندما تنكشف لهم طريق النجاة من جحيم المخدرات بكل أنواعها.

نعم، أنا هنا لأنني مدمن كحول، وقلت في نفسي:

- فاقد الشيء لا يعطيه.. وقد يعطيه.. ولا أحد وجدها كما يشتهي.

وأضافت السيدة لورديس:

- لماذا خلقني الله دميمة؟ ألم يقل كتابكم المقدس:

 «وقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم»؟

أنظر.. أنظر جيدًا.. كيف تسخر المرآة من تقويمه؟!

نعم، زوجي الملعون، ليذكرني بحقيقتي في عيد ميلادي، أهداني مرآة. صدقني، عبدول، حطمت رأسه بزجاجة نبيذ.

(تهتز من شدة قهقهة مديدة).

وتتابع كلامها:

- نقلوه إلى المستشفى، وأنا إلى المخفر. أُطلق سراحي في المحكمة بعد أن تفهّم القاضي أحوالي النفسية.

سألتها:

- وأين زوجك الآن؟

- في السجن.

- السجن؟

- نعم. اغتصب شرف ابنتي، ابنته، وخنقها بسلك كهرباء.

وساد صمت بيننا.

قلت:

- لورديس.

- نعم؟

- حاولي معهن مرة أخرى.

- لا جدوى، عبدول.. لا جدوى.

- هل تحدثتِ مع الإدارة؟

- هم أيضًا يكرهونني ويتمنون رحيلي.. يكرهونني، عبدول.

هل أنا مزعجة إلى هذا الحد؟

- وأنا؟

- أنت مثلي. نتقاسم الإحساس نفسه، أقصد الإقصاء.

- وهل أنا دميم أيضًا؟

- لا.

- إذن؟

وصمتت وهي تفكر، وأضافت:

- أرجوك، لا تغضب مني، عبدول.

بهدوء:

- تكلمي، لورديس.

- إنك «مورو».

(تُطلق لفظة «مورو» على كل عربي يملك بشرة سمراء، وعموماً على سكان شمال إفريقيا، وقد تكون شتيمة حسب طريقة النطق بها: قذر، متخلف، محتال، لص..)

قلت والضحك يسابق الحروف:

- إذن أنا خطأ تاريخي فادح، ووجودي بينكم يترجم قبحي الشاسع؟

ضحكت لورديس، فبرزت أسنانها الأمامية السوداء والمشققة.

 وقالت:

- نعم.

قلت:

- في الحقيقة، أنا لا أشعر برفض من أحد، بالعكس.

- أنت تتوهم بهذا القبول.

- إنه إحساسي، وأنا حر فيه.

- أنت مريض مثلي ومعقد.

- هذا حكمك الخاص، وأنا لا يهمني.

- إنها الحقيقة.

- أرجوك، لورديس، إذا كانت طبيعة حوارك بهذا الشكل، فأكيد سيرفضك الجميع.

سأتركك الآن، موعد الدواء قد حان. لا تهتمي، سنواصل الحديث وقتما شئت. أوكي؟

- أوكي، عبدول.

..

..

في قاعة الأكل، جلست إلى مائدة لوحدها، تقضم الخبز وتكلم نفسها.

ومن قانون المصحّة: الأكل مع الجماعة. كلٌّ وطبقه، وعلى الطبق منديلٌ لُفَّ داخل خاتم في قبضة يد من الخشب، نُقش عليه اسم كل نزيل.

حملت طبقي وجلست أمامها.

أعرف جيدًا أن الإدارة ستعاقبني.

أعرف..

والعقاب أنواع، وأشدها قسوة أن تقف أمام مرآة وتمسح زجاجها طوال اليوم.

صغيرة، تعكس فقط الوجه وتعكس مرور بعض النزلاء .

ويضعون إلى جانبك مذكرة بأوراق عذراء وقلمًا، ويطلبون منك أن تكتب كل ما تراه في المرآة من أفكار وأحداث.

وإذا عدت بالمذكرة دون حرف، أو ملأت البياض بأسماء بعض النزلاء الذين مروا خلفك، وأخذت تحدثهم عن هفوات الآخرين بدل أن تنظر إلى نفسك، يكررون العقاب في الغد.

وإذا لم تطاوعك المرآة، لك عقاب آخر:

طيلة أسبوع، لا يكلمك في المصحّة نزلاؤها ولا من يعمل تحت سقفها.

صمت..

صمت مطلق، وينبغي التفكير فقط في الخط الذي رسمته لك الإدارة.

مثلًا: لماذا حملتُ الطبق وجلستُ إلى جانب لورديس؟

يسمون حالة لورديس «الضحية». والتمادي يضاعف عزلة الفرد.. والعزلة تقود إلى الكأس ومشتقاته.

أو إلى أمراض نفسية حادة، والقيام بتصرفات غريبة وصبيانية.

وأحيانًا إلى وضع نهاية لهذا التعب بحبل أو رصاصة.

هل كان سنتياغو سجين هذا الإحساس؟

قالت لي بصوت حاد، وبحركة هستيرية:

- خذ طبقك وعد إلى مكانك.

- أنا فقط..

قاطعتني:

- أنا لا أريد شفقة من أحد، وبالخصوص من «مورو» مثلك.

طوحت بطبقها في الهواء. وتركت قاعة الأكل باكية.

بعد الأكل، طُلب مني عبر مكبّر الصوت الحضور إلى الإدارة.

أمام مديرة المصحّة جلستُ.

- هذا ما كانت لورديس تبحث عنه. لقد حققت رغبتها.

- أنا فقط..

- طوال حياتك تلعب دور المنقذ. وأنت الغارق في جحيم ورطتك.

وأضافت:

- عقابك..

قاطعتها:

- المرآة.

***

عبد الحق طوع

إسبانيا

 

رأيتُ ثورًا قويًّا يحرث،

سقطَ الثورُ ميتًا.

لا بدَّ أنني أصبتُهُ بالعين،

ربما الثورُ قد رأى نهايتَهُ في حلمٍ عابر.

فكما يقولُ المثلُ الكرمانجي:

"حتى ثورُ الحراثةِ يحلم"..

يا ترى،

ماذا رأى الثورُ قبل أن يموت؟

بماذا كان يحلم الثور؟

***

مراد سليمان علو

زَعَموا بأنّي كالمياهِ الرّاكِده!!

كلُّ الوجوهِ تَشابَهَتْ وتَشابَكَتْ

ألوانُها ... أنهارُها

ماءٌ

بخارٌ

تُربَةٌ

وَحصىً تُسابِقُ في الهَوى

والماءِ نجْمَ أنوثَتي ...

وضجيجُ أمطاري

وتاريخي،

تُلَوِّنُهُ القَوافي

والحروبُ كأنَّها،

بِرَفاهِها وَبَنينِها،

أحجارُ قلبي،

في الوِلادةِ

والشَّهادةِ

والحَنينِ تُعانِقُ

الحَجَرَ الكريمَ لِجَبْهَتي!..

**

زَعَموا بأنّي كالمياهِ الرّاكِدة!!

نبْعٌ هدوئي ...

من شموسٍ

من براكينٍ

بجَوفِ الأرضِ تغلي

كالزيوتِ الـ تَسْتَقيها

من حقولٍ واعِدة!! ...

**

زَعَموا بأنّي كالمياهِ الرّاكِدَه!!

صَمْتي تَعالى في الصَّدى،

فَتَحَ المَدى

كَشَفَتْ رؤاهُ كَواكِباً

سيّارةً للقلبِ، للأرواحِ

تَعْلوها سَماءٌ ساجِدَةْ!! ...

***

شِعر: إباء إسماعيل

بَـعْضُ الـمَشَاعِرِ تَخْتَفِي بِالحَبْسِ

إِلَّا الـهَوَى كَـالنَّقْشِ فَوْقَ الطِّرْسِ

*

عَـجِزَ الـزَّمَانُ عَـنِ اقْـتِلَاعِ جُـذُورِهِ

بِـالـمَسْحِ وَالـتَّظْلِيلِ أَوْ بِـالطَّمْسِ

*

وَحَـبِيبَتِي تَـنْفِي مَـلَامِحَ عِشْقِهَا

مِـثْلَ الَّـذِي يَنْفِي ضِيَاءَ الشَّمْسِ

*

وَهُــنَــاكَ أَلْــــفُ قَـرِيـنَـةٍ وَقَـرِيـنَـةٍ

تُـوحِـي لِـفَـهْمِ كَـلَامِـهَا بِـالعَكْسِ

*

قَرَأَتْ هِيَامِي فِي حُرُوفِ قَصَائِدِي

وَأَنَـــا قَـــرَأْتُ غَـرَامَـهَـا بِـالـحَدْسِ

*

وَإِذَا الْـتَـقَـيْنَا يَـسْـتَـبِيحُ سُـكُـونَنَا

طَــرْفٌ يُـحَـدِّثُ طَـرْفَـهَا بِـالـهَمْسِ

*

وَتَـفِـرُّ مِــنْ عَـيْـنَيَّ خَـوْفًا أَنْ أَرَى

عِـشْقًا عَـمِيقًا كَـامِنًا فِي النَّفْسِ

*

مَـا كَانَ يَخْدَعُنِي الجُحُودُ، فَخَانَهَا

بَـعْـضُ الـتَّصَنُّعِ فِـي لِـقَاءِ الأَمْـسِ

*

مَــــا ضَــرَّنَــا أَلَّا يَــقُــولَ لِـسَـانُـنَا

مَـــا دَامَ قَـلْـبَـانَا بِـنَـفْسِ الـحِـسِّ

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

لَقَد شَفَّ هَذا القَلبَ أَن لَيسَ بارِحًا

لَهُ شَجَنٌ ما يُستَطاعُ قَريبُ

فَلا النَفسُ تَخليها الأَعادي فَتَشتَقى

وَلا النَفسُ عَمّا لا تَنالُ تَطيبُ

"قيس بن الملوح"

***

هَمْتُ.. دُونَ هَمٍّ،

هامتْ وهممْتُ لها،

لمْ تهِمْ!

فيها نجوى: قِنديلُ صُبحٍ

يهمِسُ حينَ يهِلُّ الضَّوءُ

بوعدِ الثَّمالةِ

2

يا شَفَةَ الشُّروقِ..

خَمرُكِ يسكُنُ في نُطقي

ويبُثُّ في الدُّروبِ

أَقحُوانًا يهرُبُ من جَفنيكِ

لينهلَ من نبضي

3

من هُدْبِ عينيكِ دلَّاني

خيطٌ يعلُو وينهدِلُ

فتُعلِّقِيني في نَفَسٍ

يبقى مدًى لصُراحِ الشَّوقِ

4

(قُبلُ الزَّبرْجدِ..

تُلملِمُ عُمْرًا ،وتجُرُّ رعشتهُ

نحو سِلالِ شفتيكِ)

5

قِفْ يا ثرى..

هل تغفُلُ العُيونُ

عن ضوءِ قلبٍ

سطا على خدِّ حورٍ

وارتحلَ؟

6

سيرِي.. ورَواسي الشُّموخِ،

هيفاءُ تلوحُ في خُطاها

من نفحِ هُدوبِ الصَّبْرِ،

تهمِسُ: ها أَنا.. ها أَنتَ

7

(أَقْيامُكِ،

سرائِرُ مَدْرجٍ

شهِدتْ همْسَ الفجرِ

على قدِّكِ المياس)

8

أَجْملَ السَّيرَ في عينيكِ،

نورٌ يهوي..

نورٌ يرتقي،

ويُخلِّفُ في البوحِ رعشتَنا

9

(اِحْجُبوا النُّورَ

إِنْ توضَّأَ بالنَّهارِ،

فالرُّوحُ تلتهِمُ ما يساقطُ

من ندى أَهدابِ الرَّبَّةِ في الليل السحيق)

10

مضارِبُ ريحٍ تحمِلُني،

وتُهشِّمُ في جوفي نبْرًا

كادَ يبوحُ،

وكادَ يموتُ

***

الكودا

ها أَنا أَعودُ لحِبائِكِ،

وأُدندِنُ في ظِلِّكِ الوضيِّ

ما لم يقُلهُ جَمْري:

إِنّي همتُ،

وما زِلْتُ أَهيمُ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

 

بِمثنى أو ثُلاثٍ أو رُباعِ

خُذِ الأنخابَ من دَنِّ السَماعي

**

أدِرْها أيّها العزّافُ ناراً

لِزيتٍ في قناديلِ القِلاعِ

**

بإيقاعِ المعازِفِ ثَمَّ غرقى

بِها غرقوا وما وَصلوا لقاعِ

**

وموسيقى سلالمُها شموسٌ

وهل يُحيي الزهورَ سوى الشُعاعِ ؟

**

سلالمُها صعوداً أو نزولاً

قوافٍ نادمتْ نسَغَ اليراعِ

**

صُعودُ الصولِ يتبَعُهُ نزولٌ

وتسمو الروحُ في نَغَمِ السَماعِ

**

صدى درجاتِها نَغَمٌ تمادى

فأوشَكَتِ الضفافُ على التداعي

**

على شبّاكِ منزِلِنا يَمامٌ

يُقطّعُ شَدْوَهُ هَذَرُ الرُعاعِ

**

وَثَمَّ عنادلٌ تركتْ صداها

كَدَقّاتٍ لِأفْئدَةٍ سِراعِ

**

مودّعةً صوامعَها جلالاً

وقابِضةً على جَمْرِ الوداعِ

**

سلاماً هدهدَ البشرى سلاماً

بَريدُكَ نغمةٌ من قلبِ ساعي

**

فقلبي ضامئٌ لِبروقِ بشرى

كفى ما ذاقَ من صوتِ النواعي

**

تَزَوّدَ من طبائعِ سُندبادٍ

وحازَ دليلُهُ ذاتَ الطِباعِ

**

وَ يَمّمَ ضوءَ كوكبةِ الثُريّا

وتاهَ سفينُهُ رغمَ الشِراعِ

**

وأبْحرَ دونَ بوصلةٍ جُزافاً

وقد تزهو القريحةُ بالضياعِ

**

إلى جُزُرٍ هُنالكَ في الأقاصي

وَفي الجنبينِ قارعةُ القِراعِ

**

على ريشِ التسامُحِ طارَ فجراً

وَلَمْ يحلُمْ بزادٍ أو مَتاعِ

**

فبينَ الفتنةِ الحُبلى بنارٍ

وإكسيرِ النجاةِ مقاسُ باعِ

**

وبينهُما عُرىً وُثْقى وَتأبى

شَرارةَ صرخةٍ: صاعاً بِصاعِ

**

أروّضُ بالقوافي طبعَ نفسٍ

كَناياتٍ لدى حاوي الأفاعي

**

لقد أوهى النزاعُ ديارَ سلمى

فحاذرْ سوسةً خلفَ النزاعِ

**

فواعجباً ذوي القُرْبى أعَدّوا

الى حَمّالَةٍ حَطَبَ الصراعِ

**

سُكارى بالعقائدِ والفتاوى

وكأسِ الناهبينَ مُنى الجِياعِ

**

رواياتُ القدامى قد أعارتْ

منابِرَنا لِأوْجِرَةِ الضباعِ

**

لَوَتْ عُنُقَ السياقِ أوانَ فارتْ

شَهيّتُها الى لَيِّ الذراعِ

**

يُصدّعُ شمْلَنا هَوَساً بِداءٍ

وقد ملَّ الورى داءَ الصُداعِ

**

يرى لعنَ الأوائلِ محضَ حقٍّ

كذا دأبُ الرعيّةِ دون راعي

**

فإنْ طاشتْ بلبِّكَ عَنْعناتٌ

فليسَ شيوعُها بالمُسْتطاعِ

**

فكم أودتْ حروبٌ في الخوالي

وقد قامت على خَبَرٍ مُشاعِ

**

سَيضحكُ شانِئٌ إذ لا يراكم

بأجمعِكمْ سوى بورٍ مَشاعِ

**

سيبقى البيتُ ملغوماً إذا ما

سَترْنا السوءَ في لُغَةِ الخِداعِ

**

بخافيةِ البواطنِ ألفُ جُبٍّ

وألفُ زُليخةٍ خلفَ القناعِ

***

د. مصطفى علي

صُعوداً..

أنا الارتباكُ الخَفِيُّ

رأيتُكِ في لُجَّةِ الإثمِ

تقترفينَ فنائي

صُعوداً..

أنا الماءُ

أغسلُ روحي

بزهرِ الإلهِ

و أُزجي إلى المستحيلِ

سمائي

​ــ 2 ــ

هيَ ذي

توقدُ في الحبِّ

خلايا العاصفةْ..

فيعودُ الشعرُ مكتوباً

بفوضى الأنزفةْ..

هو ذا..

بين يديها

في جنونِ الكافِ

أو نونِ السماءِ الراجفةْ..

​ــ 3 ــ

سأجتازُ بعضَ الغيومِ إليكَ

و ألقاكَ

مثلَ صباحٍ

رمى نفسَهُ..

من أعالي القصيدةِ

في نشوةِ الشرفاتِ

سألقاكَ..

مثلَ هُيولى

من اللازوردِ

و أُوغِلُ..

في لذةِ النارِ و الموتِ

أُوغلُ حتى انتهاءِ الفناءْ

​ــ 4 ــ

و أنا في الكينونةِ..

أدركتُ صدى الصورةِ فيكَ

فَيَمّمْتُ إليكَ..

قرأتُ قِصارَ السُّورِ..

و قلتُ لعلِّي بمِزاجِ النارِ..

و عاطفةِ الماءِ

أنا المأخوذةُ بمزيجِ العوسجِ

والضوءِ..

سأُدرِكُ قبلَ فواتِ

رسيسِ العنبرِ أُدرِكُ طَيْفي..

​ــ 5 ــ

هل ينحني

شجرُ الشروقِ لَهُم..

هل ينحني..

قمرُ الأصيلْ..؟

هو في هواءِ الخارجينَ

عن انتفاضاتِ النّدى..

يرمي الحواسَ..

بِما تَضَوَّرَ

من غناءٍ لم يَلِدْ..

و يغيبُ..

حيثُ تموتُ

تحتَ الظلِّ

أزهارُ الأبدْ

​ــ 6 ــ

عينانِ زائغتانِ

وقتٌ ضائعٌ

و قطيفةٌ كانت دمي

هي ساعةٌ..

صارتْ تُسمى المستحيلْ

هيَ ساعةٌ للغيمِ

يكتبُها الجحيمُ

حينَ اكتوى باللَّغوِ في

أرواحهِ

فرَّتْ بهِ..

فرَّتْ من الظُّهْرِ الرجيمِ..

و ساكَنَتْ بئرَ المساءِ

​ــ 7 ــ

هل أنتَ شكلُ الظِلِّ

أَمْ نصٌّ..

لِزَهْوِ الخيلِ

أَمْ شجرٌ..

لموسيقى النعاسِ

و شهوةِ الأنفاسِ..؟

مَطَري يُحدِّثُني..

بأنَّكَ لَوْثَةُ الناجينَ

من حَرْبِ القصيدةِ

حينَ يَفْجَؤُها

الرصاصُ..

يا طائرَ الكلماتِ

هل أبْصَرْتَ رائحتي

و هل أدركتَ نجمي

في هزيعٍ

لا يُحَدُّ من الغرابةِ

والندى..

هي رغبتي المحروقةُ

الإيقاعِ

توغلُ في متاهٍ

ساحرٍ

بين البياضِ بأَزْرَقَيْهِ

و بينَ شعوذةِ

المدى

***

مرشدة جاويش

يتضوع الينبوع فجرا بالندى

ليرش وجه الصبح بالأقداس

*

ويريك أن صقلت به مرآته

ما في فؤادك بلسما للناس

*

وتمثلت في الروح كل مليحة

وتراقص القداح بعد الياس

*

أبصرت فيها يا نديم فراشة

دارت على دنيا الأنام بكأسي

***

تأتي الغمامة باليقين وشأنها

في الخير أسقي من رُبى الأوراس

*

فكأنها بدر تبدى في الدجى

ما أجملت من حسنها الخلاس

*

وترعرعت والزهر أشهى صورة

متربعا في الحقل والاغراس

*

وترمضي طوع الانوثة والصبا

فالشوقُ أضرمَ في الحشا أنفاسي

***

وتخلدي فالشوق أبهى شعلة

ما أوكزت من سحرها الدهاس

*

أو تعلمين الحسن أهدى ضيعتي

ما أفتكت من نبلة في الماس

*

وتغنجي فالهجر أمضى في الحجى

يا ما دهى من هجرها وأياسي

*

ورسمتها خصرا لأحلى دمنة

كي يصطفي في النور من جلاسي

***

أو ينثني غنج وكحل للمها

عما شكى من فتنة النبراس

*

وترنمي فالسهد أعلى لحنه

قيد الصبا ما فك من أحباسي

*

أو تثملين وفي الورى من بسمة

طافت به من بحرك أنفاسي

*

ولقيته وجه الصبابة في الفلا

ولدارنا طافت سنى الأجراس

***

وصحبتها عراب جذو صبرها

لصبية ترمي شذا أقواسي

*

وسيبتري ما لا ترى أقذاؤه

فصل النهى عن فعله قرطاسي

*

أسميتها بدر السماء ونجمها

وحضنتها من دجنة الإشماس

*

ولأجلها أسرجت كل عظيمة

أشذاؤها يا بهجة الاعراس

***

ستطيلها أنياب كل مغامر

من فعله ضجت ندى الاغراس

*

ولمسته كف السياسة مارضا

يا موطني ما غص في الأدناس

*

ما أرتضي صادرت حقا معدما

ماذا ترى يا موطنا للناس

*

وليستبيك بشزرة من عينه

تعشو بها من جذوها أحساسي

***

ما لي أرى بيت الرجاء موصدا

ما أمره يمشي خطى الأرجاس

*

أشركت كفرا للطغاة مشاعلا

أكذوبة لاكت قذى الأضراس

*

آبارنا غاصت بجيب فاجر

جمر المنى تلهو رحى الغطاس

*

وكتمتها الأنفاس حتى خفتها

ما زار في ليل الونى وسواسي

***

أن ذقت من وصب المنا أكذوبة

ألهو بها من غدرة الخناس

*

وألفتها أدنو نديا عطرها

ما سرها تخطو ربى الاشراس

*

ولتكسري ظهر الطغاة شجاعة

ما أجرموا ما أعتموا أشماسي

*

وتفجري من كرى النوم ثورة

فأسسي يا لصحوتي لأساسي

***

أ لموطني قد ساد زيف حاقد

متنجس متجنس النخاسي

***

د علي جبار الاسدي

هو من لون نزيفي

ذاك البلد الطاعن في الحمرة

والمشرب بطراوة وشمي

أنا رجل أحمل بيديَّ

غيوم القاتل

ورياح المقتول

دأبت أخط على جبهة حجري

زمنا ليس يُثنى

يعرف أين الشمس تخبئ نزوتها

أين بدايات الأدغال

وأين خواتمها

جذورة ناري العذبة

ما زلت أوفّرها

لا إثمَ يقود خطايَ إلى

أدخنة العصر

فلست أنا الأول من عاين ناشئةً

تتسنم أهداب الليل

ولا عاين خيلا تحت سنابكها

تتأوه عاصفة النار...

على صدري تورق ليلكة

لكنْ بمداراتي الكثة

تلمع أسماء قبائلَ

وصوامعَ

وبيارق لينة الملمس

وإذن من يزعم أن الغابة لا تسترق السمع

لكل أيائلها؟

***

مصطفى معروفي

 

في الليلْ

حين ينامُ الكون

فوقَ فراش أصابعكَ

توقظُ تكتكةُ الساعةِ أحلامَكَ

المتعبةَ

من دورانِ نهارِ اليوم.

*

في الليلْ

حينَ تغرِّدُ أطيافُ الماضي

في رأسكَ

تُسلمُ عينيكَ للذةِ هذي الفكرةِ

أنْ تنظرَ في الظلمةِ حواليكَ

فترى الأشباحَ الحائمةَ

أنهاراً من ذاكرةِ الشارعِ

والناس

هناكَ ....

حيثُ الحلمُ بقايا جثةِ نادلِ مقهى

(حسن عجمي).

*

في الليلْ

حينَ تنامُ

محتضناً دقاتِ قلبِكَ

وأسوارَ نهارٍ مُرٍّ مَـرَّ

ترى وجهَ الجنديِّ العائدِ

من ساحاتِ الحربِ،

وغبارُ المعركةِ ينهشُ

بمساماتِ الجلدِ الأسمر

والعينان بلا أفقٍ

وشقوقُ يديهِ تتساءلُ

عن  Nivia cream

في صدر امرأةٍ عاريةٍ

تتمدَّدُ فوق فراش الرغبةِ

في الأحلامْ .....

*

عندَ مساءٍ مُظلِمْ

في البارٍ الغافي

في حضنِ شارع الرشيدْ

بمقابل سينما الزوراءْ

جلسَ بجواركَ عندَ المائدةِ

ذاكَ الجنديُّ،

وكؤوسُ البيرةِ (الدرافت) عامرةٌ

حتى آخر نبضٍ في الرأسْ،

أقراصُ الڤاليوم المستوردةُ

من شركاتِ بلادِ القاتلِ

ودهاليزِ تجار الحربْ

خارج صلاحيةِ النوم

بينَ أصابعهِ المرتعشة.

*

البيرةُ كانتْ باردةً،

الجو الخانقُ يقطعُ أنفاسَ محاربنا،

الروادُ زبائنُ خارجَ هذا العالم.

*

يعرقُ جليسُكَ....

يغنّي....

في هذيانٍ....

مثلَ هذيان المحمومِ

في مستشفى الأمراضِ الصدريةِ.

*

في الليلْ

حينَ ينامُ العالمُ ....

ذاكَ ....

فوق سرير الأمنِ

يسهرُ ذاتُ الجنديِّ

في جوفِ صريفتِهِ المبنيةِ

بمخالبِ الجوعِ

وهديرِ اللاأمن

يتساءلُ:

- هل أستبدلُ ثوبَ الحربِ الماضيةِ

بعمائمِهِم؟

***

عبد الستار نورعلي

الأثنين 31 آذار 2008

هتفَ الكونُ ابتهاجًا وحبورا

بعد ظلمٍ شملَ الدنيا دهورا

*

لوليدِ الحقّ في الارض التي

جذّرَ الظلمُ بأعتاها جذورا

*

أعصرٌ مَرّتْ ولمّا أطبقتْ

سُحُبُ الجورِ أضاءَ اللهُ نورا

*

بالرسول الحقّ والدين الذي

شاءهُ الله لنستجلي الأمورا

*

كِلْمَةُ التوحيدِ صارتْ ثورةً

بعثتْ في العالم الفاني نِشورا

*

أجمعَ الشِركُ ليُطفي نورَها

وأبى اللهُ لها الا ظهورا

*

أمّةُ البغي أبتْ أنْ ترعوي

لنداء الحقِّ فاندكتْ ثبورا

*

برز الدينُ ببدرٍ كلُّهُ

برجالٍ طلعوا فيها بدورا

*

أقرضوا اللهَ نفوسًا حُرّةً

وبلوح المجدِ قد خطوا سطورا

*

فقتيلُ الكفرِ نارًا يصطلي

وشهيدُ الحقّ قد لاقى سرورا

*

يا رسولَ اللهِ أشكو فتنةً

بيننا دارت وقد عَبّتْ شرورا

*

مِزقًا صارتْ بلادي وغدتْ

بيدِ الجزّارٍ وا أسفي جزورا

*

هذه القُدسُ رجالًا تنتخي

يا أُباةَ الضيمِ هلّا أنْ نثورا

*

أ تُرى للصبر فينا طاقة

وإلى مَ الحُرُّ قد يبقى صبورا

*

يا شبابَ العُرْبِ نحنُ أُمةٌ

طاولتْ في عِزها الشعرى العَبورا

*

برجالٍ دوّخوا الدنيا وهمْ

قد أحالوا الموتَ للمجدِ جُسورا

*

قهروا الرومَ على جبروتها

وأحالوا عِزَّهُمْ هُونًا وبُورا

*

وتهاوى صَرحُ كِسرى صاغرًا

لنداءِ الحقِّ بَلْ أمسى قُبورا

*

لم يُبالوا كيفما الامرُ أتى

أ إليهمْ أم عليهمْ أنْ يدورا

*

ما ونى العزمُ لهم أو أسلموا

كفَّ مَخذولٍ ولا ولَّووا الدُبورا

*

يا أُباةَ الضيمِ فخري أنّكمْ

مِن رجالٍ قلّدوا الدنيا شذورا

*

أنْ تُعيدوا وحدةَ العربِ التي

تردعُ العاديْ وللعُربِ نشورا

*

مُنيةُ الطامعِ نبقى مِزقًا

والى فُرقتنا يبني الجِسورا

*

زرعَ الفتنةَ في أوصالنا

ثُمَّ أعطانا وعُودًا وقُشورا

*

فُرقَةُ الامّةِ تَعني أنّها

ترتضي الذُلَّ ومَسراها حَدورا

*

وهو ما شاء لها أعداؤها

بئسَ مَنْ يرجو عدوًا أو خَتورا

*

خيبةً تبقى وعارًا لازبًا

مَنْ يُصافي ودَّهُ الخِبَّ الغَدورا

*

ليس في أرضي مكانٌ للعدى

إنْ تجاوزنا وبالحُبِّ الغُرورا

*

كيف نرضى الهُونَ في أوطاننا

لو صدقنا العزمَ حِلناهُمْ ثُبورا

*

إنّها الايامُ فيها سكرةٌ

ولها أنْ تجعلَ البؤسَ حُبورا

*

حسبنا في ما مضى مِن عِبْرةٍ

لو وعيناها لأحكمنا الامورا

*

في غدٍ يصحو وإنْ طابتْ له

زهرةُ العيشِ وقد عبَّ الخمورا

*

كيف نبقى هكذا والى متى

أ بُغاثُ الطيرِ قد صارتْ صُقورا

*

ثورةُ الحقِّ أزيزٌ في دمي

كلّما أبصرتُ ظلَامًا كفورا

*

وبنوا صهيونَ في أحلامِهمْ

نسجوا المِئزرَ تيّاهًا جَرورا

*

نشرُوا الموتَ ولم يُصغوا الى

وازعِ الحقِّ عُلوًّا ونُفورا

*

ولقد ظنوا بظنٍ خائبٍ

أنّ في إجرامهم حسموا الامورا

*

وأرى الايامَ حُبلى قاربتْ

والغدَ الاتي به نَشفي الصدورا

*

بئس نَصرٌ شَيّدتْ أركانَهُ

دولةُ الافكِ أتى ظلمًا وزورا

*

عبثًا ترجو بقاءً زمرةٌ

كتبَ الله عليها أن تَبورا

*

زمرةٌ لم تستقمْ في نهجها

أبدَ الدهرِ ولم ترعَ الزبورا

*

وبذا التأريخُ يشهدُ أنّها

لم تَسُغْ حقًّا ولم تعرفْ طَهورا

*

أُمّةَ العُرْبِ إذا لم تَجمعي

شملكِ اليومَ فلا كانَ الحضورا

*

فبجمعِ الشملِ تحيا أمّةٌ

وبهِ يغدو لنا عِزًّا وسُورا

*

واقتدي بالمصطفى خيرِ الورى

كم على وحدتها كان الغيورا

*

جاهدَ الكُفرَ على جَبروتِهِ

وبصوتِ الحقِّ قد كان الجهورا

*

نهجهُ يبقى سبيلًا واضحًا

لأُولي العزمِ فكُنْ فيها الجَسُورا

*

يا رسولَ اللهِ هذي نفحةٌ  

مِن رياضِ الفكرِ قد فاحتْ عطورا

*

مَنحَتْ أنفاسُها الطيبَ الرُبى

وحَبتْ مِن نَشرِها حتّى الزهورا

*

حملت بين حناياها الندى

وهي قد فاضتْ مع الشعرِ شعورا

*

أرتجي فيها قبولًا فبهِ

أجدُ الباريْ لمادِحكمْ شكورا

**

وبها أسعى ثوابي رحمةٌ

إنَّ ربّي كان رحمانًا غفورا

***

الحاج عطا يوسف منصور

 العراق / الكوت في 2 نيسان 1970

لم تكن ندى تجدُ في وجباتِ الغداءِ التي تُقدَّم في ردهات المصحّة ما يروقُ لحواسّها، أو يفتح شهيتها الذابلة للحياة، كانت الأطباقُ المعدّة غارقةً في تلك الصلصاتِ اللزجة الثقيلة التي نفرت منها وتملّكها السأمُ تجاهها منذ وطأت قدماها أرضَ هذا البلد. صلصاتٌ ذات روائحَ نفاذةٍ حادّة، تُفقد الأطعمةَ مذاقَها الأصلي الفطريّ، كأنها محاولةٌ بائسة لإخفاء معالم الحقيقة تحت طبقةٍ كثيفةٍ من الدهون.

وكلما رجت الطهاة ان تكون وجبتها خالية من تلك الصلصات، تتلقى منهم نظراتِ استهجانٍ مبطّنة، كأنما تطلبُ أمرًا شاذًّا يناقضُ ناموسَ الكون الحتمي. ثم ما يلبث أحدهم أن يسكب الصلصةَ فوق طبقها بصورةٍ آليةٍ فجة، بحركةٍ رتيبةٍ محفوظة لا مجال فيها للتفكير او التراجع، كما لو أن تلك المادةَ جزءٌ مقدّسٌ من طقوس المؤسسة اليومية لا يجوز لأحدٍ من النزلاء الاعتراضُ عليه.

وكان يدهشها ويُثير حيرتَها، كيف يستطيع البشرُ، مع تقادم الوقت وتعاقب العادة، أن يتحولوا ببساطةٍ إلى مجرد امتدادٍ ميكانيكيٍّ للنظام الصارم الذي يعيشون في جوفه، يكررون الحركاتِ الصَّماءَ ذاتَها، وينطقون الكلمات بالنبراتِ الجاهزةِ نفسِها، حتى تغدو العادةُ البليدةُ في سلوكهم أقوى من مَلَكة الانتباه، وأقسى من سطوة الرغبة الشخصية الحرة.

لقد كان احتجاجَ ندى الفطري على صلصة الطعام ومذاقها، احتجاجا على ذلك الإصرار المؤسساتي الخفي على قولبة الجميع، وتدجينهم داخل الذائقة الجمعية نفسها، والقبول القسري المذل.

أما وجبةُ الإفطار الصباحية، فكانت حكايةً أخرى تمامًا، وشأنًا يفيضُ بالتوق.

كانت ندى ترتقب مجيئها بشيءٍ يشبه الحنين الروحي الجارف، أكثر من شبهه بجوع الجسد، فهناك، في الصباحات القارسة النقيّة التي تتسلل خلالها خيوطُ الشمس الأولى باستحياء عبر النوافذ البلورية الفسيحة، كانت تلمس عزاءً صغيرًا وضِمادًا مؤقتًا في قطع الأجبان، والبيض، ورائحة القهوة الدافئة. لكنَّ أكثرَ ما كان يمسُّ نياطَ قلبها ويعتصر وجدانَها، هو ذلك الخبزُ الساخن، بشكله المحبب، وقشرتِه الذهبيةِ البراقة، ورائحتِه العبِقة التي كانت توقظ في أعمق نقطةٍ من كينونتها صورًا بعيدةً وظلالًا دافئة، ظنت واهمةً أن عواصفَ المغترب قد أهالت عليها الترابَ واندثرت إلى الأبد.

كانَ الخبزُ برائحته يبعثُ في مَساربِ رُوحِها ذاتَ الشَّذى الدافئِ لخبزِ أمّها. وما إن تقع نكهته الزكية في مجرى أنفها وتلامسَ حواسَّها، حتى كانت عَقاربُ السَّنواتِ تتراجعُ فجأةً إلى الوراء، كستارٍ مَخمليٍّ عتيق يُسحب ببطءٍ ليتجلى وراءه الفقد، فتعود طفلةً صغيرةً ريانة، تقرفص بسلامٍ في باحة الدار العتيقة قرب أمّها، تراقب بشغفٍ كفّيها المباركتين وهما تخرجان الأرغفةَ القانية من جوف التنور الملتهب، وتملآن أركانَ البيت بذلك الدفءِ الإنساني الفريد الذي لا تصنعه أعوادُ النار وحدها، بل تصنعه، في المقام الأول، طمأنينةُ القلوب وأمنُ النفوس.

وكانت إثر ذلك، تكتشف بدهشةٍ موجعةٍ تملأ الصدر، أن الذاكرةَ البشرية لا تسكنُ تلافيف العقل وخلاياه فقط، انما تختبئ وتلوذ أحيانًا في تفاصيل الرائحة، وفي نكهة الطعم، وفي ملامحَ بالغة الضآلة، لكنها قادرةٌ بقوةٍ وسحر على إعادة الإنسان المشتت إلى جوهر نفسه بعد غيابٍ ونفيٍ طويلين.

لكل ذلك، كانت ندى تأخذ من كسر الخبز والجبن ما يكفي لسدِّ رَمقِها، تخبئه بعنايةٍ فائقةٍ وحذر في منديل، كمن يدّخر ذخيرةً حية أو جزءًا ثمينًا من طفولته الغابرة، ثم تكتفي به بديلًا طاهرًا عن وجبة الغداء الثقيلة التي لم تستطع، برغم محاولاتها المستميتة، أن تألفَها أو تسيغَ طعمَها يومًا. كان الأمرُ برمته أشبه بمحاولةٍ غريزيةٍ للتشبث بكل ما هو مألوفٌ وإنساني، وسط عالمٍ موحشٍ تآكلت ملامحُه وبدا لها باردًا، مصنوعًا بالكامل من إجراءاتٍ بيروقراطيةٍ جامدة لا نبض فيها للحياة.

لكن حتى تلك العزلةُ الصغيرة والآمنة، لم يُكتب لها أن تُترك لندى بسلام.

ففي أحد الأيام المشحونة بالجفاف، اثناء عودتها من الافطار استوقفتها المشرفةُ بنبرةٍ فجّة، امتزجت فيها قسوةُ اللوم بصرامة اللوائح، وسألتها بفضولٍ بارد عن سبب غيابها وانقطاعها المتكرر عن ارتياد المطعم اثناء وجبة الغداء. حاولت ندى، بهدوءٍ متزن، أن تشرح لها بأنها لا تشتهي صنفَ الطعام المُعدّ، إلا أن المشرفةَ لم تبدُ معنيةً بأعذارها، بقدر عنايتها الفائقة بالتسجيل الرقمي اليومي.. قالت لها بلهجةٍ حاسمةٍ لا تقبل الجدال:

ـ إن لزامًا عليكِ الحضور المادي إلى قاعة الطعام، ومسح البطاقة الإلكترونية عبر الجهاز لإثبات وجودكِ الفعلي وامتلاء الخانة، حتى وإن لم تلمسي وجبتَكِ أو تأكلي شيئًا.

كم بدت تلك اللحظة القاسية واضحة في انكشاف الزيف الإنساني. كأن حضورَ الجسد وهيأتِه المادية أهمُّ بكثير لدى هذه المنظومة من حاجة الروح ونزفها، وأن النظامَ البيروقراطيَّ الصارم لا يكترث مطلقًا إن كان الإنسان في داخله جائعًا مقهورًا، أو مشبعًا مكرمًا، سعيدًا محلقًا، أو محطمًا تذروه الرياح، فكلُّ همّهم يكمن في أن يظهر الاسمُ ساطعًا في السجلات، وأن يكتمل الصفُ الرقمي الشهري بلا فراغاتٍ تشوه التقارير الرسمية.

ومنذ ذلك اليوم العاصف، بدأت ندى تلج عتبةَ المطعم كمن يؤدي واجبًا بيروقراطيًا مقيتًا أو عقوبةً مفروضة، لا أكثر ولا أقل.. تمرر بطاقتها الإلكترونية الباردة عبر كاشف المسح الآلي، تتقدم ببطءٍ بين الطاولات المنسقة، ثم تجلس دقائقَ معدوداتٍ صامتةً مطرقة، قبل أن تغادر القاعةَ العريضة سريعًا.

غير أنها، في إحدى المرات، انتبهت بلمحةٍ خاطفة إلى نزيلةٍ تقبع على مقربةٍ منها، تحدّق في طبقها الممتلئ بنظراتٍ غارقة في الذهول دون أن تلمسه. كانت تلك المرأة تمسك الشوكةَ بوهنٍ وتجمدٍ لثوانٍ، ثم تعيدها إلى مكانها برفق، تراقب بقية النزلاء بوجلٍ وهم يلتهمون طعامهم بنهم، وتنتظر بصبرٍ شاحبٍ حتى يفرغ الجميع من وجباتهم، قبل أن تحمل صحنها الممتلئ كما هو، وتعيده إلى نافذة المطبخ دون أن تتذوق منه لقمةً واحدة.

حينها فقط، شعرت ندى بشيءٍ يشبه العزاءَ الحزين الصامت يسري في أوصال روحها المتعبة.. ابتسمت في سريرة نفسها ابتسامةً باهتةً وادعة، وقالت مخاطبةً ظلها الواهن:

"إذن، لم أكن أنا وحدي النشاز الغريب في سيمفونية هذا النظام الممسوخ!"

يتبع

***

سعاد الراعي

...................

* الفصل الثاني عشر من رواية تحت الطبع

 

السعي المؤود

والحلم الموعود

***

يعتم دهرنا لون السواد

ويقتل عزمنا سيف الحداد

*

ويكبر حزننا في كل يوم

ونرجو اليسر من رب العباد

*

ونسعى في متاهات وتيه

فيجهض سعينا قبل الميلاد

*

ونروي كل قول قد سمعنا

ونقرأ ما يحبر بالمداد

*

وما قد دس مكرا في سطور

وما قد قيل غيا أو تمادي

*

فلن يحظى بصدق كل قول

يظل العقل عن نهج الرشاد

*

ويغوي الناس عن هدي أتاهم

من الرحمان يدعو للسداد

*

فلن يجدينا ما قد قيل نفعا

فقد أضحى يباع في المزاد

*

فلا تأسوا على مافات هيا

لنحيي المجد من بعد الرقاد

***

شعر: تواتيت نصرالدين

06/04/2026

شمسٌ تغيبُ وغَيْمٌ لُبَدٌ على سطح بيت عتيق، تفوح من شقوقه روائحُ بخور مُعَتَّقٍ: مزيجٌ

مِنْ كرْمٍ ونخيلٍ وبرتقال.

فراش متآكل نهشته نَوَاجذُ الصّقيع، تنسلّ منه راويةُ.

تحاول راوية الْوقوفَ، تلملمُ أشلاء ثوبها الْمُرقّعِ، تستند إلى الْجدار الّذي يريد أن ينقضَّ، ترتكز على عكّازها الْمُقوَّسِ، تنظر في مرآتها الْمشقّقَةِ الْمعلّقة على الْجدار الْمقابل، يتجهَّمُ وجهها، وتفرّ من عينيها

دمعتان…

لقد أثقلتْ جسدَها الْمنهوكَ وجوهٌ مرصَّفةٌ

على كتفيها. كانت الْوجوهُ تَضِجُّ ظلاما.

تُعبّئها راويةُ عنبا وخزامى.

و تظَلُّ ترتقب حينا من الدّهر، لعلّ خَفَقَانًا فيها يسري أو يَخِفُّ الْحملُ على كتفيها.

يمضي الزّمنُ ثقيلا ولا الطّيْرُ على كتفيْ راويةَ نبضَ ولا الطّلُّ بالْأقحوان وشّحَهُما.

تمدُّ راوية بصرها إلى مرآتها الْمُشقّقَةِ مرّة

ثانية، وتقفزُ إلى حلْقِها

صرخةٌ مُحَزَّزَةُ الْجناحيْنِ.

هي وحدها تُدْركُ طعمَ صرختها، لأنّها تدركُ معنى أنْ تخلُوَ الْوجوهُ الرّابضةُ على كتفيها منْ فاصلة أو نقطة.

تلقي راويةُ بصرها إلى السّماء، تتساءلُ:

" من تراه يُضمِّدُ هسهسةَ هذه الرّيحِ الشّرسة

في جسدي؟؟؟ "

تتحامل على ساقيها الْمرتجفتين، تمسك بيدها الْوهنة عكّازها الْمقوّسَ الْهشَّ، ويبتلعُها الطّريقُ…

تُجرجرُها الرّيحُ الْعاتيةُ بين مسالكها الشّائكةِ

دون ظلّ يرافقها…

تتعثَّرُ… تترنَّحُ…

تمسحُ راويةُ الْغَشاوةَ عن عينيها الْمتعبتين، ولا تنفكُّ تُحَدِّقُ في الاتّجاهاتِ…

هي تُفَتِّشُ عن سَرْوَلٍ يُخفّفُ عنها وقْعَ سياطِ الرّيح فما يُطالعُها في الطَّريقِ سوى دفترٍ ظمِئٍ، ظمَّأتْهُ الْمسافاتُ والصَّبواتُ.

و تسترعي نظرها على قارعة الطّريقِ شتائلُ مِنْ صَنْدَلٍ جَفَّ باطنُهُ وخمَدَ أريجُهُ. 

على مرمى الْبصرِ، تلمحُ راويةُ ظَليما يفرُّ حسيرا وقدْ تناثرَ ريشُهُ وتهشّمَ بيضُه

و ما أجداهُ…

تضيقُ راويةُ بثرثرة الْعابرينَ، تصافحُ بوْحَ وُجُوههمْ، فتَصْخَبُ ألسِنَةُ الْملحِ على شفتيها.

تُجَرِّحُ ألسنةُ الْملحِ وجهَها الشّاحبَ،

و لا غافِقَ اللّيلَةَ يَرفعُها عن فَكَّيْ رحَى الْملحِ، ولا دمعةُ الْمَجْدَلِيَّةِ تُغْرِقُ أفئدَةَ الرّيحِ كيْما عنها يزولَ الذُّهُولُ وتتفتَّحَ

روحها الْمُرهَقَةُ على أكمامِ الْأقحوانِ…

صريرُ الرّيح في أذُنَيْ راويَةَ لا يَفْتُرُ، قدماها تَتَوَرَّمانِ من حَصَبِ الطّريقِ، نَوَاجذُ الصَّقيعِ

لا تنفكُّ تَنهَشُ خاصِرَتَها الرّخْوَةَ، والرّيحُ

لا تزال تُسَيِّرُها بين قلاعِ الْحُموضَةِ

دون غَبُوقٍ به ترتوي.

يرتطِمُ جسدُها النّحيلُ بشجرةِ سَيْسَبانٍ تمدُّ سِيقَانَها في الْمسالِكِ كُلِّها…

تَكْتُمُ راوِيَةُ صَرخَتَها، تُغْمِضُ عيْنَيْها، تحضُنُ

عكّازها… لا وقتَ للبكاءِ - تقول -

ولا للنّحيبِ والنّشيجِ…

هي هكذا تقاوم غبش اللّيل وحَصَبَ الطّريق،

و وَخَزَ السَّيْسَبانِ…

هي ما فرَّطتْ في جدائلها لغُزاة اللّيل،

و ما خلعت أبدا أساورَها مِن كمدٍ…

ما نسيت راوية أكاليل الْغار الّتي أَلِفَتْ بَوْحَها دهرًا في جنائنها.

هي تتذكّر في كلّ حين حدائقَ طَرِبَتْ لِخُطاها،

و تتذكّرُ ترابا طالما ابتهج بلمستها.

هي تتذكّر كَمْ تدانت لها الْجِنانُ وكم عزف الْڨيتار نغماتِ الضّوْءِ كلّما هفهف عطرها،

فلم يكن للظّلام عليها سلطانٌ…

تُغمضُ راوية عينيها وتُدندنُ:

" على وجه بنتِ لَكِيزٍ (*)

ذَرَى اللّيلُ أحلامَهُ يا " بُراقُ "

و وَشَّحَها باللُّهاثِ.

و كنتُ نَدَهْتُكَ مُذْ أَمَدٍ يا " بُراقُ "

لِأجْلِ السُّرى،

فَاحْتَجَبْتَ ونَجْمي خَبا.

فَهَلاّ طَوَيْتَ الْمَدَى يا " بُراقُ "

لِأجْلِ يَدي؟

أمْ تُراكَ كَفَاكَ الْجَوَى

عنْ حُضُوني ؟ "

إضاءة: بنت لكيز هي ليلى بنت لكيز وابنة عمّ الْبراق وحبيبته. أسرها أمير فارسيّ رغبة في أنْ يتزوّجها، فرفضت واستنجدت

بالْبراق وكان خارج الْقبيلة فهبّ لنجدتها

و تزوّجها.

***

(قصّة قصيرة)

بقلمي: هادية السّالمي دجبّي - تونس

الى الوحيدينَ يهفو القلبُ والروحُ

الى القتيلِ الذي واساهُ مجروحُ

*

الى الذي صاغَ مِن صوتِ الضميرِ هُدىً

يكفيهِ مِن لغةِ الأنوارِ تلميحُ

*

أَسرى وكانتْ دُنى الأكوانِ واجمةً

والالتواءاتُ انذارٌ وتلويحُ

*

لكنَّهُ سارَ لا يلوي على أحدٍ

وما حماهُ مِن الحرّاسِ تصريحُ

*

انَّ الصحيحَ هتافٌ في الفؤادِ علا

ما صحَحَ الحقَّ باسمِ الحقِّ تصحيحُ

*

المبصرونَ رأوا والعتمُ مجتمعٌ

بَحراً محيطاً، ولكنْ أبصرتْ روحُ

*

لا تعذلوهُمْ اذا قلّوا لقلّتِهمْ

فالفرقدانِ بليلِ الكونِ توضيحُ

*

لولاهُما ـ وهُما الاثنانِ ـ ما انكتبتْ

أشعارُ حُبٍّ، وما أفضى بها بوحُ

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

12/8/2024

حَذَراً مِنْكَ أَرَى مِعْصَمَكا

حَوْلَهُ كَيْفَ يَلِفُّ الفَلَكا

*

أَنْتَ تَيَّمْتَ فُؤَادِي وَأَنا

لَمْ أُتَيِّمْكَ، الدُّجَى تَيَّمَكا

*

فَتَقُولُ: اللَّيْلُ بَحْرٌ سَاحِرٌ

وَأَنَا فِيهِ أَصِيدُ السَّمَكا

*

يَمْلِكُ اللَّيْلُ صَبَاباتِ الهَوى

وَهُوَ يُفَدِّيكَ بِمَا قَدْ مَلَكا

***

إِنَّنِي ذَاكِرَةُ الأَمْسِ، عَلى

طِبْقِها العَالَمُ عِنْدِي يَتَشَكَّلْ

*

أَنا لا أَحْسِمُ إِدْباراً وَلا

أَيَّ إِقْبَالٍ، فَمَنْ أَدْبَرَ أَقْبَلْ

*

حِينَما غَيَّرَها المَرْءُ إِلى

نَهَرٍ يَعْزِفُ بِالنّايِ تَبَدَّلْ

*

إِنَّ لَيْلَ الشِّعْرِ لَا فَجْرَ لَهُ

هُوَ لَيْلٌ سَرْمَدِيٌّ فَتَأَمَّلْ

***

فِي طريقي هَلْ أَنا مُنْحَدِرٌ

أَمْ أَنا مَحْضُ طَرِيقٍ لِلطَّرِيقِ

*

هَلْ أَنَا النَّارُ الَّتِي تحْرِقُنِي

فَلِمَ الشَّكْوى إِذا شَبَّ حَرِيقِي

*

مَنْ هُوَ النُّورُ إِذا البَدْرُ أَنا

وَمَنِ المُعْجَبُ غَيْرِي بِبَرِيقِي

*

أَطَلِيقٌ فِي قُيُودٍ جَمَّةٍ

مَا الَّذِي يَعْنِي إِذَنْ غَيْرُ الطَّلِيقِ

***

إِنَّ قَلْبِي هُوَ بَيْتٌ فِي العَرا

حَيْثُ لَا عُشْبَ وَلَا مَاءٌ جَرى

*

غَيْرَ أَنِّي أَغْرِسُ الحبَّ بِهِ

يَا لَحبِّي حِينَ أَمْسَى شَجَرا

*

شَجَراً يُثْمِرُ أَقْمَاراً، يَدِي

حِينَما تَمْتَدُّ تَجْنِي قَمَرا

*

كُلَّما أَغْوَى نِسَاءً بِالسَّنا

شَاءَ أَنْ يُغْوِي نِسَاءً أُخَرا

***

حِينَ يَأْتِي اللَّيْلُ فَالأَفْكارُ فِي

سَاحَةِ الأَشْواقِ أَرْتَالُ خُيُولِ

*

فَإِذا مَا أَقْبَلَ الصُّبْحُ فَلِي

طَعْنَةٌ تَفْتِكُ بِالحُبِّ الهَزِيلِ

*

كُلُّ هَذا وَأَنا مُسْتَمْسِكٌ

بِقوامٍ هُوَ كَالسَّيْفِ الصَّقِيلِ

*

كُلُّ قَتْلٍ هُوَ قُطْبٌ خَاشِعٌ

حِينَما نُقْتَلُ بِالقَدِّ الجَمِيلِ

***

رَبِّ إِنَّ المَوْتَ لَا يُرْعِبُنِي

طَالَما مَوْتِيَ جِسْرٌ لِلعُبُورِ

*

كُلُّ مَا أَطْلُبُهُ مِنْكَ إِذا

جاءَنِي المَوْتُ مُنَاجَاةُ ضَمِيري

*

هَذَّبَتْهُ امْرَأَةٌ صُوفِيَّةٌ

مِنْ خَيالٍ وُجِدَتْ بَيْنَ سُطُورِي

*

حِينَما المَرْأَةُ تَغْدُو وَاقِعاً

تَفْقِدُ الدَّهْشَةَ مِنْ فَرْطِ الحُضُور

***

لَسْتُ كَالنّاسِ فَقَدْ أَحْيا بِلا

نَصَبٍ مِثْلَ طُيُورٍ فِي السَّمَاءِ

*

لَسْتُ أَحْتَاجُ جَنَاحَيْنِ أَنا

كَائِناً أَصْبَحْتُ مِنْ سِنْخِ الهَواءِ

*

جَرِّدِي الرُّوحَ مِنَ الجِسْمِ لِكَيْ

تَعْرِفِي السِّرَّ بِصَمْتِ العُرَفاءِ

*

فَحَدِيثُ القَوْمِ لِلنَّفْسِ بِلا

طَرَفٍ آخَرَ سَيَّالٌ كَماءِ

***

كَهْفُ أَفْلاطُونَ لا يُعْجِبُنِي

بَلْ أَنا خَارِجَهُ دُونَ الأَنَامِ

*

إِنَّ أَوْهَامِي هِيَ الواقِعُ فِي

عَالَمٍ آخَرَ فِي كَأْسِ مُدَامِي

*

قَدْ أُصَلِّي عَنْ جُلُوسٍ وَأَنا

فِي أحاسيسي أُصَلِّي عَنْ قِيام

*

وَأَقُولُ: الحُبُّ أَضْحَى زَمْزَماً

وَأَنَا أَقْصِدُ أَنَّ القَلْبَ ظامِ

***

عُمَرُ الخَيَّامُ ضَيْفِي فَأَنا

أَشْعُرُ الآنَ بِوَخْزٍ في ضميري

*

يَطْلُبُ الكَأْسَ وَإنِّي وَرِعٌ

خَائِفٌ مِنْ سَقَرٍ يَوْمَ النُّشُورِ

*

قَالَ: إِنِّي وَرِعٌ أَيْضاً فَلا

تَبْتَئِسْ وَاعْصِرْ مُداماً مِنْ شُعُورِي

*

قُلْتُ: هَذا الحَلُّ حَقًّاً رائِعٌ

قَالَ: لَنْ تَعْدمَ حَلًّاً فِي حُضُورِي

***

أَتُرِيدُ الحَلَّ مِنِّي بَيْنَما

أَنَا فِي الواقِعِ نَفْسُ المُشْكِلَةْ

*

حِينَ يَأْتِي الحَلُّ حَلّاً ناقِصاً

فَعَسِيرٌ بَعْدَ ذا أَنْ نُكْمِلَهْ

*

مَثَلاً نَعْشَقُ لَكِنْ دُونَ أَنْ

يُصْبِحَ العِشْقُ كَبِيرَ القَتَلَةْ

*

لَا أَرى التَّفْصِيلَ فِي الأَمْرِ لِذا

خُذْ عِبَاراتِي وَدَعْهَا مُجْمَلَهْ

***

أَنا عَقْلِي نَفْسُ قَلْبِي فَإِذا

أَنا فَكَّرْتُ أَحَاطَتْنِي نِسَاءُ

*

كُلُّهُنَّ العَقْلُ وَالقَلْبُ مَعاً

فِيكُنَّ الأَرْضَ، وَالأَرْضُ السَّماء

*

قُلْنَ: إِنَّ القَتْلَ طَقْسٌ رَائِعٌ

قُلْتُ: لَا شَكَّ، وَلَكِنْ ما العَزَاء

*

قُلْنَ: لَثْمٌ وَعِنَاقٌ دَائِمٌ

قُلْتُ: حَسْبِي، انْكَشَفَ الآنَ الغِطاءُ

***

باسم الحسانوي

تعالَ... خذْ من نبضي نوافذَ، وافتحْها على روحي، ومن حنيني قاربًا صغيرًا لا يخافُ عواصفَ البحار... تعالَ، لنعلّقْ على أكتافِ الليلِ قناديلَ من نجوم، ونمضي إلى بلادٍ لا تعرفُ الفراق، نبني فيها من خشبِ أرواحنا بيتًا ينامُ على كتفِ الغيم، وتحتَ سقفهِ نخبّئُ ما تبقّى لنا من عمرٍ أضاعتهُ الجهات...

تعالَ، لنجعلْ من شفاهنا صلاةً، ومن عناقنا وطنًا، ومن هذا الحبِّ الذي تأخرَ كثيرًا معجزةً لا تحتاجُ إلى نبوءة.

**

تعالَ... نركبْ موجةً من حريرِ الحنين، ونشقُّ بها زرقةَ بحرٍ لم تطأهُ سفنُ الفاتحين؛ نبحثُ عن جزيرةٍ لا تصلُ إليها خرائطُ العابرين، نتركُ على رملها خطوتينِ متجاورتين، ثم نمحو آثارنا كي لا يعرفَ العالمُ أين اختبأنا. هناك، حيثُ النوارسُ تحفظُ أسماءَ العاشقين، وحيثُ القمرُ يسكبُ فضتهُ على كتفيك، أضعُ رأسي على صدرك، وأصغي إلى قلبك وهو يحكي لي ما عجزتْ عن قولهِ كلُّ رسائلِ الغياب.

**

تعالَ... نرافقْ قوافلَ المساء في صحارى العمر، ونستعيرُ من البدوِ خيامًا لليلةٍ واحدة، نعلّقُ فوقها مصباحًا من يراعة، ونتركُ للريحِ مهمةَ قراءةِ أسرارنا. نبحثُ عن نايٍ سريٍّ ضلَّ طريقهُ بين كثبانِ السراب، فإذا وجدهُ قلبُك عزفَ لنا لحنًا من مقامٍ لا يعرفهُ سوى عاشقين؛ أنا وأنت، ونجمةٌ بعيدةٌ أضاعتْ تاجها في بئرٍ من عسلِ الليل.

**

تعالَ... نحلقْ كفراشتينِ أفلتتا من كتابِ الأساطير، إلى بستانٍ معلّقٍ بين الأرضِ والسماء، تتدلّى من أغصانهِ عناقيدُ العنبِ كأنها ثرياتُ قصرٍ شرقي، وتفوحُ من ممراتهِ رائحةُ الآسِ والريحانِ والنسرين. نتركُ أقدامنا حافيةً على عشبٍ لم يعرفْ خطوَ العابرين، ونشربُ من كأسِ الندى حتى تثملَ أرواحنا، ثم نغنّي للحبِّ كما لو أنَّ أم كلثومَ خبّأتْ في حنجرتها قصيدتنا، وكأنَّ فيروزَ تعرفُ منذُ زمنٍ طويلٍ أنَّ لنا صباحًا لم يولد بعد.

**

تعالَ... نختبئْ في بيتٍ صغيرٍ على سفحِ جبلٍ نسيتهُ القوافل، لا بابَ لهُ إلا ذراعان، ولا حارسَ على عتبتهِ إلا شجرةُ سروٍ عجوز... نجعلُ من الحطبِ نارًا، ومن المطرِ موسيقى، ومن الصمتِ ستارةً تُخفي عنا العالم. قنديلُنا نجمةٌ سقطتْ من كفِّ السماء، وزادُنا قصيدتانِ وجرعةُ ضحك، وماؤنا جدولٌ يمرُّ تحتَ نافذتنا كطفلٍ يسرُّ إلى أمهِ بسرٍّ لا ينبغي لأحدٍ أن يسمعه.

**

تعالَ... نسرقْ من جِرْبةَ ليلةً لا تنتهي، نركبُ قاربًا أسودَ في مياهها الحالمة، ونتركُ للموج أن يرسمَ حولنا دوائرَ تشبهُ خواتمَ العرس... تمرُّ القواربُ من بعيد، ويعزفُ عاشقٌ مجهولٌ على وترٍ وحيد، فتنعكسُ أنوارُ الجزيرةِ على وجهك، وأرى في ملامحك شيئًا من وجوهِ رافائيل، وشيئًا من الغموضِ الذي تركهُ ليوناردو في عيني الموناليزا، وشيئًا من رجلٍ لم ترسمهُ يدٌ بعد، لأنَّ بعضَ الوجوهِ لا يليقُ بها إلا قلبُ امرأة.

**

تعالَ... نقفْ عند أعمدةِ قرطاجَ حين يهبطُ المساء، ونصغي إلى الحجارةِ وهي تستعيدُ أصواتَ الذين مرّوا من هنا ثم غابوا... نرفعُ أيدينا إلى السماءِ لا صلاةً على موتى العاشقين، بل شكرًا لأننا، بعد كلِّ ما انكسر، ما زلنا قادرينَ على أن نحب. تحملُ الريحُ دعاءنا إلى أقصى الجهات، وتتركُهُ في حضنِ البحر، كرسالةٍ أخيرةٍ إلى الآلهةِ القديمة: لقد وجدنا بعضنا، فلا تعيدونا إلى التيهِ.

**

تعالَ... فقد تعبَ قطارُ العمرِ من انتظارنا على الرصيف، ولم يعدْ في المحطةِ متّسعٌ لأحلامٍ مؤجلة. دعنا نلحقُ بالعربةِ الأخيرة، لا نحملُ معنا إلا يدَي بعضنا، وذاكرةً نريدُ أن نغفرَ لها، وأيامًا قليلةً نريدُ أن نجعلها واسعةً كسماء. دعني أنسى معك ما أضاعتهُ الحماقات، وما سرقهُ الخوف، وما أطفأتهُ المسافات؛ دعني أتعلمُ في عينيك كيف يمكنُ لامرأةٍ أن تبدأَ حياتها في آخرِ العمر.

**

أعطني يدكَ...

لا تخفْ من ارتجافها؛ فهذه ليستْ يدَ امرأةٍ ضعيفة، بل يدُ امرأةٍ عبرتْ كثيرًا من العواصفِ وما زالت تريدُ أن تصل.

**

خذني معكَ إلى آخرِ بيتٍ في قصيدةِ عشق، إلى آخرِ نجمةٍ فوقَ بلادِ الشمس، إلى آخرِ الطريقِ حيثُ لا يبقى من العالمِ إلا نحن.

**

ومعكَ...

سأجرؤُ على أن أطلبَ من السماءِ مطرًا من موسيقى، ومن الليلِ قليلًا من خلود، ومن الزمنِ مهلةً واحدة.

**

فأنا لا أريدُ منك عمرًا جديدًا...

أريدُ فقط أن نعيشَ العمرَ الذي سرقهُ منا الغياب.

***

الشاعرة: ميلا العياري

 

حوضُ جبلِ شنكالَ

ذلكَ المكانُ المليءُ بالبهجةِ،

والسِّحرِ،

والهناءِ،

يغزو الذِّاكرةَ ببطء..

كما يذوب السكر في الماء

يشدو بلحنِه الحزين،

ويجهشُ معي..

بالبكاءِ.

***

مراد سليمان علو

يَا مَنبتَ الضَّوءِ

فِي أَقصَى التَّوجُّس

جالسٌ فَوقَ غَيبِ

الصَّمتِ

تفتحُ كُنهَ الرُّوحِ سِرّاً

​أَنَا في محرابِ عَودتِكَ

حِينَ تَرسِمُنِي صدى

لن يغفِر الصَّدرُ لِمن

جَعل النَّشِيدَ

مرثيَّةً

تُردِّدُها على أَرجُوحةِ

الشَّوقِ

أَجنحَةُ الرُّؤَى

​وَكَيفَ أُفلِتُ

مِن شِراكِ خيالِكَ

الْمَزرُوعِ فِي أَورِدَةِ

غَفلَتِي العَذبَةِ؟

​لَم تَلمَح فُؤَادِي الَّذِي

أَمَدَّ الوِدَادَ ظِلاَّ إِلَيكَ

وَكُنتَ تيه العَتمَةِ

فِي إِشرَاقِ الْمَداراتِ

نحوَ الصَّحوِ

​تَزعُمُ حَريق الوِصَال

بتوهُّجِ بُركانٍ مِن

أَطيافٍ

لَكِن لَا يَثُور

​نَايُ الْوِحدَةِ يَنسُبُ

نَبرَتَهُ

لِتَنهُّدِ عُودٍ

أَخفَتهُ الرِّيحُ عَن أَعيُنِ

الكلِّ

فِي واحةِ القَصبِ المُشتَهَى

​وَبَدأَ يَرمِينِي بِسَهمٍ مِن

حَنين

يَدعُو الشَّفقُ لِيَعتكفَ

الخُشوعُ

فِي عُمقِ الكَيانِ

فِي سُجُودٍ مِن لَوعَةٍ

​يَا أَنت

تَتَّسِعُ الكلماتُ

حِينَ تَمرُّ كالغمامَةِ

فِي لَمعَةِ الجَذرِ بِي

وَالزَّمَنُ وَهمٌ

وجرحُ الِاحتمالِ ينبُوعٌ

مِن زَغبِ العصافيرِ

​أَنتَ انطَفَأتَ

كَغَابة الفَرحِ البريءِ

المُشاغِبِ فِي

دَاخِلِي

سَأَنثُرُ بَعضَ رَمَادِكَ

الْمُعتَّقِ

فِي خَمرِ انتِظَارِي

كُحلاً لِجَفنِ المَدِّ

حَتَّى يَستَيقِظ

​يَبكي ثُقُوبَ الشَّاطئِ

المُمتدِّ

مِن رُوحِي

إِلَى زهرةِ النَّدى فِي

القَفْر

خَارجَ تَقَلُّبات الرِّيح

الَّتِي تُفسدُ شَهوَتِي

فِي صفاءِ الطُّقُوسِ

لِتقُومَ مِنْ رِتَابة

الرِّوايةِ

فِي مبادِئِ الصَّيفِ

إِلَى الصَّقيعِ

​فَأَنَا عَانَقتُ اللَّهبَ حينَ

أَنْ هَبَّت بِه

فَليَ التَّشَرّد فِي

عشقِكَ

ولك البقَاءُ

***

مرشدة جاويش

في نصوص اليوم