لم أكن أعرف، قبل تلك الرحلات إلى الموصل، أن الطريق يمكن أن يحمل في داخله ذاكرة أثقل من المدينة التي ينتهي إليها.
أخرج من أربيل وفي ذهني شيء من التردد الذي يسبق كل رحلة لا نذهب إليها بكامل رغبتنا، ثم أستسلم للمقعد الضيق في الميكروباص، مستسلما أيضا إلى أولئك الركاب الذين لا تجمعني بهم معرفة، سوى أننا سنقضي معا الساعات نفسها، ونصغي إلى صوت المحرك، وننظر إلى الطريق وهو يتراجع خلفنا.
لم تكن وجوههم تزعجني.
بينهم عامل تحمل يديه آثار عمله، وقروي تبدو في ملابسه رائحة الأرض، ورجال من أولئك الذين اعتادوا أن يحسبوا قيمة الأشياء قبل أن يشتروا شيئا.
أشعر، وأنا بينهم، بأن الفقر لا يصنع اختلافا بين الناس، بل يكشف فقط هشاشتهم المشتركة. لكنني أعرف أن الرحلة الحقيقية لم تبدأ بعد.
تبدأ حين تظهر السيطرة.
عند بداية الحدود الإدارية للموصل، يحدث ذلك التحول الغريب الذي لا تستطيع العين أن تلتقطه، ولكن النفس تدركه قبل كل شيء.
يخف الكلام، تتجه الأيدي إلى الجيوب، وتظهر الهويات كما لو أن الركاب، من كثرة ما مروا بهذا المكان، تعلموا الطقس دون أن يتفق أحد معهم عليه.
السائق ينعطف عن الطريق العام ويتوقف. ثم يأتي أحد عناصر الأمن. في تلك اللحظة أشعر دائما بشيء يشبه انقباضا قديما في صدري، ربما لأنني أعرف أن الهوية، وهي مجرد قطعة صغيرة من البلاستيك تحمل اسما وصورة، يمكن أن تتحول فجأة إلى شيء يشبه الحكم المؤجل.
الرجل يأخذ الهوية، ينظر إليها، ثم يرفع عينيه إلى صاحبها.
من أين أنت؟
من أي عشيرة؟
أين تسكن في أربيل؟
أين أهلك في الموصل؟
ماذا تعمل؟
كنت أتساءل أحيانا: هل كان يريد معرفة شيء عنا، أم أنه كان يبحث في وجوهنا عن شيء يعرفه هو ولا نعرفه نحن؟
وإذا لم تعجبه الإجابة، أو الوجه، أو ربما شيء غامض لا علاقة له لا بالإجابة ولا بالوجه، كان يأمر الرجل بالنزول والتوجه إلى الكرفان. هناك، خلف نافذة صغيرة منه، يجلس عنصر آخر أمام جهاز الحاسوب. يدخل الاسم، وينتظر. وفي أثناء الانتظار يتحول الإنسان إلى احتمال:
مطلوب، غير مطلوب، مشتبه به، أو مجرد اسم آخر مر أمام الشاشة.
أكثر ما يؤلمني ليس السؤال نفسه، وإنما ذلك الشعور الخفي الذي يبقى بعده، الشعور بأن حياتك، التي عشتها يوما بعد يوم، يمكن أن تختصر في لحظة إلى خانة مضيئة على شاشة.
لقد سألوني أكثر من مرة:
لماذا تسكن في أربيل؟
متى سكنت أربيل؟
هل كنت في الموصل عندما سيطر تنظيم داعش عليها؟
كنت أجيب، لكنني لم أكن أجيبهم وحدهم. كنت أجيب أيضا شيئا في داخلي بدأ، مع تكرار الأسئلة، يشك في حياته هو الآخر.
متى سكنت أربيل؟
كنت أعرف التاريخ. لكن متى، بالضبط، يبدأ الإنسان بالسكن في مدينة؟ هل هو اليوم الذي يستأجر فيه بيتا؟ أم اليوم الذي يترك فيه المدينة القديمة وراءه؟ أم اليوم الذي يكتشف فيه، فجأة، أنه لم يعد يعرف أين يجب أن يعود؟.
ذات مرة كنت أجلس في مقدمة الميكروباص. عندما اقترب أحد العناصر، أخرجت هويتي من جيبي ومددتها إليه، لكنه أشار بيده أن لا حاجة. أعدتها. كان يمكن للحكاية أن تنتهي عند تلك الإشارة الصغيرة. لكنها لم تنته. دقق الرجل هويات الركاب، ثم طلب من شابين أن ينزلا ويتجها إلى الكرفان. حمل هويتيهما ومشى خلفهما. بقيت في مكاني. وضعت ذراعي على حافة النافذة، ونظرت إلى الخارج، كما لو أنني أصبحت، فجأة، شخصا لا علاقة له بما يحدث. ثم جاء عنصر آخر. اقترب من النافذة وقال:
— لماذا لم تنزل وتذهب إلى الحاسبة؟ هل أنت أفضل من الآخرين؟ هيا، انزل.
كانت نبرته تحمل شيئا لم أجد ضرورة لتسميته.
نزلت.
كنت غاضبا، لكنني كنت أعرف أن الغضب في ذلك المكان لا يعود ملكا لصاحبه. قد يظهر على الوجه فيتحول إلى إساءة، وقد تخرج كلمة فتتحول إلى مشكلة، وقد تحاول أن تشرح موقفك فتجد نفسك مضطرا إلى شرح أشياء لم يسألك عنها أحد. لذلك صمت.
وقفت خلف الشابين. كنت أنتظر دوري، ولا أدري لماذا تذكرت في تلك اللحظة أشياء بعيدة لا علاقة لها بالسيطرة: غرفة قديمة، طريقا في الموصل، صوتا أعرفه، ووجها ربما لم أره منذ سنوات. لعل الخوف يعيد ترتيب الذاكرة على طريقته. عندها لمحني العنصر الذي كان قد طلب مني في البداية أن أبقى في السيارة. اقترب مني وقال:
— لماذا أنت واقف هنا؟
كان السؤال بسيطا، لكنني شعرت للحظة أنني دخلت بين سؤالين لا أملك الخروج منهما. لو قلت له إن زميله أمرني بالنزول، فقد يغضب زميله. ولو سكت، فقد يبدو صمتي مريبا. قلت:
— زميلك هو الذي أمرني.
وضع يده على كتفي، وأعادني إلى الميكروباص.
قال:
— ارجع واجلس في مكانك.
عدت.
كان العنصر الآخر يقف بعيدا ويراقبنا. لم يتحرك.
جلست، وتحركت السيارة بعد قليل.
وأنا أنظر من النافذة، شعرت أن السيطرة لم تبق وراءنا، كما يفترض للأماكن أن تبقى. كانت قد انتقلت معي.
ربما لهذا السبب، كلما فكرت بعد ذلك في السفر إلى الموصل، لم تعد المسافة بين المدينتين هي ما يشغلني. كنت أفكر في تلك الدقائق القليلة، في اليد التي أشارت، وفي الكلمة التي قيلت، وفي الكرفان الصغير، وفي الشاشة التي يظهر عليها اسم الإنسان ثم يختفي. والأغرب أنني، بعد كل تلك السنوات، صرت أخرج هويتي قبل أن يطلبها أحد. أتحسسها في جيبي. ثم أتركها هناك. أحيانا أنظر إلى صورتي عليها وأشعر بأنني أتعرف إلى رجل أعرفه منذ زمن طويل، لكنني لا أستطيع أن أضمن أنه ما زال هو الرجل نفسه. ربما لهذا السبب صرت، كلما اقترب الميكروباص من السيطرة، أسأل نفسي السؤال الذي لم يطرحه علي أي عنصر أمن:
إذا كانت الهوية تثبت من أكون، فمن الذي يثبت أنني ما زلت الشخص نفسه؟
تنعطف السيارة. وتظهر السيطرة.
أمد يدي إلى جيبي، قبل أن تمتد يد أخرى نحوي.
***
مروان ياسين الدليمي








