عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

ماهر عبد المحسن: حماقة المنتحرين

يموت المنتحرون لأسبابٍ فوضوية

حين يُلقون بأنفسهم من شاهق،

أو يُشعلون النار في ملابسهم الرسمية،

وحين يُعبّرون عن مآسيهم في رسائل احتجاج

يتركونها للعالم ولا يحفلون بالرد.

فلطالما عبّروا عن آلامهم،

وكتبوا الرسائل،

واستوقفوا المارة حتى يبثّوهم همومهم،

لكن الحياة كانت تمضي كقطارٍ سريع،

والذين يحافظون على حياتهم بنحوٍ غامض

يواصلون حياتهم بنفس الغموض.

فالذين سقطوا في الطريق يواصلون الزحف،

والذين تجرّعوا السم بغير إرادتهم يستعذبون مذاق العسل،

والذين وصلتهم رسائلُ الاستغناء عن خدماتهم

ظلّوا في أماكنهم متظاهرين بعدم الفهم،

والذين تلقّوا الطعنة الغادرة ما زالوا يحتفظون بالخنجر كتذكار!

فالحياة داخل المواصلات العامة علّمتهم

أن يروا اللص يضع أصابعه في جيوبهم

ويتظاهروا بالعمى،

والحياة في مكاتب الحكومة علّمتهم فنّ التسوية،

وترتيب الأوراق،

وكما علّمهم الريحاني أن يسرقوا وفق اللوائح،

وعلّمهم البارودي أن يظلموا وفق الدين.

يموت المنتحرون لأنهم ما زالوا يحتفظون ببراءتهم الأولى،

لأنهم لا يرون الأشياء كما هي،

بل كما ينبغي أن تكون،

لأنهم يملكون بصرًا حادًا،

وأذنًا صاغية،

وضمائر لا تحمي نفسها من البرودة،

ولا تُطفئ الأنوار قبل أن تنام،

لأنها لا تنام!

يموت المنتحرون لأنهم لا يصلّون خلف الرئيس،

ولا يُدخّنون مع المدير،

ولا يتبادلون النكات مع السائق،

ربما يستخدمون آلاتٍ حادة،

ويموتون ببشاعةٍ تجرح مشاعر آخرين،

غير أنهم يموتون ميتةً قبل أخيرة

حين يرون الناس عرايا،

فيقتلهم الخجل!"

***

د. ماهر عبد المحسن