لم يصدق أحد أن الست نيرة يمكن أن تمرض، ولكن هذا ما حدث فعلا، وإن كان المريض العادي يأتي إلى المشفى على حمّالة مرضى إن كان متعبا، أو كرسي متحرك يجره عامل صحي، أو أحد أبنائه، وبأحسن الأحوال على قدميه إن كان وضعه مقبولا فإن الست نيرة جاءت في موكب مهيب، حرّاس، وخدم، وحشم، ووصيفات، وفوق ذلك بنين و بنات.
من في المدينة لا يعرف الست نيرة، وتراني عزيزي القارئ لا أجرؤ على ذكر اسمها مجردا من اللقب رغم أني كنتُ الطبيب الذي أشرف على علاجها فما سأرويه لك سوف ينزع من نفسك الاستغراب والعجب في زمن العجب العجاب في بلاد الأعراب.
الست نيرة، المرأة التي قاربت السبعين عاما، لم تكن تجيد القراءة والكتابة ولم تكن بحاجة لهما أصلا لتدبر حياتها فقبل ثلاثين عاما من تاريخ دخولها إلى المشفى كانت زوجة ثانية لرجل ميسور بمقاييس نهايات ستينيات القرن الماضي، التقاها قبل ذلك بسنوات قليلة في زيارة والدها ذي الخلق السيء والذي كان يخشاه الجيران وعابرو السبيل ولذلك لم يتقدم لخطبتها أحد رغم جمالها الظاهر وعيونها العسلية، وشعرها الناعم، لكن أبا نمر كان صلد الجسد والقلب، لفته إليها خصوصا استدارة عضديها وبياضهما وهي تقدم له الشاي، خطبها دون تردد، ولم ترفضه رغم زواجه الأول وفارق العشرين عاما.
مات أبو نمر بعد سنوات قليلة وترك لها أولادا ثلاثة وابنة واحدة، ومسؤولية يعجز عنها الرجال، ولكن الست نيرة لم يهزَّ لها جفن في تحملها.
لم يكن لأبي نمر أطيان ولا أراض ولكنه كان سلبوطا بلهجتنا المحلية أي يفرض الإتاوات على التجار في سوق المدينة الشعبي ولم يكن يجرؤ أحد على الرفض، فهو الحامي لمن دفع، والقاتل لمن رفض، وإن تلطف به فسيطرده من السوق دون رجعة.
خلافة أبي نمر كانت معضلة حقيقية، فالعالم لا يحتمل الفراغ، ورغم تطور الزمن، كان السوق الشعبي بأمس الحاجة إلى سلبوط يحميه و ينظمه، وبما أن الطبع غلَّاب، تصدت الست نيرة للمهمة دون تردد فهي ابنة أبيها وخليفة زوجها.
ترحم تجار السوق وصناعيوه على أيام أبي نمر، الذي لم يكن ميّالا للعنف إلا عند الضرورة القصوى، وكان مشهورا بجملة:
-قاتلكم الله، أنا مضطر لعقابكم!
أمّا أرملته فلم تتردد بالضرب بيد من حديد على كل مقاوم لدفع الإتاوة ولو بصوت خافت، ويروي من عرف أحوال السوق أنَّها كانت تلوي ذراع الرجل القوي حتى يصرخ من الألم،... والذل.
الست نيرة على طاولة الفحص، يقوم الطبيب المقيم بفحصها، وحوله جيش من الحراسة والحماية والأبناء والبنات والأحفاد، ولك أن تتصور عزيزي القارئ مقدار التركيز الذي سيساعده على أداء مهمته الإنسانية الإجبارية.
قد يكون الإنسان حيوانا ناطقا، أو له تاريخ، أو قادرا على القراءة والكتابة، فيتميز عن غيره من الحيوانات، ولكنه خصوصا حيوان قادر على التعود على أسوأ الظروف مهما كانت، ولذلك بعد أسبوع من إقامة الست نيرة في المشفى الذي يقع على مرمى حجر أو رصاصة من السوق الشعبي الذي يحكمه الآن أبناؤها بقبضة من حديد ولكن بقفاز حريري فرضه تغير الزمن في السنوات الأولى من قرن المصائب، فبعد مضي هذه الأيام القليلة كان قسم الأمراض الباطنة الخاص بالنساء قد اعتاد على وجود الست نيرة بهيبتها ذاتها ولو أنها الآن عجوز مريضة فاقدة للوعي، و أبناؤها الثلاثة في مكتب رئيس القسم الذي سلمهم مفاتيحه عن طيب خاطر كما ادَّعى، كان المرضى سعداء بوجودها وهذه حقيقة وليست سخرية، فمن جاور السعيد يسعد، فالأدوية المقطوعة عادة بتعبير المشافي العامة توفرت بقدرة قادر للجميع، فلا أحد يرغب بتعكير صفو إقامة الضيفة الكريمة.
اتصل الطبيب المقيم باختصاصية الإنعاش الشابة، تلعثم كقاتل ملك وقع بين أيدي حراسه:
-السسسستتت نيييييرة، توقققفف قلبها.
بهدوء ودون انفعال، أجابته الطبيبة بانها قادمة، وأمرته ببدء الإنعاش القلبي الرئوي حسب بروتوكول المشفى الصالح لجميع المرضى.
كان الطبيب المقيم ابنا لأحد تجار السوق الشعبي، وكان قد تشرب خوف الست نيرة عبر السنوات، ولا أبالغ بالقول بأنه تمنى في تلك الدقائق الأربعين أن يموت فداء للست نيرة.
ما كان يشغله هو والفريق التمريضي في تلك اللحظة هو كيف سيخبرون أبناء الست نيرة بوفاتها بعد أن أيقنوا أنه بغياب معجزة ما فهي لا محال ميتة.
تقدمت الطبيبة الشابة من ابن الست نيرة، وبصوت واثق:
-توقف قلب الوالدة وتنفسها، حاولنا إنعاشها، لكنها ماتت، البقاء لله، لها الرحمة ولكم الصبر والسلوان.
ردَّ ابن نيرة:
- شكرا يا دكتورة، قمتم بما عليكم.
***
فراس ميهوب
10/04/2023








