عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

كل مكتوب يجب أن يكون واضحا وسهلا على الفهم، هذا ما سار عليه الأوائل من أعلام الأمة، وحاولوا أن يبسّطوا أفكارهم وييسرونها للعامة، ومَن يقرأ كتاباتهم يستشف في مقدمات كتبهم مراميهم ومجاهدتهم في التبسيط والتوضيح، ولهذا كان لكتاباتهم أثر وبقيت متداولة عبر العصور.

وعالمنا المعرفي المعاصر يزدحم بالكتابات العسيرة والمفردات المعقدة ويميل للترميز والإبهام والغموض، مما تسبب بتنافر بين القارئ والمكتوب، وخصوصا ما يُسمى بأدب الحداثة، التي توهمت التجديد، وما هي إلا نسخ وتقليد، وإضطراب أفكار وإستعارات غريبة عن واقع لا يهضمها ويعجز عن تمثلها.

وبما أنها كتابات لا مفهومة، فأصبحت مذمومة ومنكرة لا علاقة لها بواقع تكتب عنه، فالبعض يرى أنها كتابات صومعية نخبوية ومن هذيانات الخيال وتداعيات التصورات المأمولة في فضاءات التحليق الأقصى البعيد عن ملامسة التراب.

وآخرون يرون أنها ذات صدى وتأثير وتحفيز للوعي وإغناء للإدراك، والواقع على مدى أكثر من عقدين يشير إلى أنها هذيانات حول صحون الويلات، فما أطعمت من جوع ولا آمنت من ظلام وإنكلام.

وبين العديد من الرؤى والتصورات والتحليلات والمعارضات، تبقى الحاجة إلى الكلمة المباشرة الواضحة اليسيرة الفهم مما يستوجبه الإبداع بأنواعه.

فهل أن الحداثة زوبعة في فنجان التنائي عن منابع الأحزان؟

وهل ستموت في تابوت أكثر من نصف قرن من التجاهل والإهمال؟

فالمتداول أشعار عرفها العرب منذ عصور، وما وجدنا للحديث حضور!!

معالمُ شعرنا نغمٌ طروبٌ

يهزُ الروحَ تعشقهُ القلوبُ

تجدّدتْ بنا نغماتُ لفظٍ

بأبْحُرها مَعانيها تذوبُ

فهلْ وَصفتْ مشاعرَنا بسلبٍ

ونَبضُ وجودِنا فينا يدوبُ

***

د. صادق السامرائي

 

هل توقفت يومًا لتتأمل هذا العالم الجميل الذي نعيش فيه؟ نعم، أعني هذا العالم الذي يزخر بالمواعظ العظيمة على لافتات الطرق والنصائح المبهجة في الأخبار، وأغاني الحنين التي تُرسل مباشرة إلى أذنك بينما أنت تعلق في زحمة لا تنتهي وعالمنا يشبه طبق السلطة: كل شيء فيه مختلط، أحيانًا يلسعك البصل أحيانًا يضحكك الطماطم وفي النهاية تبقى تتساءل لماذا أنت جائع أصلاً.

في عالمنا، أصبح من الطبيعي أن يكون كل شخص "خبيرًا" في كل شيء لا يهم إذا كنت طبيبًا، مهندسًا، أو حتى بائع خضار المهم أن تعرف كل شيء عن السياسة والاقتصاد والفلسفة وعلم الفضاء وأغلب هؤلاء "الخبراء" لم يقرأوا أكثر من عنوان صحيفة أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن ثقتهم.. آه، ثقتهم في آرائهم لا يهزمها حتى عقل أفلاطون.

أما عن التكنولوجيا، فهي أعظم مسرحية كوميدية على الإطلاق فكل يوم نتحمس لابتكار جديد يعدنا بأن حياتنا ستصبح أسهل، ونكتشف بعد أسبوع أن الابتكار نفسه قد جعل حياتنا أكثر فوضى فالهواتف الذكية، على سبيل المثال، صارت تراقبنا أكثر مما يراقبنا جيراننا في أيام زمان نلتقط صورة لشاي الصباح، وفجأة يظهر إعلان لشراء فناجين الشاي على كل موقع نفتح ولم تعد الخصوصية كلمة، بل مزحة سخيفة نضحك عليها ونحن ندفع ثمن البيانات الخاصة بنا.

ولننتقل إلى السياسة، حيث الكوميديا تصل إلى ذروتها فالسياسيون أصبحوا كالشخصيات في مسرحية مستمرة  كلماتهم مطاطية، ووعودهم كالفقاعات، ومهارتهم الأكبر في تقديم خطاب طويل بلا معنى بينما الجماهير تصفق لأن الصراخ أصبح موضة وكل الوعود تتحول إلى نكتة، وكل قانون جديد هو نسخة محسنة من القوانين السابقة، لكن أكثر تعقيدًا وأكثر قدرة على إرباك المواطنين.

المجتمع؟ آه، المجتمع ! مجتمعنا يشبه حديقة مفتوحة وكل شخص يحاول أن يبرر تصرفه الغريب بعبارات رنانة مثل "التطور الطبيعي" أو "الحرية الشخصية"، بينما يصرخ الآخرون من حوله: "انتبه، هذه ليست حرية، هذه فوضى !" ورغم ذلك، لا أحد يوقف العرض، لأن الجميع مشغول بالتصفيق.. أو بالتقاط صور منها لاحقًا على وسائل التواصل الاجتماعي.

ولا ننسى ثقافة الشهرة، حيث أصبح كل شخص نجمًا في عالم افتراضي وهمي فما أهمية الإنجاز الحقيقي عندما يمكنك الحصول على ألف إعجاب على صورة لقهوة الصباح أو فيديو قصير لنوم القطط؟ الشهرة الآن ليست نتيجة جهد أو موهبة، بل نتيجة قدرة الفرد على جذب الانتباه بأية طريقة ممكنة، حتى لو كانت سخيفة أو مهينة.

وإذا ما حاولت التفكير بجدية، ستكتشف أن السخرية هي البقاء، والفكاهة هي الوسيلة الوحيدة لفهم هذا الجنون لأننا في النهاية لسنا في مسرح حقيقي، نحن في مسرحية متواصلة بدون نهاية، حيث كل واحد منا يلعب دوره بشكل مبالغ فيه، وكل المشاهدين.. هم أنفسهم أبطال هذا الجنون يصنعونه ويعايشونه في الوقت ذاته.

باختصار، عالمنا جميل، لكنه أجمل عندما نضحك ضحكته الساخرة، ضحكته المريرة ضحكته التي تجعلك تتساءل هل نحن أبطال أم كومبارس؟ هل نعيش الحياة، أم أن الحياة تعيشنا ونحن نكتب لها نصوصًا لم نكتبها؟ الحقيقة أنها مسرحية عبثية، وكل يوم نكتشف أن النهاية ليست نهاية، وأن كل شيء مجرد فقاعة.. لكنها فقاعة مضحكة جدًا.

***

د. رافد القاضي

الإنسان، تلك الكائنات الصغيرة التي تحمل في صدرها عالماً كاملاً، تعيش على هامش اللحظة، تتأرجح بين خيوط النور وظلال الألم، بين همسات الأمل وصراخ الفقدان. وهو ذلك المسافر الأبدي في صحراء الحياة يحمل حقيبة مليئة بالذكريات، بعضها ثقيل وبعضها يذوب كندى الصباح على أوراق الخريف.

فالحياة ليست مجرد أيام تمر، ولا مجرد ساعات تتراكم على ساعة الزمن وإنها محيط من الأحلام التي نغرق أحيانًا فيها ومن الأوهام التي نحملها كما نحمل زجاجًا هشًا، خائفين من أن ينكسر في أصابعنا. وكل لحظة تمر، كل نبضة قلب، تحمل معها سؤالًا جديدًا : لماذا نعيش؟ ولماذا نحب؟ ولماذا نرحل؟

في أعماق الإنسان، هناك حكايات لم تروَ وجرح لم يلتئم، وابتسامة اختارت أن تختبئ خلف ستار من الصمت فالشعر، هو اللغة التي تحاول الإمساك بالزمن، وهي اليد التي تمتد لتحنو على قلبٍ منهكٍ من سيل الحياة والقلم، هو السلاح الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يقاتل به وحدته، أن ينسج من الكلمات جسورًا إلى أرواح الآخرين، أن يزرع في الحروف بذور الأمل حينما يذبل الزهر من حوله.

فالإنسان أيضًا شاعرٌ، حتى حين يجهل ذلك. في صمت الليل، حين تنطفئ الأضواء يكتشف الإنسان أن قلبه ينبض كما لو أنه فرس مقيد في ساحة الحرية، يركض بين الحلم والواقع، بين الحب والخوف، بين الفرح والحزن وكلما اقترب من الحقيقة أدرك أن الحقيقة ليست مطلقة، بل هي لوحة مُرَسَّمة بريشة عاطفته، لونها أزرق كالسماء أو رمادي كالرماد، أحيانًا حارقة كالنهار الصيفي، وأحيانًا باردة كنسيم الشتاء العميق.

وفي هذا العالم، تتجلى العاطفة في أبسط الأشياء: في ابتسامة طفل يلهو بين الطين في دمعة أم تتلمس وجه ابنها، في يد صديق تمسك يدك حين يهتز العالم من حولك والعاطفة هي اللغة التي لا تحتاج إلى ترجمة، هي الجسر بين الأرواح، والملاذ الأخير لكل من فقد البوصلة في متاهات الحياة.

لكن الإنسان أيضًا معرض للخطأ، معرض للخيبة، معرض لأن يرى العالم من خلال عيونٍ لم تعد ترى سوى الظلال وفي تلك اللحظات، يحتاج إلى الشعر كما يحتاج العطشان إلى الماء، يحتاج إلى الفن كما يحتاج الجريح إلى ضماد يلتئم به قلبه. والفن لا يغير العالم، لكنه يمنح الإنسان القدرة على حمله، ويعلّمه كيف يتحوّل الألم إلى نور، وكيف يمكن للدموع أن تغسل الروح قبل أن تغسل الوجه.

وإن الرحلة الإنسانية ليست سوى رحلة نحو الذات، نحو اكتشاف معنى الوجود، نحو محاولة الإمساك بالحظات التي تمر بسرعة الضوء. وفي كل لحظة، هناك فرصة للقاء مع النفس، فرصة للإبحار في أعماق الوعي فرصة لإعادة صياغة الحياة، فرصة لتعلم الحب بلا شروط، والرحمة بلا حدود.

وفي النهاية، يظل الإنسان كاتبًا في دفتر الكون الكبير، كل خطوة يخطوها، كل كلمة ينطق بها، كل صمت يحتضنه، هو جزء من قصيدة الحياة التي لا تنتهي وكلنا نبحث عن القلم الذي يمكننا من التعبير عن صراعاتنا وأحلامنا، عن النور الذي يهدينا في ليالينا الطويلة، عن الأمل الذي يذكرنا أننا، مهما تعثرت أقدامنا، سننهض دائمًا لنكتب يومًا آخر، صفحة أخرى، قصة أخرى… قصة الإنسان الذي يعيش، يحب يتألم، ويستمر في رحلته رغم كل شيء.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

في منشور سابق استعرضت الآليات المختلفة لتغيير سعر الصرف او التأثير فيه ودفعه الى الارتفاع او الانخفاض. في هذا المنشور سوف احاول بيان كيفية تأثر الاقتصاد الوطني ككل او ميزانية الحكومة بتحركات سعر الصرف.

لاتوجد عملة في العالم ليس لها سعر صرف تجاه مختلف العملات لأن ذلك اساسي لعلاقات التجارة والتبادل الدوليين.

ولكن الدول تختلف في كيفية تحديد اسعار صرف عملاتها.

فدولة مثل الولايات المتحدة تكون اسعار صرف عملتها معوّمة، اي تخضع لعوامل العرض والطلب على العملة .

اما دولة مثل العراق مثلاً فان السلطات هي التي تحدد سعر الصرف رسمياً واذا لم يكن ذلك السعر واقعياً تنشأ سوق صرف سوداء موازية.

بعض الدول تكون فيها الحكومة هي المالك شبه الوحيد للعملات الاجنبية التي تحصل عليها من تصدير مادة تملكها الدولة (النفط مثلاً).

لكن الحكومة لا تستطيع تداول الدولار في الداخل ولذلك تقوم ببيع دولاراتها الى البنك المركزي مقابل سعر الصرف الرسمي. وتحصل على الدنانير التي تحتاج اليها كموارد للموازنة الحكومية ..

ولذلك عندما يحصل عجز في الموازنة يمكن ان تلجأ الحكومة الى خفض سعر صرف الدينار امام الدولار (خفضه من ١٣٠٠ دينار مثلاً الى ١٥٠٠ دينار) وبذلك تحصل من البنك المركزي على دنانير اكثر مقابل نفس الكمية من الدولارات.

اما في الولايات المتحدة فأن الاحتياطي الفدرالي يراقب اوضاع الاقتصاد واذا تطلب الأمر خفض او رفع سعر صرف الدولار فأنه يتدخل عن طريق ادوات السياسة النقدية مثل خفض او رفع سعر الفائدة لتشجيع الطلب على الدولار او خفضه.. كذلك يتبع الفدرالي اساليب مثل التيسير الكمي وتخفيف قيود الاقراض على البنوك..

ولو أخذنا الاقتصاد العراقي كنموذج، تصبح لدينا مجموعة أجراءات محددة تمثل دورة العملات في العراق والتي هي الدينار والدولار:

- الحكومة تصدر النفط

- تذهب الايرادات الى وزارة المالية

- تبيع وزارة المالية دولارات النفط الى البنك المركزي بموجب سعر الصرف الرسمي

- تستخدم وزارة المالية تلك الايرادات لدفع رواتب واستحقاقات المؤسسات الحكومية

- ينفق الناس اموال الرواتب والتقاعد وارباح الاعمال وباقي الايرادات، على السلع المستوردة

- يذهب التجار الى البنك المركزي لشراء الدولار لتمويل الاستيرادات.

***

د. صلاح حزام

في بلدان عدة نجح القابضون على السلطة في استغلال النصوص الدينية للتوظيف السياسي واتخاذها وسيلة للهيمنة السياسية والاقتصادية وكذلك استخدامها اداة للقمع ومصادرة الحريات وخداع عقول البسطاء وجعلها أسيرة إرادتهم الشيطانية وذلك من أجل البقاء في السلطة لتحقيق مآرب شخصية ومصالح فئوية، ويذكر لنا التاريخ انه عندما قام يزيد بن المقفع بأخذ البيعة ليزيد بن معاوية على مضض من الناس تصدى له احدهم بقوله (اني ابايع وانا كاره للبيعة) فأجابه معاوية الذي كان حاضرا الموقف: بايع يا رجل فان الله يقول (وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم)، انظر كيف تم توظيف النص في هذا الخطاب السياسي الذي نجحت العديد من الأنظمة الدكتاتورية في البقاء فترة طويلة في السلطة نتيجة توظيف النص زورا لتبرير فسادها وفشلها وقمعها المخالفين لسياستها وافعالها فهم حرصوا على ترجمة القول المنسوب لابن خلدون (إذا أردت أن تتحكم في الجاهلين فغلف كل باطل بغلاف ديني)، وقد ذهبت عدد من الجماهير ضحية الساسة الاشرار الذين امتهنوا الدجل واللعب بعواطف البسطاء ما جعلوا النص الديني موضع المساءلة والاتهام لدى الغالبية التي لا تفرق بين النص والخطاب .

والاستغلال السياسي لم يقتصر على توظيف النص الديني في خطاب السياسيين فحسب انما تعداه الى استغلال الطقوس والمناسبات الدينية لتمرير الخديعة فنشاهد عدد كبير من المسؤولين يستثمرون الطقوس لأغراض شخصية حيث تراهم يتسابقون على الظهور في مجالس العزاء بالملابس السوداء والمشاركة في تحضير وجبات الطعام والمسيرات والقاء الخطب وتقديم الدعم المالي للقائمين على اعداد هذه الفعاليات وكل ما يقومون به مكشوف النوايا وهو استمالة البسطاء لشخصهم وليجعلوا منهم قاعدة انتخابية تتيح لهم الوصول الى السلطة، وهذه الأساليب المفضوحة لا تنطلي على الشعوب الواعية حيث سرعان ما تكتشف هذه الشعوب الخديعة فتقوم بازاحة الساسة السيئيين عن المشهد السياسي واستبدالهم بساسة وطنيين حريصين على بناء الدولة ورسم مستقبل مشرق لأجيالها، أما الشعوب المخدوعة بالشعارات والخطابات الزائفة فانها تبقى أسيرة الخداع والتلاعب بمستقبلها، فالنصوص الدينية وجدت لإصلاح الحياة وليس لاستغفال البسطاء والتسلق عل اكتافهم من أجل تحقيق منافع دنيوية .

***

ثامر الحاج امين

يعيش الإنسان محمولاً على كتفيه ثقل الحاضر، مثقلاً بأخبارٍ تتشابك كالأشواك، ومكدوداً بأحوالٍ تتغيّر أسرع مما يتغيّر مزاج الطقس. ومع ذلك يبقى للجمال، ذاك المسافر الخفيف، قدرة عجيبة على أن يشقّ نفقاً في الجدار، وأن يفرض حضوره مهما ضاقت المسالك. إننا - شئنا أم أبينا - لسنا سوى قنوات تعبر من خلالها شرارات الجمال، تتنقّل فينا كما يتنقّل التيار في الأسلاك الخاملة.

وحين تصبح الحياة ضيّقة مثل صندوقٍ خشبي، قليلة القابلية للنشر والبهرجة - فلا سفرٌ كثير، ولا صالات رياضية، ولا مطاعم رائجة أو منْسية - يبدأ المرء في تخصيص وقتٍ لصيد الجمال كما لو كان يصطاد «بوكيمونات» متخيّلة. وكلما خرجت شخصيا من المدن، أدركتُ أن هذا الصيد لا يحتاج إلى شبكاتٍ واسعة؛ يكفي أن تتفتح جهنميةٌ على السور، أو يصدح هديل يمامةٍ عند الفجر حتى يتوهّج العالم. وأرى الجمال أيضاً في حياة الآخرين؛ أراقبه من دون حسد، كمن يعترف بأن ما يملكه الآخرون سيكون - بطريقةٍ ما، وفي زمنٍ ما - له أيضاً. وأجده في الكتب، أو بالأحرى عبرها، كأنها نوافذ تطل على حدائق الآخرين.

قرأتُ أن فان غوخ قال - وهو الذي كان يحوّل الألم إلى ذهبٍ لغوي -: «كما نأخذ القطار للانتقال إلى تَراسكون أو روان، نأخذ الموت للسفر إلى نجم». ووجدتُ هذه العبارة في آخر مقالات أنطونيو خ. مالدونادو في كتابه «حواس الزمن»، وهو كتاب بطعم الشاي المغربي: حزنٌ فيه نزعة حيوية، وطبقاتٌ تتوالى، وأثرٌ يبقى كعلامةٍ دافئة في الحلق، ويخلّف رغبة صغيرة في الابتسام؛ تلك الابتسامة التي لا تأتي من البهجة بل من إدراكك المفاجئ أنك إنسان، صغيرٌ جداً وكبيرٌ جداً في اللحظة نفسها. فالعظمة الحقيقية للإنسان تكمن في معرفته الحقيقية بصِغَره.

كتب مالدونادو مقالاً لا غاية له ولا أطروحة له، وهذا ما جعله يعاني في إنهائه. كانت مهمته الوحيدة أن يندهش معنا وأن يتركنا نتمتم بدهشةٍ تشبه ضحكةً مكبوتة. يعجبني تيهه «الوالسيري»، ذلك التيه الذي يقترب من الهذيان الجميل، لأنه يتكلّم كثيراً عن الفيزياء الكمّية.

نحن نحبّ الفيزياء الكمّية تماماً كما نحبّ النسبية، وحتى النيوتنية! كأنّ كلّ فرعٍ من فروع الفيزياء يفتح فينا نافذة صغيرة على هشاشتنا. «عظمة الإنسان تكمن في فهمه لصِغَره»… ونفهم هذا الصغر جيداً حين نواجه عالماً يعمل بقوانين لا تنصاع للحدس، لكنها - بطريقةٍ ما - تشبه الشعر.

بدأ شغفي بهذه المواضيع منذ سنوات قليلة، بدافع الدهشة ولأجلها ومن خلالها. شاهدت محاضرات معهد الفيزياء النظرية بنهم، وقرأت بعض الكتب، وتأمّلت بمراهقة فكرية لا تخجل من سذاجتها. ووجدت لذّة غير متوقعة في مفاهيم تبدو كأنها التقطت من متحف بورخيس أو من أفلام الغرب الأمريكي المتأخر أو من أناشيد المريدين:

أفق الحدث، التشابك الكمّي - ذلك «الفعل الشبحي عن بُعد» الذي أذهل آينشتاين -، اللامحلية، مبدأ عدم اليقين… كلها كلماتٌ فقيرة رياضياً لكنها غنية شعرياً. كأن الفيزياء منحت للأدبيين الذين تركوا الأرقام إلى غير رجعة فرصةً ثانية للاندهاش دون أن يُطلب منهم اعتذارٌ عن جهلهم بالجبر.

ومع مرور السنوات، وصلنا - نحن «أهل الأدب» كما كان يسمّينا أصدقاء المسار العلمي - إلى الفيزياء عبر استعاراتها قبل قوانينها: آينشتاين يجري بسرعة الضوء، مفارقة التوأمين، شرودنغر وقُطّته التي ماتت وعاشت في اللحظة نفسها، فندق هيلبرت اللامتناهي.. كلها صورٌ تتطلب خيالاً أكثر مما تتطلب برهاناً.

لم يختلف اهتمامنا عمّا فعله أجدادنا حين وقفوا ليلاً تحت سماء مرصّعة بالنجوم، تلك التي رسمها فان غوخ بذبذباتٍ تكاد تكون كمّية.

وقد شهدتُ في الآونة الأخيرة أن كثيرين استسلموا لهذا السحر؛ يكفي النظر إلى ظاهرة فيلم «أوبنهايمر» أو النجاح الصاروخي لكتب بنخامين لاباتوت، ومن خلفهما ظهر تجار أكثر إثارة للالتباس: مدربو «التنمية الذاتية الكمّية» وبائعو الأوهام الذين يخلطون بين العلم والتهويم كما يُخلط الماء بالزيت.

نعم، نحن نحبّ ميكانيكا الكمّ.

نحبّها لأنها تقول لنا إن العالم لم يُقلِ كلمته الأخيرة بعد؛ إننا ما زلنا في مرحلة «التمتمة الكونية»، وإن خلف هذا الروتين الرمادي الذي يزداد قتامة يوماً بعد يوم، يوجد شيء مبهج، شيء يتوهّج.

ونحبها لأنها أعادت الفيزياء إلى أحضان الفلسفة والشعر في عصرٍ جاف، فصرنا نعود معها إلى البدايات الأولى للدهشة، إلى لحظة الإغريق حين وُلد السؤال قبل أن يولد الجواب، وحين كان العالم - كل العالم - تفسيراً مجازياً واحداً كبيراً.

***

محمد إبراهيم الزموري

لا يمكننا التركيز أثناء الخوض العميق في بؤرة المشاكل المستعصية، لأن الأمر قد يمتد نحو الخوض في الغشاء الفاسد الذي يفسد الزرع والإنبات. اليوم نبحث بالكشف عن نموذج من إجراء المحاكاة المحتملة لتوقع حلول شافية وممكنة التطبيق لكل المشاكل غير المستفحلة! حتما، قد نصطدم مع مشاكل ذات أحجام متنوعة وتراكمية ولما لا تراكمية من زمن الخلق والبدايات البشرية، لكنا لا نقدر على البرهنة بأن تلك الحلول لن تصنع مشاكل أخرى رديفة ومستجدة، وقد تزيد حياتنا ثقلا لا قدرة لنا على حمله أسفاره على الإطلاق.

تتنوع المشاكل التي قد تعترض الجميع من الصنف الخفيف إلى الصنف الأشد ثقلا إلى المتوسط منها، من تم قد لا تكون هنالك حلول نمطية تتشابه وتتواقف في المخارج والانفراجات بين عموم ما يعترضنا من متاعب الحياة الاجتماعية.

في خضم المشاكل (يحميكم الله منها)، يُمكن أن يُولد الإنسان أكثر من مرة، وقد يحمل أكثر من اسم في تنوعها وتشابها. فقد يكون ممن يصب النار على زيت حمئة. وقد يكون من ذوي الأعراف لا هو مع زيد ولا ضد عمرو. وقد يكون ممن يبحثون عن الحلول التوافقية والعودة بالمشكلة إلى نقطة الصفر. وقد يكون ممن يتنبؤون بالحلول ومن ما يحدث لاحقا، وهو يزهو في معيارية التنظير وعلم النفس/ الاجتماعي، والحكمة النمطية.

المشاكل بِجلِّ مواصفاتها وتشعباتها تسعى إلى تدمير الذات والوضعية الاجتماعية والعلاقات الإنسانية، لكنها حتما تبقى صناعة حصرية من ابتكاراتنا المتعارضة والمتباينة والمتهالكة. فبدل إدخال الدماغ في قوقعة السلحفاة، فقط أخبرني من تكن؟ وبهذا قد أضع فكري في نفس القوقعة للحصول على رؤية جلية وهوية زمنية للمشاكل. وبالرغم من معرفة سلم المشكلة المشتتة، فلن أضع حلولا لما يعترض ذواتنا من عوائق، ولكني أقدر على خَبْرِ الأفكار نحو القرارات الممكنة بالحلول السهلة، وهذا مما يمكن إقامة علامات تشوير ميسرة. من تم فمن يمكنه رؤية الأفكار، يجب علينا تأمينها بالحماية، والكتمان وخفض الأسرار من الفضح المميت.

مشاكلنا لا تنتهي بالحاضر، بل تسلك عبورا عبر الطريق السيار نحو المستقبل، وقد تمسنا بالذكريات وكأنها تحدد هويتنا وبصمتنا الجينية. لذا لا نبحث عند الحلول التي تقتل وتصنع الانعزالية، بل لا بد من تذكر أن الأشياء التي ترتبط بذات المشاكل لا تنزوي نحو السلبية أو الإيجابية والتوقف (STOP)، وإنما تسعى لخلق المطاردة المتواصلة والمفحمة في موقد النار بالتهشيم والدخان والرماد.

من الحكم القديمة، ألا نرسل أرنبا لقتل ثعلب، فقد نضيع الأرنب عنوة في نزال فاشل وخاسر. لذا من الحكمة السديدة وضع العقلانية والصدق فوق كل الاعتبارات، وتجنب التحجر في الرأي والرأي المضاد، والذي لن ينفك يقضي على الذات والآخر ويستهلك الحياة في مواقف لا قيمة لها بالوقوف الإجبار (STOP) ومن بعده ضابط رقيب وحسيب.

حقيقة، نريد حياة بلا حروب كبرى ولا صغرى. نريد حياة بلا حروب مشاكل متجددة ولن تنتهي بتلك الحلول الممكنة والسهلة. نريد حياة بلا عذاب ضمير ولا عذاب مستيقظ من الآخرين في المنعرج الغائر. نريد حياة بلا ألم ولا وجع من محيطنا الصغير إلى الكبير. نريد حياة تصنع العدل والكرامة والقيم والمنطق العقلاني والعدل.

***

محسن الأكرمين

 

عندما تطرح فكرة تغيير سعر الصرف لأي عملة تجاه الدولار مثلاً، تثار حولها الكثير من المخاوف والتساؤلات والقلق.

سعر الصرف هو عبارة عن علاقة حسابية بين عملتين تستخدم في التسويات الدولية.

لاتوجد عملة واحدة في العالم ليس لها سعر صرف تجاه العملات الأخرى. لانه بدون ذلك سوف تستحيل عملية تسوية الحسابات بين الدول والناتجة عن التجارة الدولية وباقي التعاملات.

كيف يتم تحديد سعر الصرف؟

هنالك عدة نماذج من آليات تحديد سعر الصرف:

- سعر الصرف المحدد رسمياً، حيث يقوم البنك المركزي بتحديد العلاقة التحويلية بين العملة الوطنية والعملات الدولية القابلة للتحويل (العملات الصعبة) او مع عملة واحدة منها كالدولار (كما هي الحال في العراق حيث كان الدينار ولازال مرتبطاً بالدولار الامريكي بسعر صرف تحدده السلطة النقدية).

- الاسلوب الثاني في تحديد سعر الصرف هو اسلوب التعويم، حيث يترك سعر الصرف عائماً وتحدده عوامل العرض والطلب على العملة الاجنبية.

- الاسلوب الآخر هو التعويم المدار، حيث يتم تعويم سعر الصرف ولكن البنك المركزي يراقب حركته في السوق ويتدخل من خلال عمليات السوق المفتوحة عن طريق طرح المزيد من العملات الصعبة او سحبها لإبقاء سعر الصرف ضمن الحدود المرغوبة ( تستخدم بعض الدول النامية هذا الاسلوب)

- الاسلوب الآخر هو ربط العملة بسلة عملات بحيث يكون سعر الصرف هو متوسط تحركات تلك العملات حيث ان بعضها يرتفع وبعضها ينخفض.

***

د. صلاح حزام

صراع الأجيال هو خلافات وتوترات تنشأ بين الأجيال المختلفة، مثل الآباء والأبناء، نتيجة اختلاف وجهات النظر والقيم والتجارب بسبب التغيرات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية المتسارعة. يظهر هذا الصراع في مختلف جوانب الحياة، مثل العلاقات الأسرية والبيئة المهنية، ويمكن تخفيفه من خلال الحوار المفتوح، وفهم الآخر، والبحث عن أرضية مشتركة بين الماضي والحاضر

كثيرة ومثيرة هي الدروس والعبر التي تنسجها المواقف والحكايات في هذه الحياة المليئة بالدهشة والأسرار، وكل ما علينا أن نفعله هو أن نتلفت بلهفة وشغف من حولنا، لنُشاهد السماء وهي تُلهم أسراب الطيور المهاجرة باتجاه محاضن البهجة والجمال، ونراقب الأشجار وهي تحمي أزهارها بكتيبة من الأشواك، ونُمعن النظر في عالم الحشرات المكتنز بالقصص الملهمة

يبدو أن العلاقة بين الأجيال والعصور، عادة ما تكون مثيرة وملتبسة، فلكل جيل أفكاره وقناعاته ولكل عصر أدواته وظروفه التي تختلف بالضرورة عن الأجيال والعصور الأخرى، ولكن المشكلة تبدأ حينما تُفرض الأفكار والآراء بشكل مباشر وباتجاه واحد، يصنع ما يُشبه الاغتراب والتنافر بين الأجيال والتجارب المختلفة والمتعاقبة. فقد تجد في العائلة الواحدة، ثلاثة أجيال مختلفة في الأعمار والأفكار والرؤى، وهو أمر طبيعي ولا يدعو للخوف أو القلق، ولكن الصراعات والصدامات والاختلافات التي تنشأ بين الأجيال الثلاثة هي التي تستحق التفكّر والتأمل والحذر

صراع الأجيال ظاهرة اجتماعية ثقافية تعيشها المجتمعات الإنسانية؛ وهو عبارة عن صراع أيديولوجي بين جيلين اثنين: جيل قديم راديكالي ومحافظ، وجيل جديد يدعو إلى الحداثة والمعاصرة، فالأجيال تتوالد والسلف يورث الخلف عاداته وتقاليده ومعتقداته وقيمه، فإيقاع الحياة هو المختلف، فالخلاف هو خلاف طبيعي ضمن سياق التطور الاجتماعي، وهي قضية مجتمعية مهمة لأنها قد تضعف العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة نتيجة للتباينات والاختلافات في الآراء والمواقف ووجهات النظر وتضعف من كيان الأسرة.

حسب علم الاجتماع التغير في حجم وشكل المجتمع مصحوب دائماً بتغير في المفاهيم وأساليب الحياة الجديدة من أجل أن يستطيع المجتمع التكيّف مع هذه التغيرات والحفاظ على التوازن وتحقيق الاستقرار، لذلك من الطبيعي أن تتغير شخصية الإنسان طبقاً لما يدور حوله من تحولات وتطورات في شتى مجالات الحياة، وبالتالي فإن هذه العلاقة الجدلية والضرورية بين الشباب وكبار السن ممن دخلوا في مرحلة الشيخوخة حالة صحية وطبيعية ومرتبطة بطبيعة الفرد والمجتمع ومسيرة الإنسان، وهي حالة عامة لا تقتصر على شعب واحد أو مجتمع واحد، ففي كل مرحلة من مراحل الحياة البشرية تكون هناك فجوة بين الأجيال المختلفة في الأعمار والأفكار والطموحات وهذه الفجوة تتراوح بين خيارات الصراع والانعزال والتكامل بين هذه الأجيال.

التواصل بين الأجيال لا يعني تطابق الآراء، بل يعني القدرة على الإصغاء والفهم قبل الحكم. فحين يفهم الكبار أن التكنولوجيا ليست عدوًا، بل وسيلة، ويفهم الصغار أن القيم ليست قيودًا، بل جذور، يبدأ الجسر بالتشكل، المؤسسات التربوية والأسرة تلعبان دورًا محوريًا في تقليص فجوة الأجيال...

لطالما وُصف صراع الأجيال بأنه معركة أزلية لا يخلو منها زمان أو مكان. جملة واحدة تُقال كثيرًا على لسان الكبار: "جيل اليوم لا يشبهنا"، تقابلها نظرات تمرد في عيون الشباب، وكأن بينهما جدارًا من الاختلاف لا يمكن هدمه. فهل هذا الصراع أمر طبيعي ناتج عن اختلاف الزمن وتطوره؟ أم أنه نتيجة خلل في جسور التواصل التي لم تُبْنَ كما ينبغي؟ السؤال معقد، والإجابة تتطلب تأملًا عميقًا في طبيعة الإنسان والمجتمع.

إن صراع الأجيال ظاهرة اجتماعية متكررة؛ فهو ليس وليد العصر الحديث، بل عرفه التاريخ عبر العصور. فأفلاطون نفسه اشتكى من جيل الشباب، وقال إنهم "لا يحترمون الأكبر منهم سنًا ويفضلون الثرثرة على العلم". وهذا يُثبت أن الاختلاف بين الأجيال ليس جديدًا، لكنه يتخذ أشكالًا مختلفة تبعًا للتغيرات الثقافية والتكنولوجية.

في العصر الحديث، تسارعت وتيرة التغيير إلى حد جعل الهوة بين الأجيال أوسع من أي وقت مضى. التكنولوجيا، على سبيل المثال، غيّرت طرق التفكير والتفاعل وحتى القيم. جيل الآباء الذين نشؤء في عالم دون إنترنت، قد لا يفهم تمامًا احتياجات جيل نشأ على وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي. ومن هنا تبدأ التصادمات: الأب يرى ابنه "مدمنًا على الهاتف"، بينما الابن يرى والده "منفصلًا عن الواقع".

لكن السؤال الجوهري يبقى: هل هذا الصراع حتمي وطبيعي، أم يمكن تلافيه بالتواصل الفعال؟

الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من هذا الصراع ينشأ من سوء الفهم، وليس من جوهر الاختلاف. فكل جيل يعيش زمنًا مختلفًا، يحمل تحدياته الخاصة، ويحتاج إلى أدوات فكرية وسلوكية تتلاءم مع عصره. ما يحدث في الغالب هو أن الأجيال الأكبر تحاول فرض معاييرها على الأصغر، بينما الأخيرة تحاول التحرر وبناء هوية مستقلة. وهنا يحدث "الخلل في التواصل"؛ كل طرف يرفض الإصغاء للآخر، ويظن أنه يمتلك الحقيقة كاملة.

التواصل بين الأجيال لا يعني تطابق الآراء، بل يعني القدرة على الإصغاء والفهم قبل الحكم. فحين يفهم الكبار أن التكنولوجيا ليست عدوًا، بل وسيلة، ويفهم الصغار أن القيم ليست قيودًا، بل جذور، يبدأ الجسر بالتشكل.

المؤسسات التربوية والأسرة تلعبان دورًا محوريًا في تقليص فجوة الأجيال. فعندما تُعلّم المدارس الطلاب كيف يحاورون باحترام، وتُدرب الأهالي على فهم نفسية المراهق لا السيطرة عليه، يصبح الحوار أكثر توازنًا. وسائل الإعلام كذلك يمكن أن تسهم في تقديم نماذج إيجابية للحوار بين الأجيال بدلًا من تضخيم الفجوات.

في نهاية المطاف، صراع الأجيال ليس قدرًا محتومًا، بل فرصة ذهبية للنمو المشترك. نعم، هناك اختلافات، لكنها لا تعني العداء بل التنوع. الطبيعة علمتنا أن التنوع يولد التوازن، كذلك هو حال المجتمع. حين نتعلم كيف نُصغي بدلًا من أن نحكم، كيف نُرشد بدلًا من أن نفرض، حينها فقط تتحول الفجوة إلى جسر، والصراع إلى تعاون.

الجيل الجديد لا يريد أن يهدم الماضي، بل يريد أن يفهمه ليبني عليه. والجيل القديم لا يريد أن يوقف الزمن، بل أن يُطمئن قلبه بأن القيم ستبقى. وبين هذا وذاك، تكمن قوة الكلمة والحوار. فلنعد بناء الجسور، لأن جيلًا يفهم الآخر هو جيل لا يُهزم.

أطفالنا وشبابنا وأجيالنا الجديدة، بحاجة ماسة لأن يصنعوا حياتهم كما يُريدون وكما هي طريقة حياتهم وطبيعة ظروفهم، لا أن نُرغمهم تحت ذرائع النصح والإرشاد على أنماط وأساليب لا تُشبههم. نعم، قد نُمارس دور المراقب والمعلم بشكل أنيق ومدروس لكي نعطيهم ونزودهم بكل ما نملك من خبرات وتجارب قد تُعينهم وتُساعدهم على تجاوز الكثير من المصاعب والتحديات ولكن دون أن يُفقدهم القدرة على التحليق في أحلامهم

***

نهاد الحديثي

 

التشجير والتعمير من أساسيات الحياة الحرة المستقيمة، التي تحفظ الكرامة وتعز الوطن والمواطنين. وهناك علاقة خفية بين المطر واللون الأخضر وكأن الشجر في تخاطب متواصل مع السماء. التشجير بحاجة إلى منظومة رعاية، فالشجرة تريد من يرعاها، فالتشجير بلا رعاية جهد ضائع، وتدمير للبيئة وعدوان على الحياة.

المياه الجوفية وشق الأنهار الموازية والبحيرات وبناء الخزانات ومنع الهدر المائي إجراءات وقائية ضرورة لصناعة الحياة الطيبة ، ومياه النهرين من المفروض أن تسقي تراب وأبناء البلاد لا أن تذهب إلى البحر.

حدود المدن عليها أن تكون من أشجار الكالبتوس الدائمة الخضرة، والتي تحمي ضد الهجمات الغبارية والرملية.

والنخلة من أولويات الشجر الذي عليه أن يكون في كل مكان يناسبه، لأن النخلة عنصر مهم في سلة الطعام، فهي التي تمنع الجوع وتوفر العديد من الحرف والتفاعلات الإقتصادية النافعة.

أما الإعمار فمن ضرورات القوة النفسية والعزة والكرامة الوطنية، وتنمية الثقة وتحفيز القدرات على التفاعل المتميز مع العصر، وفي البلاد الكفاءات الهندسية الكافية لبناء وطن متفوق عمرانيا على ما حوله من الأوطان، فهو يمتلك المواد والعناصر والقدرات الجاهزة للإنطلاق في حملة إعمار وطنية.

الوطن الأخضر الجميل بعمرانه الباهي المتميز يعز أبناءه ويطعم المشاعر الوطنية بما هو إيجابي، ويشد المواطن إلى تراب بلاده، ويمنحه شعورا بالسعادة والسرور، فيتماهى معه، ويذود عنه ويشارك في بناء حاضره ومستقبله.

لابد من برامج وخطط وآليات رعاية وإدامة لكل خطوة أو مشروع.

الأشجار بحاجة للماء، وعندما ننطلق بمشاريع كهذه لتوفير منظومة إرواء قادرة على تأمين حياة الشجرة ورعايتها وفقا للضوابط الخاصة بها .

وبما أن البلاد فيها مخزون هائل من المياه الجوفية، فيمكن للأشجار بعد فترة أن تصل بجذورها إليها، فتستغني عنا، وتتمكن من إرواء نفسها، فربما تكون رعايتنا للشجر قصيرة الأمد، فحالما تستقر الشجرة في مكانها تصبح قادرة على الحياة لوحدها.

المجتمعات التي لا تهتم بالتشجير ولا تحترم اللون الأخضر يداهمها الخطير.

التشجير يساهم في تنشيط التفاعل الإيجابي مع الحياة، ويدفع إلى طرد التصحر وإستدعاء الأمطار، فالعلاقة بين الشجر والسماء خفية وذات مخاطبات متبادلة، فعندما تعطش النباتات تستدعي الغيوم فيهطل المطر.

قد لا تصدقون ذلك لكن النباتات عندها آليات إستسقائية متواصلة مع الفضاءات البيئية التي تكونها وتؤسس لمنطلقاتها الحياتية.

لفد علمتني الحياة في البرية وجود تلك اللغة التخاطبية بين الزرع وأسباب المطر، ولا يهم الفصل الذي تتحقق فيه أمنيات النباتات، وكيفيات إدامة مروجها الخضراء.

كان العراق يسمى بلاد السواد أي أنه كان بساطا أخضرا من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، فتفاعلت معه إرادة السماء وأرسلت الماء عليه مدرارا، تناغما مع نداءات الزرع المتسامق في ربوعه.

ويبدو أنه أبتلي بأجيال تقطع ولا تزرع، فذبلت مروجه وتحول نخيله إلى أعجاز خاوية، ونشطت إرادة الصحراء فزحفت على الأراضي الخصبة وأحالتها إلى يباب، وشارك النهران بغضبهما على الذين لا يحترمون الماء والتراب فساد التصحر والجفاف، وعز عطاء الأرض، حتى صارت البلاد تستورد الخضراوات من باقي البلدان.

حياةٌ دون تشجيرٍ خواء

فصن وطنا يباركه الرجاء

علائم هوننا إنا قطعنا

فعز طعامنا وطغى البلاء

إذا الأقوام ما زرعت نباتا

توسدها التذلل والعناء

***

د. صادق السامرائي

 

تاخرت ولادة العراق في مايعرف بالعصر الحديث، ومع ان  الموضع المعروف بما بين النهرين قد ابتدا بالتشكل في دورة راهنه ثالثة منذ القرن الخامس عشر وتحديدا السادس عشر مع ظهور "اتحاد قبائل المنتفك" 1530في ارض السواد سومر التاريخيه، الا ان العملية المشار اليها كانت ابعد من ان تكتمل مولدة الصيغة التاريخيه الازدواجية الامبراطورية اللاارضوية كما الحال ابان الدورة الاولى السومرية البابلية الابراهيمه، والثانيه العباسية القرمطية الانتظارية، ومابينهما من فترات انقطاع اول من سقوط بابل الى الفتح الجزيري، والحالي الثاني المستمر من عام  1258مع سقوط العاصمة الامبراطورية وتحولها الى مركز براني تتعاقب عليه السلالات والدول واشباه الامبراطوريات، الى ان حضر الانكليز مع العقد الثاني من القرن العشرين، وتبدل نوع البرانيه بحكم تبدل المرحلة التاريخيه المجتمعية بعد انبثاق الاله في اوربا، وماتولد عن ذلك من متغيرات نوعيه على مستوى المعمورة.

 اي ان ارض مابين النهرين مرت خلال فترة الانقطاع الحالي المستمر من سقوط بغداد بفترتين من البرانيه، الاولى يدوية هي الاطول، وثانيه تبدا مع القرن العشرين، وانقلابيه آليه مختلفة نوعا وعلى مستوى الوسائل واشكال ممارسه الحضور البراني، في الاولى مر ت ارض السواد ابتداء مابين القرن الثالث عشر والسادس عشر بفترة من الفوضى الانتاجية  وفي المجالات كافة، وفي الثانيه اخذت تتبلور صيغ من الحضور المستقل من دون اعلان، بدات بالفترة القبلية  المنتفجيه، ثم ومع القرن الثامن عشر  بتبلور فترة الانتظارية الحديثة النجفية، كانت بغداد خلالها  تحكم ذاتها، سلطتها لاتتعدى العاصمة المنهارة  مقابل العراق الاسفل المستقل عنها من دون اعلان، وبلارغبة في ذلك لاسباب تتعلق بالكينونه، مع ان الفترة المذكوره لم تخل من  احداث من نوع الثورة الثلاثية 1787 تحررت فيها المنطقة الممتدة من بغداد الى الفاو، ناهيك عن جمله من التصرفات الداله على الاستقلاليه بلا استقلال، مثل طرد اتحاد قبائل المنتفك للصفويين من البصره، وتحريرها منهم من دون تدخل من بغداد واجمالي ماكان يحكم منطقة ارض السواد فعليا، بغض النظر عن توهمات بغداد وصولا الى 1831  واضطرار العثمانيين لاعادة احتلال بغداد ضمن مسلسل التعاقب الساري، ومحاولة الاتراك ايجاد صيغة احتواء  للعراق الاسفل، ابرز مظاهرها بناء مدينه الناصرية عاصمة اتحاد قبائل المنتفك على اسم ناصر السعدون، وجعله اول "متصرف" للواء الجنوبي ايام مدحت باشا.

  ويمثل تصرف الاتراك العثمانيين وقتها بدايات التحول الى البرانيه الحديثة الاليه بالواسطة ابتداء، ماقد مثله للحاجه ضمن الاصطراعية بين العراق الاسفل والاعلى، اخر المماليك داود باشا الذي جاء الى الحكم على انقاض سعيد ابن سليمان الكبير، وصهر داود  ممثل المنتفك كما ورد في رساله وجهها داود من منفاه في الشمال عند ال بابان قائلا " ان ىسعيدا حكم العرب اهل الظلم والغشامه"،وحين اقتحم داود بغداد، كانت العاصمة المنهارة تضم الف مقاتل من  المنتفج دافعوا عنها ضد هجوم داود وانصاره، ماكان يدل بوضوح على قوة الاحتمالية "الاستقلاليه" الناتجه عن الاصطراعية الازدواجيه، وهو ماقد تمثل في اعتماد داود باشا للظواهر والاساليب المنتميه للطور الحداثي الغربي المتنامي على شاكله محمد علي الالباني في مصر،والذي يشبه به  داود باشا(1) مع مايمكن ان يتوقع من احتمالات غير محسوبه، كان واضحا ان الاصطراع سينبثق عنها، وهو ماقد دفع  بالعثمانيين الى الاسراع تداركا،  باعادة احتلال العراق للمرة الثالثه وازاله داود باشا.

  لم يسبق ابدا ان جرى تناول العراق الحديث بناء للسردية التشكلية الحديثة الذاتيه، وظل يسقط لهذه الجهه المنظور البراني الغربي ومنهجياته في القراءة التاريخيه، التي  تزيل خواص التشكليه السفلى التي هي خاصية اساسية ضمن قانون الدورات والانقطاعات الخاص بهذا الموضع  الازدواجي المجتمعي من المعمورة، فلم ينظر على سبيل المثال للعلاقة بين الديناميات التشكلية التاريخيه و"المدينه" وموقعها، وكيفيات قيامها والدوافع التي تجعلها ماهي، ومن ثم فان اي حكم على بغداد الحاليه لم يصدر بما يتفق مع المسار التاريخي، باعتبارها مدينه موصولة الى الاليات الصعودية الاصطراعية الخاصة بالدورة الثانيه العباسية القرمطية الانتظارية المنتهية، والمتحولة الى مكان براني لاعلاقة له بالاليات العراقية الراهنه، على العكس من مدينه لم يكن لها من وجود، اقيمت اليوم تحت فعل آليات اللحظة الراهنه كالناصرية  القبلية،او النجف من حيث الفعالية المميزه ب"نظام الاجتهاد"، وهما مدينتات راهنتان  مقارنة ببغداد واجمالي وجودها ودورها الراهن.

  ولان فكرة الاحادية البرانيه راسخه وهي الحال الباقي مستمرا الى الان، فان منظور الكيانيه الموحده كبداهة لايناقش، وهو يعلو على ايه احتماليه اخرى، حتى وان ظل حضورها كواقع ومعاش  بارزا  فلم يسبق ان خطرت على البال، او بدر مايمكن ان يفصح عن اية دالة يمكن ان تاخذ اليها، فضلا عن ان تكشف عنها وعن حقيقتها المتعدية لممكنات الاحاطة البشرية، الامر المميز للحالة مابين النهرينبه ابتداء تاريخيا، فهذا الموضع له مقوماته التي تناظر لابل تتسامى على المعاش من ممكنات انتقالية مجتمعيا، وجدت مرتهنه للشرط الانتاجي اليدوي، وخاصياته الجسدية الحاجاتيه، الا في  ارض السواد حيث توفرت بيئيا تحديدا،  الاسباب الضرورية لقيام مجتمعية "لاارضوية" بحكم المجافاة الطاردة بيئيا لدرجة العيش على حافة الفناء، ومن ثم انتاجيا، مولدة نمطا مجتمعيا، ونوعا غير قابل للتحق في كيانيه موضعية، تجلت ابتداء وضمن الاصطراعية الاولى السومرية البابلية بالابراهيمه كصيغة تعبيرية مجتمعية لاارضوية كونيه،  متعدية للمكان والقوم، او الجغرافيا، ومرتكزة الى الكينونة البشرية الازدواجية هي الاخرى، (العقل /جسدية) بعكس مايعتقده الارضويون مكرسين الاحادية الجسدية.

    ولابد من التذكير بكوراجينا حيث عرفت للمرة الاولى في التاريخ البشري كلمة (حرية / امارجي) وكل حقوق الانسان التي يتغنى بها اليوم، مع حقوق المستضعفين في الدورة الافتتاحية الاولى، والقرامطة واخوان الصفا والاسماعيليه  والحلاجية وغيرها في الثانيه، ثم الى  السناين التي لم يسبق ان سمعنا باحد من عباقرة "علم الاجتماع"الحديث قد حاول النظر فيها والتعرف على جنسها ونسبتها المجتمعية، هذا غير "الحسجة" ومنظومه الاطوار الشعرية الحديثة، كما لم يحدث اطلاقا ان سمعنا عدا صراع البداوة / الحضارة، توقفا عند شخص " الفريضة" ماهو ومادلالة وجوده في العشيرة، والاهم شخصية اخرى باهرة هو "العارفة"وجمعها " العوارف" وكلها موضوعات متعلقة بالعتبة القبلية المنتفجية، مايتصل بها بالكاد يجري التعرض له بابتذال منقول ومقزز تحت يافطة جاهزة باسم "الفولكلور" باسقاط مجحف ومزر لكينونه تشكلية وتعبيرية مجتمعية بدئية رفيعه نوعا مقارنه بتلك الكيانوية الارضوية .

  اما الاهم والاخطر كمنجز تعبيري مجتمعي  مسقط من الاعتبار والحسبان فظاهرة النجف و" نظام الاجتهاد" الذي ابتدعته،  لمجموعه من الفقهاء "المفكرين" الذين يسكنون مدينه على طرف ارض السواد، يمارسون دورهم الفقهي الحياتي، متحولين الى  قيادة ودولة لادوله لاوجود لها الا في الخيال البشري واليوتوبيا، لانظام محدد وملموس يحكم دينامياتها ويقرر زعامتها لصالح "مجتهد اكبر" لابالانتخاب ولا التصويت، بل "بالصيته"  والحضور،اسلوب تداول المشيخه المشاعية غير الوراثية في ارض السواد، هذا غير نظام التقليد وارتباط العشيرة المشاعوديمقراطية بالفقيه، الى ان وجد الخميني في نظام "المجتهد الاكبر" ممكنا ارضويا يطابق كينونته، فبادر الى تحويره الى نظام سلطوي عادي باسم "ولاية الفقية"، التي هي بالاصل ولاية " المجتهد" الاكبر النجفي، كل هذا ولم يحدث اطلاقا ان عرف في العراق الى الساعة اي مسعى يمكن ان يفتح الباب ل " ثقافة عراقية"، مرهونه للذاتيه المجتمعيية التاريخيه بل ظلت المحفوظات والمقولات الجاهزه المنقولة تمحي العراق من  الوجود، بلا اي مظهرذاتي، هو بالاحرى لازمه، حدوثها ابتداء ثورة كونيه لااكتمال للمنظور البشري وللاستمرارية الحياتيه من دونها.

    ـ  يتبع ـ

***

عبد الأمير الركابي

منذ الأزل والحروب ذات غايات وأهداف إقتصادية، وكانت على مدى قرون هي التفاعل الإقتصادي السائد بين البشر، فالتقاتل بينهم دام طويلا ولا يزال، وقبل الدول كانت القبائل والجماعات تتقاتل من أجل الموارد بأنواعها، وما نجت مجموعة بشرية في أي مكان وزمان من هذا السلوك.

والقول بأن العرب لوحدهم كانوا يتقاتلون وغيرهم من بشر الدنيا ملائكة متآلفين، فيه الكثير من الإجحاف والتضليل.

فهل كانت شعوب الأرض في زمانهم لا تتقاتل؟

وتجدنا نركز على حرب داحس والغبراء، وحرب البسوس، ونتجاهل حرب المئة عام بين فرنسا وبريطانيا، ونصم العرب بالجاهلية وكأنهم أوباش ووحوش تفترس بعضها، وهذا أفك وبهتان.

العرب كانوا يحترمون الرأي الآخر، ولا يتقاتلون بسبب المعتقد، والدليل أن الكعبة كان فيها عشرات الأصنام التي تتبعها القبائل، وكانوا يحجون إليها ويؤدون طقوسهم مجتمعين بلا تخاصم أو إقتتال.

فهل كان مثل هذا السلوك قائما في شعوب الدنيا آنذاك؟

الدول التي نسميها متقدمة الآن، كانت تعيش في عصور مظلمة وتمارس أبشع السلوكيات بحق بعضها، والعرب في ذروة التوهج المعرفي والتنوير العلمي، وما تجدهم يتحدثون عما إقترفوه من خطايا وآثام وإجرام بإسم المعتقد والدين، وكانت الكنائس مستبدة ومن لا يطع أمرها يدق رأسه بالمطرقة أو يشطر إلى نصفين.

الآثار والشواهد القائمة تخبرنا بما كانوا يفعلونه في أزمنة متأخرة وحتى تحقق التحرر من قبضة الكنيسة وطغيانها.

والحروب بين الدول المتقدمة متواصلة، وهي التي خاضت الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفي بداية النصف الثاني من القرن العشرين حاولت أن تتجاوز ماضيها وتفكر بمصالحها فإتحدت، ويبدو أن تلك المسيرة ربما ستساهم بعودة حليمة إلى عادتها القديمة.

نشوّهُ ماضياً نوراً تبدّى

ونحسبُ حاضراً فينا تردّى

كأنّ شعوبهمْ كانوا مَلاكاً

وإنّ شعوبَنا شرٌّ تعدّى

نَسينا إننا أبناءُ فيضٍ

إذا انْحرفتْ بساطعةٍ تصدّى

***

د. صادق السامرائي

ما اثقل وطاة مسببات الايهامية عند لحظتها ومحطتها النهائية قبل انبثاق الرؤية الكبرى المنتظرة الفاصلة، تلك التي بموجبها تلوح معالم التفارق العقلي الجسدي، وصولا الى الاحترابيه المتعسكرة مابين عالمين منفصلين كليا ومتناقضين، يدخلان اليوم زمن الامحاء المتقابل، تحت طائلة اما الفنائية الوجودية او ممكنات الاستمرارالموضوعيه الموافقه للديناميات الكونيه المضمره.

 واهم مايميز الفترة المشار اليها، انتقال تعبيريتها الرئيسية الى "العقل" من دون رؤية مواكبه ولا تصور، وهو مايميز مامعاش راهنا، فماكان يتميز ابان الطور الالي الاول المصنعي بالاصطراع الطبقي، او الصراع من اجل الديمقراطية والدولة المدنيه ومايقتضيانه ويستثيرانه من رؤى ضرورية، اصبح في الوقت الحالي انتقالية عقلية نحو مايعرف ب "الذكاء الاصطناعي"  الذي هو بحاجة لا الى التنظير، بل الى الاسقاط من الوعي والنظر،لكل الاحتمالات الخطرة المتصلة به على صعيد احتمالية ازاحه الحضور البشري في العملية الانتاجية  والابداعيه من ناحية، وهو المتوقع بظل مامعروف من انتاجوية جشعه حاجاتيه، عدا عن ايقاف مفعول الحضور البشري الفعال في  الحياة بصورة عامه، واستبداله بالمبتكر التكنولوجي المحدود،  مامن شانه تغييب الكائن البشري  عما  يتعلق بشؤونه الحيوية واجمالي وجوده.

  بالمقابل لم تظهر الى الساعه رؤى مقابله، في حين ظل القصور التاريخي العقلي حاضرا باخطر اشكاله، ومع غياب اية مظاهر دالة على الازدواج المجتمعي والبشري في الماضي، فلقد استفرد  المنظور الارضوي الاحادي، بالموقف بغض النظر عما تظهر من اراء وكتابات مخالفة ومنتقده، هي من حيث المنطلقات والحجج، ارضوية غير قادرة على فتح الباب نحو افق اخر مقابل، منطو على احتمالية اخرى مقابله، هي اليوم الحقيقة الفعليه المحركة لاجمالي ماقد بلغته اللحظة التاريخيه، مع الانتقال الى الاصطراعيه التكنولوجية الارضوية اللاارضوية.

 وليس من المنطقي ان نتخيل خاصيه للحظة التاريخيه الراهنه، مشابهه او من نوع ومستوى اية   لحظة انقلاب او تحول تاريخي مراحلي سابق ، بما في ذلك المراحل الكبرى الدهرية من نوع الانتقالات من الصيد واللقاط الى المجتمعية وانتاج الغذاء، فما نقصده ينظر اليه اليوم على اساس  انقضاء مسار ملاييني، لابل ملياري على مستوى السنين والتحولات، ابتداء من الخلية الاولى الى الوقت الراهن، هو الوجود المادي التاريخي  وارتقائيته الذاهبه الى اللحظة الحالية حيث ينقلب الكائن الحي البشري في اخرياته الى العقل، متحررا من الجسدية، ومغادرا عالم الارض الموضع المناسب للطور المادي الجسدي، والضروري لتوفير اسباب التحولية العظمى الذاهبه الى الاكوان اللامرئية.

  خلف التكنولوجيا الانتاجية الجسدية وفعلها الحالي، ومامتولد عنها، تقف اليوم التكنولوجية العليا العقلية منتظرة لحظة الوعي الضروري، وانبثاق التصورية اللاارضوية المضمرة المغيبه تاريخيا بسبب القصور العقلي الملازم لظهور العقل بصيغته الاولى الارضوية المحكومة باشتراطات اليدوية، ومع انتقال فعل التكنولوجيا من المجال الارضي الى الجسد وداخله، تظهر امامنا مسالة غاية في المنطقية الاعتيادية غير المنتبه لها: فلا احد يسال مثلا:لماذا يظل 85 بالمائة من العقل البشري خارج الاستخدام والفعل، وماالدلالة والمغزى الاصل من وجود ظاهرة كهذه، الااذا كانت ال15 بالمائة متناسبه فقط مع اشتراطات اليدوية، ثم لماذا سارت العملية الاليه، من المصنعية الى التكنولوجيا الحاليه الانتاجية، بينما المؤشرات تدل بسطوع على قرب انتقالها (2) الى الطور الاعلى الدال على امكانيه تحفيز ودفع ال85 الى الحضور، لابل والتحول الى محور اهتمام، ما يحول هذا الانتقال الى غرض وهدف اساس للوجود، بناء على كل الدالات التي تاخذ بالعقل الحالي لان يبلور موقفا اخر ضمن سيرورة تحوله من الخلية الاولى حتى اليوم، خارج منظورات القصور العقلي الارضي.

 لم تعد الصراعات ولا الثورات ارضوية، كما كانت ايام  الغلبه الارضوية  الكاسحه وهو مايشبه تقريبا  حال الجسدية ايام الحيوانيه وغلبتها شبه المطلقه، الى ان ظهر العقل بصيغته الاولى، وتبدلت التفاعلية النشوئية الارتقائية موضوعا، واليوم ومع الطور العقلي الثاني وتوفر وسيله الانتاجية المطابقه لطبيعته تكنولوجيا، ماعاد جائزا للاصطراع التفاعلي ان يظل احاديا ارضويا، بل حالة "ازدواج"، يتنامي الطرف الغائب منه مع الادراكية اللاارضوية، ذهابا متصلا، الى ان تتكامل صيغته الضرورية، وهو مايفترض بداهة استغراقه من الوقت والجهد والعمل مالا سابق له، لقد بدا الاعلان عن "اللاارضوية" (3)، اي اعلان  بد التاسيس للانقلابيه التحولية العظمى، ليغدو الجهد المركز على تبيان موضوعات واسباب وسبل الثورة  الكيانيه البشرية بلا توقف، وهو ماسيطول حكما انتظاره.

  نريد ال 85 بالمائة ذكاء بشري انساني،لاالذكاء الاصطناعي، هذا محور جهدنا ومدار فعلنا القادم، لا سلاح ولا معارك بالايدي او بالاسلحه، فمسار الحياة وماقد بلغه من تازم لن يلبث ان يتحول الى مالايمكن تجاهله او تحمله، والوسيله المادية، و الجهد العقلي المستمر والتواصل، استشرافا وتدليلا، سوف يسقط في نهاية المطاف متبقيات من نوع " الكيانات "، واشكال  وصيغ التنظيم الارضوية  وطنيه وقوميه  ومايواكبها من اشكال تنظيم مضاد للعقل، لن تلبث ان تسقط لصالح اللاارضوية الكونيه، والانتماء البشري المتحرر من كل اشكال التمايز، والوسائل من قبيل كيفيات تطوير الحضور والفعل، هي الاخرى سوف تتعزز، هيئات وتجمعات عمل اختراقي علمي تكنولوجي ومفهومي انقلابي تحولي،  بلا كيانويات ولا اوطان، فالوطن الوحيد القابل للحياة من هنا فصاعدا هو العقل الذاهب الى التحرر من وطاة الجسدية والارضوية الى الاكوان العليا، اتفاقا مع موجبات ومنطويات الوجود الكوني التحولي ولابد هنا من ان نتخيل قدر مانستطيع  حضور 50 بالمائة من ال85 المعطله فقط وكيف سيكون حال الكائن البشري واجمالي الوجود مقارنة  بالراهن الذي هو مادون 20 بالمائة ونحاول تصور مفعول قوة من هذا القبيل بما خص تسميه الكائن الحالي مقارنة بالكائن العقلي المنتظر .

 اعلم بانني اعلن بهذه المناسبه عن الثورة اللاارضوية، مع انني قد فعلت ذلك من قبل تواليا من دون توقف بلا افصاح جاء من هنا فصاعدا اوانه، وحلت ساعته.

***

عبد الأمير الركابي

.....................

(1)" عرفت الولايات المتحدة في العقود الاخيره تسارعا في تطور بدا في القرن التاسع عشر، فتوالدت جماعات دينيه كثيرة وعلى امتداد الثمانينات من القرن العشرين سعى معهد دراسات الدين الامريكي لاحصائها، وفي تقرير له نشر في عام 1988 في موسوعة الاديان الامريكيه اشار الى وجود 1586 جماعه دينيه في الولايات المتحده، منها 700 سماها "غير تقليديه"  / مدينه على جبل: عن الدين والسياسه في اميركا/ طارق متري/ دار النهار ـ بيروت

(1)            https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=608992

 يراجع الهامش.

(2) كتاب العراق/ الكتاب اللاارضوي المنتظر منذ سبعة الاف عام/ عبدالامير الركابي/ دار الانتشار العربي ـ بيروت/ ط1 ـ .2024

 

تحية لمؤرخنا الألمعي وهو يتحفنا بكتاباته المنوّرة الوهاجة بالأدلة والبراهين، والتي تبدو كوثائق تأريخية ذات طاقة تفاعلية نافعة للقارئ، وتبعث روح التواصل مع الأجيال.

فما أحوجنا للمؤرخين الصادقين الأوفياء المحايدين الذين ينيرون دروبنا، ويمدوننا بما يعيننا على مداواة ما أصابنا من العاهات، والأمراض السارية والمعدية التي توطنت وعينا الجمعي، وسلختنا من ذاتنا موضوعنا، حتى توهمت الأجيال بأنها بلا جذور ومرتكزات، أو أن جذورها فاسدة.

ما أقرأه لأستاذنا العلاف (إيراهيم خليل العلاف)، يمثل قدوة معرفية سامقة تستدعي التفاعل والإحتذاء، فهو يقدم مثالا حيا على ما يجب أن تكون عليه آليات المشاركة في وسائل التواصل والتفاعل المعاصرة بأنواعها.

فلا بد من الأمانة والصدق والأدلة والبراهين، وإحترام المتلقي والمعلومة المنشورة، ومن ضوابط وأصول سلوكية تحكم النشاطات التواصلية بين الناس.

أستاذنا العلاف، يُنبهنا بأن الأمة بخير، ويذكرنا بأفذاذها الذين شيدوا معالمها المنيفة، ومميزاتها النزيهة النظيفة، فما أبدعهم وأرقاهم، جميعنا من نسلهم الأصيل، فلماذا لا نحذوا حذوهم، ونؤمن بأنفسنا وأمتنا وبقدراتنا على التحدي والمعاصرة؟!!

أستاذنا العلاف، عطاؤه وفير، وعلمه غزير، ونشاطه كثير، وهدفه سامي وأثير، فما أحوجنا لأمثاله في زمن تحول اليسير فيه إلى عسير، وهاجمتنا أقلام العدوان على الكبير، ومحاولات إقتلاع تراث الأمة وتأريخها من وعي الأجيال، ليوهموهم، بأن أجدادهم ما أنجزوا غير الحصير، ليناموا عليه والناس تسير.

أستاذنا العلاف، لا أعرفه شخصيا، لكني أحب الموصل، وأمضيت فيها سنواتي الجامعية، وأفتخر به، لما يمثله من رمز علمي ثقافي فكري تنويري، يبرهن بكتاباته بأننا سنكون، ونأبى أن نهون، فماضينا القريب والبعيد عتيد، وفينا أباة ضيم، وبناة مجد أثيل.

فما أجمل بلادي، وأعظم شموخها وكبريائها، وأجلّ أعلامها، وأروع أقلامها، وما تقدمه من النماذج الفريدة، في ميادين الحياة العديدة.

أيها العراق، أنت علم يرفرف بالآفاق، وكينونة تعانق الإشراق!!

" العراق جمجمة العرب، وكنز الرجال، ومادة الأمصار، ورمح الله على الأرض، وحربة الإسلام، وحصن الثغور"!!

عاشت رموز العراق الأبي الخالد!!

***

د. صادق السامرائي

أية جامعة بلا كلية زراعة في بلادنا ناقصة ولا تخدم المجتمع وتفتقد دورها المعرفي البنّاء.

ليس هذيانا وتوهما ونقصا في الوعي والإدراك، وليس كلاما على عواهنه، إنها الحقيقة المريرة التي نتجاهلها، ونستهين بها، لنبقى جياعا نتوسل الآخرين لإطعامنا.

فالعقول بلا طعام تعني الحطام والعبث والخصام!!

فما هو دور الجامعات في المجتمعات التي تكون فيها؟

أي مدينة زراعية فيها جامعة يجب أن تكون فيها كلية زراعة، تساهم بتطوير أساليب الزراعة وتحسين نوعية الإنتاج، ويكون لها حقولها التعليمية وبرامجها الخاصة لتنشر الثقافة الزراعية وإجراء البحوث، والحفاظ على الأمن الغذائي.

لا يزال مجتمعنا ينظر بعين الريبة لكليات الزراعة والبيطرة، ولا يرى قيمتها وأهميتها في الحفاظ على الإقتصاد الوطني القوي.

الثروة الزراعية والحيوانية أعمدة إقتصادية راسخة في الوعي البشري منذ الأزل، وأي نكران لقيمتها الحياتية يتسبب بنكبات مريرة، ومجاعات مروعة، والمسيرات المعاصرة تشهد على ما أصاب البشرية من تداعيات آفات الجوع الشديد، وكم يموت من الأطفال جوعا كل يوم.

المجتمعات التي لا تطعم نفسها ناقصة السيادة، وتهرول وراء الذين يمدونها بالطعام.

ثقافة الطعام من ضرورات السعادة الوطنية لأنها تعلم المواطن مسؤولية إنتاج الطعام والحفاظ على الأمن الغذائي المجتمعي.

شعوب الدنيا لا تترك أي مساحة من أرضها جرداء مهما كانت صغيرة والعديد منها تزرع على سطوح المنازل وفي الشرفات لتأمين ما تحتاجه من الطعام.

ففي اليابان مثلا معظم المزروع للأكل، ويستغل الياباني القدم المربع من الأرض لإنبات ما يأكله، أما الشاي الأخضر والرز فهما المهيمنان على الساحات في البيوت والمزارع الخضراء.

فلماذا في بلداننا نعادي الشجر ونجتث النخيل، ونجرّف البساتين، بحجة الأمن السياسي على حساب الأمن الغذائي؟

السائد في مجتمعاتنا وخصوصا النفطية أن الإستهلاكية لا الإنتاجية منهج فاعل في أيامنا، ويدمر قدراتنا الإبداعية، ويناهض إرادة التفاعل الإيجابي مع الأرض، فيصيبها الجدب وتستحيل إلى رمضاء ينكرها الماء.

زراعتُنا بها نَسعى لمَجدِ

سيادتُنا بلا زرعٍ كندِّ

هي الأوطانُ في أرضٍ تنامتْ

وإنْ غفلتْ تواصَتْ بالتردّي

فهلْ غَنِمَتْ شعوبٌ مُرتقاها

إذا عَجِزتْ وعاشتْ دونَ مَدِّ

***

د. صادق السامرائي

في رحاب الحياة يسير الإنسان غالباً وفق فسطاطين متناقضين الفسطاط الأول مؤنس لذاته يستلهم رؤيته من آفاق عميقة تنبع من قيم أخلاقية وربانية ومن مبادئ توازن وجوده وتحكمه في مسيرته. هذا المرء يقيم أفعاله وفق ضوابط واضحة وينظر في قراراته بعقل وضمير فلا تجره العواطف السلبية أو الأهواء الخاطفة إلى الهلاك والدمار بل توجهه نواميس الحياة السليمة ومنطلقاتها إلى الرشاد والصواب.

أما الفسطاط الثاني فهو مضل يسير على هوى مطاع وتخبط عشوائي لا يعرف له قواعد تحكم أفعاله فيضل في ظلام دامس وقد يقوده ذلك إلى الندم والخراب فهذا هو شيطان النفس الذي يستغل ضعفنا ويجرنا وراء الأهواء والمصالح الشخصية الضيقة متجاهلاً عواقب أفعاله وينسى ضوابط العقل والفطرة السليمة السمحاء التي خلقنا بها مذ ودلاتنا وخروجنا ورؤيتنا النور في هذه البسيطة.

في الحياة الأسرية:

في الحياة الأسرية الوالدين الذين يربي أبناءهم وفق قيم الاحترام والتفاهم يزرعون فيهم الثقة والمسؤولية ويكسبون محبتهم وولاءهم، مثال ذلك الأم أو الأب الذي يستمع إلى أولاده بحنان ويشاركهم اهتماماتهم ويعلمهم تحمل المسؤولية، بينما من يتصرف وفق أهوائه يغضب بلا سبب فيفرض قيوداً تعسفية أو يتجاهل احتياجات الأسرة فإنه يزرع الفوضى وعدم الاستقرار النفسي كما يحدث مع أحد الآباء الذي يتأفف من كل تصرف صغير لأطفاله وينسى أن يراعي ظروفهم ومشاعرهم واحتياجاتهم بما يتلائم مع مراحل نموهم ونشأتهم.

في بيئة العمل:

ففي بيئة العمل الموظف الذي يتصرف وفق قيم النزاهة والانضباط والامتثال يحصد احترام زملائه وثقة رؤسائه ويصبح مؤثراً في تقدم نفسه والمنظمة التي يعمل بها ويثري نجاحها بتميز وتألق. فعلى سبيل المثال موظف يلتزم بمواعيده ويكمل مهامه بجدية ويقدم دعماً لزملائه عند الحاجة يزرع جواً من الإنسجام والألفة والاحترام والمحبة ، ويرسي قواعد من التعاون والشراكة الإيجابية، بينما الموظف الذي يستسلم لهواه في سلوكيات وممارسات الكذب أو التملق أو الاستغلال الشخصي والمنفعة الأنية فغالباً ما يؤدي ذلك إلى فقدان مصداقيته وأمانة تصرفاته مكانته ويصبح عبئاً على نفسه والجميع كأن يتفتقد الإخلاص في عمله، لا ينتمي ولاءاً له، يتجاهل أخطاءه ويتهرب من المسؤولية الملقاة على عاتقه، يغش ويدلس، يقرب ذاك ويبعد آخرين، لا يتورع عن التزييف في عمله وتقاريره حتى يخفي ضعفه وتقصيره.

في التعامل مع الذات:

في التعامل مع الذات الشخص الذي يلتزم بالصدق مع نفسه يعترف بأخطائه ويتعلم منها يعيش مطمئناً وسعيداً بنموه الشخصي وما يحمله من قيم وأخلاص وقواعد وضوابط في حياته المهنية والاجتماعية. مثال ذلك الشخص الذي يراجع قراراته بعد أي خطأ ويصحح مساره ويحرص دوماً على النقاء والجودة في حركاته وسكناته، دائم التطلع إلى ما هو أفضل وأصوب في عمله ومهامه، لا يهمه تعبه وما بذل من جهود في الأداء الذي يبذله ويقدمه، همه أن يسعد نفسه ويميزها ويقدم الأداء الذي يليق بطموحه ورؤيته.

بينما من يبرر أفعاله السلبية ويدافع عنها باستماته وكل ما أوتي من قوة، يترك نفسه تحت تأثير الشهوات أو الغضب الذي يسكن بداخله، فإنه يترك للشيطان الداخلي مجالاً ليقوده نحو القرارات المدمرة كأن يصر على عادة غير إيجابية أو قرار متهور رغم معرفة العواقب التي قد تحصل له ولغيره، لا يهمه سوى مصلحته والمنفعة التي يجنيها من وراء ما يفعل ويعمل. فشتان ما بين صاحب رؤية صادقة وعظيمة تدفع للمنفعة والمسرة وما بين سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً سوى الخداع والكذب البواح.

الخلاصة والرسالة النهائية

الرسالة الأساسية هي لا تكن شيطان نفسك ولا تترك أهواءك تقودك إلى الظلام تمسك بالقيم والضوابط واتبع الفطرة السليمة فالحياة لا تعطي فرصة ثانية لكل من يضيع مساره الإنسان القوي ليس من يحقق كل رغباته بل من يسيطر على رغباته ويقودها نحو الصواب وفي النهاية كل فسطاط تختاره لنفسك يحدد مسار حياتك ويصنع من داخلك ضوءاً أو ظلاماً.

***

بقلم د. أكرم عثمان

تاريخ: 26-11-2025

قد يكون مانحن بصدد التطرق له عسير المقاربه وغير مالوف، لابل وغير مسبوق مع انه قد صار من هنا فصاعدا مسالة لازمه وآنية، ان لم تكن ملحه، تلك هي مسالة التحري العقلي للعقل كما مستخدم من قبل الكائن البشري الحي الى الساعة، من ناحية كونه ليس "العقل" المجردـ بل "العقل اليدوي الجسدي"، وهو الذي انبثق وقتها مع الانتصاب على قائمتين واستعمال اليدين والنطقية، وهي لحظة بلاشك رغم نوعيتها الانقلابيه، ليست نهائية، ولم تتحقق مكتمله، وان راى العقل الجسدي انه هو "العقل" بالاطلاق، من دون ان تخطر له احتمالية ان تكون عملية وديناميات التحولية ماتزال سائرة بالكائن الحي، من الخلية الاولى الى اللبونات، ومن ثم الحضور العقلي بصيغته الاولى المجتمعية اليدوية، نحو مرحله اخرى تتوفر اسبابها بالتفاعلية المجتمعية، ذهابا الى مابعد جسدية، وبعدعقل جسدي محكوم لاشتراطات اليدوية.

هذا يعني ان العقل الحاضر والمستعمل الى اليوم، هو "طفولة العقل" ومحطته الاولى الذاهبه الى الكمال بفعل تراكم التفاعلية المجتمعية، ونقلة العبور من "اليدوية" الى الالية التكنولوجية، ساعة يخرج العقل الابتدائي الاول الجسدي من دائرة الفعل، ولايعود قادرا ولاقابلا لمواكبه اشتراطات التحولية البشرية المجتمعية، ويناظر هذا المسارالذهاب الضروري من العنصر او المادة الحية الموجودة باعتبارهاموضوعا"غير واع" لاشتراطات مساره التحولي، وهو ماكانت تضطلع به الطبيعه لوحدها من دون حضور، وبلا تدخل من الكائن البشري او الحيواني، قبلا، والخاضع سيرورة كليا لفعل ديناميات "ديالكتيك الطبيعه"، وماهي مصممه لكي تنطوي عليه من عملية حيوية، فالحيوان وتنقلاته التحولية الذاهبه بعد اللبونات الى الانتصاب واستعمال اليدين، "الانسايوان"، هو ماده خاضعه كليا لصناعه الطبيعه بلا اي دور يذكر من قبله، الامر الذي يستمر على ماهو عليه بعد انبثاق العقل وحضوره، بصيغته الابتدائية الغالبة الى اللحظة الراهنه، من دون ان يعي باي قدر كان، بان ماهو عليه، ومايكتنف وجوده وصيرورته هو طور انتقالي "انسايواني"، ومحطة انتقاليه اخيرة بين الحيوان والانسان، بل يظن بكل اعتداد بانه كائن فاعل استثنائي، وفعال، مع العلم ان اجمالي فعله وجملة مساره الطويل هو فعل الطبيعة التي تحتويه ك "موضوع"،وهو ماقد نوه له البعض مثل "ماركس" بغض النظر عن معتقده هو نفسه بوحدانيه الحقيقة البشرية الراهنه، ونهائية وكمال القائم منها اليوم.

ينطوي الكائن البشري دائما على موجبات ومستلزمات انتقالاته التحولية، بالذات على مستوى محور التحولية الاساس العقلي، فاذا انتقل الحيوان من طور اللبون الى المنتصب على قائمتين، وتغير قوامه الجسدي، وهو الظاهر، فان العقل الذي هو غاية التحول الجسدي يكون حاضرا، لابل هو الاساس الذي وفقا له ولمقتضياته يكون قد حدث ماقد حدث من التحول المادي الجسدي الشكلي الهائل، وكل شيء يحصل هنا بناء على موجبات و"قرارات"، تكون الطبيعه قد اتخذتها لوحدها وفقا لاحتسابات مقرره من لدنها، وهذا مايحدث للمجتمعية المحطة ووسيلة انضاج التحولية في خطوتها الاخيرة الفاصلة، ساعة يبدا الانقلاب الالي، وتظل اداة الادراكية والوعي المفترض دون مقتضيات وموجبات الحدث التحولي الفاصل، قبل الانتقال نهائيا من عالم الحيوان والجسد ومتبقياته ومحمولاته.

هذا يعني لحظة هي الاعظم الاخطر في التاريخ الحيوي البشري التحولي، مع مايمكن تخيله من منطوياتها الهائلة، ولنتصور حالة انتقال من الكائن البشري غير الفعال ولا الحاضر في تعيين مسارات وجوده ككائن باعتباره مجرد" موضوع"، الى مخلوق سائر الى التحكم بمجريات وجوده ومستقبله، مع مايتطلبه ذلك من اسباب، ومن مستويات ادراك خارج التخيل بحسب المتاح للعقل الانسايواني الجسدي الارضي، عقل الحاجاتية اليدوية، والارض المسطحة قبل الطائرة الكروية لاحقا، ومافيها وماتتيحه ومن ثم تفرضه من اشتراطات غير مكتوبه، مقارنة بانقلابيه تحوليه وجودا وموضعا بعيدا عن الارض، لابل عن الكون الملامس والبادي منه بحسب قدرات العقل الراهنه، وهو ضئيل للغاية، مايزال بغض النظر عن "علوم" الفضاء واستكشافاته البدائية، هو الاخر، مع الارضوية التي تخضع الكون لاشتراطات كوكب زائل، موجود لاداء مهمه محسوبه، يزول يوم يؤديها، ولايعود الكائن المتحول الحي بحاجة لها كمحطة مؤقته ضرورية.

ليس العقل قوة الابتداء المحسوبه والفاعله على نسق الحاجاتيه الارضوية، تترقى متشكله بصفتها قوة كونيه، الحري بان توجد لها نظرية نشوئية ترقوية غير الجسدية الحالية محكومة بداهة لمقصد اعلى متعد للارضوية المحطة الابتداء الضرورية، تصاغ بافق مافوق ارضي لتقارب موجبات محطات ثلاث كبرى : اولى هي الكمون العقلي الكلي ضمن شروط الغلبه الكاسحة للجسد وتحولاته محطاته ومراحله وصولا الى اللبونات ومابعدها، وهي التي استغرقت الملايين من السنين، قبل ان تنبثق المحطة الثانيه المستمرة الى الان، يتحقق فيها حضور العقل بشروط الجسدية، بحكم فعل اليدوية الانتاجية، والطوران الآنفان هما طوري الكائن الحي والبشري المنزوع القدرة على وعي اشتراطات واليات ومستهدفات وجوده، لصالح فعل الطبيعة ومستهدفاتها التحولية العظمى، قبل ان تبدا المرحلة او الطور الراهن الثالث الفاصل الحاسم انتقاليا تحوليا، حيث يحضر العقل باعتباره العنصر الفاعل الرئيس، وتصير النسبه العظمى المدخرة والمؤجله الفعل والحضور منه وهو مايزيد على الثماتنين بالمائة منه، هي نقطة التفاعل الرئيسة، بالضد من متبقيات الجسدية، وبالذات ابتداء مواطن الفعل " الحاجاتية" داخل الجسد، و"دكتاتورية" الموت الجسدي على العقل الذي هو من صنف ونوعيه اخرى على مستوى الاستمرارية ومدى الحياة بحسب الكينونه الكونيه المباينه للجسدية.

هذا الانقلاب لن يحدث الا اذا توفرت الاسباب " المادية" لتحققه، وهو مايظل غير ممكن لحين الانقلاب الالي، وبعد وقوعه بوقت، لحين وصول تحورات الاله الى الوسيلة الانتاجية العقلية التكنولوجية العليا، ماقد صار من هنا فصاعدا على الابواب، بانتظار الانقلاب الادراكي واسقاط القصورية العقلية التاريخيه، وهو ماتكون " الطبيعه" هي ايضا من سبق ووفرت المدخل اليه، بحكم ماقد قررته ابتداء وكينونه من تمييز اصل، لازم من دون تحقق، الظاهرة المجتمعية كصيغة مجتمعية موجودة خارج الطاقة الاعقالية، يمنعها من الحضور القصور العقلي المنوه عنه، بما هي مجتمعية لاارضوية، تتداخل ساعة نطقيتها مع لحظة التازم الاكبر المجتمعي الارضوي، وقت الانتقال الى فعل التكنولوجيا العليا، لنصبح وقتها في رحاب لحظة وحدة فعالية (التكنولوجيا العليا + النطقية اللاارضوية).

ـ يتبع قسم اخير رابع ـ

***

عبد الأمير الركابي

 

حالة نفسية وسلوكية ناجمة عن تعرض الشخص لمواقف سلبية متكررة دون إمتلاك القدرة على التحكم بها، مما يتسبب بإعتقاده بأن محاولاته بلا جدوى فيخنع ويستكين.

أي هي حالة يشعر فيها الإنسان بالعجز بعد تكرار الفشل أو الإحباط فيتوقف عن المحاولة حتى لو أصبحت لديه القدرة على النجاح.

وفي بعض المجتمعات التظاهرات قُمِعَت وما غيرت، والإنتخابات أسفرت عن ذات الوجوه، والكتابات لا تُقرأ والإنتقادات لا تعني شيئا، والقول بالفساد والتبعية ونهب ثروات البلاد والعباد لا قيمة لها ولا أثر، ولهذا فأن هكذا مجتمعات لن تأتي بجديد، وستبقى تدور في ناعور الخيبات والإحباطات، ودولها تضع على رأسها تاج الفشل.

والعجز المتعلم تكوّنه التجارب السلبية المتكررة، والبيئة القمعية، والنقد الخلبي المستمر، وعدم وجود دعم إيجابي، مما يؤدي إلى فقدان الثقة بالنفس وإنعدام الحوافز للمحاولة والتعلم، وإلى القلق والكآبة، والإستسلام السريع أمام التحديات.

ولابد من التغلب عليه بإعادة بناء الثقة بالنفس والقدرة على التأقلم، ومعرفة آليات حل المشكلات، وإشاعة الأمل والتفاؤل.

ودول الأمة ومنذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، في دوامات العجز المُتعلم وتطبَّق على مجتمعاتها نظرياته وأخواتها، القاضية بتعطيل العقول وتقنيط الأجيال، ودفنها في خنادق الخيبات والنكسات والإنكسارات والنكبات، حتى إنطمرت في تراب عجزها وكسلها وإمعانها بالتبعية والتوكل على غيرها لتأمين حاجاتها، فصارت تستورد طعامها وتئن من عدد أبنائها، وفقدت قدرات تفعيل عقولها والإستثمار في ثرواتها البشرية.

ويلعب الإعلام العالمي والمحلي الدور الأكبر في تأمين السلوك المؤدي للتحول إلى ضحية سهلة، ووجود روباتي الملامح، فيكون أبناء المجتمع أدوات نافعة لتحقيق الأهداف القاضية بإفتراسهم ومصادرة حقوقهم وهم في غاية الشكر والإمتنان.

أي أن عناصر الهدف تكون قوة ضده ولا يحتاج المستهدف لبذل جهد وخسائر، لأنه قد إصطاد الهدف بعناصره، وقيّده بما عنده من القوة والإقتدار، أي أن الهدف يطعن نفسه، وهذا سلوك إنتحاري تؤهَّل له المجتمعات لتقضي على نفسها وتبيد.

ومن الأمثلة أن بعض دول الأمة إعتمدت على ما تمنحها الأرض من ريع، فتعطلت قواها وفقدت الكثير من المهارات التي تواصلت بها الأجيال، وأصبحت تستورد كل شيئ ولا تستطيع توفير المواد الغذائية الأساسية لمواطنيها.

وهذا العجز الجمعي تسبب بتداعيات متراكمة وإتكالية مروعة، لا تجدها في مجتمعات دول الدنيا الأخرى.

فكيف بالنعمة تتحول إلى نقمة، وللطاقات أن تخمد وتتبدد؟!!

"وشر العالمين ذوو خمولٍ...إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا"!!

تكررتِ النواكبُ والرزابا

وشاهدُها المواجعُ والخطايا

قنوطٌ من تأسّنها تنامى

فدامتْ في مَعاقلها البلايا

خنوعٌ نهجُها دونَ اكْتراثٍ

يؤهلها لحاديةِ المنايا

***

د. صادق السامرائي

....................

*Learned Helplessness

على مدى أكثر من ثلاثة عقود من العيش والعمل في بريطانيا وأوروبا، وفي مؤسسات ومنظمات مجتمع مدني بريطانية وأوروبية وعالمية تُعنى بالطفولة والتربية، لم نشهد يومًا زجّ الأطفال في حفلات ليلية مخصّصة للكبار. لم نرَ طفلًا يصعد إلى مسرح مطرب يغني أغاني عاطفية لا تناسب عمره، ولم نصادف أسرة تسمح لصغارها بالتواجد في أجواء صاخبة ليلية أو محتوى موجّه للكبار.

هنا في بريطانيا رغم تحفظنا على العديد من القضايا التي تخص الطفولة إلا أن الثقافة المجتمعية قبل القانون ترسم حدودًا واضحة:

الطفولة لها عالمها الخاص، والحفلات الليلية للكبار فقط، وخلط العالمين يُعدّ تخلفًا إجتماعيًا وانتهاكًا لحقوق الطفل. أما مشاهد “الإعجاب المبالغ” من طفل تجاه مطرب، فيراها المجتمع الأوروبي مؤشرًا على خلل أسري يجب معالجته، لا الاحتفاء به.

ما حدث في حفلة الفنان الشامي الأخيرة في بغداد أثار صدمة إجتماعية واضحة. ظهور أطفال بين 7 و13 عامًا وهم يبكون لصعودهم إلى المسرح واحتضانهم المطرب في فعالية للكبار فقط يعكس فجوة ثقافية خطيرة.

فالمشهد الذي رآه البعض “لطيفًا” هو في الحقيقة صورة لغياب فهم الطفولة وحدودها. فالطفل الذي يُدفع إلى منصة الكبار لا يدرك معنى الأغاني أو سياق الحدث، وتُختطف براءته للحظة إستعراضية كان يجب أن يكون بعيدًا عنها.

غياب وعي الأسرة…

الأسرة هي الحامي الأول للطفل، لكن ما حدث كشف ضعفًا في الوعي التربوي، وتخليًا عن مسؤولية الحماية، واندفاعًا نحو ما يسمى “تطورًا” بينما هو في الواقع تطور مخادع فارغ.

فالطفل الذي يُؤخذ إلى حفلة ليلية يُعرَّض لضغط نفسي، وتجرِبة تتجاوز عمره، ومحتوى قد يؤثر على نموه العاطفي والأخلاقي مستقبلًا. إن هذه الممارسات ليست “انفتاحًا”، بل إضرارًا مباشرًا بالطفولة.

يمتلك العراق عشرات المنظمات التي ترفع شعار حماية الطفولة، لكنها غابت تمامًا أمام هذه المشاهد وهذا التجاوز. لم يصدر بيان أو تحذير أو حتى مطالبة بتنظيم حضور الأطفال للحفلات.

وهذا الغياب يكشف أن كثيرًا من هذه المنظمات تعمل بصورة شكلية، دون تأثير حقيقي في القضايا الجوهرية التي تمس مجتمعنا ومستقبل أجيالنا.

دور الرقابة الحكومية.. ثغرة يجب سدّها

الحفلات العامة تتطلب رقابة لحماية الفئات الأضعف، وعلى رأسهم الأطفال. لكن ما جرى يطرح تساؤلات مهمة: من سمح بدخول الأطفال؟ لماذا غابت ضوابط العمر؟ وكيف صعد الأطفال إلى المسرح دون حماية؟

غياب الرقابة لا يعني مجرد خطأ تنظيمي، بل تهديد مباشر للطفولة، ما زال البعض يرى بكاء طفل في حضن مطرب “لقطة عاطفية”، بينما يراها العالم الواعي خللًا نفسيًا واجتماعيًا يجب التعامل معه ومعالجته نفسياً .

المشكلة ليست في عدم فهم الطفل للأغاني العاطفية، بل في وضعه في مساحة لا تخصه وتجربة تفوق وعيه. إن ما جرى في حفلة الشامي جرس إنذار ثقافي واجتماعيّ. إستمرار إدخال الأطفال إلى فضاءات الكبار يعني أننا نسير نحو اضطهاد الطفولة باسم التطور.

حماية الطفل مسؤوليتنا جميعاً تبدأ بالأسرة، والمدرسة مرورًا بمنظمات المجتمع المدني، وتنتهي برقابة حكومية صارمة.

فلنحترم الطفولة كما يحترمها العالم المتقدم، ولنتوقف عن استنزافها تحت شعارات زائفة.

قد يكون الوقت قد حان ليصبح السؤال الحقيقي: هل نحمي أطفالنا.. أم ندفعهم مبكرًا إلى عالم لم يُخلق لهم بعد؟

*** 

بقلم: سامي الفارس

في كتابه «عالم الأمس»، فتح الفيلسوف ستيفان تسفايغ نافذة تطل على أوروبا التي كانت ذات يوم تظن نفسها خالدة، فإذا بها تتبخر مثل فقاعة صابون في صباح التاريخ. أوروبا التي وصفها تسفايغ لم تكن قارة، بل متحفًا للوهم. قصور من ورق، وجوه تبتسم بثقة العميان أمام الهاوية. كل شيء كان مرتبًا كصندوق موسيقى بورجوازي يعزف نغمة الرخاء الأبدي، حتى نفدت البطارية.

في مذكراته، التي كتبها كمن يدوّن نعيَ عصره، يرثي تسفايغ انقراض الإيمان بالتقدّم، وسقوط فكرة الأمن كقيمة كونية. كان جيله، كما قال، يعيش الانتقال من عالم الهويات المتعددة إلى زمن الهويات المتخشبة، حين صار كل إنسان اختصارًا لوطنه أو حزبه أو طائفته، لا لذاته.

في الصفحات الأولى، يرسم تسفايغ صورة أوروبا الوادعة: بيوت رصينة لا تضحك بصوت عالٍ، آباء يدّخرون كالعناكب، وفنّ يُناقش بجدية أكبر من السياسة. كان المال موجودًا، لكنه لا يُعرض في واجهات الحياة. الكرامة تقاس بعدد السلالم التي تصعدها ببطء، لا بسرعة. وكان الاحترام الاجتماعي مرتبطًا بمدى قدرتك على التثاؤب بوقار. يا لها من جنة! جنة تخاف الفوضى وتؤمّن نفسها ضد المفاجأة، حتى ضد القدر.

لكن ما إن اهتزّت الريح حتى اكتشف سكان القصور الورقية أن بيوتهم ليست من حجر، وأن التأمين لا يشمل نهاية العالم. جاء الانفجار العظيم للحضارة، ومعه الحروب، والمنافي، والدماء. خسر تسفايغ كل شيء تقريبًا: بيته، لغته، وطنه، وحتى إيمانه بأن الإنسان يمكنه التعلم من أخطائه. ومع ذلك، قال بمرارة الفلاسفة: لقد عشنا أكثر من آبائنا، لأننا تعلمنا أكثر مما ينبغي.

كتب تسفايغ: «لقد مرّ على حياتي كل خيول القيامة: الثورة والجوع، التضخم والرعب، الأوبئة والمنفى. رأيت بأمّ عيني ولادة الأيديولوجيات الكبرى، من الفاشية إلى النازية، ورأيت كيف تسمّم القومية زهرة الثقافة الأوروبية.»

كأنه كان يكتب عن الحاضر، هذا القرن الذي أعاد تدوير كوابيس القرن الماضي. فالتاريخ اليوم لا يسير، بل يلهث. كل شيء يتسارع: المال، الأخبار، السلاح، وحتى الغباء. التقدم التقني الذي وعدنا بالفردوس الرقمي، صار قطارًا بلا مكابح. ظننا العالم متوقعًا، فاكتشفنا أننا كنّا نعيش في شاشة عرض، لا في واقع. انتقلنا من عصر الأمان إلى عصر القلق المزخرف بلغة «الابتكار» و«التحول الأخضر» — مفردات أنيقة لإخفاء موت العمل، ونهاية نموذجنا الصناعي المتغطرس.

ولأن العبث لا يشيخ، ها نحن نعيش زمنًا كان يُفترض أن يكون ما بعد الحرب، فإذا بالحرب تعود إلينا مرتدية بذلة حديثة. حروب اليوم تذكّرنا بأن الماضي لا يموت، بل يغيّر زيه فقط. الغريب ليس في أن التاريخ يعود، بل في أننا نصدّق أنه غادر أصلاً.

أما الصراعات الحديثة التي تتغنّى بالتغيير، فهي مجرد حفلات تمويه، صالحة للاستعمال تحت مظلة الرأسمالية، لا ضدها. كان تسفايغ يكتب في زمن انهارت فيه الديمقراطيات واحدة تلو الأخرى، بينما كنا نظن أن التاريخ انتهى عند أبواب بروكسل!. ما زالت الإنسانية تعيد نفس المسرحية الرديئة، فقط غيّرت الديكور واستبدلت موسيقى المارش بالبوب.

تسفايغ لم يكن عرافا، لكنه كان يرى النهاية قبل أن تصل. نحن، أحفاد تلك النهايات، نعيش في عالمٍ من ورق إلكتروني، نظنّ أنه من فولاذ. الفرق الوحيد بيننا وبين أهل عالم الأمس أننا نملك إنترنت أسرع… لنشاهد سقوطنا في بث مباشر.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

قبل اكثر من ألفي عام أطلق الفيلسوف اليوناني سقراط مقولته الشهيرة (تكلم حتى أراك) وبعدها جاءت مقولة الأمام علي (ع) (تكلموا تُعرفوا، فان المرء مخبوء تحت لسانه) وكلتا المقولتين تعنيان ان الانسان يُعرف من خلال كلامه وليس من مظهره، وأن أفكاره وشخصيته الحقيقية تتجلى في حديثه وليس في ملابسه واناقته ووسامته، كما تؤكد المقولتان انه ليس هناك من وسيلة تكتشف فيها جوهر الانسان ومستوى تفكيره ومقدار عقله اكثر من الاستماع الى طروحاته، وللأسف البعض لا يدرك هذه الحقيقة ولا يأبه لنتائج تجاوزها حيث تراه ومن خلال منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي يتكلم وينشر كلاما فارغا ويخوض في موضوعات لا قيمة لها يعكس من خلالها خواءه الفكري والثقافي وهوسه النفسي بأشجان الماضي، فهذا البعض عندما لا يجد شيئا نافعا يقوله لا يركن الى السكوت الذي الذي يصفونه بالذهب انما يلجأ الى اقحامنا بخصوصياته وأموره الشخصية ومنشوراته العديمة اللون والطعم والرائحة وكان الأجدر بهؤلاء ان يكرمونا بسكوتهم بدلا من إضاعة وقتنا بكلام لا يجدي نفعا، ان حالة هؤلاء تعيدني الى قصة حدثت في عام 1945 عندما شاهد (ميغيل زاماكويس 1866 – 1955) وهو كاتب وروائي وشاعر وصحفي فرنسي مسرحية تافهة، وبعد انتهاء العرض قال (هناك اشياء كثيرة لذيذة في هذا العالم يمكن القيام بها، مثل عدم القيام بأي شيء) فعدم القيام بشيء غير نافع هو ألذ ما يفعله بعض الناس، وهذا ما يحدث اليوم حيث بعد اكثر من ثمانية عقود ما تزال هذه المقولة تناسب المئات من البشر من الذين يصرون على هذا السلوك الغبي في التعامل ويستغلون فضاء الحرية لابراز موهبة الثرثرة لديهم والتي يعتقدون انها سوف تجعلهم ذي أهمية لدى القراء.

وكثيرا ما ينخدع الناس بالمظاهر فيبالغون باحترام شخص حسن المظهر في حين المظهر خداع ويغلب أحيانا على المضمون فبمجرد ان يبدأ هذا الشخص بالكلام تكتشف عدم التطابق بين المظهر والمضمون، والكثير منا قرأ قصة ذلك الرجل الذي تبدو عليه امارات الوقار والحشمة عندما دخل على مجلس عالم جليل اثناء إعطائه دروسا لتلاميذه وكان هذا العالم يمد رجليه بسبب الآم مزمنة وما ان رأى الرجل قام العالم بعقص رجليه الى الخلف وتربع مهابة لقدوم الشخص ولكن عندما بادر هذا الشخص بسؤال العالم وكان السؤال تافها ينم عن جهل فما كان من العالم الا ان يعيد مد رجليه بعد ان اكتشف ان مضمون الرجل الذي يخاطبه غير ظاهره ولو كان قد جلس للاستماع دون كلام لكان ذلك اسلم له. لذا يكون الصمت في كثير من الأحيان غطاء وخلاص من الوقوع في مهاوي السخرية، ولكن كيف يتحقق الصمت والانسان ــ حسب وصف الشاعر حمزاتوف ــ يَحتاج إلى سنتين ليتعلم الكلام وستون عاماً ليتعلم الصمت.

***

ثامر الحاج امين

ليس الانقلاب "الالي" عملية مادية حصرا، بل انقلابيه عقلية، لااكتمال للتحولية الحاصلة مابعد اليدوية من دونها، او مع استمرار ماكان يرافق وتولد عن التفاعلية اليدوية واشتراطاتها المغايرة كليا لماهو حاصل اليوم. وليس هذا الجانب من الانتقالية الانقلابيه الراهنه غائب كليا ابان الفترة الاولى من التحول الالي، وثمه  من المؤشرات على هذا الصعيد ما لايمكن التغاضي عنه، وبالذات من بينها مايعود الى ضرورة الخروج من القصورية العقلية،لمقاربة الحقيقة المجتمعية، وخضوع المجتمعات والوجود البشري لقوانين مضمرة في التفاعلية ومنها الطبقات واصطراعها، وما اعتبر تفريقا بين العقلاني و"العلمي" بمقابل الميتافيزيقي، وغير ذلك من مظاهر التحفيزيه الاحتداميه التي سببتها الالة، وممكناتها ضمن اشتراطات الارضوية واحاديتها، قبل ان يصبح المطلوب على هذا الصعيد حاضرا كشرط لاكتمال الانقلاب الراهن، مع بدء انبثاق المنظور والرؤية "اللاارضوية" التي تظل ابتداء مطوية ومسقطه من الحسبان، بالاخص ابان فترة التحور الالي من المصنعي الى التكنولوجي الانتاجي المتجه من هنا فصاعدا الى التكنولوجي الاعلى.

 هذا يعني ان الانتقال الالي هو تحول من المجتمعية اليدوية الارضوية الجسدية، الى المجتمعية مافوق الارضية، وان الطور الاول من عملية الانتقال المشار لها هو طور اولي انتقالي ارضوي محكوم بالاشتراطات اليدوية، وقوة حضورها التاريخي التي تظل مستمرة بالذات وعلى وجه الخصوص بسبب القصورية العقلية التاريخيه، ممثلة في العجز عن ادراك الحقيقة المجتمعية الازدواجية الكبرى الفصل، بانتظاربدء تحقق هذا الاختراق ومغادرة القصورية العقلية وحدودها الادراكية، الامر المرهون بالتفاعلات الاصطراعية الناشئة بحكم ابتداء دخول الاله بصيغها الاولى المصنعية والتكنولوجية الابتدائية الانتاجية، وفعل  التوهمية المرافقة لها، وتداعياتها الذاهبة الى انغلاق الافق التصوري، وتعاظم التفارق بين مستوى الوعي والادراك الحاصل، ومقتضيات التفاعلية الواقعية المجتمعية غير المنظورة، وهو ماصار غالبا على اجمالي الحياة، يسير بخطى متسارعه نحو الانغلاق الكلي، المشحون باسباب الانهيار الشامل.

 اعتمدت التوهمية الارضوية سردية بداهية تعاقبيه للانقلاب التحولي الالي/ التكنولوجي، تتركز على الاله ونوعها الاني، بغض النظر عن تحوليتها المستقبلية،  ومحطات تغير فعلها غير المتاح تبينها باية حال في حينه، ولا على المفترض من انقلابيه "مجتمعية" من اليدوية  الارضوية الجسدية، الى طور نوعي من المفترض ان تتحول وتتغير المجتمعات وفقا لمفعوله بعدما صرنا ضمن تفاعلية ( البيئة/ الكائن البشري/ الاله) بعد ان كانت المجتمعات نوعا اخرنتاج تفاعلية ( البيئة / الكائن بشري)، ماكان من اللازم توجيه النظر اليه كمستجد انقلابي مجتمعي بنيويا، مع مايتطلبه من السعي لتحري ومتابعه منطوياته، على اعتباره مجال" العلم"، بدل البداهة التبسيطية اليدوية القائله بالانتقال بين وسيلتي انتاج، بلا مترتبات مجتمعية بديهية، عجز العقل القاصر في حينه عن مقاربتها، ماخوذا بما قد تهيأ له وتحقق على مستوى الافضلية السيادية، وعموم الدونية الارضوية مجسدة بحمى الهيمنه الكوكبيه، المشفوعة بادعاء التميزوالمركزية.

  واذا اعتمد بالحكم على الظاهرة الغربية وتداعياتها الضخمه، لابل الجبارة، الجانب القيمي  فان مايفترض توصيفها واطلاق الصفة  المناسبة عليها هو "التخلف الرهيب"،  بدالة الجشع الاستغلالي والتسلطي على الاخرين، ومستوى العنف الرهيب المعمم على العالم، وابتداء على الغرب ذاته وحروبة  المليونية الضحايا ووسائل التدمير التي ابتدعها وصولا الى الدمار الشامل، و"علوم الذرة " التي يفخر بها الغرب،  فضلا عن القائمىة التي لانهاية لها من وسائل القتل الجماعي، ووسائل  الاستهانه غير المتصورة بالوجود البشري، الممارس باسم " التقدم" ومدفعية السلعه، ومالايوصف من اشكال القسوة والجريمه التي لم تعرفها البشرية ايام "تخلفها" ليس فقط لنقص في الوسائل المتاحه، في حين كان الامر يتطلب في حينه "تحريم السلاح" و"جريمة الحروب"، واي شكل من اشكال الهيمنه على الشعوب والامم الاخرى كتصرف بديهي ملزم، وكشرط لاقرار كون العالم قد قفز بالفعل "حضاريا"، لاان يتحول الى جمع من المجرمين، جيوشهم الى اليوم بالملايين،  ووسائل القتل والابادة التي يملكونها، قابله لان تغير الحياة البشرية اذا اسقط الاصرار الجنون الاحترابي على انه مظهر تقدم يستوجب اهدار الترليونات على التسلح، هذا غير ارتهان "التقدم العلمي" الى ابعد حد بالسلاح وحمى تطويره لاجل "الحضارة"، لابل وتتحول الجريمه ضد البشرية الى تيارات حاكمه، صنعتها الجريمه والابادة، مثلما الحال مع ظاهرة المعروف ب "الفاشية" التي يطلقون عليها  ايغالا في الجريمه " الورم السرطاني للراسمالية"  وليس الراسمالية بذاتها، وكل هذا يعني فعليا جريمه اخرى تخص علاقة العقل بذاته ووجوده، فلا يجري التساؤل: ترى هل كان الغرب قفزة على صعيد قيم الوجود، او مايطلقون علية "قيم الحضارة الانسانيه"  الزائفه الانسايوانيه.

  من المعيب،  ومن مظاهر النكوص القصوري النظر للظاهرة الغربية من زاوية " التقدم" في الوسائل الناجمه  عن انبجاس الاله من دون قياس مستويات "التقدم" على صعيد القيم المجتمعية البشرية، بغض النظر عن اللغو الانشائي الفارغ، والدال على القصور باجلى اشكاله اذا ماقيس بحجم الجريمه المستمرة الدائرة من حينه الى اليوم، مع تفاقمهما المطرد بحيث تحولت الى ممارسه حياتيه كوكبيه، بلا اي داله او اشارة الى حدوث اي تغير على هذا الصعيد، ففي القرن الواحد والعشرين من السهل ان تحدث عمليات ابادة للبشر امام سمع وبصر العالم، دون يؤدي ذلك الى اي  اهتزاز فعلي في الموقف، او في مايمكن ان يعرف بالوجدان، مايدل على  سير الجانب القيمي من الظاهرة الغربية الى التردي المستمر، لدرجة  تصير الجريمه الجماعية والحرب القذرة اليوم، اعتى  واكثر دونية من تلك التي كانت عرفت في القرن الماضي، وكل هذا تحت يافطة "الوطنيات"، و"الكيانات " ،و"الامم" القوميات، شكل التجمعات البيئية الارضوية التاريخيه وقد تحولت  مع القوة الاليه الى  جريمه مخالفة بحد ذاتها للكينونه البشرية المجتمعية، الفظيع انها مدعمه ومسندة بالايديلوجيا الكسيحه وبالتردي الانحطاطي  العقلي البشري.

 لم يكن للغرب الا ان يضع الاله من الناحية القيميه  تحت طائلة الماضي ومفاهيمه، بما انه ماكان منتظرا ان يقفز وقتها عقليا نحو مقتضيات الانقلابيه التحولية،  ماقد ابقى الكائن البشري يدويا على مستوى العقل، رغم انه قد دخل  واقعيا بداية الزمن الالي  المتناقض مفهوميا ومقتضيات حياة ووجود مع ماسبقه، بما في ذلك وفي مقدمته، تشكلات راسخه من نوع الكيانيه الوطنيه، والامه، والقومية، اشكال التنظيم البيئي الارضوي الاول، التي ماعادت متناسبه مع الطور الوليد اليوم، ومع مقتضيات الانقلابيه مابعد الارضوية، وفي مشهد كهذا كان  منطقيا، لابل عاشت البشرية فعليا مرحلة من التناقض والتضارب الاقصى، الانتقالي نحو المرحلة المجتمعية مابعد اليدوية،  الالية التمهيدية المصنعية ابتداء ولزوما، الى ان تتهيأ بعد لأي الاسباب الانتقالقة الفعلية التكنولوجية/ العقلية المقصد.

  ـ يتبع ـ

***

عبد الأمير الركابي

يُعد عمر السبعين عامًا من أكثر الفترات ازدهارًا وإبداعًا في حياة الإنسان لأسباب متعددة ترتبط بالنضج الشخصي، التراكم المعرفي، وتعزيز الروابط مع الأجيال المختلفة. فكل مرحلة في حياة الإنسان تحمل ميزاتها الخاصة، إلا أن هذه المرحلة تحديدًا تبرز كفرصة ذهبية لاستثمار الخبرة والحكمة بأساليب مبتكرة.

أولاً: مع بلوغ السبعين، يكون الفرد قد مرّ بتجارب حياتية متنوعة شكّلت لديه مخزونًا كبيرًا من المعرفة والإدراك. هذا التراكم يتيح للفرد النظر إلى الأمور بمنظور شامل ومغاير، ما يجعله قادرًا على توليد أفكار جديدة وإيجاد حلول مبتكرة. كما أن النضج الفكري المتحقق في هذا العمر يمنحه القدرة على استكشاف أبعاد فكرية أعمق دون رهبة من الفشل أو التحديات.

إضافة إلى ذلك، تنشأ في هذا العمر رغبة متزايدة في ترك بصمة واضحة تُخلّد الذكرى للأجيال المقبلة. هذا الوعي بالإرث الشخصي يدفع نحو الأعمال المبدعة التي تترك أثرًا إيجابيًا، سواء من خلال الفن، الأدب، المشاريع الاجتماعية أو المبادرات المؤثرة.

إن هذا السعي للإنجاز يُثري الروح ويحافظ على حيوية الذهن، ما يُفضي إلى مُنجزات إبداعية تستهدف تحسين جودة الحياة للآخرين.

ثانياً: على صعيد آخر، يشهد هذا العمر تطورًا ملحوظًا في ديناميكية العلاقات الاجتماعية. إذ يصبح الفرد أكثر انفتاحًا على التواصل مع الأجيال الشابة، ما يفتح أبوابًا للحوار وتبادل الأفكار. هذا التفاعل مع شباب يحملون رؤى وأفكار متجددة يُحفّز الخيال ويُثرِي التفكير بخبرات وأبعاد جديدة. كذلك، يُعتبر تمكين هذه الروابط وسيلة لإيجاد الإلهام المتبادل والابتكار المشترك.

ثالثاً: ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يمنح هذا العمر فرصة ذهبية للتعبير عن الذات بوسائل مختلفة تتناسب مع الفرد واهتماماته. سواء عبر الكتابة أو التكنولوجيا أو الفنون، يُمكن للمكتسبات والخبرات السابقة أن تُوظَّف في أشكال رائعة من الإبداع. هذه الجهود الإبداعية لا تضيف فقط إلى شخصية الفرد بل تُلهم الآخرين وتُعلمهم كيف يمكن للتجارب الحياتية أن تتحول إلى أدوات للتميز والإبداع.

ختامًا، سن السبعين ليس مجرد محطة زمنية عابرة، بل هو بداية لمغامرة جديدة تستكشف فيها الإمكانيات الكامنة داخل كل فرد. ومع ما يتمتع به من إرث معرفي كبير، وشغف لإنجاز قيمة مضافة للمجتمع، واستعداد لاحتضان أفكار جديدة، يُمكن اعتبار هذه المرحلة فصلًا مُثمرًا يثبت أن الإبداع لا يرتبط بعمر معين، بل هو بوابة مفتوحة لآفاق غير محدودة تعود بالنفع على الفرد والمجتمع.

***

شاكر عبد موس

العراق- باحث وكاتب

العلاقة بين الأشحار والأمطار ذات قوانين فيزيائية خفية، فالسماء تستجيب لنداءات الشجر، وعندما تكون الأرض قاحلة، تنعدم العلاقة المطرية بين السماء والثرى، وحالما يتم إستصلاح الصحارى وتحويلها إلى واحات خضراء سينهمر المطر ويساهم في الإرواء.

تلك معادلة بيئية متعارف عليها عبر الأجيال، فالطبيعة تحكمنا وتساهم في إدامة بقائنا، وتوهمنا بقدرتنا على الإنتصار عليها يتسبب بتداعيات ضارة بوجودنا.

أي إعتداء على البيئة الجغرافية تترتب عليه نتائج لا تخطر على بال، ذات مآلات صعبة.

من واجب المخلوقات إحترام قوانين الطبيعة، لتكون ذات عطاءات متنامية ومساهمات متجددة في إثراء مدينة الوجود، وتحقيق التواصل المتعافي من صولات النكبات الشنعاء.

عصرنا آلي الطباع، وبما أبدعه العقل صرنا نتكبر على الطبيعة ونتحداها، ونسعى لتغيير إيقاعاتها وتمرير رغباتنا الأنانية المدمرة لنا، فالطبيعة رؤيتها شاملة ورؤيتنا ضيقة قاصرة، وكأننا نطعن ذاتنا وموضوعنا بإختيارنا دون تبصر، وإدراك لما يترتب عليه فعلنا من أخطار جسيمة.

فيضانات مرعبة، هزات أرضية مدمرة، أعاصير شديدة، وتفاعلات غاضبة بين السماء والأرض، تتناسب طرديا مع ما يكنزه خلقها من مشاعر وتطلعات.

الأنانية العمياء وعدم المشاركة في الخيرات والموارد من أفظع أعداء الطبيعة، ومن منغصات الدوران، ومحفزات العدوان الأرضي على ما فوق التراب.

التجربة مع الطبيعة فوق الجبال وبينها وفي السهول تعلمنا، أن هناك لغة خفية بين السماء والأرض، وأن للزرع نداءات تسمعها السماء وتستجيب لها.

فالصحارى تأنس بتصحرها وترفض نزول المطر، والمرابع تأنس بعشبها فتستدعي الغيوم فيهطل المطر.

فهل تصلي الأشجار مثلما يصلي البشر صلاة الإستسقاء؟!!

شجرٌ نادى سماءً إمْطري

نزلَ الماءُ عليها كالوَري

لغةُ الزرعِ خفيٌّ صَوتُها

تدركُ المنطوقَ قلبُ الأقدرِ

لمُروجٍ من نباتٍ يانعٍ

وفدَ الغيمُ قتيمَ المنظرِ

***

د. صادق السامرائي

لاشك ان الذكاء الإصطناعي، في ضوء ما تحقق من تقدم هائل في تقنيات تطبيقاته الرقمية مؤخرا، بات يقدم فوائد عديدة ولا حصر لها، بعد ان شاع استخدامه بشكل واسع، في مختلف مجالات الحياة، الصناعية، والاقتصادية، والاجتماعية، وغيرها.

 فمع التطور السريع الحاصل في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتوسع الكبير في استخدامه في الكثير من المجالات في الحياة اليومية، فقد أصبح الإعتماد عليه في مختلف تلك مجالات أمرًا شائعًا، ومألوفا، ويصعب الإستغناء عنه.

ومع كل تلك الفوائد، والايجابيات، فان الفقدان التدريجي للمهارات البشرية، مع التوسع في استخدام الذكاء الإصطناعي، وما قد يؤدي إليه من تراجع في المهارات الفكرية، والعملية، ياتي في مقدمة التداعيات السلبية، للاعتماد الزائد على الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يتطلب الحرص على توخي التوازن، بين التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الإصطناعي، والحفاظ على المهارات البشرية، وادامة التواصل الاجتماعي، لضمان ديمومة حياة انسانية متمكنة، ومتوازنة.

 كما ان الاعتماد الزائد على الذكاء الاصطناعي، قد يؤدي أيضًا إلى زيادة الاعتماد على التكنولوجيا والتوسع في توظيفها في جميع جوانب الحياة، مما سيؤدي إلى الغاء الكثير من الوظائف، ويضاعف من حجم البطالة.

ولاريب ان التوسع في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في اتمتة الكثير من الصناعات، سيجعلنا أكثر عرضة للتعطل، في حال حدوث أعطال تقنية، أو حصول انقطاع للإنترنت، ومايترتب على ذلك من ارباك في الاداء.

ومن التداعيات الأخرى للاعتماد الزائد على الذكاء الاصطناعي، هي مخاطر اختراق الخصوصية، اذ مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في جمع البيانات وتحليلها، تزداد المخاطر المتعلقة بالاختراق الأمني، واستغلال المعلومات الشخصية.

كما تجدر الإشارة إلى ان الاعتماد الزائد على الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤثر سلبا على التواصل الاجتماعي الحي، حيث انه مع قضاء المزيد من الوقت في التفاعل مع الأجهزة الذكية، والإنغماس التام فيها، حد الادمان، سيتقلص التواصل الفعلي الحي بين الأفراد تبعا لذلك، مما يؤدي إلى شعور بالعزلة، والإنفصال الاجتماعي، وما يترتب على تلك الظاهرة من مشاعر الاكتئاب، والإحباط.

***

نايف عبوش

الأرض كائن حي، شئنا أم أبينا، "وقيل يا أرض إبلعي ماءك..." والتحرش بكيانها البيئي يتسبب بتداعيات خطيرة، ويدفع إلى تحولات عقابية للذين عبثوا بهيأتها الجغرافية.

والأنهار أوعية الأرض التي تمنحها ديمومة الحياة، وتوفر لها طاقات الدوران اللازمة لإدامة وجودها الكوني الفعال.

إن التلاعب بإرادة الجريان للأنهار الأبهرية كدجلة والفرات والنيل، سيؤدي إلى دمارات إرتدادية ذات آثار سلبية على المكان وأهله.

فعندما يتعثر الجريان في الشرايين يصاب المخلوق بأضرار وخيمة قد تؤدي إلى موته، أما إذا تم الإعتداء على شريانه الأبهر فأن الموت القوري والحتمي لا مفر منه.

والأنهار الكبرى شرايين الأرض الأبهرية التي تمنحها الحياة المنسجمة مع إيقاع الدوران، وسلطة التجاذب المتبادل مع أخواتها في المجموعة الشمسية التي تحافظ على بقائنا الآمن.

كما أن قطع الروافد ومنعها من الإنصباب في الشرايين الدفاقة، سيتسبب بإنخفاض نسبة عناصر الحياة وذبول كيان الأرض المصابة بالحرمان من نسغها الجاري.

إن الإعتداءات المتواصلة على بدن الأرض يتسبب بالفيضانات والهزات الأرضية والأعاصير المدمرة، والعدوان على القاطنين في البيئة الجغرافية المخربة بفعل فاعل بلا بصر ولا بصيرة.

في مدينة أعرفها تحقق الإعتداء على جغرافية المكان، فطفحت الشوارع وهاجمها الفيضان، وحوّلها إلى مستنقع راكد لا يستوعب الأمطار، فالأرض ممنوعة من إبتلاع مائها، وتحرير ترابها من غمراته!!

رافداها نبضُ روحٍ وحياةِ

وبعصرٍ يَستجيبا للأباةِ

وبنيلٍ لا يُبارى بعطاءٍ

قد جرى دهرا غنيا بالدهاةِ

كلّ حيٍّ شربَ الماءَ وغنّى

وضفافُ النهر قرطاسُ الرواة

***

د. صادق السامرائي

تزداد وطاة حالة التردي العقلي على مستوى المعمورة بينما تصبح ملموسة اكثر فاكثر علامات التفارق، بين المعاش والممكن قياسا الى الوعى والمنظور، ولعله من البيّن ان العالم لم يعد يعرف حضورا فكريا مميزا لمفكرين يعتد بآرائهم،  ولايمكن تحاشي العودة اليهم، وهو ماقد زال من الساحة كليا، من دون ان يلحظ او يستحث تساؤلات تتحرى اسباب مثل هذا المتغير المسجل لصالح مايكاد يقارب السلطات المطلقة، على تهافتها وانعدام مبررات تميزها، فضلا عن احتلالها مواقع القرار على مستوى العالم كما هو الحال مع الظاهرة الترامبية كمثال صارخ غير متابع، ويقع خارج التحليل المستند الى مايمكن ان يعد من قبيل البديل حتى بمعنى الثوابت، لابل حتى الاوليات.

وتسود العالم حالة من الركود لصالح متبقيات منتهيه الى فشل، كمثل الليبراليه والاشتراكية، لابل وتكرس حالة قسر لمفاهيم  المفترض ان تقع في باب المراجعه واعادة القراءة، لابل وتسود حالة من الخلط تخص الطور الاوربي من تاريخ الانقلاب الالي، بما يجعل من المعتمد كمنظورات اقرب الى الخداع المتعمد، بغض النظر عن كونه دليل عجز، فالتاريخ الغربي اليوم امريكي بثوب اوربي، مع تفارقهما الكلي عن بعضهما، مابين تجربة مصنعية ساحتها مجتمعية مزدوجه "طبقيا"، واخرى مجتمعية بلا تاريخ، مفقسه خارج الرحم التاريخي، هي التي منحت الانقلاب الآلي اسباب استمراره وانتقاله الاستثنائي، من "المصنعية" الاوربية الى"التكنولوجية الانتاجية"،  بينما يستمر اسقاط  السردية الانقلابيه الاليه الاوربية على نوع تجمع بشري مستجد، مازال العقل عاجزا عن التعرف عليه، وكشف النقاب عن سر تصدره، لابل وتزعمه للحداثية الغربية التي كانت قد ذهبت الى الانهيار مع القرن العشرين والحربين العالميتين و70 مليون ضحيه، لولا الحضور الامريكي  المبني على  افناء مايزيدعلى 60 مليون من سكان امريكا الاصليين، مع انه سيخلص الغرب لاحقا من  القطبيه، بما يوفره من اسباب الانتاجية التكنولوجية،  ومرونتها التي افضت الى تفكك الاتحاد السوفيتي وتكلسه المجتمعي الانتاجي.

والاكيد الواضح ان امريكا برغم ماقد حققته من انتقاله غير عادية انتاجيا، وعلى مستوى الاله والانتقال من "الوطنيه" الى "العولمه"، عاجزه عن ان ترفق منجزها المادي  بما من المفترض ان ينتج عنه مفهوميا، مايقتضي تجديد مفاهيم "الحداثة" و "النهضة"، فهذا جانب متعلق بالارث المجتمعي، وبتاريخ المجتمعات ومنجزها المتراكم، من الانتاجية اليدوية الى الاليه، وهو مالا علاقة للولايات المتحدة به، بل على العكس هي بحاجه اليه كمبرر لوجودها باعتبارها مجتمعية فكرة، تبدا بالابراهيمية عندما كان المهاجرون على سواحل القارة الجديده يرفعون شعار "سنبني مدينه على جبل" و "بناء اورشليم الجديده"، واحتوائها على  1586 جماعه دينيه 700 منها " غير تقليدية"(1)، ناهيك عن فكرة " الرساليه" التي تنسب للكيانيه الامريكيه، مع المزج اللازم والالحاق الضروري لحد المصادرة، بما يتصل بالانقلابيه الاليه الاوربيه، نموذجها وافكارها، وممارساتها الليبراليه، اعلى صيغة تفكير وتطبيق كياني مجتمعي، وان يكن غير موصول بالدور الامريكي الثاني، ولا بحقيقته فوق الوطنيه، والعاجز كينونة عن النطق الذاتي  نيابه عن المجتمعية البشرية كما كان ممكنا لاوربا ان تفعل.

وكل هذا ناجم عن التوهمية الاساس التي رافقت ظهور الالة وما ولدته اوربيا من مفهوم مصادرة  من قبل الموضع المزدوج طبقيا، والاعلي ديناميات ضمن صنفه الارضوي حيث انبجست الاله، من دون ترك مجال للتفريق بين "الاله بذاتها" وماتنطوي عليه من ممكنات انقلابية عامه تحفيزية للاليات المجتمعية، وبين المجتمعية نمطا و "نوعا" ومايمكن ان ينتج عن اختلافاتها من تفاعليه مجتمعية متعدده، لم تكن غائبة في الماضي، يوم بدات الانتاجية اليدوية، ماقد انتج الاختلافات المعروفه وقتها بين المجتمعات،  فلم تنشأ واحدة، فلا الصين هي الهند، ولا اوربا هي امريكا اللاتينيه حيث نموذج اللادولة عدا افريقيا، او امريكا الاصل ك"لادولة" هي الاخرى، ولا مصر هي ارض مابين النهرين، فالبيئة وتبايناتها حرية بان  تولد تباينات في النمطية متعدية لوسيله الانتاج بذاتها، هي في صلب الضرورة التفاعلية المقرونه بهدف ومقصد مضمر مستقبلي، توجد المجتمعات محكومة بان تصل اليه.

ولايمكن الافتراض بان "الاله" هي ذاتها "اليد" التي تمسك بالمنجل كما اعتقد الغرب، ليس لها سوى صيغة وشكل وممكنات فعل واحدة لاتتغير، بما يعني ان العقل البشري كان وقت انبثاق الالة بحاجة  للانتقال الى "عقل آلي"، مالم يكن قد اصبح متاحا وقتها، فظل يتعامل مع الالة  وينظر لها  وفقا لموروثه من معطيات  وطريقة نظر ترسخت بقوة كما متوقع، بفعل طول الطور المنقضي والمختلف نوعا عمابعده ومايباينه جوهرا، هذا مع اخذ ظاهرة القصور العقلي الملازم  للادراكية البشرية والمتمثل في اهم جوانبه، في العجز عن مقاربة المسالة المجتمعية، وهو مالم تبدا افتتاحيات التخلص منه  سوى مع القرن التاسع عشرمن قبيل البداية، مع ماقد عرف بآخر العلوم، "علم الاجتماع" الحديث، بغض النظر عن المبالغه التي رافقته واستمرت تلازمه كمنجز مايزال في طور الابتداء والاوليه، محكوم لاشتراطات الارضوية.

والمجتمعات بحسب المنظور الغربي واحده موحدة نمطا ونوعا، ثمه من بينها ماقد اصبح اليوم "مركزا"، وهذا يبرر الاعتقاد بان الالة واحدة وانها ستظل كذلك، وهو ماقد استمر معتمدا الى اليوم  برغم التحور الواضح الذي اصاب الاله المصنعية، لصالح التكنولوجيا الانتاجية، ومع كل مايمكن تلمسه من مظاهر دالة على قرب الانتقال الى شكل اخر، يمكن الافتراض بانه " تكنولوجيا عليا" متلائمه مع منطويات الانقلاب الالي،  ومتفقه مع تدرجاته تحورا،من الانتاجية اليدوية الارضوية الجسدية، الى "العقلية"، وقت يصبح محور الانتاجية هو احضار القوة العقلية المضمرة وغير المستعمله بنسبه قد تزيد على ال85 ،فالكائن الحالي الانسايواني الارضوي الجسدي الحاجاتي، هو كائن بلغ منتهاه  وقمته تطورا بحسب دارون نفسه، وقت بلغ العضو البشري قمة كماله، لنغدو امام حالة، الجسد فيها ثابت غير قابل للتطور، يحمل عقلا لايستعمل منه الا مايقل عن العشرين بالمائة، الاحتدامية المجتمعية الانتاجية، والانقلاب الكبير الالي الذاهب الى الاكتمال بالتكنولوجيا العليا، عملية حضوره الاكبر المستعاد بقوة حضور العقل نفسه، بعد تجاوز اشتراطات اليدوية الحاجاتيه، وشروطها،  وضيق حدودهاالمفروضة على العقل، وفي مقدمها القصور العقلي السابق، الذي ظل يحول دون اكتشاف حقيقة ان المجتمعات هي ازدواج مجتمعي، لاارضوي/ ارضوي، الاول هو مجتمعية العقل الاعلى، مسقطة الجسدوية، وان  تفاعلية المجتمعات يدويا واليا، هي تفاعلية الارضوية الجسدية، واللاارضوية اللاحقة، التكنولوجيه العليا، على الابتداء المجتمعي  الذي ينبت اولا،ويظل تنقصه ممكنات التحقق، وعيا صار من غير الممكن عدم حيازته، وعلى مستوى وسيلة الانتاج، مع توفر اشتراطات الانتقال الى مابعد تكنولوجيا انتاجية راهنه.

ـ يتبع ـ

***

عبد الأمير الركابي

مفردات القرن العشرين غير مفردات القرن الحادي والعشرين، فكيف يصح مخاطبة أجياله بمفردات القرن الذي سبقه؟

أجيال القرن الحالي هم ما دون الثلاثين ولديهم مفرداتهم ورؤاهم وتطلعاتهم، وما يسود في الساحة الإعلامية والثقافية أن أجيال القرن العشرين أو ما تبقى منهم، يهيمنون عليهما، وينشرون ما عندهم من الأفكار بمفردات القرن الذي كانوا فيه، مما يتسبب بفقدان التواصل وتأمين أسباب الإنقطاع، ولهذا لا تؤثر الكتابات والخطابات، فلا علاقة متوالدة بين أجيال القرنين.

عندما نتصفح المدونات وما كتبته الأجيال الغابرة عبر العصور يتبين أن لكل زمن مفرداته، فالحياة تتبدل ومعها مفرداتها وآليات التخاطب فيها.

فالتواصل بين البشر بدأ بالرسائل المتنوعة التي تحتاج إلى أيام وأسابيع وربما أشهر لتصل إلى بلد آخر، ويعلم بها قلة من الناس حتى وصلنا إلى زمننا الذي إنطلقت فيه المعارف، وتحقق التواصل المتسارع الآني الإخبار.

وما يدور في أذهان أجيال القرن الحادي والعشرين غير الذي يقبع في أذهان أجيال القرن العشرين، ولا يمكن فرض مفردات ورؤى وتصورات القرون الغابرة عليهم.

إن أدعياء ما مضى وما إنقضى سينقرضون في هذا القرن، ولن تنفع طروحاتهم ولن تؤثر في أنوار العصر المتوهج، الدفاق بالصور والمشاهد المعبرة عن جوهر الحياة.

إنهم سيذهبون في غياهب المجهول وسيدثرهم النسيان وستلعنهم الأجيال القادمة، وستهزأ من خداعاتهم وأضاليلهم المضمخة بما يوهم بالإدراك الغيبي والمعرفة الواضحة لكُنه الآتي والمجهول.

ترى هل سنستطيع تحسس مواضع أقدامنا، ونرى بوضوح، ونتفاعل مع عصرنا الفياض بالمعارف والعلوم؟

عصورٌ ذاتُ إبداعٍ وفكرِ

وأشخاصٍ منوّرةٍ وتدري

مساراتٌ بها الأيامُ ترقى

وتأخذها لآفاقٍ وتجري

إذا انْطلقتْ نَواهيُها لشأوٍ

أجادتْ من مَواهبها بذخرِ

***

د. صادق السامرائي

 

في خضم الحياة، وبين ثنايا تعقيدات العمل الوظيفي وضغوطه وتوتراته، تتكشف أمام أعيننا مشاهد كثيرة تكاد تجمع على حقيقة واحدة لا ثاني أو ثالث لها أن غياب البعد الإنساني هو أكبر الأخطاء التي يمكن أن نقع فيها في مسيرة حياتنا المهنية والوظيفية والاجتماعية في تعاملاتنا مع البشر، فحين يبتعد الإنسان عن الشعور بالآخرين ونسيان ذاك الكيان الذي يبنغي أن يولي الاهتمام به وإدراك ظروفهم واحتياجاتهم، تتبلد وتتجمد القيم وتضيع البوصلة الأخلاقية التي تهدي مساراتنا وتصحح رؤيتنا.

نعيش في زمن تتشابك فيه الأزمات وتتراكم فيه التحديات والمعضلات، وخصوصاً في سياق يشهد صراعات وحروباً تهدد وتفتك بالحجر والشجر والبشر. كل ذلك يترك ندوباً وشرخاً في النفوس والكيانات البشرية، ويكشف هشاشة الإنسان مهما بلغ من قوة أو تصنع بها أمام غيره لكي يثبت نفسه ومكانته. ومع ذلك يبقى هناك ضوءٌ لا ينطفئ ولا يخبو وهجه ولمعانه، إنه ضوء المواقف الإنسانية التي تبرهن أن الخير ما زال حاضراً وأن النفوس مهما تغيرت تعود لطبيعتها وفطرتها السليمة، وأن القيم الحقة قادرة على أن تنتشلنا من القسوة وغياب الرعاية والاهتمام، إن نحن تمسكنا بها وجعلنا نبراس تطلعاتنا وعنوان أصيل في مسيرتنا ونهج حياتنا.

إن جوهر السمت الإنساني ليس ترفاً ولا ضرباً من الخيال الذي لا يمكن تحقيقه أو تنفيذه، ولا شعاراً يستهلك لكي يرفع في المناسبات والتجمعات، بل هو ممارسة يومية تتجسد في اهتمامنا بالبشر ورعايتنا لظروفهم وقدرتنا على مشاركتهم العاطفية ودعمهم. هي مسؤولية موزعة على الجميع: كل بحسب موقعه، وبحسب ما يستطيع تقديمه من جهد، أو وقت، أو كلمة، أو حتى نظرة طيبة تخفف عن شخص مرهق أو متعب أو مهموم.

وهنا تتجلى أعظم القيم الإنسانية في التعلم من الأحداث والمواقف، فالحياة مدرسة صارمة، والأزمات مهما بلغت قسوتها وحدتها تبقى دروساً عميقة تنحت وعينا وتعيد تشكيل أولوياتنا وتدفعنا للعودة من جديد لجادة الصواب والاستقامة في الفكر والشعور والتصرف. ومن لا يتعلم من معاناته أو من معاناة غيره، يظل يدور في دائرة فارغة لا أثر لها ولا نفع يطاله.

مشاهد من واقع الحياة والعمل

في أحد الأيام، رأيت موظفاً شاباً قليل التجربة والخبرة انشغل بإنجاز معاملاته متجاهلًا مراجعة رجل كبير في السن يقف على باب مكتبه منذ دقائق طويلة. لا يقوى على تحمل رجليه لتلك الوقفه، فقد كان الرجل يترقب مبتسماً دون أن يهمس بكلمة أو تأفف، ربما يخشى أن يثقل على أحد. كان صاحب دراية وخبرة واسعة وحكمة في التصرف، لم يكن المشهد عابراً… فقد كشف أن الموقف ظهرت فيع ضعف الخبرة وقلة الوعي لغياب الحس الإنساني والمشاعري في استقبال الضيف وإراحته وتقديم الخدمات له بأسرع فرصة ممكنة، حتى لا يتحول أبسط المواقف إلى عبء كبير على الآخرين.

وفي مشهد آخر، شاهدت موظفة تنهي دوامها، لكنها لاحظت دمعة في عين زميلتها التي تواجه ظرفاً عائلياً صعباً. لم تغادر المكان. بقيت معها حتى هدأت، وقدمت لها دعماً معنوياً كبيراً لا يقاس بمال. ذاك الموقف كان أعظم قيمة من عشرات الخطب والدورات التدريبية في " امتلاك مهارات التواصل والعمل الجماعي ضمن فري قفعال ويناء قدرات الذكاء العاطفي في العمل مع الزملاء والزبائن".

وهناك مشهد ثالث لن أنساه: عامل بسيط في مؤسسة ما، لم يملك سوى أن يرفع يده دعاء لمديره الذي ساعده في ظرف صحي صعب كان في حجاة ماسة لذلك الدعم. قال يومها " والله لا أنسى ذلك موقفه معي ودعمه لي طول العمر". عندها أدركت أن بعض الأعمال الصغيرة تصنع أثراً عظيماً يتجاوز الزمن والمناصب والأموال التي تقدم لمحتاجيها.

قيمة المساندة… من الدنيا إلى الآخرة

إن أجمل ما في المشاهد الإنسانية أنها تعود إلى أصحابها، إما بهجة في الدنيا، أو تيسيراً وتسهيلاً للأمور في حياتهم، أو دعاءً صادقاً يرفع البلاء ويحمي المرء من ثرات الزمان وتقلباته، أو بركة لا نعرف مصدرها وكنهها. وربما يقع أحدنا في يوم من الأيام تحت وطأة الاختبار والامتحان، فيكون أحوج ما يكون ليد تمتد إليه لتسعفه وتنتشله من دركات ومصائب الدنيا، أو كلمة تنصفه، أو موقف يشبه الذي قدمه يوماً لغيره.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من نفَّس عن مؤمن كربة من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». رواه مسلم

هذا الحديث ليس مجرد نص ديني، بل قانون كوني: ما تقدمه يعود إليك، وما تمنحه يعود مضاعفاً في وقت أنت أحوج إليه للخير والأجر العظيم.

ختاماً: تبقى إنسانيتنا هي رأس مالنا الحقيقي والاستثمار الذي يدر علينا الخير والبركة.

وتبقى المواقف الصادقة هي التي تخلد أسماءنا في سجلات قد تمتد ليوم القيامة.

وفي عالمٍ يمتلئ بالضغوط والصراعات، فإن أعظم ادخار يمكن أن نحققه هو أن نكون سنداً وعوناً لغيرنا. فالإنسان أولاً،،،، وسيظل وسيبقى أولوية مهما تغيرت الظروف والمواقف.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

19-11-2025

 

يتجسد الإبداع بما هو ملكة إنسانية ذاتية، يتميز بها الإنسان المبدع عن غيره، بابتكار معطيات جديدة في مختلف المجالات، والانشطة، الأدبية منها، والفنبة، والعلمية، والتقنية والموسيقية، وغيرها .

ويتطلب الإبداع بما هو ملكة ذاتية، قدرة على توليد أفكار جديدة، ومبتكرة، المبادرة إلى تحويل تلك الافكار إلى واقع حي، يتلمسه المتلقون، مثل النتاجات السردية، والقصائد الشعرية، والانجازات الفنية، وغيرها.

ولابد من الإشارة إلى أن الإبداع يتطلب حسًا مرهفًا، وموهبة متوهجة، وقدرة متمكنة على التفكير خارج المالوف من تقييدات السياقات التقليدية للأداء.

فعندما يتوهج الحس المرهف، بفيض من العواطف الرقيقة، والمشاعر المتوقدة، فلا ريب انه سيدفع الانسان المبدع إلى طرح نتاجات إبداعية وملهمة.

وهكذا يكون المبدعون الذين يمتلكون حسًا مرهفًا، وعاطفة جياشة، أكثر حساسية، للتفاعل مع المنظور من عناصر بيئتهم، مما يجعلهم أكثر استجابة، واستشعارا لعناصر الجمال، حتى في الأشياء البسيطة.

ولعل التأمل المتطلع، يمكن أن يكون عاملا مهما في تحفيز الحس المرهف للمبدع، بما يجعله أكثر استجابة، للعواطف الوجدانية، والمشاعر المرهفة.

ويظل التفاعل مع ربوع المكان، ومع الآخرين، عاملا فعالا في تفجير الإبداع، بما يجعل المبدع في تعالقه مع الآخرين، أكثر قدرة على توليد أفكار جديدة، وانجاز نتاجات متميزة.

ولا شك ان التجربة الزاخرة، بما تحمله من تراكمات ابداعية، يمكن أن تساهم في تطوير القدرة على الإبداع، وجعل المبدع أكثر عطاء، واوسع إمكانية في توليد أفكار جديدة، ورؤى مبتكرة.

***

نايف عبوش

في المثقف اليوم