آراء

العرب وثقافة التجاوز: من المفعول بهم إلى الفاعلين في التاريخ

في كل منعطف تاريخي تمر به الأمة العربية، يتجلى أمامنا مشهد التناحر الداخلي، وكأن العرب قد استبدلوا قضيتهم الكبرى بصراعات صغيرة تستنزف قواهم وتبقيهم في دائرة الجمود، في حين أن العالم من حولهم يتحرك ويتغير، أحيانًا لصالحهم، لكن غالبًا ضدهم. هذا الواقع يدفعنا إلى طرح السؤال الجوهري: إلى متى سنظل غارقين في الخلافات الداخلية، بينما تتكالب علينا الأخطار من الخارج؟

حتمية التغيير: لماذا يجب أن نتجاوز خلافاتنا؟

العالم لا ينتظر أحدًا، والسياسة لا تعترف بالضعفاء. الدول التي لا تتعلم فن التكيف مع الزمن ومواجهة تحدياته محكوم عليها بأن تكون مجرد أداة في يد القوى الكبرى. وللأسف، فإن العرب – رغم ما يملكونه من مقومات حضارية وثقافية واقتصادية – ما زالوا عاجزين عن استثمار هذه الإمكانيات لصالح مستقبلهم. والسبب الرئيسي؟ هو الانقسام الداخلي الذي يتغذى على الاختلافات المذهبية والعرقية والدينية، في وقت لا تستطيع فيه الدول القوية أن تنهض دون الحد الأدنى من الوحدة الوطنية والتوافق المجتمعي.

إن الخلافات الداخلية بين العرب لم تكن يومًا مصدر قوة، بل كانت دائمًا مدخلًا للغزاة والمحتلين والمتربصين. عبر التاريخ، كانت الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية سلاحًا استخدمه أعداء الأمة لتفكيكها وإضعافها، بدءًا من الحروب الصليبية، مرورًا بالغزو المغولي، وانتهاءً بالاستعمار الغربي ومخططاته الحديثة. ومع ذلك، يبدو أننا لم نستوعب الدرس بعد، فنكرر الأخطاء ذاتها، لكن بثوب جديد في كل مرة.

كيف نحول طاقة الصراع إلى منصة للفعل؟

بدلًا من إهدار الجهد والوقت في النزاعات العقيمة، يمكن توجيه هذه الطاقة نحو بناء مشروع عربي مشترك قائم على التعاون والتكامل، لا على الإقصاء والإلغاء. لا يعني ذلك إلغاء التعددية أو تجاهل التنوع الثقافي والديني، بل يعني إدارة هذا التنوع بحكمة بحيث يكون مصدرًا للإثراء لا للصراع.

إعادة تعريف الهوية العربية

الهوية العربية ليست هوية عرقية أو دينية محضة، بل هي هوية ثقافية وحضارية تجمع بين كل من يتحدث العربية وينتمي إلى تاريخ هذه الأرض. تجاوز الخلافات يبدأ بإعادة فهم أنفسنا بعيدًا عن التصنيفات الضيقة التي تكرس الانقسامات.

بناء مشروع اقتصادي عربي موحد

الاقتصاد هو أحد أكثر العوامل القادرة على تجاوز الخلافات السياسية. حين تتشابك المصالح الاقتصادية بين الدول والمجتمعات، تصبح النزاعات أقل حدة، وتزداد الحاجة إلى التعاون. فلماذا لا يكون هناك سوق عربية مشتركة، أو على الأقل تكامل اقتصادي حقيقي بين الدول العربية؟

تطوير منظومة تعليمية تعزز قيم التعددية والانتماء المشترك

منذ الصغر، يتم تشكيل وعي الأفراد من خلال التعليم والإعلام. ومن هنا، فإن إدخال مناهج تعليمية تكرس ثقافة التعايش وتاريخ العرب المشترك يمكن أن يسهم في بناء أجيال ترى في الاختلاف مصدرًا للتكامل لا للصدام.

إصلاح الإعلام العربي ليكون أداة بناء لا هدم

الإعلام العربي في كثير من الأحيان يغذي الفرقة أكثر مما يوحد. يجب أن يكون لدينا خطاب إعلامي يعزز نقاط الالتقاء بدلًا من تضخيم نقاط الاختلاف، ويحث على العمل الجماعي بدلًا من نشر ثقافة الإحباط والهزيمة.

تحييد الصراعات الخارجية عن الداخل العربي

العالم العربي يعاني من كونه ساحة للصراعات الإقليمية والدولية، حيث تُستخدم بعض القوى العربية كأدوات في مشاريع الآخرين. يجب أن يكون هناك وعي سياسي بأن العرب بحاجة إلى استراتيجية مستقلة، تحميهم من أن يكونوا مجرد بيادق في لعبة القوى الكبرى.

خاتمة

ان تجاوز الخلافات الداخلية ليس ترفًا، بل هو ضرورة وجودية. نحن اليوم في مرحلة مفصلية، حيث تتشكل التحالفات العالمية وتُعاد صياغة التوازنات الدولية. وإذا لم يتمكن العرب من تجاوز انقساماتهم الداخلية، فسيجدون أنفسهم مجرد كيانات ضعيفة تابعة للقوى الكبرى، بدلًا من أن يكونوا فاعلين في تقرير مصيرهم ومستقبلهم.

لقد آن الأوان لأن ننتقل من مرحلة الشكوى والبكاء على الأطلال إلى مرحلة الفعل والإنتاج. التحديات التي تواجه العرب اليوم تستوجب إرادة سياسية وشعبية صلبة، ورؤية مستقبلية تتجاوز الحسابات الضيقة، من أجل بناء مشروع نهضوي عربي قادر على مجابهة الأخطار وصناعة التاريخ بدلًا من أن يكون مجرد متلقٍ له.

إذا لم نبدأ الآن، فمتى؟ وإذا لم نكن نحن، فمن؟

***

مجيدة محمدي – تونس

.................

المراجع:

1. في الهوية العربية والتحديات الداخلية:

- محمد عابد الجابري، نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي

- عبد الإله بلقزيز، العرب ومستقبل الأمة: دراسات في المسألة القومية

- برنارد لويس، أين الخطأ؟ التأثير الغربي واستجابة الشرق الأوسط

2. في التاريخ العربي والانقسامات الداخلية:

- ابن خلدون، المقدمة

- ألبرت حوراني، تاريخ الشعوب العربية

- حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي

3. في الاقتصاد العربي والتكامل الإقليمي:

- جلال أمين، العالم عام 2050: كيف سيبدو الاقتصاد العالمي في المستقبل؟

- سمير أمين، التراكم على الصعيد العالمي

- مجموعة من الباحثين، التكامل الاقتصادي العربي: الواقع والتحديات (منشورات مركز دراسات الوحدة العربية)

4. في الإعلام ودوره في تشكيل الوعي:

- نعوم تشومسكي، السيطرة على الإعلام

- إدغار موران، ثقافة أوروبا وبربريتها

- علي حرب، المصالح والمصائر: صناعة الحياة ومآزق العولمة

5. في الجغرافيا السياسية والاستراتيجيات الدولية:

- هنري كيسنجر، النظام العالمي

- زبيغنيو بريجنسكي، رقعة الشطرنج الكبرى: الأولويات الجيوسياسية للولايات المتحدة

- فواز جرجس، أمريكا والعالم العربي: سياسات الهيمنة وصناعة التبعية

 

في المثقف اليوم