عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

سَــأدقُّ بابَ الفجرِ

أستبقُ الضياءَ إلى دمي

وأصوغُ من وهجِ البدايةِ سِحرَهْ

سأدقُّ بابَ الغيمِ

أُسقِطُ من جفوني غيمَها

كي لا تفيضَ على المرافئِ مُقْلَــهْ

مَنْ ذا سيُحصي

كمْ مرّةٍ خذلتْ خطايَ خطايَ

حين تقاطعتْ في الدربِ خُطوهْ؟

وأنا أُفتّتُ في انتظاري

صبرَ أيّامي

وأزرعُ في الشقوقِ تأمّلَــهْ

سَــأدقُّ بابَ النارِ

أُخفي في اشتعالِ الروحِ برْدًا

كي أُعيدَ إلى الرمادِ توقّدَه

فالجرحُ يعرفُني

ويحفظُ في مسامِ الروحِ ملامحَ خيبتي

ويعيدُ سردَ تفتّحِـهْ

والخوفُ يسكنُ في المدى

متربّصًا

لكنّ قلبي لا يُطيقُ تربّصَـهْ

سَــأدقُّ بابَ الضوءِ

أجمعُ من شظايا الشمسِ مرآتي

وأكسرُ في الظلامِ تجهّمَــهْ

أنا من إذا ضاقَتْ بهِ الدنيا

تمدّدَ في الرؤى أفقًا

وأيقظَ في الدجى متخيّلَــهْ

سَــأدقُّ بابَ القلبِ

أفتحُهُ على وجعي

وأكتبُ في النزيفِ تخثُّرَهْ

فإذا بكى صوتي

تماسكَ في الحناجرِ ألفُ صوتٍ

واستعادَ من السكوتِ تمثّلَــهْ

وإذا تعثّرَ دربُنا

نهضتْ على أكتافِنا الطرقاتُ

واستبقَ المسيرُ ليكملَــهْ

سَــأدقُّ بابَ الغيبِ

أسألُهُ: متى

يأتي اليقينُ على اتّساعِ القلبِ ليسكنه؟

سَــأدقُّ بابَ الرّيحِ

أسألُها

لِمَــاذا تكسِرُ للقنديـلِ هَدْيَـهْ

سأدقُّ بابَ الأرضِ

أزرعُ في جراحِ الصمتِ

قمحًــا… هل تُعيدُ الأرضُ سُنبلَهْ؟

مَنْ ذا سيجمعُ

صوتَ أمٍّ في العراءِ

إذا تناثرَ في المدى طفلٌ وطفلَــهْ؟

والحزنُ يمشي في الشوارعِ

عارِيًــا

يُخفي الملامحَ… ثم يلبسُ ألفَ حُلّــهْ

سأدقُّ بابَ الليلِ

أُطفئُ رعشةَ النجوى

وأكتبُ في الظلامِ بدايــةً… وقَفْلَــهْ

لكنْ…

تطولُ خطايَ في التيهِ البعيدِ

كأنّ دربيَ لن يُعيدَ إليَّ أهلَــهْ

سَــأدقُّ بابَ الحلمِ

أوقظُ فيه ذاكرةَ الرجاءِ

وأستعيدُ من الرمادِ شُعْلَــهْ

والصامتونَ على الحكايةِ

أوجعوا

صوتَ الحقيقةِ حين ضيّعَ أصْلَهْ

مَنْ ذا سيكتبُ

آخرَ التاريخِ

حين يُمزّقُ النسيانُ أوّلَ فصلَــهْ؟

سَــأدقُّ بابَ اللهِ

أرفعُ في الدعاءِ يدي

لعلَّ النورَ يفتحُ بعدَ عُتمتِنا سُبُلَــهْ

سَــأدقُّ بابَ الظلِّ

أستدرجُ الخطوَ الخفيفَ إلى المدى

وأعيدُ ترتيبَ المكان وظِلَّــهْ

سأدقُّ بابَ الصمتِ

أُنصتُ للفراغِ إذا تكلّمَ في دمي

وألمسُ المعنى… إذا أخفى محلَّــهْ

مَنْ ذا يُرمّمُ

هذا التصدّعَ في الجهاتِ

إذا كسّرْتَ في العيونِ حُزنَهْ ؟

والروحُ تسألُني

كمْ مرّةٍ

سأُعيدُ تعريفَ الطريقِ وأهلَــهْ؟

سَــأدقُّ بابَ البعدِ

أطويهِ على نبضي

وأزرعُ في المسيرِ تَحمّلَــهْ

فالراحلونَ بلا وداعٍ

علّقوا

في القلبِ ألفَ حكايةٍ…

وفي موقِ العيونِ كُحْلَهْ

سأدقُّ بابَ الحرفِ

أُشعلُ في الحروفِ دمي

ليخرجَ النصُّ الأخيرُ… سؤدُدَهْ

أنا لا أريدُ من النجاةِ

سوى دليلٍ

يستردُّ من الغيابِ تكامُلَــهْ

فإذا وصلتُ…

تباطأتْ في خطايَ النهايةُ

واستفاقَ البدءُ يكتبُ أوّلَــهْ

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين

كُلَّ يومٍ …

حينما أنهضُ من مَوْتي

وأغتالُ سُباتي..

كُلَّ يومٍ..

حينما أنهضُ طَوْعاً..

لاحْتضارٍ يتمادى في حياتي

شارباً دَمْعي..

ومُقتاتاً فُتاتي

حاملاً نَعْشي..

على متنِ الرُّفاتِ

لي نهارٌ يلبسُ الظُّلمةَ ثوباً

ويُعيرُ الشَّمسَ..

وجهاً من مماتي

أطويَ الأيامَ والمنفى طريقي

والمدى سجنٌ وقيدٌ في لغاتي

كلما أسرجتُ للأحلامِ خيلاً

أَسقطَ اليأسُ شعاعَ الأمنياتِ

إنَّني جرحٌ تمشى فوقَ أرضٍ

ضاقَ عنها الصدر..

في كُلِّ الجهاتِ

هكذا تمضي حياتي..

مِثلَ لغزٍ

في صباحاتي الشَّقيَّة..

في لياليَّ المُمِلَّة..

وسُوَيْعاتي الغبيَّة..

*

​كُلَّ يومٍ..

حينما أخرجُ من صَمْتي

وتهتزُّ رُفاتي

لتُزيلَ الوَهْنَ عن نفسي.. وذاتي

وتُحطّمَ.. كُلَّ أغلالي الخفيَّة

فأرى نفسي كأنّي

عِشْتُ دَهْراً في عُصورٍ جاهليَّة

حيثُ صَلْبُ الفِكْرِ فينا.. مذهبيَّة

واغتيالُ الحُلْمِ.. سَحْقاً.. أبديَّة

تعبدُ الأصنامَ في زيِّ الضَّحيَّة

ويُباع الطُّهْرَ في سوقِ القضيَّة

​بَيْدَ أنّي كُلَّ يومٍ.. أتمزَّقُ …

كُلَّما أشعرُ أنّي

في صِراعٍ مَعْ أوجاعٍ خفيَّة

منذُ أن أبصرتُ نورَ الشمسِ حتّى

أقبلَ الليلُ على أنقاضِ عُمْرٍ..

منه غِيضَ..

ربما.. لم يتبقَّ

غيرُ نَزْفٍ..

جفَّ في أجفانِ فَجْرٍ

غيرُ قَبْرٍ..

ضاقَ في أحضانِ صَدْرٍ

منذُ ذاكَ الحينِ.. حتّى..

هذه اللحظةِ

من ساعاتِ أيامي الغبيَّة

​ثَمَّ قَيْدٌ فوقَ عَيْنيَّ

وقَيْدٌ في فَمي..

وآخَرُ في مِعْصَمي..

بل وحتّى قَدَمي

كُلُّ أفكاري.. وأحلامي..

وحتّى الأُمنياتُ المخمليَّة..

أصبحتْ رهينةً.. بينَ أيادٍ بربريَّة..

تجعلُ الأجسادَ حَطَباً في المَواقِدْ

تغرسُ السكينَ في قلبِ المَعابِدْ

فتُحيلُ العُمْرَ.. نَزْفاً..

في جِراحٍ سَرْمَديَّة

وتُقيمَ الحَشْرَ.. في نَفْسٍ زكيَّة

*

​كُلَّ يومٍ..

حينما أنهضُ من مَوْتي

وتهتزُّ رُفاتي

صُوَرٌ من ذكرياتي.. تتكرَّرْ..

ربما.. قد تختفي

ربما.. في صورٍ أُخرى تعودْ

ربما.. لا تتغيَّرْ

غيرَ أنَّ الحُزْنَ أضحى سِمَةً

تجمعُ ما بينَ الصُّوَرْ..

حَيْثُ ما زِلْتُ أسيراً..

في بلادٍ مَشرقيَّة

تلدُ الأحرارَ في جَوْفِ المنافي

تطحنُ الأرواحَ في صَمْتٍ خُرافي

لتُزِفَّ المَوْتَ.. عُرْساً للهويَّة

​غيرَ أنّي لستُ وحدي

خلفَ أسوارِ الظلامِ المَعْدنيَّة

فأنا أَحْمِلُ مَوْتي.. وحياتي..

في بقايا كلماتٍ..

تَحْتوي كُلَّ الحروفِ الأبجديَّة

وأُخبّئُ.. بينَ طيَّاتِ رِدائي..

أُغنياتٍ للعدالة..

وترانيمَ السَّلام..

وأناشيدَ وألحاناً شجيَّة

ويضمُّ القلبُ عِشْقاً..

لا يضاهيهِ كلام

شامخاً رغمَ انكساراتِ السنين

ثائراً بالحُبِّ في وجهِ الأنين

ناحتِ القمصانُ من صَبْري عليها

فالأماني كبَّلوا منها يَدَيْها

واستحلّوا ذَبْحَها..

عبرَ فتاوىً.. نرجسيَّة

*

إنَّ صَبْري ثَوْرَةٌ.. والحَقُّ فاصِلْ

أَحْمِلُ الإِصْرَارَ.. فِي نَفْسٍ أَبِيَّة

فَأَنَا لَسْتُ وَحِيدًا..

بينَ جدرانٍ عصيَّة

فمعي فِكْري.. وعِشْقي.. وصلاتي..

ومعي كُلُّ شعاراتِ السَّلام

أُلْقِيَ القَبْضُ عليها..

بحِرابِ البُنْدقيَّة

ومعي حتّى العدالةُ..

قد أُدينتْ في محاكمَ صوريَّة

والأماني صُلبتْ فوقَ الجبين

تحتَ قَهْرٍ.. وخَيالٍ.. ومَجونْ

فاستفاقَ الحُزْنَ..

في مَجْرى دَمي

واستجارَ الصَّمْتِ..

من صَمْتِ الفَمِ

صارَ هذا الكَوْنُ سِجْناً ضيّقاً

وتلاشتْ فيهِ أسرارُ الضحايا

خلفَ قضبانٍ من الظلمِ خفيّة

نَحنُ قتلى..

لم نَمُتْ جَهراً ولكنْ..

نَحملُ الأوجاعَ.. صُبحاً وعَشيَّة

نكتُبُ الآلامَ شِعراً.. ونُغنِّي

لجِراحٍ.. لم تَزلْ حَيَّة.. وَفِيَّة

فأتينا.. نشتكي للعدمِ

عن سنينٍ.. باتتِ الآنَ.. قصيَّة

*

​أيُّها المَوْتُ الذي يسكنُ ذاتي

يا رفيقاً لم يزلْ رَهْنَ حياتي

قد كفى هذا المَدى..

زَيْفاً وقَهْرا

قد كفى عُمْريَ..

أوجاعاً وسَهْرا

سوفَ أمضي حاملاً..

صَمْتي وعِشْقي

ناحِتاً بالصَّبْرِ..

في الجدرانِ حَقّي

أنا حَقٌّ..

ثارَ في وجهِ المَنايا

يَصهرُ القيدَ.. ويُذكي العاصِفاتِ

إنَّ صمتي..

لم يَكُنْ عجزاً ولكنْ..

قُوَّةُ البركانِ تخبو في الثَّباتِ

غيرَ أنَّ الفَجْرَ في فجْري ذبيحْ

والأماني.. نُطْفةٌ في كفِّ ريحْ

ليسَ لي إلا ارتحالي في الرَّدى

بعدما تاهَ عن الدَّرْبِ الصَّدى

ولأعانِقْ.. بَرْدَ نَعْشي صامتاً

بعدما ضاقَ بآهاتي وصولي

​من هنا..يبدأُ مَوْتي..

كُلَّ يومٍ..

في احتضاراتٍ جديدةٍ..

وصراعاتٍ تمزِّقُ..

كُلَّ ساعاتي الغبيَّة..

في صباحاتي الشَّقيَّة..

***

جليل ابراهيم المندلاوي

أَيَخالُ..

أَنَّ مِلْحَ الفَقْدِ في عَينِيَّ

تَرْتيلُ مرَايَا؟

أَو بِيَاضَ الفَجرِ في أَورِدَتي نقضٌ لِوُجوْمي؟

هَلْ دَرَى أَنَّ مَوانِئَ البَوحِ

خُيولٌ مِنْ ذُهُولٍ

تَسحبُ الأَرضَ إلى صَدري

وتَرْميني بِأَقصَى الكَلِمَاتِ؟

وَتُرى كَيْفَ لِضوءٍ أَنْ

يُعَمِّدَ هَيْكَلي..

دُونَ انْسكابِ الشَّمْسِ في كَفِّهِ؟

​أَيَخالُ..

أَنَّني أَذْرَعُ دَرْبَ البُعْدِ بِالخُطوةِ؟

لا إِنَّما يَمْتَلِئُ الوَقْتُ بِهِ

حَتَّى يَضيقَ الوَقْتُ عَنِّي

كَيْفَ لم يُبْصِر جُيوشَ

عِطرِه تَجتاحُ دَمي

تَبني بَقَاياها مَحاريبَ

لِغَوْغَاءِ الحَنِينِ؟

أَوَ يَزْعُمُ السَّابِحُ المَجْنونُ

أَنّي لُؤلُؤةٌ..

تَسْجُدُ لِلمَوجِ

وَتعْصِي حِينَ تَلْثُمُ الرَّمْلَ انْكِساراً؟

​أَيَزْعُم

أَنَّ لُقْياهُ سَتَمْحو

وَسْم الخَيبَةِ في وَجْهِي

وَوَجْعَ الارْتِحَالِ؟

أَو سَيَجْني مِنْ هَشيمِ

الرُّوحِ فِرْدَوساً تَدَلَّى..

أَو سَيَلْبَسُني غَمَاماً

ثُمَّ يَعْلو بِي لِأَوْكارِ الصُّقورِ؟

​يا سَاكِنَ الشَّطِّ القَصِيِّ

أَيحْسبُ..

أَنَّ هَذا التِّيهَ فَنٌّ؟

رُبَّمَا كَانَ اغْتِرابُ الأرضِ

لايَكْفي لِنَنْأى..

إِنَّما الشَّوْقُ

قَيْدٌ يَتَنَفَّسُ بَيْنَ أَصَابِعِنَا

فَهَاتِ كَفَّكَ

هُناكَ مَجَازٌ يَليقُ بالصَّمْت

وأَنَا أَختارُ أَن أَكُونَ بَقيَّتك

فَأَعِرْني كَفَّكَ

أُرِيدُ أَنْ أَضِلَّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ

إِلَّا عَنِ الحُدُودِ التي

تَبدَأُ منكَ وَتَنتَهي فِيَّ

***

مرشدة جاويش

 

إلى الصديق د. عباس اليوسفي

مُذْ غَرَبَتْ شمسُكَ

وصارَ البيتُ أوسعَ من صمتي،

وأطولَ من لياليه،

لم يبقَ في النافذةِ

إلّا وجهُ صديقي.

كانَ يجيءُ

وفي يدِهِ كلامٌ قليل،

لكنّه يكفي

كي لا تسقطَ الجدرانُ على قلبي.

يجلسُ بقربي

كما لو أنّه يعرفُ

أنَّ الحزنَ

لا يحتاجُ موعظةً

بل كتفًا صامتة.

يا صديقي،

يا واحدًا

من نوافذِ الحياةِ التي لم تُغلق،

لو تعلمُ

كم أنقذتَ قلبي

من العتمة.

حين انطفأ في البيت

ذلك الضوءُ الذي كان يملأه،

وشعرتُ أنَّ العالمَ

يميلُ قليلًا

إلى جهة الغياب،

كنتَ أنتَ

تُبقي في القلب

فسحةً للنهار.

والآن

كلما ضاقَ الليلُ

أفتحُ نافذتي،

فأرى وجهكَ هناك

على أن الحياة

لم تُغلقْ بابها كلَّه.

***

د. جاسم الخالدي

السبت ١٤ /٣/ ٢٠٢٦م

 

من أين جاءت كل هذه الجماجم؟

حشد من النمل يحاول جرها الى مخادعهم

2

خذ ثأرك من العظام

وضعها في تابوت في مقبرة مهجورة

3

عندما تبكي العظام

يتظاهر الجسد بالموت

4

الديناصورات تعالج اكتئابها

بجمع عظام العالم

5

كسر العظام

فن لا تتقنه الا المطرقة والسندان

6

تقدم العظام المكسورة

كوجبة شهية للزعيم المخلوع

7

بالعظام المكسرة يصنع نجار الزعيم

كرسي حكمه

8

في المزاد العلني

الطاغية يفوز بوضع أعلى عرض لكسب العظام المكسورة

9

في متحف الزعيم

جماجم وعظام مكسورة يمضغها شعبه المقهور

10

تتفحص المومياء عظامها المكسورة

وتلف عليها بكفن لتحنيطها

11

حجارة واحدة من عظم مكسر

كافية لسحق الخونة والمنافقين

12

بعد أن انتهوا من كسر العظام

وقف الجندي المجهول يبحث عن جمجمته

13

أمام العظام العارية

تبحث الجماجم عن عمود فقرها لتقويمه

14

ماذا لو اعادوا تدوير العظام المكسورة

لتزيين شواهد القبور؟

15

بعد هزيمة الأوغاد

من يحتفظ بالهيكل العظمي للجندي المجهول؟

***

بن يونس ماجن

صياماً كَقَبْضِ الكَفِّ دهراً على الجَمْرِ

وَغَيْضاً كما البُركانُ يا زَفْرَةَ الثأْرِ

*

وجوعاً إلى أنْ يَأْذَنَ اللهُ بالتي

تَقي أهْلَ دُنْيانا تَماماً مِنَ الجَوْرِ

*

وَكُفْراً بِطاعونِ (التَناخِ) وَعِجْلِهِ

وَإيّاكَ بَلْ إيّاكَ من غَيْهَبِ الكُفْرِ

*

وقوفاً على النيرانِ وَقْفَةَ عاشِقٍ

تَمَلّى رِحابَ اللَّهِ في السِرِّ والجَهْرِ

*

نَفيراً مع المظلومِ يومَ كَريهَةٍ

عَسى يَثْأرُ الموتورُ من مَحْفَلِ العُهْرِ

*

وَمُدّوا إلى المغدورِ أفْئدةَ الرجا

دُعاءً يَشلُّ الغَدْرَ في زُمْرَةِ الغَدْرِ

*

وَرفضاً لِأزْلامِ النذالةِ كُلّما

تمادوا مَعَ الأشْرارِ في صوْلَةِ الشَرِّ

*

حنانيْكَ، لا عيدٌ بُعَيْدَ طُفوفِنا

وَباركْ هِلالَ الصائمينَ بلا فِطْرِ

*

وَحاشاكَ مِنْ نومٍ يُميتُ تِراتِنا

كأنّ الليالي الآنَ في لُجّةِ القَدْرِ

*

فَمَزّقْ ظلامَ الليلِ حالَ سُدولِهِ

وعانقْ شُعاعَ النورِ في غُرّةِ الفجْرِ

*

تَؤُمُّ جِباهُ المخلصين صفوفَنا

قِياماً معَ الأحرارِ صَفّاً الى النَصْرِ

*

بِـ(هَيْهاتَ مِنّا ذُلّةً) صَدَحوا بِها

أذاناً بِآذانِ الخليقةِ والدَهْرِ

*

شَهَرْنا على الباغينَ سَيْفَ إمامِنا

فَذَكِّرْ بُغاةَ العَصْرِ في ضرْبَةِ النَحْرِ

*

ألا إنّما المخلوقُ رَهْنُ كِتابِهِ

غداةَ لِقاءِ الحقِّ في موقِفِ الحَشْرِ

*

فَخُذْ من ضياءِ الحقِّ وَحْيَ طَريقَةٍ

وَسَفِّهْ أباطيلَ الجِدالِ مَعَ المَكْرِ

*

وَذُقْ من رضابِ النورِ رَشْفَةَ عارِفٍ

وَ بَدّدْ سَماديرَ السُكارى بلا سُكْرِ

*

كَرُؤيا الأُلى بالحُسْنَييْنِ تَعَمّدوا

وَذاقوا حُميّا الجودِ بالمالِ والعُمْرِ

***

د. مصطفى علي

 

قـلـتُ يـا أنــتِ لـقــــد زاد الاوامُ

وعـرا جـسـمي نـحـولٌ بَـل سَــقـامُ

ضحـكـتْ مـني وقـالـتْ ذا غــرامُ

هـكـذا الـحـبُّ اصـطـبـارٌ واضطـرامُ

كـلُّ شــاكٍ مِـن جـوى الـحــبِّ يُــلامُ

***

قـلـتُ يا أنـتِ لـقـد أصـفـيـتُ ودّي

وحَـفِـظـتُ الـعـهـدَ قـالـتْ أيّ عـهـدِ

قـلـتُ والانـكـارُ قـد طـار بـرشـدي

إنـمـا الانـكــــارُ فـي هـــذا تـحــدي

ضحـكـتْ مـني وقـالـتْ لـيـس قـصـدي

***

قـلـتُ يـا أنـتِ لـقـد طـــالَ انـتـظـاري

والى مَ الـهـجـرُ بـل كـيـف اصطـباري

وإذا داريـــتُ كـــــــــــم أبـــقـى أداري

أنـا في نُـــعــمـى حـبـيـــــبٍ أمْ بـــــنـارِ

ضـحـكـتْ مِـنّـي وقـالـتْ لا تُــمـــاري*

***

قـلـتُ يــا أنـتِ أمـا يـكـفـــيـكِ صبـري

وإذا شـــئـتِ الـفِـــدا أفــديــكِ عُــمْـــري

ونـعـيـشُ الـحُـــــبَّ فـي حـــــلـوٍ ومُـــرِّ

فـلـمــاذا كــلّ هـــــــذا بـعـــد خُـبــري**

ضـحـكـتْ مِـنّـي وقـالـتْ شــاع أمـري

***

قـلـتُ يـا أنـتِ لـقـد حـــان ارتـحـالي

ووهـى عـــزمي لِــمَـا حـــلّ بـحـــالي

فــلـــوتْ جـيــدًا وقــــالـــــتْ بـــدلالِ

إنّـمــا وصــلي مُـحــــالٌ في مُـحـــالِ

هـكــــذا أنــــتَ لـحـــوحٌ بـالــســـؤالِ

***

قـلـتُ يـا أنـتِ لـقـد أبـلــيـتُ جُـهــدي

وحَـمَــلـتُ الـحُـــبَّ كي أحـيـاهُ وحـدي

حُـبّـكِ الـظــــالـمُ قــد أورى بــــزنـدي

لـكِ مـا يـحـــــلـو ولي ألـمـي ووجــدي

طــبـــعَ الـحُــبُّ عـلى الايــــامِ حـــدّي***

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

..............................

* لا تُـمـاري: أي لا تُـجـادل

** بـعـد خُـبـري: أي بـعـد اخـتـبـاري وتـجـريـبـي

*** طـبـع الـحـبُّ: أي تــرك أثــرَهُ

العراق / الكوت

في 12 / تشرين أول / 1964

الـقـصـيـدة هي الاولى بـعـد خـروجـي مِـن الـتـوقـيـف في 12 شـبـاط 1964، قُـرئـتْ مـقـاطـع مـنـهـا فـي بـرنـامـج بـراعـم فـي الـطـريـق مـن اذاعـة بـغـداد

أُحِبُّ صلاة عينيك ِ

ففيها رَوْح ُ ريحان ِ

*

وفيها طُهْرُ مَنْ صلَّى

وأخلصَ حُبّهُ الحاني

*

وفيها الرَّاحُ يُثْمِـــلُني

وما تغشاهُ يغشاني

*

ففيــــك ِلَمَسْتُ لؤلؤة ً

مُطَرَّزَة ً بإنســــــــــان ِ

*

وفيك ِقرأتُ عولـــمة ً

لكل ِخزين ِ وجــــداني

*

قَطَفْت ِ شبـــابَ أيامي

فأوْرَقَ فِيك ِ فتَّـــــاني

*

ربيعُك ِ صافَ في قلبي

وأزهرَ فيه ِ ريعــــاني

*

أيا أشهى مِنَ الأشهى

أيا تفــــاح لبنــــــــان ِ

*

أيا منضــــودة ً شِعْرًا

أيا رُمَّان إيــــــــــران ِ

*

أيا موضُــــــونة ًحُبَّاً

بِطَرْفك ِزادَ إيمـــاني

*

أنا أشْرَكْتُ فيك ِهوىً

هداني إليه ِشيطاني!

*

فأنت ِأولى تــــجربتي

وسِرُّنجاح ديــــــواني

*

وأنت ِســـــماءُ بار ِقة ٍ

حَوَتْ أشـــواق أمزان ِ

*

وأنت ِبـــــلاد عاطفة ٍ

بقافيـــــــــة ٍ وأوزان ِ

*

وأنت ِرَؤودة ٌ... أنت ِ

طرياً غُصنك ِالبــــان ِ

*

وأنت ِالآية الفصحى

لسانك ِ ضـــاد تبيان ِ

*

سأنْظُمُ فيك ِأوطــاناً

وأسكُنها بــلاد ثـــان ِ

*

حُــدودي أنت ِ في كلٍّ

وممــلكتي وسُــلطاني

*

فَسيحي أينمــــا شِئْت ِ

وما أشجاك ِ أشجـــاني

*

فإنْ ضاقتْ بك ِالدنيا

فَرَحْبُ القلب ِعُنواني!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

 

خرج "سلام" قبل أن يتشقق الليل عن خيط الضوء الأول.

الطريق إلى السوق كان رطبًا من ندى الفجر، والهواء باردًا بما يكفي ليوقظ في الصدر إحساسًا غامضًا باليقظة.

في الليلة السابقة، كان جالسًا مع "عبد العليم" في المقهى الصغير عند رأس الحي. دار الحديث طويلًا عن الأسواق. قال عبد العليم وهو يحرّك كأس الشاي ببطء:

- السوق ليس مكانًا للبيع يا "سلام"… إنه امتحان يومي للأخلاق.

ضحك يومها، لكن العبارة ظلت عالقة في ذهنه.

عند بوابة السوق كان الفجر يتسلل مثل لصٍ خفيف.

الخيام ترتفع ببطء، الحبال تُشدّ، بهائم تُساق، ووجوه الناس تتجمع من الطرقات البعيدة.

اختار "سلام" صخرة عند جذع شجرة عتيقة. جذعها مجوف قليلًا، وأغصانها اليابسة تمتد في الهواء كأصابع تتذكر شيئًا ضاع منذ زمن.

جلس يراقب السوق وهو يولد.

صوت بائع يساوم.

صهيل حمار.

ضحكة طفل.

رائحة قهوة تغلي في إبريق أسود.

كل شيء بدا عاديًا… حتى انشق الهواء فجأة:

- لص .. لص..

ثم تكررت الصرخة، أعلى:

- لص ... أمسكوه ...

انتفضت الجموع.

رأى سلام شابًا يركض كأنه يهرب من ظله، وخلفه رجل بدين يلوّح بذراعيه:

- محفظتي.

اندفع أربعة شبان خلفه. كانوا يركضون بخفة الصيادين، يصرخون ويضحكون في الوقت نفسه.

اختفوا جميعًا بين الخيام.

اقترب سلام من خيمة تاجر عجوز يبيع أقمشة بيضاء.

قال:

- ما الذي حدث؟

رفع الشيخ رأسه ببطء، كأن السؤال قديم.

قال:

-  لا شيء جديد… مجرد صباح آخر في السوق.

صمت لحظة، ثم أضاف:

-  منذ سنوات كان الناس يتركون نقودهم فوق الطاولة ويذهبون للصلاة. الآن يخفونها داخل صدورهم… ومع ذلك تضيع.

أعاد ترتيب قطعة قماش، ثم قال:

-  الرجل المسكين باع ثوره قبل قليل… ولم يحتفظ بالثمن إلا دقائق.

عاد سلام إلى صخرته.

جلس.

راقب السوق.

راقب الوجوه.

كان الضوء ينتشر ببطء، كأنه يفضح شيئًا.

بعد نصف ساعة ظهر الشبان الأربعة من بعيد. كانوا يمشون متجاورين. على وجوههم ابتسامة صغيرة… ابتسامة لا تشبه التعب بعد المطاردة.

وقف سلام وسأل:

- أمسكتموه؟

مر ثلاثة منهم دون أن يلتفتوا.

أما الرابع فتوقف. نظر إلى سلام طويلاً، وكأنه يعرفه، ثم اقترب.

مال نحو أذنه وهمس:

- أمسكناه يا عم.

توقف لحظة.

ثم قال:

- لكنه أعطانا نصيبنا.

ابتعد الشاب.

وبقي سلام واقفًا.

بعد دقائق عاد الصراخ.

- لص، لص،...

التفت سلام.

كان فلاح آخر يركض، يصرخ ويضرب كفيه ببعضهما.

أمامه … ثلاثة شبان يركضون.

الوجوه ... الصيحات ... المطاردة...

حدّق سلام طويلًا.

شيء بارد مرّ في صدره.

فهم فجأة أن السوق لم يكن يطارد لصًا.

بل كان يطارد "حكاية".

نظر حوله.

الناس يركضون.

الضحكات تتصاعد.

الصرخات تتكرر.

والشجرة العتيقة وحدها كانت واقفة… كأنها شهدت هذا المشهد آلاف المرات.

مدّ سلام يده إلى جيبه ليتأكد من محفظته.

لم يجدها.

رفع رأسه ببطء.

عندها فقط فهم.

أطبق سلام على جذع الشجرة.

وتمتم بصوت خافت:

- انتهى الكلام.

***

الحسين بوخرطة

تمضي الحرب بالأحلام إلى الهاوية

تصير الأحلام جثثا ملقاة على الشوارع

تصير الشوارع والأزقة ساعة الحرب

أطلالا تحن لصخب الطفولة

وحكاية الجدات

كوجوه الجنود الغرباء

تصير الحياة عند الحرب

جامدة وباردة كالرخام

بلا ملامح وبلا قسمات يصيرها القصف

كأنها تتشبت بالأغصان

قبل أن يجرفها طوفان الموت

الحرب رفيقة الخراب والأسطورة

الحرب سليلة الموت وحد السيف

تعشق الفنيق حد التلف

من رمادها تنهض كمجوسية

مفتونة بالنار لتحرق كل شيء

النافذة والشارع والغابة

وخطى الأطفال والحديقة

والشرفة المطلة على زرقة البحر

ساعة الحرب تكبر المتاهة

ويطل الخوف من الجراح

وعيون الأمهات

وهو يلتحف السماء عند الحدود

الحرب لعنة تدمي القصيدة والحكمة

وهي تمضي بجنون إلى وهم النصر

غير مبالية بالخسارة .. تلو الخسارة

وأطلال الديار ..

والجراح النازفة..

***

عبد الرزاق اسطيطو

الى ابنة أخي مشكاة (بلقيس)*

فـــي سكونٍ كنتِ أو فـــي حـــــركهْ

كيفمـــــا كنتِ ففيــــــكِ البرّكــــــــهْ

*

عندمـــا ألقاكِ تغـــــدو فـــي رضى

وســـــلامٍ نفســــيَ المُرتبكــــــــــهْ

*

فيــــكِ يــا مشكـــاةُ يــا بنتَ أخــي

فيضُ نــــــــورٍ قـــدْ أراني سككَـهْ

*

والذي أدهــشَ عقلــــــي شَبَـــــــهٌ

فيــــكِ مـن بلقيس تلكَ الملكـــــــهْ

*

فاسألــــي الهدهدَ فــي دارِ أخــــي

فهْـــــوَ ذو علـــمٍ بسـرِّ التَركـــــهْ

*

حـــازهـــا كــــرّارُ فليسعدْ بهـــا

بوركَ الدربُ الذي قـــــدْ سلكـــهْ

*

وجميــــلٌ يتقصّــى نجمــــــــــةَ

فارقــــتْ منذُ زمــــــانٍ فَلكـــــهْ

***

جميل حسين الساعدي

............................

* اشارة الى الشبه الكبير بين ابنة اخي وبلقيس ملكة سبأ

لهذا أعطيتها اسما ثانيا (بلقيس)

* كرار: هو زوج ابنة أخي

* في حديقة أخي كان هناك هدهد يحضر كل صباح وأنا أراقبه عن كثب

في منتصف الليل

تطاردني سحابة سوداء

حيث يتلاشى صمت الرذاذ المتهجم

وراء انكسار قوس قزح

ثمة احتمال كبير

أن اصبح تائها في دروب

لا يحدها زمان ولا مكان

اكتشفت أنني أمشي وأنا نائم

على سرج غيمة

فتراءى لي أن ذاكرتي ضعيفة

أصحو على نغمات ناي حزين

فأظل أردد صداه

أضرب على طبلة الحرية

وأمتي تعاني من الذل والهزيمة

لست أطيق التوكأ

على شرفات لا تعرفني

أبحث عن قصيدة في جسد التيه

تحت مصباح سحري

سوف أحتاج الى معاويل صدئة

للنبش عن الهام شعري كان قد اغتالته

القوافي الشائكة

في دهاليز البحور الغادرة

حياتي رواية

مكتوبة بحبر سري

لا تنتهي صفحاتها

أشعر بأني على وشك

اكتشاف كل تجاعيدي

التي تأخرت عن وقتها

في البدء كانت المرايا

تتهرب من ملامحي

وتسخر من وجهي

ثم تهز راسها عزة وكرامة

غير أن قدري

يجرفني نحو شيخوخة صامتة

لا تقول شيئا

وتخفي الكثير من خبايا وأسرار

عن أمة محتلة يسوسها محور الشر الثنائي

في قريتي المستضعفة

أطلق الحاكم المتعجرف كلبه الشرس

على مهارشة الديكة

كي يكبت ويطمس صياحهم

الذي طالما ازعج نومه بعيون مفتوحة

في زمن الخيانة

لا أحد ينجو من الكلاب المسعورة

***

بن يونس ماجن

في مديح الرسول

صلى الله عليه وسلم

***

من حديثِ الرسولِ فاضَ الماءُ

فإذا الأرضُ والغيومُ ارتواءُ

*

كلُّ قولٍ لفظْتَهُ يا حبيبي

ردّدتْهُ على مداها السماءُ

*

ذاكَ نورُ الأكوانِ أُطفئَ لمّا

قد تبدَّى جبينُكَ الوضّاءُ

*

همسَ العشبُ للرياحِ استكيني

وقفي في المدارِ يا جوزاءُ

*

أيُّ طفلٍ هذا الذي حينَ يبكي

سوفَ تندكُّ الصخرةُ الصمّاءُ

*

بلَّ ريشَ الوِسادِ دمعٌ طَهورٌ

فإذا الريشُ دوحةٌ خضراءُ

*

ما حليباً أُرضِعْتَ لكنْ شراباً

من جنانٍ وثغرُكَ الأشذاءُ

*

أيُّ طفلٍ هذا الذي حينَ يصحو

معَهُ تصحو هذهِ البطحاءُ

*

قالتِ الأرضُ للسماءِ غُروراً

سارَ فوقي نبيُّنا المشّاءُ

*

ضَحِكَتْ عندَها السماءُ وقالتْ

سوفَ يأتي المعراجُ والإسراءُ

*

ذُقْتَ طعمَ الفُقدانِ والعودُ غضٌّ

يا لَحزني عليكَ يا بكّاءُ

*

لم يعدْ منهما أمامَكَ إلا

محضُ طيفٍ وسيرةٌ بيضاءُ

*

رُحْتَ ترعى الأغنامَ هل كنتَ تدري

سوفَ ترعى ممالكاً لا تُساءُ

*

كلُّ مرعىً تمرُّ فيهِ خصيبٌ

كلُّ زرعٍ على يديكَ نمَاءُ

*

رملُ هذي الصحراءِ صارَ نجوماً

ومنَ الصخرِ فُجِّرَتْ أنداءُ

*

إنَّ هذي الحياةَ تبدو كغصنٍ

ساكنٍ لم يهزَّهُ العظماءُ

*

فكرةُ الخلقِ ذاتَ وحيٍ تجلَّتْ

لكَ كالطيرِ فالغصونُ انتشاءُ

*

يا لَدعواكَ عمَّتِ الكونَ إنْساً

والجماداتُ كلُّها إصغاءُ

*

قد عرفناهُ صادقاً وأميناً

رُبَّ فضلٍ شهودُهُ الأعداءُ

*

ليسَ دعواكَ مثلَ نارِ هشيمٍ

بل كمخنوقٍ قد أتاهُ الهواءُ

*

مكّةُ الآنَ تزدهي بنبيٍّ

كلُّ بيتٍ من ذكرِهِ سيُضاءُ

*

لا تقولوا ذي فتنةٌ بينَ قومٍ

بل فقولوا شريعةٌ سمحاءُ

*

قبلَ غزوِ السيوفِ يغزو بقولٍ

يدخلُ القلبَ فالقلوبُ صفاءُ

*

كلُّ نخلٍ في الأرضِ قد ودَّ لمّا

شِدْتَ بيتاً يكونُ منهُ البناءُ

*

حينَ تمشي كلُّ الجهاتِ تناديـ..

كَ لكي تنمو فوقَها الأفياءُ

*

حينَ غادرتَ مكّةً ذاتَ حزنٍ

ودَّعتْكَ الشِّعابُ والأنواءُ

*

كنتَ تدري أنْ سوفَ ترجِعُ فيها

تاجُكَ الدينُ في يديكَ القضاءُ

*

يا دليلَ الصحراءِ قد تاهَ قلبي

ذاكَ تيهٌ يكونُ منهُ الجلاءُ

*

يا دليلَ الصحراءِ ما ليَ أُسقى

ثُمَّ أُسقى ولا يكونُ ارتواءُ

*

يثربُ الآنَ تشرئبُّ اشتياقاً

بشِّرونا يا أيُّها الرُّقَباءُ

*

لا تقولوا لنا سرابٌ كَذوبٌ

فهْوَ إنْ بانَ ليسَ فيهِ افتراءُ

*

عندما لُحْتَ من بعيدٍ إليهم

ركضَتْ نحوَكَ الذُّرى والفضاءُ

*

سمِعَتْ عنكَ بذرةٌ في ترابٍ

فاستطالَتْ وطابَ ذاكَ اللقاءُ

*

يثربُ الآنَ تزدهي وتغنّي

طلعَ البدرُ عندَنا والسناءُ

*

ثُمَّ تمضي الأعوامُ والحقُّ يعلو

رايةُ الدينِ كُفْؤُها الأُمَناءُ

*

عندما قُمْتَ في الوداعِ خطيباً

ذرفَ الدمعَ مِنبرٌ ورداءُ

*

يا رسولي إليكَ أسعى وخلفي

أمّةٌ نصفُ أهلِها شُهداءُ

*

جئتُ أسعى من أرضِ ذي النونِ عندي

من حكايا لها يشيبُ اللِّحاءُ

*

أكلوا العشبَ ذاتَ جوعٍ وحربٍ

ثُمَّ ماتوا كأنّهم غرباءُ

*

يا رسولي قد حمَّلَتْني سلاماً

نينوى والمنارةُ الحدباءُ

*

فعسى أن أراكَ طيفاً بحُلْمٍ

نظرةٌ تكفي كي يزولَ العَماءُ

*

وعليكَ الصلاةُ ما دقَّ قلبي

وتغنَّتْ في عُشِّها الورقاءُ

***

د عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

 

تعلَّم، أيُّها اللائكُ لعلكةَ البحث،

أنَّ السؤالَ لا ينبت مصادفة، كنبات طفيلي،

بل ثمرةٌ غامضةٌ تنضجُ في بساتين الحيرة....

إنْ تأمَّلتَه، ليس واحدًا كما يبدو،

بل هو بستانُ مذاقاتٍ خفيّة.

بعضُه مُرٌّ

كجذرٍ اقتُلِع من تربة اليقين،

يترك في الفم طعمَ الشكِّ

ويوقظ في الروح عطشَ المعرفة.

وبعضُه حامضٌ

كفاكهةٍ لم تكمل شمسها،

يعصرُ الفكرَ قليلًا

ثم يتركه يقظًا

مثل نافذةٍ فُتحت فجأةً على الريح.

وبعضُه حلوٌ

كقطرةِ عسلٍ سقطت من خلية الحكمة،

يذوب ببطءٍ في الوعي

حتى يكتشف المرءُ، أنَّ الإجابة كانت تنام في داخله منذ البدء.

*

وللأسئلة أيضًا أنوارٌ،

تتدرّج بين الضوء والعتمة،

مثل فجرٍ يتعلّم كيف يولد من الليل.

منها ما يلمع

كفكرةٍ خرجت تَوًّا من يد البرق،

ومنها ما يتعثّر في الظلال

كطفلٍ يتهجى اسمه في ضوضاء الجمع

*

و مقاييسها الخفيّة،

أطوالٌ تمتدّ مثل أنهار الفكر،

وأوزانٌ تثقل وتخف،

وأعماقٌ تُقاس

بمدى اتّساع القلب للدهشة.

*

فاحذر، أيُّها السائرُ في طرق المعنى،

أن ترمي سؤالًا

كحجرٍ أعمى في بئر الكلام.

اصقلهُ أولًا

كما يُصقَل الضوءُ في عين الفجر،

و ِزنهُ

كما يزن الصائغُ ذهبَ الحكمة.

فالسؤالُ الدقيق

هو المفتاحُ الوحيد

الذي يعرف كيف يوقظ الأبواب.

أمّا السؤالُ المرتبك

فليس سوى ضبابٍ

يمرّ على المعنى

دون أن يراه.

***

مجيدة محمدي - تونس

 

مِحراب الشتاتِ وأولُ الوجع

مَقامُ العقيق

***

​(1)

عِندَ مَصَبِّ الوقت

حيثُ انكسَرَ المنادى

كانَ البحرُ يشربُ انفعالي

والغروبُ يلملمُ ما تبقّى

من جَسدِ المسافةِ

لستُ أدري:

هل كنتُ وحدي؟

أم أنَّ الشتاتَ صارَ

مأوايَ الأخيرَ

وأنا رُفاتُ الضوءِ

في قاعِ الحكاية

​(2)

أقفلتِ الشعاعَ

فانفجرَ في جُرحي نهارٌ

من نَزيف

هناكَ ليلٌ لا يُحدُّ

يسكنُ خلفَ سينِ السرِّ

وأنا أُقطّرُ روحي في

محابرِ العقيق

أقرأُ ما شابَ نوري من

هشيمِ الفقدِ

لغتي ارتمتْ فوقَ

سريرِ الغياب

وقلبي الذي كانَ

يحرسُ مَمَرّاتِ الوفاءِ

تكلَّلَ بالسوادِ..

حتى أضحتِ الجهاتُ

حقولاً من حدادٍ صامتٍ

تُعيدُ تكوينَ أنايَ في

مَداراتِ الرّماد.

​(3)

ها أنذا..

أشرعُ نوافذَ الأرقِ

لِريحٍ مجهولةِ الأنساب

أقبضُ على أشيائِكِ

بيَدينِ من غمام

وأهبطُ في سُجودِ اللهفةِ

وداعاً يا سُلالةَ النبعِ

الذي فاضَ في دمي

سأمكثُ في إسراءِ

حنانِكِ

وأصعدُ في معراجِ

شوقٍ لا يشيخُ

يا امرأةً ذابتْ في

ملكوتِ الحلمِ

وتركتْ لي شغفاً يقتاتُ

على الأَثَر

***

مرشدة جاويش

 

يدي قدّمت ما يكفي...

لتتحرّر من فكرة العطاء..

سئمت مهمّتها المقدّسة..

صُنعُ السّكك التي تؤدّي إلى أحلامهم..

سمعتها تبكي.. البارحة

هدهدتُها.. بحكاية عن القمر الذي في كلّ مرّة..

يكتمل..

كالفكرة يكتمل..

"ستتعلّمين النّوم في الحرير..

حين تكتمل الفكرة.. "قلت

وكان قلبي.. يضحك ساخرا وانا ابيع الوهم

الى يدي المتعبة..

اغنّي لها حتّى تنام...

يلزمني كثير من الأغنيات..

لاقنع يدي بالنّوم.. قبل أن يصيح القلب

فتنهض..

لترتّب السّكك.. من جديد.. !!

***

حياة بن تمنصورت - تونس

ينفضُ الشهداءُ في آخرِ الليلِ أكفانَهمْ

ويعودونَ نحوَ الوطنْ

ويقولونَ ما قدَّموهُ قليلٌ

واِكمالُهُ سوفَ يحتاجُ بعضَ الزمنْ

***

شعر: كريم الأسدي - العراق

يا…

تصعد النوافذ على السلالم

السلالم على النوافذ تصعد

بإمرة الذكاء الاصطناعي

والطرقات تدور كحيوانات كسولة

السيارات تسبح في برك شاي ناري

تصفر للناس بخرائط مقلوبة

الأشجار تكتب رسائل حب للقمامة

وتضحك عندما تحاول الطيور التقاطها

*

القذائف، مثل عصير فاسد

تسقط على المارة قطرات طاعون أسود

تلطخ المدن بالحُفر

الشمس ترتدي قبعة من أقدم طراز

وتتفرج ساخرةً على كل شيء

تصيح للعائلة: "هل تستطيعين حمل هذا الجنون؟"

*

الباعة يصرخون بالحروف المقلوبة

والرصيف يتجهم تحت أقدام المارة

الساعات تنزوي كبيض مكسور

والكتب تهرب من الرفوف إلى الشوارع

تصرخ: "اقرأوني قبل احتراقي!"

*

الشياطين ترقص في ديسكو الصواريخ

الضحك أصبح دخانًا ملتويا بين المصابيح

والصمت ريشة غريبة تكتب على جدار الرأس:

"مرحبًا بك في عالم الخوازيق!"

*

السماء مصنوعة من أجنحة البط

والريح كسولة، تأخذ القمامة إلى أماكن مجهولة

تنهار الحقيقة قبل صياح الديك

كل شيء يتنفس بالعكس

يتجول في الغرفة كأنه يحلم بنا

والحياة كلها تقول بيأس:

"هذا هو عالم الركوب الذكي."

***

بولص آدم

هذا المساء يهبط البرد هادئاً على النافذة رغم ضجيج الحرب؛ لكنّني أتمرّد مجدّدا وأمسك فنجان قهوتي الأثير بين يديّ بحنوّ ليرسل بخاره في خيطٍ رقيقٍ يصعد ببطء، بينما يتسلل صوت قديم من الهاتف، ويا له من همسٍ أليم.

إنّها مرثية الشاعر الجاهلي عبد يغوث الحارثي تجتاح روحي، ولطالما أحاطتني الدّهشة عندما كنت أقرأها في سنوات دراستي الجامعيّة، والآن ها أنذا أُمرّر أصابعي على المقطع الغنائي كمن يربّت على جرحٍ قديم، فتتردد الكلمات في الغرفة: "ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا

وما لكما في اللوم خير ولا ليا".

تهتزّ الجملة في داخلي كجرسٍ بعيد يفزعني، ويبدأ الزمن لعبته الخفية على لحظة صغيرة من الحاضر فتفتح باباً واسعاً في الذاكرة.

القهوة ما زالت دافئة غير أنّ المساء ينسحب قليلاً إلى الخلف، ويترك الطريق لطفلةٍ تركض في حقلٍ بعيد.

أراها الآن بوضوحٍ يكاد يلمس الأرض ممتدة تحت شمسٍ ذهبية، وفي وسطها يقف البئر صامتاً عميقاً يحفظ أسرار المكان.

تدور حول صحنه الحجري خطوات الطفولة، وتتشكل ألعابٌ لا يعرفها أحد سواها.

ما هي إلّا لحظات حتى تجلس الطفلة على حافة الصحن، وتدلّي قدميها في الهواء، ثمّ تطيل النظر في الماء الذي يرتجف ببطء.

إنّه وجهٌ صغير يطل من العمق، فيبتسم لها كأنه يعرفها منذ زمنٍ طويل.

تلتفت الطفلة نحو أطراف الحقل الذي تتناثر الورود البرية في فضائه، فتنهض بخفة العصافير وتمضي تجمعها في كفّيها الصغيرتين.

هناك، قرب البئر تبدأ طقوسها السرية مع إبر الصنوبر التي تتحول بين أصابعها إلى أدوات دقيقة، والزهور تستسلم برفقٍ ليدٍ خبيرة ببراءة الأطفال.

تمر الإبرة في سيقان الورد، ويلتقي العشب بالعشب، لتولد من ذلك كله قلائد وأساور وتيجان.

تتسع عيناها بالدهشة كلما اكتمل شكلٌ جديد، وكأنها اكتشفت كنزاً خرج تواً من قلب الأرض.

تضع الإكليل فوق رأسها، وتميل قليلاً نحو الماء فترى صورة الأميرة ترتجف على السطح الهادئ.

تضحك الطفلة ضحكةً واسعة بينما تمرّ الريح في الحقل وتحرّك العشب، والبئر يظل صامتاً كحارسٍ يبارك هذه المملكة الصغيرة.

فجأةً تهبط أسراب الطيور من السماء في خطوط سوداء منتظمة وخفيفة ترسم دوائرها فوق الحقول، فتقفز الطفلة من مكانها وتبدأ الركض.

تركض وتركض بلا غاية واضحة لركضها، فقط ذلك الشعور العجيب بأنّ الجناحين قريبان، وقد يسمح لها الهواء ذات يومٍ بأنْ تشاركه الطيران.

يلامس العشب قدميها، والضحكة تتدحرج خلفها.

لا زالت تركض والسماء تتسع أكثر كلما ابتعدت الطيور.

يتباطأ الركض، وتعود الأنفاس إلى صدرها، ليقودها الطريق ثانيةً إلى الصحن الحجري للبئر، ذلك الذي يعرف خطواتها.

تنحني قليلاً، وتغمس أصابعها في الماء البارد، ثمّ ترسم دوائر صغيرة فوق سطحه.

تواصل الرسم، وتهمس بصوتٍ يكاد يذوب في الهواء:

هل رأيتني؟ كدت أطير.

يأتي صوت أمّها من بعيد، ليقطع خيط الحلم قليلاً، فيتردد النداء فوق الحقل. الطفلة تلتفت نصف التفاتة، تبتسم، ثم تؤجل العودة لحظةً أخرى.

كان النهار طويلا، والطفولة أوسع من أنْ تضيق بنداءٍ واحد.

أرفع رأسي الآن، وقد عاد المساء إلى الغرفة بهدوئه الأول.

فنجان القهوة صار أكثر هدوءا، وبخارُه بدأ يختفي شيئاً فشيئاً، لكنّ الأغنية ما زالت تدور في المقطع ذاته، وصوت عبد يغوث يشقّ الزمن من عمقه البعيد: "ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا".

أمرّر إصبعي مرةً أخرى على الشاشة بيد الطفلة التي لم تغادر بعد، فما زالت تركض في الحقول، وما زال إكليل الورد يميل فوق رأسها، والبئر يحتفظ في مائه بضحكتها الأولى.

يمضي الزمن في الخارج كما يشاء، وعلى الباغي تدور الدوائر، غير أنّ داخلي يحتفظ بذلك المشهد حيّاً، طفلة تصنع حليّها من الزهور، وتصل بينها بإبر الصنوبر، وتلاحق الطيور فالسماء بابٌ مفتوح لها وحدها.

وفي الوقت الذي يثقل فيه الصمت حولي، ويأتي اللوم من هنا وهناك، من لوم على شرودٍ مفاجئ، أو على حنينٍ يلمع في العينين، أترك القهوة جانباً، وأصغي مرةً أخرى لصوت المرثية القديمة، ثم أبتسم في هدوء المساء وأقول:

ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا…ففي القلب طفلةٌ تركض حتى الآن.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

في مساء المحطاتِ

ثمّةَ قطارٍ يقلني إلى المدينة التي تستهويني ويستطيبها ذاتي!

كعادتي أختار بنفسي مقعد جلوسي...

لكنَّ هذه المرّة... مقعدي لم يكن مِن اختياري أو على مرامي...

فهوُ عكسُ اتجاه السير!

حسنًا عليَّ القبول والجلوس...

فإنّكَ أنتَ مَن تضفي على الأمكنة والأشخاص المعنى!.

طوالٌ هي ساعاتُ السفرِ.. لكنّها جميلة...ممتعة متى عرفَ المرء كيف يستثمرها!...

تكتبُ، تقرأ، تُصلي، تستمعُ إلى موسيقى...

تشاهدُ ما يلبي ذائقتكَ..ترد على مكالماتٍ ورسائل مؤجلةٍ...

بينما الرّياح الهوجاء التي تحركُ طوحين الهواء

تحملني على الهيام بكتابةِ خاتمة آخر مؤلفاتي!

أكتبُ لأنَّ الكتابةَ موهبتي وهوايتي ومتعتي وعشقي...

عسى أن أتركَ بصمة على جبين الّليل!

رغمَ هذا الوقت لا يمضي ولم يزلْ لرحلتي الكثير!!

فجأةً... ازحتُ ستارة النافذة ... تطلعتُ في ليلٍ دامسٍ

ثمُّةَ مناظرَ آسرتني... تهللت اساريري بمشاهدتها...

لقد آلفت هذه المشاهد الخلاّبة في أوروبا...:

نحلةٌ... تمرحُ بفرحٍ بينَ الورودِ...

حدائقُ ورودٍ في ممراتٍ خضراء تأخذ بلبكَ

فتفتح شهيتكَ على الوجودِ!

سواقي مياهٍ جاريّةٍ...

وقمرٌ متأنق ومتألقٌ يسطعُ ونجومٌ تشعّ في العلا!

آهٍ ... لو أمكنني ايقاف القطار والنزول والسير هُناك...

فالشواطئ في اللّيلِ

لها مِنَ الموجِ صدى يتردد كسيمونيّةٍ...

بينما القواربُ المترنحة

كأنها ترسو في ميناء قلبي!.

حتّى الثمار المتدلاّة مِنَ الشجر...

وجدتها تطالعُ الطالع مِنَ القمر والنجوم فوق القممِ

بينما كان بوسعي رؤية الأشجار ورائي وهي تترنحُ مع الرّيح.

سرعةُ القطار المعتدلة جعلت النعاس يغالبني

ومن يدري؟ لعلّ هذا سرّ القطاراتِ!

فبقدر ما يكون الّليل متالقًا يكون كمالاً وبهاءًا وهدوءًا....

أغمضتُ عيني ورحتُ أتخيل

كيف ساصعد المنطاد؟

وكيف ساركب الخيل ...؟

وماذا عن العومِ مع الدلافين؟

والطيران في هليكوبتر دونَ أن أكتب وصيتي؟

عزيزي القارئ

هناكَ مدن وعواصمَ تستهويكَ مِن أول نظرةٍ ووطأة قدمٍ وزيارة

وهي تستبشر برؤيتكَ خيرًا وتاخذكَ بالاحضان

في عناقٍ حميم مِن الطلّةِ الأولى!

صحوتُ على صوتٍ:

ألا قلتْ لي كم الوقت الآن؟

هذا ما قالته المضيّفة لي وهي تقدم وجبة العشاء مع الكابتشينو بالعسل الصناعي!!.

لقد نسيت أن أغيّر توقيت ساعتي

فعقارب السّاعة... يجب أن تمضي إلى الأمام.

تصبحون على خير!.

***

الأب يوسف جزراوي

"يا ظُلمةُ في أُفُقي

يا قَلقي،

شُدَّ على تجدّدي ومزَّقِ

واعصفْ به وحَرِّقِ،

لعلَّ في رماده

أبتكرُ الفجرَ النقي"

أدونيس

***

تقدمة

في هذا النشيد، يتحرّك الحنين كضوءٍ صغيرٍ يخرج من عتمةٍ طويلة،

وتنهض في الروح رائحةُ وردٍ لم يولد بعد

الليل هنا ليس ستارًا، بل مساحةٌ تصغي للصمت،

والصباحُ يبدأ من خفقةٍ واحدة،

تفتحُ للروح طريقًا يمرّ بين الماء والضياء،

وتتركُ في القلب أثرَ بشارةٍ لا تنطفئ

القصيدة:

أُحِبُّكِ… يَهْتَزُّ الضِّياءُ عَلَيَّ، وَيُفيضُ مِنْ كَفِّكِ نَبْعٌ يَمُورُ

وَيَمُرُّ في صَدْري نَسيمٌ رَخيٌّ، يَحْمِلُ هَمِّي، ثُمَّ يَصْعَدُ نُورُ

يَجْري النَّهْرُ… والدَّرْبُ يَفْتحُ بَابًا لِلْحُلْمِ، لِلصَّحْوِ الَّذي يَتَجلَّى

لَوْ غَفلَ النَّهْرُ اسْترَقْتُ صَدَاهُ، وَسَقَيْتُ مِنْهُ جِرَاحي ظِلالًا

أُطَارِدُ النُّعْسَ الَّذي في جُفُوني، فَيُفيقُ في رُوحي وُعُودٌ تُهَلَّا

وطَرِيقُكِ الخَفَّاقُ يَمْسَحُ جُرْحي، وَيَمُدُّ في دَمِّي حَنينًا تَوَلَّى

تَسْري خُطَاكِ في دِمَاءٍ تَفُورُ، فَيَمُوجُ فِي صَدْري غِنَاءُ الرِّيَاحِ

وَأَمْشي في ظِلِّ انْبِثَاقِكِ حِينَ يَنْفَتِحُ السِّرُّ ويَرْتَفِعُ اللَّاحِ

جَاءَ الظَّلامُ… فَانْحَنى فَوْقَ بَابي، وتَراجَعَ الأُفُقُ القَديمُ خُطَاهُ

وتَثاءَبَ اللَّيْلُ الثَّقِيلُ كَأَنَّهُ يَحْمِلُ مِنْ دَرْبي خُطُوبًا طَوَاهُ

مِنْ كَفِّكِ الرَّحْباءِ يَنْهضُ نَفحٌ ويُقيمُ في رُوحي صَدًى يَتَمدَّدْ

ويُفرْفِرُ الطَّيْرُ الَّذي في دَمي إِذْ لَامَسَتْ رُوحي نَدَاكِ نَقيًّا

أَيْقَظَني هَمْسٌ مِنَ الفَجْرِ يَسْري، فَانْشَقَّ في صَدْري ضِياءٌ مُعلَّقْ

وسَرى النَّسيمُ عَلَى خُدُودي لَحْنًا يَكْتُبُ في جَفْني صَفاءً مُوَرَّقْ

وَاهْتَزَّ وَرْدٌ كَانَ يَخْفى طَويلًا، فَانْهَلَّ مِنْهُ طَلٌّ يُمَشِّطُ ضَوْءَهْ

وتَفَتَّحتْ أَغْصَانُ رُوحي شَيْئًا حِينَ ارْتَفَعْتِ عَلَيَّ وَارْتَقَى وَجْهُكِ

هذَا الضِّياءُ… كَأَنَّهُ دَرْبُ مَاءٍ يَخْرُجُ مِنْ جَوْفي وَيَرْفعُ نَبْضي

وَيَفُورُ في عَيْنيَّ فَجْرٌ نَديٌّ يَكْتُبُ في صَدْري خُرُوجِي وَرَفْضي

أُحَدِّقُ فِيكِ - سَمَاءَ رُوحٍ تَنَامَتْ - فَأَرَى الَّذي ضِعْتُ البِلادُ لِأَجْلِهِ

كَيْفَ أَنَامُ وَيَدَاكِ في صَدْري تَكْتُبَانِ النُّورَ… تَسْتَرِدَّانِ ظِلَّهُ؟

في خَافِقي بَحْرٌ، ومَوْجُكِ فِيهِ يَرْفَعُ مِنْ دَرْبي جِرَاحًا وُئِدْنَا

وَيَرُفُّ في صَدْري نِداءٌ بَعيدٌ يَحْمِلُ مِنْ لَيْلِكِ لَحْنًا تَبَدَّى

هَبَّ النَّسيمُ عَلى جِرَاحي حِينًا، فَارْتَدَّ في صَدْرِي ضِياءٌ يَسْري

وتَناثَرتْ أَجْفَانُ عُمْري نُورًا حِينَ ارْتَفَعْتِ عَليَّ فَانْشَقَّ عُمْرِي

تَحْمِلُكِ الرِّيحُ الَّتي في دَمي، ويُضيءُ مِنْ وجْدِكِ كُلُّ مَمرٍّ

كَمْ قُلْتُ لِلَّيْلِ: أَطْفئْ ظِلِّي يَوْمًا، حَتَّى يَجِيءَ الضَّوْءُ مِنْكِ ويَمُرّ

**

الكودا

يُبَشِّرُني نَبْضُكِ في لَيْلِنا، فَيقُومُ في صَدْري غِناءٌ يُزْهِرْ

مَا دُمْتِ في قُرْبي يَدًا دَافِئةً، لَنْ يَنْطَفئِ السِّرُّ الَّذي فِينا يُحْضِرْ

هذَا غِنَائي - رِقَّةُ وَرْدٍ - وهذَا صَدايَ الَّذي يَصْعدُ سِرًّا

***

د. سعد محمد مهدي غلام

حَلتَ عما قريب،

عَلى دربك مشرقًا،

وفي أعقابك، ظلامٌ حالك،

غابت الأنوار، وأقبل السواد.

تقدمتك الظلال خلسةٍ،

كأشباحٍ تطارد الأنفاس،

خفيةً كسرابٍ في المدى،

فاتبعتها،

مضيًّا في درب الظلام.

تحولت السماء إلى رماد،

متناثرًا كأحلامٍ محطمة،

يركض الناس خلف أنفاسهم،

باحثين عن نقاءٍ اندثر.

كأنهم يبحثون عن نسمةٍ،

تذيب الظلمات في صدر الليل.

انتظرتك الدلافين على الشواطئ،

أملًا في عودة الصفاء إلى البحار،

متحررةً من أدران المخلفات،

لكن ألسنة اللهب ابتلعتها،

وأمواج البحر احترقت،

فأصبحت جمرًا موقدا.

أطفالٌ تائهون،

عيونهم تراقب الأحلام المفقودة،

کانوا بأنتظارك لتصالح القلوب المنفصلة،

لكن أنفاس الشر كانت أسرع،

وغرقت الآمال في قلب الظلام دون الالتئام.

أماكن كانت تشع بالمعرفة،

صارت الآن مجرد رماد كتبٍ محترقة،

على مقاعد هجرتها الحياة،

والشر يقلب صفحاتها.

وهكذا رحلتَ،

وكنوز الأرض ما زالت بلا قسمة،

تلاشى نور شارعك،

وتلاشت خطاك في ظلك،

تقودك نحو فراغ اللامكان.

***

سوران محمد

.................................

As You Came

When you arrived,

your path shone with brightness,

and darkness stretched behind you.

The shadow stepped before you,

and you followed it.

*

The sky turned to smoke,

leaving people gasping for air.

The dolphins,

patiently awaiting the cleansing of the sea—

its waters choking on plastic waste—

were instead met by flames.

*

The wandering children,

hoping for their parents' reconciliation,

were suddenly swept away

by the suffocating breath of evil.

Neither reunion came to pass,

nor did the children witness it.

*

Now, where knowledge once thrived,

burnt books lay scattered on classroom desks.

Evil will be the one to turn their smoldering pages.

*

You've departed.

the Earth's treasures remain undivided.

the light on your street has dimmed,

and you are lost in the shadows that trail behind.

***

....................

کاتێك هاتیت

کە هاتی

 پێشەوەت ڕووناك

دواوەت تاریكی بوو،

ئەو سێبەرەی بە دواتا دەخشا

هاتە پێشتەوە،

تۆش شوێنی کەوتی.

*

ئاسمان بوو بە دوكەڵ،

مرۆڤەکان هەناسە سوار،

دۆلفینەکان

 کە چاوەڕوانی خاوێنکردنەوەی

پلاستیکەلانی ناو دەریا بوون

    دەریاش لێیان بوو بە ئاگر.

*

منداڵە پەراگەندەکان

کە چاوەڕێی

ئاشتبوونەوەی ژن و مێردە زیزەکان بوون

لە پڕێکدا هەناسەی شەڕ هەڵی لوشین

نە پێك گەشتنەوەو نە منداڵەکانیان بە دیداریان گەشتن.

*

ئەوا ئێستا لە بری زانست

کتێبە سووتاوەکانی سەر ڕەحلەی پۆلەکان

چاوەڕوانی ئەنگوستی ئەهریمەنن

پەڕەکانیان هەڵداتەوە.

*

ڕۆیشتی

هێشتا میراتی زەوی دابەش نەکرا بوو

تروساییەکەی پێشت کوژایەوەو

لەناو تاریکاییەکەی دواتەوەدا  ون بووی..

 

“كان يا ما كان في قديم الزمان”، كنا نسمع في كل رواية وقصة هذه المعزوفة، حتى صارت كليشة لكل إيقاع ولحن. هكذا بنى أسلافنا مدخلًا سرديًّا للمرور بسلاسة عبر محيطات القصص والأساطير الخرافية، وكأطفال كنا نستمتع بتلك الروايات الشائقة؛ لأنها كانت تثير فينا الحماس والتساؤل، وألقت بظلال من الشك على وجود كائنات تتجاوز المستحيل.

سأروي لكم قصة قديمة عن ذلك الجبل، الذي ظل قائمًا لقرون، شامخًا إلى درجة الاستحالة، بلا طريق إليه، ولا آثار أقدام، ولا صوت ينزل منه، ولا صدى يصعد إليه.

يقولون إن في أعلاه شيخًا عجوزًا، يعرف كل شيء، وقادر على كل شيء، لكنه لا ينزل، ولا يُرى.

في الأسفل، حيث الأرض القاحلة والخيام الممزقة، كانت الأقوام تتقاتل على فتات الحياة، وتروي حكاية ذلك الكائن كما لو كان حقيقة، أو خلاصًا، أو لعنة.

ذلك البطل الأسطوري الذي لم يره أحد، بل كان مستحيلًا الصعود إلى قمته لعوامل عدة، حيث كان الجبل يستقر على الأرض بشكل شاقولي، وسفوحه حادة، ولا أثر لمواطئ القدم.

وكما ظلّ ذلك الجبل قائمًا بلا طريق، ظلّت الحكاية نفسها تتكاثر بلا سند، حتى أخذت في الذوبان داخل الوعي، لتتحوّل من صخرةٍ صمّاء إلى ماءٍ يتسرّب في كل مسام.

وفي محيط ذلك الجبل كانت هناك أرض قاحلة، تعيش عليها مجموعة أقوام غير متجانسة؛ يعتمد بعضهم على التجارة، والبعض الآخر يمارسون مهنة السرقة، حيث يقومون بغارات همجية على القرى بغزوات ليلية، يسلبون متاعهم وكل ما يملكون، ويغتصبون نساءهم.

وهكذا تمتدّ الخرافة، لا كحكاية تُروى، بل كوصيّة تُلقّن في مسام الطفولة، حيث العقول الطريّة لم تُصقل بعد بحرارة التجربة، ولا عرفت بعد طعم الشك.

هناك، في تلك المساحات الرخوة من الوعي، تُغرس الفكرة لا كجهدٍ عقلي، بل كإيحاءٍ غامض، يتناقلها الناس كما يتناقلون الحمى: بلا سؤال، بلا عناء. فتذوب الكلمات كما يذوب السكّر في الماء، فتتماهى الحكاية مع الحقيقة، ويصير الوهم نواةً للفهم.

وما إن تُغلف الخرافة بثوبٍ مقدّس، حتى تنفلت من عقالها، وتنتشر كالنار في هشيم الوعي؛ لا تحتاج إلى جهد، ولا إلى رأس مال، بل يكفيها أن تُهمَس، حتى تُصبح يقينًا يُتوارث.

***

كفاح الزهاوي

في يومٍ ما،

على حافةِ اليوتوبيا،

كنتِ تراقبين الطيورَ المهاجرة

تعبرُ السماء-

بلا حدود، بلا حُرّاس.

كلَّ عامٍ تعود

لأيّامٍ معدودات.

هذا الموسم جاءت

محمولةً على أمواج الشعر.

وهكذا صار الشعرُ

طائرًا معها،

يطير فيَ السماء

متناغما علی نفس الإيقاعٍ.

*

فجأةً

انطوى النهار على الليلُ،

وانزلقتِ اليوتوبيا إلى ديستوبيا.

لم تعد تميّز

بين الكوابيس والواقع.

قبل أن تختفي في الأفق الرمادي

مع السرب،

كتبتِ قصيدةً حمراءة جيدة

قرأتها

كلُّ محطّاتِ العالم.

***

Good Poetry

One day,

on the edge of utopia,

you watched migratory birds cross the sky—

unbordered, unguarded.

Each year they return

for only a handful of days.

This time they arrived

carried on a wave of poetry.

Poetry start to fly,

became a bird among birds,

flying in shared rhythm

through heaven.

*

Suddenly

day folded into night.

Utopia slipped into dystopia.

you could not tell

Nightmare from reality.

Before you vanished

with the flock,

before they passed from sight

into grey horizon,

you wrote a red poem.

Every station in the world

read it.

***

شیعرێکی باش

ڕۆژێك

لە لێواری یۆتۆپیاوە

تەماشای باڵندە کۆچەرییەکانت دەکرد

بێ سنوورو بێ پاسەوان

هەموو ساڵێ بۆ چەند ڕۆژێ دەهاتنەوەو

لەسەر شەپۆلی شیعرێکا لەنگەریان دەگرت

شیعریش دەبووە باڵندەیەك

لە ئاسمانا سەمای هارمۆنیایان دەکرد.

*

لە ناکاوێ

ڕۆژ  بووە شەو و یۆتۆپیا بوو بە دیستۆپیا

نەتزانی ئەوەی واوەهات، دێوەزمە بوو یان هەقیقەت؟

پێش ئەوەی لەگەڵ مەلە کۆچەرییەکانا

بە یەکجاری لە چاوانا ئاوا ببی

شیعرێکی  باشی سوورت نووسی

هەموو ئیزگەکانی دنیا خوێندیانەوە...

***

أشــمُّ عِـطــرَك، ابـْداعــًا تُـتـوِّجُـه

أحلى القوافي، وفي العـينين تَرتِيلُ

*

(أنامُ مـلء جفــوني) حـين اذكـرُكم

والقـلـبُ للصدقِ، توثــيقٌ وتَمْويـلُ

*

مواقِـفٌ قد  زَهَتْ، مِن عِـفّةٍ وُلِدَتْ

حِـفْظ الأصول، وكَتْمُ السِّـرِ مَقبولُ

*

(سُمْـُر القَنا) غَضَبٌ في كَفِّ مُقْتَدِرٍ

ولا اقــتـدار لهــا، والزنْـدُ مَعـلولُ

*

(لا تــحمدنّ امـرءً حــتى تُجــرِّبُه)

ودون تَـجْـربــةٍ، وَهْــمٌ وتَــضلـيلُ

*

( مـاكلُّ مــا يتمنى المرءُ يُدركُـه )

والسَّــعيُ فــي هِمَّةٍ، للنفس تَفْعـِيلُ

*

عِــزُّ النفــوس إباءٌ، والسَّـنا رُتَـبٌ

وللشــهامَــة إرثٌ، صـانهــا جِـيـلُ

*

الـودُّ إنْ زانـَه حِـفْظُ الاصـولِ، له

جـُــذورُ طِيـــبٍ، وللافـعال تـَعـليـلُ

*

سَـــدد خُــطاك، ووثّــقْـهـا بــقافـِـيـةٍ

واركبْ  ببحر(عَروضٍ)، فيه تمثيلُ

*

مـا قـِـيمةُ المَـرءِ، فــي جِـيدٍ قِـلادتُـه

مِــن خالِص التِـبْرِ، والافكارُ تَعطِيلُ

*

قــريحةُ الشعــر نورٌ في ابتــســامَتِكم

لأنـهــا فـــي نَــقــاءٍ، فــيــه تأصِــيلُ

***

(من بحر البسيط)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

إذا ضَغَطَ الدّمُ الشريانَ ضغْطًا

ولمْ تسْطِعْ على الآلامِ صَبرْا

ودَسَّ الإنسُ في الأسبابِ سِحْرا

وجالَ الجنُّ في التفكيرِ حُرَّا

وماجَ الهمْسُ في أذْنيكَ بحْرا

وحاكَ النّومُ للخُلّانِ عُذرا

وقال الطبُّ أنّ هُناك َضُرّا

تمارسُهُ وقد يُنهيكَ قَهْرا

إذا خلَّيْتهُ ترتاحُ حتّى

تعودَ لفعلِهِ إنْ طُلتَ عُمْرا

إلى أنْ تُعلنَ الآجالُ فجرا

بأنّكَ عائدٌ للأَرضِ ظُهْرا

فقلْ يا طبُّ بعدَ اللهِ شُكرا

لنُصحٍ مَعْهُ قدْ أيْقنْتُ أَمْرا

بأنَّ الخوضَ في الأعرابِ شأنًا

يسُدُّ القلبَ والشّريانُ يَهْرا

ويمْسخُ أثبتَ الإيمانِ ظنًّا

و يُنْطِقُ ألسُنَ الزُّهّادِ كُفْرا

وعِدْهُ مُقسمًا باللهِ حتّى

لوِ التَظَتِ العروبةُ فيكَ جَمْرا

فلنْ تهْتَمَّ للأعرابِ حتّى

لوِ التُهِموا وصاروا محضَ ذِكْرى

فـأن تهْتَمَّ للأغرابِ خيرٌ

إذا لم تبْتغِ الإلْحادَ فِكْرا

فهُمْ إمّا صديقٌ شدَّ أزْرا

وإمّا مُعتَدٍ عاداكَ جَهْرا

وإمّا ثالثٌ قد ناءَ دهْرا

ولا تلقىْ لهُ في العُرْبِ ذِكْرا

و لن تلقىْ لعارِ العُجْمِ مهْما

اسْتقاموا خلفَهُ في النّفسِ إثْرا

***

أسامة محمد صالح زامل

أحاول ضبط ايقاع

قلبي على رتم خطواتي

إذ أمكن.

سأخطو الى سماء يملؤها الله

تفيض هلاماً أبيض

أشد الريح إلى خطاي

أدبج أغنية من ذاكراتي

برفيف الطير

أترك رأسي في ملتحد الغاباتِ

هناك يميد العشب.. الى سره

أشاهد بقايا منه في نبض دمي.

حتى أوشكت عيوني على أن

تنهمر بملح وماء والظل

ممتلئا بي يعلو خطاي

المستيقظة في جلدي

عيناي تاريخ الدروب

تغط وتهذي

جزافا

في مملكة الوقت

الذي يمضي

أين

أدس أصدافي

ولا بحر ولا شاطىء لي

لا شي جديراً في نظري

من يا ترى يتزين بفراغاتٍ

محتدمةْ غير ذاتي .

***

عارف عبد الرحمن

 

بعد كل هذا المشي بقلب عارٍ

هل هناك شيءٌ آخر؟

‏إذاً، ربما حان الوقت

ستسقط التفاحة في موعدها

ودائماً.. دائماً

ستكون هناك شجرة وحيدة

نافذةٌ مضيئةٌ تنتظر

حانةٌ رخيصةٌ وسكارى طيبون

شمعةٌ تخفتُ في ليل كبير

وترٌ مقطوعٌ ولحنٌ ضائع

مسافرٌ متأخرٌ فاته القطار

عاملُ توصيل وجبات سريعة

قلبٌ كبيرٌ مليءٌ بالخسارات والفقد

مسنّان منسيّانِ يشاهدان الغروب

دربٌ قديمٌ متروك

غابةٌ تحترق

وحصانٌ يُقتل

***

فارس مطر - برلين

إِذَا لَــــمْ يُــحْـكِـمِ الأُسَّ الْـبُـنَـاةُ

وَشَـجَّـعَـهُمْ عَــلَـى ذَاكَ الْـهُـوَاةُ

*

سَـيَـنْـهَارُ الْـبِـنَـاءُ بِــصَـوْتِ رَعْــدٍ

وَتَــطْـمُـرُهُ الــرِّيَــاحُ الـسَّـافِـيَاتُ

*

كَــذَاكَ الـدِّيـنُ إِنْ فَـسَدَ اعْـتِقَادٌ

وَصَـارَ الـشِّرْكُ تُـرْجَى بِـهِ النَّجَاةُ

*

فَــلَا يُـرْجَـى مِــنَ الأَعْـمَالِ نَـفْعٌ

وَإِنْ كَــثُــرَ الــصِّـيَـامُ أَوِ الــصَّـلَاةُ

*

وَجَـــاءَ الْـمُـرْجِفُونَ بِـبَـعْضِ زَيْــغٍ

فَــزَيَّــنَــهُ بِــلَـحْـنِـهِـمُ الْـــغُــوَاةُ

*

فَـشَـتَّـانَ الَّـــذِي يُــرْضِـي إِلَـهًـا

وَمَنْ يَسْعَى لِكَيْ يَرْضَى الطُّغَاةُ

*

فَــعُـودُوا لِـلْـيَـقِينِ قُـبَـيْـلَ يَـــوْمٍ

تَــحُـوفُ الْــمَـرْءَ فِـيـهِ الـنَّـازِعَاتُ

*

فَــوَيْــلٌ لِــلَّـذِي حَــابَـى نِـفَـاقًـا

وَكَـــــانَ لِـــكُــلِّ مُــنْـحَـرِفٍ أَدَاةُ

*

فَلَا يَحْمِي الْحُدُودَ صَدَى خُطُوبٍ

إِذَا فَــسَــدَ الْـجُـنُـودُ أَوِ الْـكُـمَـاةُ

*

وَلَــمْ يَـحْـمِ الْـقَـطِيعَ نُـبَاحُ كَـلْبٍ

إِذَا مَــــا عَــنْـهُـمُ نَـــامَ الــرُّعَـاةُ

*

فَــمَـا رَدَعَ الــذِّئَـابَ ثُـغَـاءُ شَــاةٍ

وَلَـكِـنْ فِــي يَــدِ الـرَّاعِي عَـصَاةُ

*

إِلَى قَاضِيِ السَّمَاءِ نَبْثُ شَكْوَى

وَقَـدْ حَـادَتْ عَـنْ الـعَدْلِ الـقُضَاةُ

*

أيَـنـسى الـجـوعَ أطـفـالٌ جـياعٌ

إِذَا طُـبِـخَتْ عَـلَـى نَــارٍ حَـصَاةُ؟

*

فَـطُـوبَـى لِــلَّـذِي أَبْـــدَى ثَـبَـاتًـا

وَمُــلْـتَـزِمٌ بِــمَــا نَــقَـلَ الـثِّـقَـاتُ

*

فَـــإِنَّ الــلَّـهَ يَـغْـفِـرُ كُـــلَّ ذَنْـــبٍ

وَيَـعْـفُـو إِنْ يَـــأُوبَ لَـــهُ الْـعُـصَاةُ

***

عـبـد الـناصر عـلـيـوي الـعـبيدي

شَاءَتْ وَيا لَيْتَها تَشَاءُ ليْ صَبْراً

إذ أعرَضَتْ دونَ أَنْ تُبْديْ لَنا عُذْراً

*

وما أَظُنُّ الهَوى يَقْضي لَها مَضْجِعاً

حَتَّى ظَنَنْتُ بأَنَّ قَلْبَها صَخْراً

*

تَمْشي بفخرٍ وكأنَّ الأرْضَ طَوْعُ يَدٍ

والكَونُ خَلْفَ خُطاها يَنْشُدُ النَّصْرا

*

نامَتْ إذا جَنَّ لَيْلُ العِشْقِ في رَغَدٍ

بلا اهْتِمامٍ لِمَنْ يَعْشَقُها سِرّاً

*

أُقَلِّبُ الطَّرْفَ في الآفاقِ مُنْتَظِراً

طَيْفاً يَلُوحُ، ولكنْ لا أَرى بَدْرَا

*

يا لَيْلُ طُلْ أوْ فَغِبْ، ما عادَ يُؤنِسُني

إلا خَيالٌ بَنى في مُهْجَتي قَصْراً

*

مَجْنُونَةٌ وَبِها أَصْبَحْتُ ذا خَبَلٍ

كأنَّ مسّاً أصابَ القـلبَ أو سِحْراً

*

فَيا لَهيبَ جَوَىً في الصَّدْرِ يَحْرِقُني

عَجِبْتُ كَيْفَ صَغِيرٌ يَحْمِلُ البَحْرَا

**

إذا أَطَلَّتْ يَغيبُ البَدْرُ بَلْ أَضْحى

طَيْفاً ضَئيلاً وَأَضْحى وَجْهُها بَدْراً

*

تَسبي العُيُونَ بِإيماءٍ وتَرْشُقُها

بِلَحْظِ رِمْشٍ يُذيقُ الخافِقَ الذُّعْرا

*

حَتَّى إذا اهْتَزَّ قَلْبي مُولَعاً شَغِفاً

وَلَّتْ فِراراً وَأَرْخَتْ بَيْنَنا سِتْراً

*

بَعْدَ الفِرارِ تَعُودُ مِثْلَما بَدَأَتْ

نَهْراً يَفيضُ عَلى مَنْ حَوْلِها خَيْراً

*

تَجودُ لِلغُرْبِ بالبُشْرى وتَحْرِمُني

حتى ذَبُلْتُ وعِزُّ النَّفْسِ قَدْ أُزْرى

*

كَفاكِ لا تَجْحَدي حُبّي لَكِ فَأَنا

ما أَشْفَقَ العِشْقُ بي سِرّاً ولا جَهْراً

*

تَسْقِي الرُّوَاةَ وَقَلْبِي ظَامِئٌ عَطِشٌ

كَأَنَّنِي لَمْ أَكُنْ فِي نَهْرِهَا مَجْرَى

*

فإنْ قَضَيْتُ قَتيلاً في مَحَبَّتِها

فَلْتَكْتُبوا: عاشَ يَبْغي وَصْلَها دَهْراً

**

شَاءَت ولَمَّا يَشَاءُ قَلْبَها أَمْراً

جَارَتْ عَليهِ وَلَمْ تُبْقِ مِنْهُ ذِكْراً

*

تَمْضي ويَمْضي مَعِي مَوْتٌ أُغالِبُهُ

كَأنَّ رُوحي لَدَيْها أَصْبَحَتْ أَسْرى

*

وَاسْتَسْلَمَتْ لِبَقايا الْوَهْمِ في وَجَلٍ

لَمَّا أَبَتْ أَنْ تَبيحَ قَلْبَها وَطْراً

*

أَبَتْ وفي صَمْتِها شَكٌّ يُحاصِرُها

كَأنَّما خافَتِ الأَشْواقَ أَنْ تُشْرى

*

ناجَيْتُها طالِباً وَصْلاً بِلا خَجَلٍ

يَأْبى الوِصالَ حَياءٌ كَأْسُهُ خَمْراً

*

فَصَارَ نُطْقي دُمُوعاً لا حُرُوفَ لَها

وَصَارَ صَمْتِي يَبُثُّ الشَّوْقَ مُسْتَتِرَا

*

أَسْرَرْتُ حُبَّكِ في رُوحِي فَمَا عَلِمَتْ

عَيْنُ الوُشَاةِ، وَصَانَ القَلْبُ ذَا السِّرَّا

*

ما كانَ مِنْها اسْتِجابَةٌ وَلا أَمَلٌ

لَرُبَما يَأْتِ بَعْدَ عُسْرِها يُسْراً

***

جليل إبراهيم المندلاوي

في نصوص اليوم