نصوص أدبية
حنيف قريشي: نحن لسنا من اليهود
بقلم: حنيف قريشي
ترجمة: صالح الرزوق
***
قادت أم أزهر ابنها إلى مقدمة الحافلة، وأجلسته مع حقيبته، وأسرعت لاستعادة مشترياتها، ثم اتخذت مكانها بقربه. ما أن تحركت الحافلة، حتى رأى أزهر بيلي الكبير وابنه بيلي الصغير يتسابقان، ويصيحان ويلوحان للسائق. أغلق أزهر عينيه وتمنى أن تكون الحافلة أسرع من أن يلحقا بها. ولكنهما لم يلقيا بنفسيهما على أرض الحافلة فقط، بل اندفعا فوق متن العربة الفارغة تقريبا، وهما يئنان ويلهثان كما لو أنهما كانا في دولاب في مدينة الملاهي. جلسا مباشرة في عرض الممر، ومنه أمكنهما التحديق بأزهر وأمه. وهنا نهضت أمه. وفعل مثلها بيلي الكبير. وفورا قفز بيلي الصغير. كانا يعزمان على ملاحقتها مع أزهر. غاصت في مقعدها مع تنهيدة. جاء الجابي، وهو يقبض على ذراع آلة التذاكر. كان يعرف آل بيلي. تبادل الضحك معهما، وسمح لهما بالركوب مجانا. أخرجت الأم بقفازها الرمادي بعض القروش من الجزدان، وقدمتها لأزهر الذي رفع يده بها كما دربته.
قال: " واحد ونصف إلى محطة ثلاث ملوك".
همست أمه وهي ترسم علامة الامتعاض: "قل من فضلك".
كرر: "من فضلك".
قدم الجابي التذاكر وتابع.
قالت الأم: " تمسك بها بإحكام. قد يأتي المفتش".
قال بيلي الكبير: "انظروا أصبح ولدا كبيرا".
ردد بيلي الصغير كالصدى: "ولد كبير".
قال بيلي الكبير: "كبير لدرجة أنه يحتمي بمعلمته".
نفخ بيلي الصغير: "ابك يا ولدي".
نظرت الأم باستقامة من النافذة. كان صوتها طبيعيا تقريبا، ولكنه انخفض وهي تقول: " من المؤسف أننا لم نصل إلى المكتبة. لكن أمامنا الغد. هل ما زلت أفضل قارئ في الصف؟". وهزته وهي تقول: "ألست كذلك؟".
دمدم بقوله: "أفترض ذلك".
في كل مساء بعد المدرسة تأخذه أمه إلى المكتبة الصغيرة المجاورة حيث كان يبدل كتب اليوم السابق. الليلة لم يكن لديهما وقت. ولم ترغب أن يستفسر الأب عن سبب التأخير. ولم تكن تريد أن يعلم أنهما كانا يتقدمان بشكوى.
استدعي بيلي الكبير إلى غرفة المديرة المزدحمة - هكذا قالت لأمه – ووبخته، واتخذت "مظهرا قاسيا". أسعد ذلك الأم. فقد استنكرت أن يعتدي بيلي الصغير على ابنها. كان بيلي الصغير يجلس وراء أزهر في الصف. وطيلة أسابيع نعته بصفات وأسماء بذيئة، ولكزه بالمسطرة على رأسه. والآن بدأ بعض الأولاد الآخرين، رفاق بيلي الصغير، بمضايقة أزهر.
كان بيلي الصغير ينفخ كالشمبانزي، ويقفز إلى الأعلى والأسفل ويقول: "هل إكلت البندق؟". وكان يحك تحت إبطيه - وهذا أحد الأشياء التي تعرض بسببها للتوبيخ. ولكن ذلك لم يردع والده. وأخذ وجهه هيئة فظيعة.
كان بيلي الكبير يعيش على بعد عدة بيوت منهم. وتعرفه الأم وتعرف عائلته منذ أيام الطفولة. فقد تقاسموا نفس الملجأ في أيام الحرب. كان بيلي الكبير يعيش حياة إدواردية ولا يزال يلبس المعطف الفضفاض وشعره أشعث. له أظافر بنية مقضومة وجبينه ملوث بالدسم. ولطالما لقب باسم بيل الدراجة النارية، لأنه يعيد فك وتركيب دراجته باستمرار. وهي من ماركة ترايومف. وكان الأب يحب أن يدمدم قائلا أثناء مرورهم بها "ترايومف بيل". وفي بعض الأحيان تجد كتلا من المعدن المتهالك حول هيكل الدراجة، وفي أوقات متأخرة من المساء يسرّع بيل الكبير المحرك بينما جهاز العزف المسجل يرتكز على حافة النافذة وهو يكرر عزف لحن "تكلم" من فترة ال 45. والجميع يعلم أن بيل الكبير يحضر نفسه لسباق الشاطئ في عطلة الصيف. وهو سباق سنوي. وحينها تضطر الأم وبقية الجيران لإغلاق نوافذهم كي يمنعوا الضجة والبخار. وبدأت الوالدة تلاحظ نفور أزهر، وكذلك مظهره المرهق والمضطرب، حين عودته من المدرسة. كان يبدو كأنه سقط في حفرة وتدحرج في مستنقع - وهذا ما حصل. ثم اعترف لها وفتح قلبه بشيء من الصعوبة وأخبرها باعتداء الأولاد عليه، ولا سيما بيلي. خيمت الحيرة أول الأمر على أمه بسبب هذه السخافات. وأدهشها أن أزهر تأثر بها. كان عليه أن يتجاهل الملاحظات الصبيانية: الكثير من الأولاد يتحلون بالخشونة. ولكنه لم يفهم ماذا يدفع الآخرين للكلام معه بهذه الطريقة، ولماذا، بعد ساعات من الاستراحة في البيت مع أمه، يعاني من العنف في عالمه. تناولت الأم يد أزهر وعلمته أن يقول: "يا بيلي الصغير أنت قواد - قواد ومسخرة". حفظ أزهر الكلمات وكررها باستمرار لنفسه. وفي اليوم التالي وحينما حاصرته سخرية أعدائه أغمض عينيه وصاح بأعلى صوته: "مسخرة، مسخرة، مسخرة- أنت قواد ومسخرة". احتار بيلي الصغير بكلام أزهر. وأغلق فمه كأنه مسحور. ولكن في اليوم اللاحق عاد بيلي الصغير بكلمات جديدة وقوية لقب بها أزهر: عبد، أسود، زنجي صغير. رجع أزهر إلى والدته لتعلمه المزيد من الكلمات ولكن لم يكن لديها شيء منها.
كان بيلي الكبير يقول في الحافلة "قواد. لماذا لا تقولينها بملء فمك وأمام وجهي. آ، لماذا لا تقولينها. هيا".
قال بيلي الصغير: "لا. لن تفعل".
"ولكننا لسنا قوادين مثل عاهرة تزوجت من أسود".
كرر بيلي الصغير: "أسود، أسود. قرد. قرد".
لم تنحرف نظرة الأم. ولكن ربما خافت أن يشعر أزهر برعشة يدها، فسحبتها من يده وأشارت إلى المتجر قائلة: "انظر".
قال أزهر: "ماذا؟". كان يفكر ببيلي الصغير وهو يدمدم باسمه.
لحظة استدار أزهر برأسه، صاح بيلي الكبير: "أنت. لماذا لا تنظرين إلينا أيتها السيدة الصغيرة؟".
التفتت، ولوحت للجابي الواقف على منصته. ولكن جاء راكب فتبعه الجابي إلى الأعلى. ولم يكن بقية الركاب القليلين الجالسين كالتماثيل منتبهين أو مهتمين بما يجري. التفتت الأم نحو الخلف. لم يشاهدها أزهر هكذا، رمادية بعينين دامعتين وجسمها متصلب كشجرة. وشعر أزهر بالجهد الذي تبذله لتكون ثابتة. حينما تبكي في البيت تلقي نفسها على السرير، وتهتز وهي تتلوى وتضرب على الوسادة. ولكن الآن لم يحرك ذلك غير ذرة ارتعشت في أرنبة أنفها. تنفست بعمق قبل أن تفتح حقيبتها وتخرج المنديل المعطر الذي تمسح به في العادة وجه أزهر، أو تنظف زاوية منه، وتحرر أي رمش انثنى فوق عينه. الآن نظفت به أنفها بكل قواها، وهو يسمع نحيبها. فقد فهمت ما يجري وكيف يؤثر ذلك على المشاعر. تمنى أن يقول شيئا ليحميها، فقد كان بيلي الكبير يسخر من اسمها قائلا: " إيفوني، إيفوني، أنت، إيفون، ألم أمنحك وقتا ممتعا يوم ذاك؟".
غرد بيلي الصغير: "إيفي. كانت ساعة طيبة، أليس كذلك؟".
قطب بيلي الكبير وجهه. وقال وهو يضغط على أنفه بيده: " المشكلة أنه توجد رائحة نتنة في هذه الحافلة".
"تفو".
"كم يبلغ عددهم في تلك الشقة، كلهم مضغوطون معا، ويلوثون رائحة الشارع، بعد وجبات الكاري والأرز!".
بدون شك شقتهم مزدحمة. فالجد، طبيب متقاعد، ينام في غرفة نوم، ويرقد أزهر وأخته ووالداه في غيرها، ويشغل العمان غرفة المعيشة. وطيلة اليوم تجد أوعية الطعام الهندي الكبيرة على الموقد في المطبخ ليأكلوا منها حينما يرغبون. ولذلك ظهرت فقاعات في ورق جدران المطبخ وتشققت وتدلت مثل مخطوطات قديمة. ومع ذلك تنكر الأم دائما أننا "على هذه الشاكلة". وكانت ترفض أن تصف الوالد بكلمة "مهاجر"، وبنظرها تنطبق الكلمة على الرجال الأميين الصغار بعيونهم الشاردة وثيابهم الوضيعة. كانت شفتا الأم تتحركان، لكن بلعومها جاف: لا تخرج منه الكلمات، حتى تمكنت من أن تقول: "نحن لسنا من اليهود.
ران الصمت. ومنح ذلك بيلي الكبير فرصة ليقول: "ماذا؟". ووضع يديه على أذنه وسالفه الطويل الأسود. وقبض بيده الأخرى على بيل الصغير الذي بدأ يفح: "ارفعي صوتك. أنت. أيتها العجوز. لم نسمع كلامك".
كررت الأم الملاحظة لكنها لم تستطع رفع صوتها. لم يتأكد أزهر ماذا تعني. وفي اضطرابه تذكر حوارا حديثا عن جنوب إفريقيا، وهجرة عائلة أقرب أصدقائه إلى هناك للتو. سأل أزهر، إذا كان عليهم الذهاب إلى أي مكان، فقد جرى حديث بهذا الشأن، لماذا لا يمكنهم اختيار كيب تاون. أجابت بصوت متألم لأن البيض هناك يروعون الشعب الأسود والأسمر ويعتبرونهم بمرتبة أدنى، ويحرمونهم من الدخول إلى أماكن مخصصة للبيض. وللملونين معابر منفصلة، وغير مسموح لهم بالاختلاط مع البيض. هذه المعلومات من الواقع المعاش وغير المنطقية لدرجة تسبب الدوار، والتي لا يعلنون عنها في منهاج مدرسته، هبطت على رأسه كالمطرقة، وتردد صداها في أحلامه ليلة بعد ليلة. كيف يمكن احتمال شيء كهذا؟ ماذا يعني؟ وكيف يجب أن نتصرف على هذا الأساس؟.
قال بيلي الصغير: "لا. أنت لست يهودية يا إيفون. أنت منا. وهذا أسوأ. لأنك ترافقين الباكستانيين". طيلة الوقت كان بيلي الصغير يهمس ويلفت رأسه لتقليد المهووسين. سمع أزهر أباه يقول إنه لم يمر على "القتل" فترة طويلة. الجار يذبح جاره، ومثل هذا الشر لم يمت. وكان أبوه يلمس زوجته وابنه وابنته الصغيرة بأصبعه، ويقول بحسم: "نحن في الخط الأمامي".
هذه الحوارات مهدت غالبا لإعلانه أنهم عائدون إلى "بلدهم" الباكستان. وهناك لن يعانوا من هذه المشاكل. وفي هذه اللحظات كان القلق يخيم على أم أزهر . كيف يمكنها العودة إلى بلدها وهي عمليا في "بلدها"؟. حتى أنها تذوب في الطقس الحار، وبهارات الطعام تؤلم معدتها، وأن يحاصرها أشخاص لا يتكلمون الإنكليزية يجعلها تشعر بالعزلة. وفي حقيقة الحال كان جد وعم أزهر يثرثران بالأوردو، وحينما تكون زوجة العم آصف في البلاد، تمشي في الشارع طوعا وراءهم بعدة خطوات. وكانت أم أزهر لا تفضل الانضمام لأي جماعة، فتضع نفسها مع أزهر في مكان ما وسط هذه المسيرة الغريبة وهي تشق طريقها إلى السوق. عدا أن فكرة العودة إلى "بلده" لم تزعج الأب. مع أنه لم يكن في ذلك البلد على الإطلاق. عاشت عائلته في الصين والهند. ومنذ أن سافر، انتقلت بقايا العائلة مع مئات الألوف الآخرين، إلى الباكستان. كيف له أن يعلم أن البلد الناشئ سيناسبه، أو أنه سينجح هناك؟. وكلما ناحت الأم، كان يصفع جبينه بيده ويصيح: "آه يا إلهي. أحاول أن أفكر بكل الاحتمالات في نفس اللحظة".
بدأ يحوم حول الشقة ببوط ويلينغتون وفوق رأسه شبكة ليتستر بها، وآلته الطابعة تتأرجح في يده، وهو يقول إنه يتوقع دعوته إلى فيتنام بصفة مراسل حربي، والآن يجهز نفسه لمعارك الغابات. جعلني ذلك أضحك. لعامين والأب يعمل عامل تعليب في مصنع ينتج ملمعات الأحذية. كان عملا عضليا قاسيا. فهو يفيق في الخامسة صباحا، وفي الليل ينكب على الكتابة مادام قادرا على فتح عينيه. حتى وهم يتناولون الطعام يخربش على قفا المغلفات، وعلى رسائل الرفض وقرطاسية المصنع، ويحاول جهده بيع مقالاته للمجلات والصحف. وفي نفس الوقت يدرس اختصاص المراسلة من خلال برنامج "كيف تكون مؤلفا منشورا". وصوت طباعته المتلاحق يدوي في رؤوسهم مثل طلقات الرصاص. وكانت الشكوى محرمة عليهم. فقد عقد الأب عزمه على كسب النقود من مقالات عن الرياضة، والسياسة، والأدب، وكان يرسل مقالاته بالبريد في معظم الأيام. وكل منها مرفقة برسالة تبدأ بقوله "السيد المحترم. من فضلك اطلع على المتضمن...".
لكن لا يتقن الوالد اللغة الإنكليزية مع أنها لغته، إنما ليس تماما، فهو من "جماعات بومباي وهرطقاتها اللغوية". كان من بين جيرانهم معلم مدرسة متقاعد، ويتحلى بما يكفي من اللياقة ليصحح إملاء ونحو الوالد، وكان يشهد أنه أحيانا يستعمل "الكلمات المناسبة في المكان الخطأ، والعكس صحيح". وكانت مقالاته تعود بانتظام بظرف يعنونه بنفسه ويضيف له الطوابع، نزولا عند نصيحة الكتاب السنوي للكتاب والفنانين. ومؤخرا حينما فتشوا في علبة البريد تبين أن الوالد لم يفتح الردود، غير أنه مزقها، وداس بحذائه على مزقها، وشتم بالأوردو، ولعن الإنكليز، فهم حسب قناعاته، يحرمونه من فرصته. ألم يفعلوا ذلك؟. ذكرت الأم في إحدى المرات أنه يسير بالطريق الخاطئ، وعليه أن يجد شيئا أنفع له. ولكن نصيحتها لم تجد أذنا صاغية. في الصباح أرسلت الأم أزهر ليقابل ساعي البريد، ويستلم منه المخطوط المرفوض والعائد. كانت الظروف والطرود مخفية في أرجاء الحديقة مثل زجاجات الكحول، وراء علب النفايات، وفي موقف الدراجة، وحتى تحت الدلاء، حيث تتعفن بسرية تامة، وتترك بابا للأمل وتبعد الكارثة قليلا.
في كل محطة كان أزهر يأمل براكب يمكنه لجم أو توقيف آل بيلي. ولكن لم يحصل ذلك، وكلما تقدم الطريق كانت تفرغ. قفز بيلي الصغير وحاكى صوت الجرس، فضحك الجابي وحده. ثم شاهد أزهر بيلي الصغير يخرج قطعة رخام من جيبه. ويقف وذراعه خلفه، ويستعد ليرميها. وعندما لاحظ بيلي الكبير ذلك اتسعت عيناه. ومد يده إلى رسغ بيلي. لكن الرخامة كانت قد انطلقت. وضربت النافذة بين أزهر ورأس أمه وكسرت الزجاج. فبدأت تصيح: "توقف. توقف. لن ينقذنا هنا أحد. وسنلقى حتفنا". كان صياحها كأنه يأتي من جهنم أو من الأبدية. تراجع بيلي الصغير واقترب من أبيه. وخيم الصمت على كليهما. نهض أزهر عن مقعده، ليقاتلهما، ولكن سد الجابي طريقه. كان موقفهما المعروف بعيدا. وقبل أن تتوقف الحافلة، نهضت الأم وحقيبتها في يدها. وأعطت أزهر كيسي مشتريات ليمسك بهما، ودفعته نحو باب الحافلة. وهو يمر لم يكن ينوي النظر إلى آل بيلي، ولكنه وضع عينه بعين كل منهما، مباشرة، ليتمكن من رؤيتهما وبدون خوف. كانا يكرهانه، ولكنه يعرف ذلك. وإن لم يقاتلهما ماذا يجب أن يفعل بغضبه؟.
تخبطا بخطواتهما ولم يكونا بحاجة لينظرا إن كان آل بيلي يتبعانهما بحذائيهما القاسيين، فقد سمعا كلامهما، وإن كان بصوت أخفض من قبل. حينما اقتربت الأم وابنها من شارعهما خرج من بيته المعلم المتقاعد الذي يساعد الأب، وهو يرتدي بذة من ثلاث قطع، وقبعة طرية ودراجته معه. نظر إلى حديقته، وحمل قطعة ورق تسللت من فوق السور، واستنشق هواء المساء. أراد أزهر أن يضحك: كان يشبه الشبح، في عالم مختل يظهر الطبيعي وكأنه عبث لا معنى له. جرت الأم أزهر فورا نحو البوابة. رفع جارهما قبعته وقال بأسلوب ودي: "كيف الحال؟". لم يفهم أزهر أول الأمر رد أمه. ولكنها كانت تتكلم عن الأب قائلة: " يعيدونها له، كتاباته، كل يوم، ويخيم عليه الغضب... شدة الغضب.. هل بمقدورك مساعدته؟".
أجاب: "سأساعده كلما سنحت لي الفرصة".
تابعت: "اجعله يتوقف عن هدر طاقاته".
وغطت وجهها بمنديلها، وهزت رأسها حينما سألها عن حقيقة المشكلة. تردد آل بيلي لحظة ومرا بصمت. وراقبهما بيلي يبتعدان. ساد الأمان الآن. ولكن أزهر جاهز للغد، ولما بعده، ولما يليه. ولا يمكن لأي أم أن تعيقه.
كان المعلم يقول عن الأب: "يا له من شاب متحمس".
"ولكنه لن يبلغ هدفه؟".
قال: "ربما. ربما. ولعل لديه لمساته...متفائل جدا. مفرط بالتفاؤل". وقف أزهر على رؤوس أصابعه ليصغي.
قالت أمه وهي تعض شفتها: "نعم".
قال: " اطلبي منه أن يقرأ المزيد من كتابات جيبون وماكاولي. هذا سيقوم أسلوبه".
"معك حق".
"هل تشعرين الآن بالتحسن".
قال الأم بثبات: "نعم. نعم".
قال باهتمام: " اسمحي لي أن أرافقك بطريق العودة".
"أنا على ما يرام. شكرا لك".
وبدل الذهاب إلى البيت، تابع الابن وأمه بالاتجاه المعاكس. مرا من موقع حفرته قنبلة وتركا الشارع ودخلا في ممر ضيق. وحينما لم يشعرا بأي شيء صلب تحت أقدامهما، عبرا من ملعب مظلم وموحل ومحفور. دفعتهما الرياح القوية جانبا، وتقريبا جعلتهما يشتبكان مع الشبكة الرقيقة المشدودة على مرمى الملعب. ولم يكن يعلم أنها تعرف هذا المكان. في آخر المطاف توقفا خارج سقيفة متهالكة، وهي دورة مياه عامة، استولت عليها العناكب والحشرات، حيث كان يلعب غالبا مع أصدقائه. نظر نحو الأعلى ولم يتمكن من رؤية وجهها. دفعت الباب ودخلت نحو الأرض المبتلة. حينما تردد جرته إلى المكان معها. لن تسمح له بالابتعاد الآن. أنشب سكينه بالحائط، وحاول إمساك أنفاسه حتى انتهت. ثم نظفت نفسها بورق خشن. وبعد ذلك جلست هناك بعينين مغلقتين، كأنها تتلو صلاتها. كانت أسنانها تصطك، والأشباح تهمس في أذنيها، في الخارج اقتربت خطوات أقدام، وتمسكت به أصابع ميتة. لفترة طويلة تأملت نفسها بالمرآة، وضعت المساحيق على وجهها، وجددت طلاء الشفاه، ومشطت شعرها. لم يكن هناك أصوات بشرية، فقط المطر يطرق السقف المعدني، وكان يقطر على رأسيهما.
صاح: "ماما".
"لا تئن الآن".
كان يريد شايه. وفقد صبره وألح على الانصراف. لكن ألهبت وجهه بعينيها في الضوء المصفر. كان يعلم أنها تود أن تخبره أن لا يذكر شيئا مما حصل. وفي النهاية أدركت أن ذلك غير ضروري، فجرته فجأة من ذراعه، كما لو أن هذا التوقف خطأه، وأسرعت به نحو البيت بدون كلمة إضافية. كانت الشقة مضاءة ودافئة. الأب انتهى من النوبة المبكرة. وهو في البيت. ذهبت الأم إلى المطبخ وساعدها أزهر بإخراج المشتريات. حاولت أن تكون طبيعية. ولكن جهودها أرهقتها. ولم تطبع قبلة على وجه الوالد كالعادة. كان الأب، بجانب الجد والعم آصف، يستمع للمعلق الرياضي عن لعبة الكريكيت في المذياع الكبير، والذي له لوحة مضاءة طبعت عليها أسماء المدن التي لا يمكنهم رؤيتها على المؤشر، بروكسل، استوكهولم، هيلفرسوم، برلين، بودابست. وكانت طابعة الأب بلسان الورق المتدلي على الطاولة ومحاصرة بزجاجات بيرة فارغة.
"تعال يا ولد".
جرى أزهر إلى أبيه الذي سكب بعض البيرة في كأس من أجله، وخلطها بعصير الليمون. كان الرجال يدخنون الغليون، ويحدقون بأطباق الرماد، ويلمسونها بمنظفات الغلايين، ليعيدوا إشعالها. كانوا يتناقشون بصوت مرتفع بالأوردو، ويستعملون بعض الكلمات الإنكليزية ولكن يتمازحون ويصفع الواحد الآخر بطريقة لا يعرفها الإنكليزي. ثم قفز أحدهم فجأة، وشبك يديه، وصاح: "نعم. إلى الخارج. الخارج".
اعتاد أزهر أن يكون مع عائلته دون أن يفهم غير القليل مما يقال. وهو يحاول حل اللغز، ويضحك، كما يفعل دائما، حينما يضحك الرجال، ثم يحرك شفتيه بصمت بدون أن يعرف ماذا تعني الكلمات، وخلال ذلك يفكر بكل جهده دون أن يستوعب شيئا.
***
....................
* حنيف قريشي Hanif Kureishi: كاتب بريطاني من جيل الستينات. مولود لأب باكستاني وأم إنكليزية. له سيناريوهات أفلام ومسرحيات ومجموعات قصصية وروايات أهمها "بوذا الضواحي" و"جسد" و"الألبوم الأسود". أصيب بالشلل في عام 2022 خلال رحلة استجمام في إيطاليا، وأملى مذكراته على أبنائه وقد صدرت عام 2024 بعنوان "محطم".







