نصوص أدبية
سعاد الراعي: العم أبو عواد.. حارسُ الذاكرة والتراب
بلغ العم أبو عواد السابعة والسبعين من عمره، ومع ذلك ظلّ محتفظًا بصحةٍ معقولة، وبخطوةٍ ثابتةٍ رصينة لا تزال تقاوم عثرات الزمن وتحدياته.
غير أن الوحدة كانت أثقل ما يحمله في جعبة أيامه.. فمنذ أن اختطف الموت رفيقة دربه بعد صراعٍ مريرٍ ومضنٍ مع مرض "النقرس"، ثم مغادرة ولده الوحيد إلى العاصمة الضبابية "لندن" لمواصلة دراسته العليا، صار البيت الواسع الذي بناه بعرق السنين وشقاء العمر يبدو كقوقعةٍ فارغةٍ موحشة، لا يردد فيها الصمتُ الثقيل إلا صدى أنفاسه المتهدجة.
لذلك، اعتاد العم أبو عواد أن يقضي معظم ساعات نهاره خارج تلك الجدران الصامتة التي باتت تذكره بغياب الأحبّة.
كان يتجوّل في أزقة المحلّة بوقارٍ يفرض احترامه على الجميع، يحيّي هذا ويمازح ذاك بكلماتٍ منتقاة، أو يجلس في الحديقة العامة على مقعده الخشبي المعتاد مع جارٍ قديم، يتبادلان شجون الماضي العتيق وأحوال الناس التي تبدلت. أحياناً، كان يزور هذا البيت أو ذاك، لا لغرضٍ سوى أنه كان يحاول، بطيبته المعهودة، أن يوزّع ثقل وحدته على وجوهٍ مألوفة يألفها وتألفه، كأنه يرمم شروخ روحه بابتسامات جيرانه الطيبين.
كان العم أبو عواد، موضع محبةٍ صادقةٍ وتقديرٍ كبير بين الجميع...
فقد عرفه أهل الحيّ رجلاً بسيطاً في مظهره، صلبًا كالصخر في كفاحه، طيب القلب كغيمة صيف، لا يبخل بابتسامةٍ رقيقة أو نصيحةٍ حكيمة تنمّ عن خبرةٍ طويلة في دروب الحياة مظلّلًا بها من يشاوره او يصغي اليه.
حكى لنا مرةً، وعيناه تغيمان ببريق الذكريات، عن أيام عمله الشاقة في مصافي النفط: كان يغادر بيته في عتمة الليل وقبل انبلاج خيوط الفجر الأولى، ليعود مع الغروب، حاملًا على كتفيه تعب النهار الطويل ورائحة الزيوت الثقيلة التي تغلغلت في مسامه لسنوات.
حين أحيل إلى التقاعد، لم يرضَ لنفسه الاستسلام للفراغ القاتل أو الجلوس خلف النوافذ المغلقة. اشترى عربةً خشبية صغيرة وزيّنها بمهارة، وراح يبيع الحمص المسلوق الحار عند ناصية الشارع الرئيسي.
كان يقف هناك صامدًا في وجه ريح الشتاء القارس ومساءات الصيف الهادئة، يسكب الحمص الساخن في كاسات "الفرفوري" المنقوشة، يرش عليه الكمون والملح بعناية، ثم ينكهه بالليمون الحامض، وعيناه تلمعان برضا رجلٍ يقدّر قيمة الرزق الحلال والشقاء الشريف.
لم يكن همه من ذلك التعب سوى أن يفتح أمام ولده بابًا لمستقبل لم يُتح له، هو، في شبابه؛ ادّخر القرش فوق القرش، واقتطع من قوته اليومي، حتى استطاع تأمين سفره إلى لندن.
بل إنه، في غمرة كفاحه، أكمل بناء الطابق الثاني من البيت بلمساته الخاصة، ليكون مأوىً وعشًا لابنه حين يعود من غربته.
اليوم، يعيش العم أبو عواد بهدوءٍ على معاشه التقاعدي البسيط، ويقتاتُ روحيًا على انتظار تلك العودة التي يرسم تفاصيلها في مخيلته كل ليلة.
كان يقول لنا، وهو يمسح على لحيته المشتعلة شيبًا بابتسامةٍ شفيفة:
"سيعود ولدي يومًا.. سيعود ليستقر هنا، في أرضه التي نبت فيها."
أما البيت الذي يسكنه، فله في قلبه حكايةٌ مقدسة؛ لقد كان في الأصل ملكًا لزوجته الراحلة، ورثته عن والديها بفيضٍ من الذكريات. وبعد الزواج، ومن فرط ثقتها وحبها له، سجلته باسمه، لكنها أودعته وصيةً غالية ظلّ يرددها كأنها دستور حياته:
أن يبقى البيت حصنًا للعائلة، يتوارثه الأبناء والأحفاد جيلًا بعد جيل، وألا يجرؤ أحدٌ على التفكير في بيعه أو التفريط بحجرٍ من أحجاره مهما ضاقت الظروف.
كانت تقول له بدلالٍ رصين:
"هذا البيت يشبهني يا عواد.. سيبقى فيه على الدوام شيءٌ من روحي"
وحين دنا أجلها ورحلت، كانت رغبتها الأخيرة أن تُدفن في حديقة البيت التي عشقتها، لتظل قريبة من أنفاسه.
منذ ذلك الرحيل المرّ، صار العم أبو عواد ينظر إلى تراب الحديقة وطهارته كما لو أنه ينظر إلى وجه رفيقة دربه الغائب.
كان يقول للجميع بلهجة القانع الصابر:
"كيف لي أن أتركه وأرحل؟ هنا تسكن رائحتها.. هنا ما تبقى من أثرها"
لذلك، كان إصراره على البقاء في البيت أشبه بعهدٍ أبديٍّ نقيّ وعفيف بينه وبين الذاكرة والذكرى؛ المكان بالنسبة له لم يكن مجرد جدرانٍ من الحجر وسقف من الاسمنت، بل هو حياةٌ كاملة وتاريخٌ شخصي ضمتها حفنة ترابٍ غالية.
في تلك اللحظة الراهنة، وبينما كان الجيران يناقشون بوجومٍ غزو الخنافس المفاجئ، كان العم أبو عواد يحدّق في أرض الحديقة بصمتٍ طويلٍ مدثر بالوفاء.
ربما كان يفكر في شيءٍ أبعد بكثير من تلك الحشرات السوداء الزاحفة، ربما كان يتوجس، كحال الجميع، من أن تكون هذه الكارثة مجرد شرارةٍ أولى لشيءٍ أعظم وأخطر؛ مؤامرةٍ تحاك في الخفاء لتهديد البيوت واقتلاع الجذور والذكريات معًا.
كانت ياسمين قد أفلتت من راحة يَدّ امها فور وصولهما الى الساحة، وانطلقت بمرحٍ فطريٍّ نحو أقرانها لتلعب معهم بين الأشجار العتيقة، وضحكتها الصافية تسبق خطاها الصغيرة.
وحين التفتت هدى إليها اثناء ارتشافها قهوتها مع الاخرين لتراقب حركتها، انتابها شعورٌ يقينيّ راسخ بأن ذلك الصوت الصغير ـ ضحكة طفلة تركض ببراءة في صباحٍ يكتنفه الاضطراب ـ كان، رغم كل نذر الشؤم المحيطة بهم، أقوى بكثير من صمت الخوف الذي يحاولون زرعه في قلوبهم.
ومع انسحابِ آخرِ خيوطِ الشمس خلف قبابِ البيوت، بدأ الفضاءُ يتأهبُ لاستقبالِ ترتيلةٍ من نوعٍ آخر.
لم تكن مجرد نغمٍ عابر، بل كانت هويةً مسموعة تنبعثُ من زاويةٍ عتيقةٍ في الحيّ، حيثُ يمتزجُ عطرُ الجلودِ القديمةِ برائحةِ الياسمينِ.
كان ذلك الصوت هو، صوت الشيخ حسين، الخيط السحري الذي يربطُ ضحكةَ ياسمين الغضّة، بوجعِ الجذورِ الضاربةِ في عمقِ الجنوب.
**
5. الشيخ حسين الحذّاء: مقامُ الصبرِ واليقين
كان المساء قد بدأ يمدّ ظلاله الوادعة على الحيّ، حين أخذ صوت الشيخ حسين الحذّاء ـ الجنوبيّ الأصالة والمنشأـ يتردّد بين أزقة الحارة كأنه صدى زمنٍ يأبى الإنطفاء.
لم يكن صوته عابرًا، بل كان يحمل تلك النبرة العميقة التي تشبه حنين الأرض حين تباغتها أول قطرة مطر بعد قيظٍ طويل.
كان يغني مقاماته التي ينسج كلماتها بنفسه، ويطلقها في الفضاء بمهابةٍ ورزانة، كأنّه يسقي بها الأرواح قبل أن يسقي حديقة بيته الصغيرة.
عُرفت تلك المقامات بين أهل المحلّة بصدقها الذي لا يهادن، وعمقها المثقل بدلالات الحرية والكرامة والتحدي. ولهذا، لم يكن مستغربًا أن تغدو تلك الكلمات يومًا سببًا في اعتقاله وتغيبه في اقبية سجون السلطة ومعتقلاتها.. إذ عدّتها السلطة آنذاك بانها "مقاماتٍ تحريضية" تزرع في النفوس روح السخط والتمرد.
لم يكن الشيخ حسين سياسيًا بالمعنى الضيق، بل كان رجلًا يرى في الغناء سبيله الوحيد لنقد المعوج وقول الحقيقة، والحقيقة في تلك الأزمنة كانت تهمةً باهظة الثمن.
قضى الشيخ في السجن سنواتٍ قاسية، خرج منها بجسدٍ أثقلته الندوب والعاهات، ليفاجئه المرض الأكثر ضراوة:
السرطان، الذي بدأ ينهشه ببطء كأنه امتدادٌ مرير لسني الزنازين. ومع ذلك، لم يكسره الوجع؛ عاد إلى دكّانه المتواضع عند طرف السوق، ذلك الركن الذي كان يستقبله كل صباح كحضنٍ دافئ.
يجلس خلف طاولته الخشبية العتيقة التي غدت رفيقة دربه، يحتضن أدواته المألوفة: المطرقة، المسامير الصغيرة السوداء، المخرز، وخيوط الجلد الداكنة التي تستلقي كأفاعٍ وديعة تنتظر أن تُبعث فيها الحياة.
كان يمدّ يديه المتعبتين فوق الجلد بهدوء، يثقبه برفق ويشدّ الخيط بإيقاعٍ دقيق لا تخطئه الحصافة، ومع كل غرزة كانت تتصاعد من صدره مقامةٌ جديدة يطلقها بصوتٍ رخيم، كأنّ العمل والغناء صنوان لا يفترقان.
لم يكن الزبائن يقصدونه للشراء او لإصلاح أحذيتهم فحسب، بل كانوا يأتون استسقاءً لتلك الحكايات التي تنبعث بين ضربات مطرقته ومفاصل حكاياته..
حكايات التعب والصبر والقلب الذي تعلّم أن يغنّي كي لا يخذل او ينحني.
أصبح دكانه جزءاً من هوية الحيّ، وثقة الناس بجودة بضاعته كإيمانهم بطيبة خلقه؛ فالحذاء الذي يصنعه الشيخ حيسين: متينٌ كأنه يعرف وعورة الطريق التي ستسلكها أقدام أصحابها.
كان يقول وهو يبتسم:
"الحذاء الجيد يا ناس، يعين الإنسان على المضي في طريقه حتى النهاية، متماسكًا ومتينًا "
لم تكن حكاية انتقاله إلى المحلّة فصلًا عاديًا، بل بدت كخاتمةٍ رواية كُتبت بمداد التجربة والخذلان.
أقام الشيخ حسين أعوامًا مديدة في حيٍّ آخر، تتقاسم معه جدرانه صمت الوحدة المثقلة، برفقة زوجته الواهنة، بعد أن تفرّق أبناؤه في دروب الحياة وتباعدت بهم السبل.
كان رجلًا يُخفي جرحه خلف وقارٍ رزين، حتى تدخل صديقه القديم سعيد المكوچي، ذلك الرجل الطيب الذي يعرف كيف يُرمّم الأرواح كما يُصلح ثنيات الثياب.
عرض عليه سعيد الانتقال للسكن بجواره في بيتٍ رحل أصحابه إلى الغربة، قائلًا بوفاء:
"تعال واسكن بيننا.. ستجد أهلًا قبل أن تجد جيرانًا".
باع الشيخ بيته القديم، وانتقل إلى المحلّة ليبدأ فصلًا جديدًا من التصالح مع حاضر مظلل بالإلفة.
أحبّه الجيران بلا تكلّف، وصار صوته في المساء جزءًا من إيقاع المكان، يسقي الأرض بصوته كما يسقيها بالماء، بينما يقف الأطفال خلف السياج يسترقون السمع لتلك السكينة المنسكبة بصفاء.
في اليوم الذي اجتمعوا فيه بسبب كارثة الخنافس، ظهر الشيخ حسين بينهم متكئًا على ذراع صديقه الوفي سعيد. كان نحوله قد بان بوضوح، وخطواته تقيس الأرض بحذر، لكن عينيه ظلتا تفيضان بذلك الضوء النقي. جلس بصعوبة، وألقى نظرةً شملت الوجوه والبيوت، ثم قال بصوتٍ خافتٍ وواضح:
"حين جئنا إليكم، لم يكن ذلك حبًا في الأرض وحدها.. بل حبًا بكم، بحسن وطيبة أخلاقكم."
توقف لحظة، ثم أضاف وهو يرقب الساحة بوجع:
"الأرض عزيزة، نعم، ولكن ما نفعها إن خلت من طيبة أهلها؟ البيت يُبنى في عام، لكن القلوب الطيبة لا تُصنع في دهر"
كان صوته يخرج متهدجًا، محملًا بخلاصة عمرٍ مضى. اختتم كلماته والرجاء يغلف نبرته:
"لقد صرتم أهلنا بعد ان خذلنا الابناء.. وإذا شاء الله أن يسترد أمانته، فأنا أوصيكم من بعدي بمواصلة إلفتكم ومحبتكم التي غمرتمونا بهما "
ساد صمتٌ مهيب كأنه حجابٌ شفيف غلّف المكان. حينها أدركوا أن الشيخ لم يكن يتحدث عن دنو أجله فحسب، بل عن ذلك الرابط المقدس الذي نشأ بينهم؛ فالحيّ لم يعد مجرد بيوتٍ متجاورة، بل غدا عائلةً واحدة تحرس ذكرياتها، وتصارع الآن في وجه الكارثة لئلا ينطفئ نبض المكان.
***
سعاد الراعي
3.5.2026
...................
* فصول من رواية قيد الانجاز







