نصوص أدبية

قصي الشيخ عسكر: كتاب العمى

الجزء الأوّل: الكتاب

حدثٌ غير متوقّع هزّ مديرية الآثار هذا اليوم

ولعلّه

يلقي بظلاله البعيدة على البلد كلّه

فلم يخطر ببال البروفيسور الباحث عن الآثار (ميقات عبد الدائم) أن تفاجأه مثل تلك اللقى الغريبة في مظهرها الخارجي ولغتها الحادة..

الحقيقة

هناك كثير من الآثار وقعت بين أيدي الحفارين أعجب بها الجميع.. لِقِدَمها وطرافتها..

صناديق ورؤى

مستطيلات أو مربعات ودوائر

خناجر وسيوف

أوانٍ وكؤوس، بعض الأحيان يعثرون على حبوب مخزونة تحت دفء الأرض جنب تماثيل قادة ورجال يجدون في قسماتها الصرامة والقوة التي تتمثَّل لاتقدلّ قسزة عن صلابة الصّخْر، أما النساء فيقرؤن مشاعرهنَّ من العيون، ودفء البسمات وإنْ كانت إحداهُنَّ محاربة ًإلهة فهي لا تخلو من مسحة حبّ وحنان.

عالم تحت الأرض بعيد الغور ساكن لكنه يتحرك نحونا أو يجعلنا نتحرك نحوه بمزاجه، وقد التقط مسؤولو الآثار في مدينتنا إشارة غريبة لطائرة استطلاع أكّدتها فيما بعد التجارب الصوتية وذبذبة الصَّدى التي تقول إن هناك شيئا ما أثريّا في هذا الموقع.

والذي يثير الدهشة حقا أنّ الموقع نفسه لم يكن في ملف مواقع الآثار بل هو حفنة من تراب امتزجت بالرمال.. بل المكان نفسه لا تدلّ آثار السنين عليه ولا يشير التَّاريخ إلى أنّ هناك حضارة قديمة رست ذات يوم فيه لا في الماضي القريب ولا البعيد. تلك البقعة لم تلفت نظر البعثات الأجنبية التي زارت البلد منذ قرنين وأكثر وبحثت عن الماضي في الأرض فحملت معها ماحملت وأبقت ما أبقت.

مع هذا الموقع تعامل الأثري المعروف (ميقات عبد الدائم) برفق، والحقّ إنّه كان يتعايش مع كل المواقع برفق إلا خصوصية منحها للموقع الجديد الذي سقط بين يديه فيما يشبه المعجزة لا النشاز. كانت يده تداري الفأس بدقّة، تحذر أن تحرك أدوات الحفر بعنف.

المجسات

الفُرش

المعَاول

المجَارف

والمنَاخل

يطالع الطبقات ويحذر صلابة الأشياء تحت المجرفة وبين نعومة الفرشاة.

كلها بين يديه تطاوعه وللمرّة الأولى يشعر أنّه مثل طبيب يولّد النساء يقف عند حالة غريبة لمولود جديد غريب.

لايظنّه مسخا قطّ.

في القاعة العامة بقسم الآ ثار التقى مع ذوي الخبرة. لا ينكر أنّه أحدهم وإن كان أصغرهم سنّا: اجتمع الأربعة وافتتح السيد المدير (حيَّان عبد الحيّ) الكلام:

- ياسادة إنّه حدث غريب لا أشكّ فيك ياسيد ميقات لكنّي أيضا لا أراه وهما.

وقال منافسه البروفيسور (محفوظ وارث):

- يمكن أن تخطي الأجهزة العلميّة الدقيقة.

رابع اللجنة المتفائل دائما أكبرهم سنّا (عمران أبو وعد) قال:

- هناك أكثر من جهاز.. طائرة مسيّرة.. كشف إشعاعي، تردّد صوتيّ مع ذلك أرى أن نقطع الشكّ باليقين.

فقال السيد حيّان:

- ها أنت تخترق الطبقات وقضيت عشرة أيام في البحث فهل يمكن أن نقول إننا نحاول عبثا في مطاردة شئ خفيّ؟

فأصرّ معاندا:

- ياسيدي هناك أدلّة تشير إلى أنّ هناك شيئا ما الأجهزة العلمية البصريّة الحسّاسة والسمعيّة تؤكّد ذلك. اصبر لي يومين فقط.

- لا بأس لكن إن لم تلتقط شيئا فعليك أن تعترف أنّك كنت تحارب أشباحا تحت الأرض.

فهمس مع نفسه مستغربا:

- أشباح؟

ثانية يعود إلى المكان ذاته.

في ذلك اليوم كانت الرِّمال تختلط بلفحة الشمس، وتنطبع على خيط من التعرق يندى على جبينة، مع مع كلّ الشكوك فقد راح يعمل بجدّ وحماس، ويتذكر حين يضنيه التعب كم طالع من الخرائط القديمة التي على ضوئها أخرج من أعماق الأرض نصوصا كادت تضيع في طيّات الزمن.

لم تستعص عليه إلّا هذه الظاهرة التي حاصرته بساعات معدودة.

يومان فقط.

هل يعود خاليَ الوفاض؟

ليكن أيّ شئ، فكل مانجده في أعماق الأرض يكون ثمينا وربَّما مقدسا، الإنسان التافه نفسه يُصبحُ ذا وضع آخر حين ينزل تحت التراب، هناك القِدَم وحده هو الذي يمنح الأفضليّة لأيّ شئ كان.. والدكتور ميقات يبدو منهزما إذا مارجع بلا شئ.

لكن

يظلّ هناك أمل..

يبقى الزمن القديم صديقه الذي لايخونه

لايذكر أنّه مرّة تخلّى عنه.

وتبقى المخلوقات التي تحت من أوانٍ

وعظامٍ لبشرٍ أو حيوان

وأسلحة ومنصّات وجماجم

وسيوف

وأواني مطابخ

تبقى هي الأكثر صدقا في مواعيدها المجهولة.

ويبدو أن اللقية الجديدة لا تريد أن تخلف موعدها.

ليكن

أشبه ماتكون بعمليَّة ولادة صعبة. أو نوع من التدلّل الذي تبديه الأرض!

بدأ يفرغ المكان بحذر يساوي الصمت

عندها قفز قلبه بنبضة متسارعة.

ففي آخر نقطة حفرها

تلألأت ذرات الغبار في الضوء المتسلل من أعلى كما لو كانت تشهد لحظة تاريخية..

كان ينحني في الحفرة الضيقة، . ومع كل ضربة دقيقة ٍمن فرشاته الصغيرة، بدأتْ حواف جسمٍ غريب تكشف عن نفسها. توقَّف لاهثًا، يحدق في كتلة معدنيّة داكنة اللون، مغطاة بنقوش باهتة أكل عليها الزمن، لحظات من الترقب والدّهشة سيطرت على حواسّه، وهو يمرر الفرشاة على الكتلة المعدنيّة ليطرد عنها آخر ذرّات الغبار.

ليست بخاوية

ولم يأكلها الصدأ.

أزال آخر طبقة من التراب، فظهر صندوق قديم محكم الإغلاق بقفلٍ غمره قتامُ الحقب واحتوته أطراف حديدية منحنية بفعل القرون. مدَّ يده بحذر، يتحسس سطحه البارد، وكأن الصندوق يخبّئ نبضًا خافتًا من الماضي. شعر بقشعريرة تسري في جسده ليس خوفًا، بل رهبة.. هي رهبة الاكتشاف التي تقدّمها له رائحة التراب، رفع الصندوق بكل بطء وحذر

كان يسمع تحته ومن جوانبه خرير الرِّمال الخافت.

أدرك أنّ رحلته لم تنته بعد، فقد خمَّن – من خلال خبرته- أنّ هذا الصندوق الراقد في بقعة الرمل يعود إلى زمن سحيق أبعد من أيّ زمن آخر رسم ظلاله على اللقى والتحف التي يتزيّن بها متحف الدولة.

ثمُّ

عليه أن يعرف مافي الداخل

فليس هو بخاوٍ ولا بمتهالك يتفتت بينة أنامله.

يهزّه قليلا فيتحرّك بداخله شئ ما غير مفهوم الهويّة

لايراه كأس نحاس

أو خزفا

ولا يظنّه تمثالاً

وما عليه إلّا أن يعرضه على خبيرٍ في فتح الأقفال القديمة ليرى مافيه

فالقفل كنز

والصندوق كنز

وما في الداخل أكثر من نفيس تزيده نفاسة أنه محفوظ ومجهول.

عندئذٍ أشار بيده إألى مرافقيه

وأمرهم أن يذيعوا الخبر الجديد

وأمر الحراس أن يسمحوا لكلّ من وقف بعيدا ممن يبحث عن الأخبار فيروا ويصوّروا ويكتبوا عن الإنجاز الجديد ليصبح - فيما بعد- اهتمام الناس وحديثهم اليومي الجديد.

2

في المساء كان الكبار يلتقون في قاعة الاجتماعات، أمامهم الصندوق الغريب الذي لم ترتفع عيونهم عنه.

شكله أوحى ببعض الغرابة

القفل

وبعض الرّائحة الغريبة.

بعد دقائق دخل السيد (سرمد) الخبير الفني المختص بالتعامل مع اللقى ذات الطابع المغلق العسير. كان في الأربعين من عمره ذو ابتسامة مرحة واثق من نفسه لأبعد حدّ.

انحنى على الصندوق وقال:

شئ غريب!

فاندفع ميقات متسائلا:

- هل يستعصي فتحه؟

- كلا لا أظنّ ذلك.

فقال المدير حيّان:

- وما الغرابة إذن؟

فهزّ كتفيه كأنّما ينطق عن بديهيّة:

- أعرف أنّي لملت شظايا القديم ورتّبته في كثير من الزّوايا والعقد. أحيانا أتعامل مع الصعب المحال أو شي ما يبدو محالا فأعيده إلى ماهو عليه!

فاندفع الأثري عمران ساخرا:

- إذا بقيت تمدح نفسك فلن ننتهي تعرفني أنا صريح جدا لا أجامل!

فقال سرمد ساخرا:

لا تدع نغمة اليأس تغلبك..

وظلّ (محفوظ وارث) ينآى بنفسه حتّى هذه اللحظة:

- الحقّ إنّك لم تخفق في أيّة عمليّة لحدّ الآن!

 (فنظر إليه نظرة ذات دلالة، وأخرج مفكا قصيرا وقبل أن يولجه في فتحة القفل الضيقة تساءل):

- من يراهنني على أن الصندوق لا ينتمي إلى زمن ما؟

الدكتور ميقات

- لا تخض في الخرافة

وتساءل المدير حيان مندهشا:

- ماذا تعني؟

- ياسيدي القفل قديم والصندوق قديم وما في داخله قديم لكننا لايمكن أن نحدد أيّ زمن له.

فقال عمران وارث:

لعلّ مافي داخله يخبرنا عنه الشئ الكثير.

فقال سرمد بثقة:

لا تراهنوا فتخسروا رائحته تدلّ على انفتاحه في المجهول.

رفع آلة دقيقة مررها بين حافة السقف والحافة الجانبية، ثم حرَّك الفرشاة على الحزِّ الخارجي من جميع الاتجاهات، كان يتعامل معه برفق مفرط حذراً مثل الذي يفكك لغما ليأمن شرّه، وبعد تلك المقدمات أخرج سلسلة لعدة مفاتيح، اختار مفتاحا ذا نهاية رفيعة حادة ثمّ أدخله بحذر وتؤدة في ثقب القفل. أخذ يحرك.

مرَّةً

ذات اليمين

وذات الشمال

وفي كل مرَّة ٍيقف كأنَّه يلتقط أنفاسه. يمسح على حواف الصندوق.. سنوات ولم يخفق، لم يصب أيّ مخلوق من مخلوقات الماضي الجميلة بأذى أو يشوّه لُقية تعامل معها.

من آلهات في الصناديق وآلهة صغار

أبطال

وخرافات تجسّدت للعيان

كلها جميلة.. مادامت تحمل رائحة الماضي سواء جاحظة العيون منها أم عيون الآلهات، وفي دقائق متوازنة.. انفتح القفل..

بتؤدة

كأنّما يتعامل مع طفل نائم دفع عقدته السّائبة عن الحلقة، وعقّب:

- ربمّا مَنْ أَحكم قفل الصندوق حمل المفتاح معه أو رماه في مكان ما وربما وضعه جنبه في الحفره!

فهتف السيد ميقات:

إن لم أجد أيّ أثر سوف أعود إلى البحث من جديد.

عاد السيد سرمد إلى الحواف والفرشاة.. وضعهما في الصُّندوق الخاص بهما وتحركت أنامله على الحواف فرفعها بحذر فاشرأبـت عنئذٍ الأعناق وتلاقت الرؤوس بشكل دائري فكانت عيونهم ترفرف على الداخل.

ذهول

فرح

وخيبة

ابتسام

وتعجّب

نفحة الماضي التي تشبه الغبار والصدأ تختلط باللون البيجي، غلاف سميك، وخط قديم وعبارة مبهمة تزرع الخوف في النفوس:

جملة غامضة واضحة لم يطالعهم مثلها من قبل!

 (كتاب الزمن) عنوانه وتحته عبارة: من تقع عيناه على أوراق الكتاب عدا العنوان الماثل أمامه يصاب بالعمى.

تحذير أم تهديد

المؤلف مجهول

والكتاب ضخم

توقفت الأيدي في الهواء وتراجعت عن المنضدة!

صمت مطبق

عدّل ميقات من انحناءته:

- من يقرؤه يصبح أعمى!

وكرّر ثانية:

- من يقرؤه يصبح أعمى. " يا إلهي… جملة تهديدية أو تحذير ديني ربما.. لكن النقش دقيق جدًا، وكأنه صنع لغاية محددة.

سرمد بعد أن رفع إصبعه عن صدغه:

- قد تكون نكتة!

عمران بشئ من التوجّس:

- أو ربما محاولة لإبعاد اللصوص أو المتطفلين.

ميقات بحماس مفرط:

القدماء كانوا يحبون المبالغة. نحن علماء، ولسنا أطفالاً نخاف من نقش على حجر.

حيّان مؤكّدا:

- قد تكون مبالغة، وقد يكون هناك سرّ. لقد وجدناه داخل صندوق، مغلق بإحكام ومزوّد بقفل معقد. لعلنا لا يمكن تجاهل أن مانراه الآن كان ذا طابع طقسي وليس مجرد مخزن.

سرمد أشبه بالاحتجاج:

لنتمعن في نوع المادة التي نُقش عليها التحذير؟

ميقات يمرر أنامله برفق على النّقش:

- تبدو كأنها خليط من العقيق الأسود والبازلت، وهذا غير مألوف في المخطوطات. وكأنهم أرادوا للغلاف نفسه أن يثير الرهبة.

المدير بتردد:

_ أيّاً كان، يجب أن نفتحه ونفحصه. لا يمكن لبحثنا أن يتقدم دون ذلك. التهديدات ليست إلا رمزيات ثقافية، مثل اللعنات الفرعونية التي لا دليل على فعاليتها.

ميقات بتصميم:

لنتمهّل. قبل أي خطوة، علينا توثيق الحالة، وقياس الإشعاع، وفحص بقايا المواد العضوية. إذا كان هناك فطر قديم أو مادة سامة، فهذا تحذير منطقي وليس خرافة.

سرمد:

أتفق معك. التحذير قد يكون علميًا لا أسطوريًا. كأنهَّم عرفوا أن محتوى الكتاب مغطى بمادة تؤذي العين أو تطلق غازًا عند فتحه. الحضارات القديمة بلغت مستويات مذهلة من المعرفة الكيمياوية

عمران بعد فترة تأمّل:

- هل تتوقعون غازًا يسبب العمى؟

ميقات الذي مازال يتأرجح بين الفخر والقلق والشك:

ليس محالا.. أنتم أصحاب خبرة قد تكون بعض المواد تفاعلت مع الورق أو بفعل القدم بقيت محبوسة داخل أوراق الكتاب.

سرمد أشبه بالسّخرية الصفراء:

- إنِّي أتساءل هل عثر عليه في العصور الخوالي شخص فاطلع على محتواه فأصابه العمى فكتب لنا تحذيرا على الغلاف؟

ميقات يحاول أن يتغلَّب على حيرته:

أعزائي الخوف لا يصنع العلوم لذا. أقترح فتحه ضمن مختبر ميداني مغلق، مع أدوات حماية كاملة. فإن كان تحذيرًا حقيقيًا، نحمي أنفسنا. وإن كان مجرد رمز، نكسب الوقت.

حيان ويبدو أن صبره نفد:

هذا اقتراح منطقي. دعونا الآن نبعث الكتاب إلى مختبر التحليل، ونبدأ بالفحص الطبقي. أما فتحه… فلن يتم إلا بعد اتفاقنا جميعًا.

عندئذِ انبرى ميقات:

أما أنا فسأواصل الحرف غدا والتنقيب لعلني أجد لازمة تنفعنا في حلّ اللّغز.

وانتظروا ساعة

ساعتين

هناك يأس وأمل

عاد ميقات عبد الدائم إلى الجانب الرّملي مع أولِّ خَيْطٍ للفجر، كأن الأرض نفسها نادته باسمٍ لا يسمعه سواه. الرمل الذي ظنّه ساكنا بالأمس بدا اليوم متحفزا يخفي أسراره التي ماتنفكُّ تساومه بالصبر والتأمّل. وقف عند الحفرة القديمة، تلك التي ابتلعت أيَّاماً من القلق ثم كافأته بالصندوق الحجري الغامض الذي لم يكن صندوقًا فحسب، بل بداية لعنة جديدة أو رحمة تختفي وراء إحدى اللعنات

انحنى، وهو خائر:

هل ستصيبه اللعنة أم الرّحمة؟أحيانا يكون السئ مدخلا لعوالم صحيحة مثلما هو المرض أو الطاعون الذي يفتك بنا ثمّ نكتشف مضادا يقضي عليه وعلى داء قديم عجزنا عن علاجه منذ قرون، فقد تأتي البشارة من الشؤم نفسه.

راح ينبش في الرمل..

كانت ضرباته محسوبة، لا عنف فيها ولا تردد. عبد الدائم لم تكن مجرد عالم آثار؛ كنت رجلًا تؤمن أن الماضي كائن حي، وأن التنقيب حوار طويل بين الأحياء والموتى. ومع كل طبقة رمل، كانت الصور تعود: النقوش التي لم تُفهم، العلامة المحروقة على غطاء الصندوق، والتحذير المكتوب بلغة هجينة لا تنتمي لعصر واحد.

ليتها أزمة متراكمة..

أو

ليته زمن يتفرع أزمانا

لكنّه ماضٍ مبهم الملامح.

بعد ساعات، اصطدم المعول بشيء صلب. توقف قلبه لحظة. جثا على ركبتيه، وأزاح الرمل بيديه. ظهر حجر مدوّر، صغير بحجم الكفّ، محفور عليه عين مغموسة بالزرقة والصدأ.

صبغة سوداء تلوّثها

وبقيت ملامح واضحة تدلّ على أنّها عين تسبح بالظلام وليست شيئا آخر.

3

راح يتمتم مع نفسه وهو يعبر الممر:

ملحق… أو مفتاح… أو شاهدة قبر..

في المساء، توجهوا فرادى إلى الغرفة الضيقة أسفل دار الكتب القديمة، وفي سرّه أنّ ما وجده هو عين مثالية هي القادرة على النّجاة حيث تملّكها السحر.

جاء سرمد يحث الخطى، وأقبل عبد الدائم يجرّ خلفه صمتا ثقيلا.. فعمران الذي لاحت حيرة ما على قسماته. ثم أقبل عبد الدائم، ووضع الحجر على الطاولة دون كلمة أمّا الوحيد الذي امتلأ ثقة بنفسه فهو البروفيسور (محفوظ) الذي لايشكّ في قدرات اللجنة معه فضلاة عن أنّه يثق دائما بقدرات الماضي على التلاعب في بعض الأحيان بقدراتنا نحن الأحياء غير أنّه لا يندفع في بداية كلّ اكتشاف جديد.

رفع سرمد رأسه ببطء

وجدته؟

أومأ عبد الدائم بالإيجاب

فقال البروفيسور محفوظ: .

أظن أنه ليس تابعًا للصندوق… بل مكمّل له.

اقترب عبد الباقي، نظر إلى الرمز، ثم ارتد خطوة إلى الوراء.

هذه العين… رأيتها من قبل. في أكثر من وضع وفي أشكال مختلفة لكن هذه المرّة وردت جنب كتاب لايقرؤ بل يٌبتلى، ويخمّن مافيه..

ساد صمت ثقيل. كانوا جميعًا يعرفون ما يعنيه ذلك، فتدخّل عمران بضيق هذه المرة:

كَلامُنَا إِلى هذهِ اللحْظَةِ أَشْبهُ بالنُّدْبة وَاْلأَسَف وكأنّنا فقد شيئا يعزّ علينا فقد وكان علينا أن نفرح لعثورنا على شئ جعلنا نفكر مجتمعين.

قال سرمد، بصوتٍ حاول أن يجعله عقلانيًا:

- التحليل المبدئي للنصوص يشير إلى أن الكتاب ليس معرفة فقط، بل آلية. تفعّل شيئا في دماغ من يقرؤه أو الرّوح، وما دام يحذّر فإنّ واضعه رمى عينا بقربه زيادة في التحذير

وعقّب عمران بفلسفة باطنة:

- أو التّطهير حسب فلسفة القدامي فالقراءة انتهاك مقدّس والعمى تطهير من فتنة الانتهاك.

المدير يلقي بحكمة ويودّ لو كانت الأخيرة:

- سمّه ما تشاء. النتيجة واحدة: العمى. ليس فقدان البصر فقط، بل عمى البصيرة.

راحوا يحدقون في الفراغ وكأنهم رأوا الحقيقة كاملة دفعة واحدة.

وضع عبد الدائم يده على الحجر:

- وهذا الملحق؟ ماذا يفعل؟

وعقب سرمد:

- لا أعرف لكن قد لا يغلق الكتاب بعد فتحه ولا ندري متى يصاب بالعمى من يقرؤ صفحاته!

رفع عمران رأسه نحو السقف وابتسم:

- نحن لا نزال نفكر كباحثين، الحقيقة هذه ليست قضية علمية ولا أثريّة. هذا سلاح. سلاح معرفي.

سكتوا. الكلمة ارتطمت بالجدران ثم عادت أثقل، ليقول عبد الدائم:

- إن كان سلاحا فمكانه ةليس بأيدينا.

بأيدي من إذن:

تساءل محفوظ، فردّ عمران على الفور:

بيد السّلطة الأمنية أم هل تجرؤون أن تعرّضوا أنفسكم لمغامرة مجهولة؟.

جحظت عيونهم، برهة.. دقيقة لاذت النظرات بالسقف والطاولة، ليس بإمكانهم أن يخفوا الأمر أو يضعوا الكتاب في منآى عن الدولة مادام يتضمن في طيّاته سرّا مبهما، عند هذه اللحظة الحرجة قطع المدير الشكّ بالقين وقال جملة وافية قصيرة:

- إذن ماعليّ إلّا أن أتصل بدائرة الأمن !

صمت الآخرون، ارتاح السيد عمران قليلا إذ أنّ الوضع المفتعل الآن قد يجعله يتعرّض للتجربة والحقّ إنّ بعض الارتياح خالط الآخرين جميعهم ولم يستثن صاحب الحجر ميقات نفسه فها هو الماضي يضعه للمرّة الأولى في امتحان عسير وعندما رآى السيد محفوظ صمتهم خطى بثبات نحو الهاتف، و وكانت العيون تراقب أنامله وهي تدور بالأرقام.

***

الكتاب الثاني: القرّاء

تكدّست سجلات خمسة سياسيين سجناء أمام مكتب مدير دائرة الأمن (عاتي النجم) درسها كلّها بتمعن. لم تكن تلك الملفّات غريبة عنه ويعرف كلّ أصحابها. من قبل واجههم وواجهوه، تعامل باللطف معهم وبالقسوة، حاول انتزاع اعترافات منهم بأيّة وسيلة. كانوا يختلفون عن الآخرين الذي انهاروا أمام المغريات أو التعذيب فاعترفوا. ثلاثة سجناء ذوي سجلات ضخمة، أحدهم سعيد جابر صلب قوي أصابته الجلسات الكهربائية بشلل في فكّه فانعقد لسانه ويتوجس المسؤول الكبير خيفة من أن تزيده عاهة العمى التي إذا ما أصيب بها- حسب زعم الكتاب- بشلل تام في اللسان وبقية البدن فلا يستفيدون منه، أمّا الثاني (سعيد كامل) فربما يبالغ ويكذب يضيف أو يحذف.. ومن المحتمل أن يخفي معلومات تضرّ الدولة، لكنه، مهما يكن، يثق بالسجين الثالث الذي لم يكذب عليه أو يعترف.. يتجاهل ولا تهمّه العواقب مهما كانت.. (أصيل سرحان) هو الهدف المطلوب، ملفه خال من الكذب ربما هناك من في السجناء السياسيين من يخفي أمورا غابت عن سلطة الأمن أو خفيت عنهم أمّا (أصيل) فلن يبالغ ولن يراوغ. يقول إنّه عدوّ الدولة له شروط لكي يكون صديقا. لا يحرّض الناس كما يظنّ بل يريدهم ألّا يتستّروا.

لن يخبره بالتحذير حتّى يدخل الغرفة، فيتفاجأ، فإمّا ينسحب أو يستمر.

يفقد عينيه مقابل أن يحصل على حرّيته.

وتظلّ فكرة العمى بعيدة عنه حتّى يدخل الكتاب، والوقت أمام المحقّق الأمنيّ ضيق، فالكتاب لابدّ أن يرجع إلى دائرة الآثار ليحفظ في ظروف خاصة تحفظه من التشويه.

أمامه بضعة أيّام حسبما ارتأت لجنة الآثار إذ أنّ وجود الكتاب القديم خارج مكتبة الآثار يعرّضه لأَكثر من خطر طبيعي. لقد فضل السيد كبير الأمن أن يختبر السجناء ولا يفرط برجل من رجال الأمن الذين اتقنوا المهنة وأصبح كلّ واحد منهم مخزنا لمعلومات تُعنى بالبلد، فضلا عن أنّه لا يحبّذ أن يفقد ثقة مرؤوسيه به حين يجعلهم محلّ اختبار خطر.

وفي صباح ثقيل الملامح مفعم بالبرودة والرطوبة، استدعي السجين القديم من زنزانته، كان صرير المفاتيح ينبؤه كل يوم بوجبة الطعام، وطعام أمس واليوم يختلف تماما، أحس لسانه بطعمه ودفئه، وزمن صرير المفتاح الآن ليس بوقت طعام، وقد صحّ ظنّه حين وقف أمام السيد المسؤول الذي أشار إليه بالجلوس. فجلس، وذهنه مشغول بالتغيير الجديد الذي يحسّه ويتوقَّع أكثر من احتمال لمغزاه، زاده شكّا حين أشار إليه السَّيد المسؤول بالجلوس وحرّك يده آمرا الحرس المرافق بالخروج. ظلّ يطالع وجه الضابط الذي احتفظ بلامح محايدة، وفي هذه المرّة بادر السّجين بالكلام:

- هل من شيء ياسيدي؟

ابتسم الضابط حيث أخذته المفاجأة الجديدة:

- أتحب ّ أن نبدأ من دون مقدمات؟

- ياليت فإنّكم استنفدتم كلّ شئ ولم تبعثوا في طلبي منذ شهور.

- لا تتعجل الأمر.. دعنا نتكلم بصفتنا أصدقاء.

- يسعدني أن أسمع منك ذلك.

قالها وقد ازداد شكه بعد اللطف المفتعل، فقال الضابط:

- حقا ! لنكن أصدقاء إذ أرسلت فلي طلبك لأنيط بك مهمّة ما!

عندئذ انتفض فتغيّرت ملامح وجهه:

- أكون رجل أمن؟ياسيدي

فقاطع الضابط بامتعاض:

- ياعزيزي لاينصرف ذهنك إلى مثل هذه الأمور.. لسنا بحاجة إلى رجال يعملون معنا.

- لا ذ بالصمت، وتمتم:

آسف يبدو أنّي تعجلت في الحكم.

من دون مقدمات هناك كتاب قديم عثرنا عليه مصادفة ولم نفهم معناه نأمل أن تقرأه وتنقل لي الأخبار الواردة فيه.

صدمة أم رغبة

شكّ.. مفاجأة.. أمر غامض:

- ولم لا تعرضه على من يختص بالآثار؟

- نحن دائرة أمن لا ننشر خبرا قبل أن نتأكد منه هل اقتنعت؟

- لكن لم لا تعرضه على أحد موظفيكم؟

فضحك الكبير وقال وهو يهزّ رأسه:

سيقرؤونه بعدك إن كانت هناك ضرورة. إنّهم رجالي وأثق بهم لكنّ ذلك لا ينفي أنّ لي علاقات خاصة وأحاديث مع السجناء والآخرين خارج السجن لا يعرفها أحد من الرجال المحيطين بي.

- من حقي أن أسأل لم وقع اختياركم علي؟

فقهقه الضابط وضغط بإبهامه على قلم التقطه من على المنضدة:

- لأنك صريح.. لا تراوغ ولا تلين أو تبدل فهل اقتنعت.

- لابأس ليكن.

عندئذ انتهى اللقاء بإشارة من السيد الكبير الذي نفث نفسا طويلا يشير إلى ارتياحه وقال قبل أن يخرج السّجين من مكتبه:

استعد خذ قسطا من الراحة وسنصحبك إلى حيث الكتاب

وكان هذه المرّة ينوي أن يطلق سراح السّجين االذي ينقل إليه سطور الكتابة بكلّ دقّة شرط أن يخرج بعد القراءة بعينين سليمتين!

2

نظر إلى الكتاب.

وقد أذهلته المفاجأة

لعلها على الأرجح نكتىة من الزمن الماضي، فما مر ملئ بالتهديد واحرب والقتل والدمار لأتفه الأسباب

أوهو ضمن تاخرافة فالماضي حين نتصالح معه نصفه خرافات والنصف الآخر أعمى.

فكرة العمى لم تُخِفه بقدر ما أخافه الاحتمال الآخر: أن يكون الكتاب فارغًا، أو كاذبًا، أو مجرد أداة إذلال أخيرة اخترعها جهاز الأمن ليجعلوه يجري نحو الوهم.

هم الآن يراقبونه من مكامن سرّيّة وليس أمامه سوى أن يتماسك فلا يمنحهم نقطة ضعف يمسكونه منها. إنّه على يقين:

أنّ خلف الجدار المقابل، وفي زاوية لا تكاد تُرى، فتحة صغيرة كالوهم شُقّت بعناية لتبقى خفية عن الأنظار. من خلالها، تلمع عينان تراقبان كل حركة، كل التفاتة، وكل لحظة صمت. الشخص المختبئ خلف الجدار كان ثابتاً، لا يتحرك إلا بقدر ما يسمح له بالحفاظ على موقعه دون أن يُكشف أمره.

أنفاسه كانت محبوسة تقريباً، وقلبه يخفق بإيقاعٍ متسارع، كأن ما يراه أمامه يحمل خطراً أو كشفاً لا يمكن التراجع عنه. عيناه لم تتركا الكتاب لحظة، وكأنه يدرك أن الكلمات التي يقرأها الرجل قادرة على تغيير مصيرٍ ما، أو كشف سرٍ دُفن طويلاً. الضوء الخافت كان ينعكس على حدقة عينيه، فيمنحهما بريقاً حاداً، أشبه ببريق صياد يراقب فريسته بصبر

هكذا تخيّلهم وهم يراقبونه.

مدّ يده.

وتخطّى جملة العمى التي فاجأته على الغلاف معللا نفسه أنّه لايخشى الحاضر بكلّ جبروته فكيف يخاف ماضيا أصبح جثة هامدة في مقبرة الزّمن، فكلّ ما هو خارج نطاق العقل والتجربة هراء..

ثمّ

في الغرفةٍ شبه المعتمة التي يتوسطها ضوءٌ خافت يتسلل من مصباحٍ يتدلّى من السقف، ليس هذا فحسب بل وجد ساعة ملتصقة بالحائط تسير عقاربها بصورة مذهلة وبسرعة واحدة. ساعة نشيطة. زولايريد أن يبتسم لها فلا يتعب نفسه لِمَ وضعوها وماذا يثصدون منها. هذا هو المكان الوحيد في السجن الذي يسير فيه الزمن بسرعة غير مألوفة، فمن أين جاءووا بالكتاب؟جلس منحنياً فوق الكتاب بدا من هيئته أنه ليس كتاباً عادياً. كان الغلاف داكناً، حوافه باهتة بين الصفرة واللون البنيّ الضارب في القدم من غير أن يتآكل تماما ! يمكن لشكله أن يصانع حاسة الشمّ فيملأها بعبق من الماضي يكاد يثقل الرْتين. ويتلوّن مع العين كيف تشاء وكأن الصفحات حملت عبر الزمن أسراراً أكثر مما حملته من كلمات. أمسكه بكلتا يديه بثبات، وراح يقلب صفحاته ببطء وحذر، كما لو كان يخشى أن يوقظ المعاني النائمة بين السطور قبل أوانها. عيناه كانتا غارقتين في النص، تتحركان بتركيزٍ عميق، وتتوقفان أحياناً عند جملة بعينها، كأنها سهم أصاب قلب فكرةٍ طالما بحث عنها..

في الوقت نفسه كانت ملامحه- بعد أن تمعن باغلاف مطمئنا ومتجاهلا التحذير- تجمع بين الجدية والقلق. جبينه مقطب، وشفته السفلى مشدودة قليلاً، وكأن ما يقرأه يضعه أمام اختبار داخلي صعب. من حينٍ لآخر، كان يرفع رأسه ببطء، يحدق في الفراغ أمامه، ثم يعود إلى الكتاب، وكأنه يحاول أن يربط بين ما يقرؤه وما عاشه، أو ما يخشاه أن يعيشه. صمت الغرفة كان ثقيلاً، لا يقطعه سوى صوت تقليب الصفحات، وصوت أنفاسه المنتظمة التي تخفي توتراً خفياً راوده بعد أن باشر بالصفحة الأولى.

الماضي البعيد

الحاضر

والمستقبل

وقد صدقت ظنونه يقررأ وهو يحسّ ألأن عيونا تحيط به لتعرف أنّه داهم الحروف على الرغم من التحذير إذ أنّه لا يخشى التحذير أكثر من خشيته العيون في الخفاء مثل طالب في الامتحان يشعر أن المعلم يقف على رأسه يتابع ماذا يكتب..

لا يكذب فيختلق قصة أو تفسيرا من خياله وكان يسخر من أسطورة العمى التي لجأ إليها من سبقونا.

الجدار بين القارىء والمراقب بدا كحدٍ فاصل بين عالمين: عالم المعرفة والانغماس في الحقيقة، وعالم التربص والمراقبة والشكّ. الرجل القارئ كان غارقاً في داخله، يقاتل أفكاره وأسئلته، بينما كان المراقب غارقاً في الخارج، يحاول أن يسبق اللحظة التي قد ينقلب فيها كل شيء وفي تلك اللحظة الصامتة، كان الكتاب هو المحور، السر المشترك بينهما، والشرارة التي قد تشعل مواجهة لم تبدأ بعد، لكنها كانت حتمية، تنتظر فقط أن تُطوى الصفحة الأخيرة.

لا تقلقوا سأخبركم بكل شىء

وصافحت عيناه الأوراق تستقبل الحروف أو تستقبل الظلام..

3

كان السيد المسؤول ينتظره بشوق

لهفة المنتصر

لو يكذب الماضي

لو يبقى السجين بعينين مبصرتين

للمرة الأولى يرغب ألا يصاب سجين عنده بعاهة أو مرض

ليعرف من خلاله أسرار الماضي من غيرما ضجّة تجعل السلطة بين يديه والسلطة التي نصبته في حرب مع مبهم ينفّذ وعده ووعيده.

ثم ما لبثت الكلمات أن تحولت إلى مرايا، تعكس واقعًا لم يكن يريد أن يراه. وحين بلغ الصفحة الأخيرة وانتهى من آخر سطرتحققت النبؤة، فأطبق الظلام على عينيه فجأة.

لم يشعر بألم، فقط اختفى الضوء، وكأن العالم قرر أن ينسحب بهدوء من أمامه إلى أفق مجهول قاتم بارد مظلم يرى الأشياء والمعاني من خلاله على خقيفتها.

يراها في الماضي كما كانت

وفي الحاضر كما هي عليه

وفي المستقبل القريب والبعيد..

بعد ساعات من الصمت والذهول، بدأ الرجل يتكلم أمام الكبير

لم يسرق أيَّ حرف ويصرفه عن معناه:

قال إن العمى لم يكن عقابًا، بل كشفًا. “كنت أظن أن الرؤية في العينين”، وواصل بمنتهى الهدوء، “لكن الكتاب علّمني أن العمى الحقيقي هو أن ترى ولا تفهم”.

فضحك ثانية الكبير ضحكة ملوّنة وسأل:

هه وماذا قرأت بعد؟

فتمعن لحظة:

أصلنا وضيع كما يقول الكتاب، الدولة والناس، نحن في البداية كنا حشرات أو حيوانات، وزاد الأمر سوءا أنّ السلطة ابتعدت عن الأخلاق.

هل سطور الكتاب تتحدث عن الماضي؟

الماضي والحاضر والمستقبل تقول إن الطبيعة إنّ في الماضي انتقموا من أنفسهم وفي الحاضر ينتقمون من أنفسهم ومن الطبيعة وفي المستقبل تنتقم من الطبيعة والأخلاق أيام السلطة محدودة وأيام الناس إلى عدم!

فصمت الكبير وقال واصل:

سيدي يقول الكتاب عنا نحن أهل الحاضر عميان وفي المستقبل من يملك الصدق مع نفسه يملك قرار وجوده وتحوّله من الوضاعة إلى الأكمل.

وحين توقف يلتقط أنفاسه، سأله كبير الأمن:

هل ندمت على قراءة الكتاب؟

هزّ رأسه بالنفي، وقال بثقة:

لو عاد لي بصري لتطوعت لأقرأه مرة أخرى فقد أجد فيه شيئا جديدا يزيد معارفي..

وابتسم ابتسامة خفيفة. قال: “فقدت بصري، لكنني كسبت بصيرة. كنت أعيش في ضوءٍ زائف، والآن أتحرك في ظلامٍ صادق”. ء ثم سكت، كأن كلماته الأخيرة كانت كافية. لقد أدرك أن أخطر الكتب ليست تلك التي تُقرأ، بل تلك التي تُغيّر القارئ إلى الأبد.

وانتفض من دون أن يقاطعه الكبير:

كلنا مزيفون كلنا وأنا منكم..

بقي الكبير في صمت. كتم غضبه ولم يقبل به قارئا وحيدا، كان عليه هذه المرة أن يفكر بآخر شخص لا يمتهن السياسة ولا علم له بحقل الاجتماع والآداب، نقر بإصبعه على الطاولة، فحضر أمامه بعض من حراس المكان، أخرج أحدهم السجين الأعمى، وأمر الآخرين أن يجلبوا إلى مكتبه بعضا من عابري الطريق يريدهم من مختلفي المشارب

فيهم

المعلم

والنجار

والكاتب

والمهرب

الوضيع والشريف

الجبان والشجاع

أناسا لم يعرف عنهم أي نشاط أو شبهة

ولم يكن ليعرفهم من قبل!

3

خلال دقائق كانت هناك حشد معه في الساحة

سطرٌّ طويل من الوجوه الشاحبة: عمّالٌ بملابسهم الملطّخة بعرق النهار، معلّمون يحملون دفاترَ مهترئة، نساءٌ شددن أوشحة الصبر حول أعناقهن، وشبابٌ تتقاطع في عيونهم الحيرةُ مع الجرأة. لم يكن الصفّ احتفالاً ولا عقوبة، بل مرآةً كاملةً للبلاد، تعكس وجوهها المتعبة وتاريخها المكتوب بأصابع كثيرة..

كان رجل الدولة يسير ببطء، يراقب التفاصيل الصغيرة:

يدٌ ترتجف

نظرةٌ تهرب

شفاه تتمتم

ظهرٌ مستقيم رغم الانكسار.

لم يكن يبحث عن بطلٍ خارق، بل عن إنسانٍ عاديّ يواجه العمى

يستفزّ الماضي بسذاجته

فينقل إليه الحقيقة عارية كما هي

لا رتوش ولا زيف ولا تحوير. هل هي كما ذكرها السجين الذي قرأ الكتاب فأصيب بالعمى، وهل ماقرأه يقين لا تشوبه شائبة من التحريف والتأويل.

سيتحاشى هذه المرّة السياسيين الذين جربهم فكل من يقف أمامه الآن، في هذه اللحظة، يظنّ نفسه اقترب ذنبا، قد يتوهم بعضهم أنه ارتكب خطا، وآخر يظن ما رآه حلما اعترف ببشاعته لآخر صديق أو قريب فنقله إليه.

كلّ واحد منهم يرى نفسه مذنبا، وسيقرؤ الكتابة بدقة أكثر من السياسي الذي سبقهم..

توقّف أمام رجلٍ خمسينيّ،

سأله عمّا يخافه، فقال: “

أن أخون ما تعلمته من أبي، فبعض الأحيان أغض النظر عن مال آخذه من حسابه ولا أخبره عنه مع أني لو طلبته منه لما اعترض.

”. ثم وقف أمام امرأةٍ شابّة، سألها عمّا تطلبه، فقالت: “أن أُسمَع دون أن أصرخ”. مضى. أمام شابٍ يافعٍ قال: “أخاف أن أكون شجاعاً وحدي في هذه الدنيا”. كلّ إجابة كانت تضع حجراً جديداً في كفّة الميزان، و الهمهمة تعلو وتنخفض، القلوب تتبادل الأسئلة: لماذا واحدٌ فقط؟ لماذا الآن؟ لكن رجل الدولة كان يعلم أن المسؤولية، حين تتوزّع بلا اسم، تضيع. وحين تُسمّى، تُحاسَب. توقّف أخيراً أمام رجلٍ نحيل، لا يلفت النظر. سأله عن عمله، فقال: “أصلّح ما ينكسر”. سأله عن حلمه، فقال: “أن يقلّ ما ينكسر”. ساد صمتٌ كثيف، كأن الساحة حبست أنفاسها.

أدهشهم أنَّ الكبير لم ينفرد بهم واحدا واحدا بل استجوبهم كلّهم مجتمعين بوقفة واحده، واختار منهم شخصا واحدا. شاب في العشرين من عمره.. حينئذ تنفسوا الصعداء، وبانت الفرحة على وجوهم وهم يستمعون إليه يأمرهم بالانصراف، صحب الكبير الشاب الذي اختاره فدخل معه غرفة التحقيق. كانت الصفرة تعلو والوجه وتمثل الخوف بشكل وحش رآه في الحقيقة والمنام وسمعه من كلّ الأفواه:

مااسمك؟

دليل!

شغلك؟

سيدي أنا بائع صحف في الصباح وفي العصر بائع خبز متجوّل، وحين قلت كلمتي لم أكن أعني بها المساس بالدولة هناك كلمات اقرؤها ولا أفهمها وبعض الأحيان أقرؤ جملا لا أعرفها إلى أن يحين وقت السؤال عنها.

فقاطعه الكبير:

ماذا تعني بوقت السؤال عنها.

أسمعها فأسأل أقرب الناس إليّ لكني لم أكن أقصد بكلمتي الأخيرة أيّ معنى أستفزّ به الناس.

ماذا قلت بالضبط (تظاهر جادا) نحن نعرف لكن أعدها عليّ لارى هل ينطبق ما تقوله في مكتبي على ماقلته من قبل.

سيدي أنت تدرك أن وسائل الاتصال غيرت كثيرا في عقولنا الناس بدؤوا يقرؤون ما أبيعه على صفحات التواصل.. تذمرت حقا مع ذلك لم أخص الدولة بتذمري بل العالم من أقصاه لأقصاه.

فابتسم الكبير ونهض فربت تعلى كتفه:

أتفق معك، نحن محتاجون إليك ولأنّك قاريء جيد وتبيع الكلام والخبز فسأكلفك بمهمة تتعلّق بالقراءة بعملك الأوّل!

تهللت أسارير الشاب بائع الصُّحف والخبز وسأل بعد أن أنصت للكبير:

وماذا أفعل لو رأيت كلمة فلم أفهم ماتعنيه؟

بعد دقائق

دخل بائع الصحف الخبز الغرفة

وكان الكبير يعود إلى جهاز المراقبة من جديد

مثلما فعل مع السياسيّ من قبل

وينهض بعض الأحيان ليطلّ من فوهة مخبؤة ليراه على حقيقته.

جلس الشاب على الكرسيّ ثمّ تطلّع في الكتاب.

وقع نظره على العنوان

ابتسم

ثمّ توقف عند التحذير

وضع يده على جبينه دقيقة ثمّ عاد لابتسامته

لابدّ أنّه عدّها مزحة أو سحرا افتعله الأقدمون ليبعدوا الأيدي والنظرات الحانقة. هو التفسير الذي ذهب إليه السياسي وليس هناك من معنى يدور بذهن المسؤول المراقب.

فتح الكتاب ومازالت الابتسامة لا تفارق شفتيه.

الساعة على الحائط تسير بشكل أليف لا تخيفه، فلا يلتفت إليها. الكبير لم يحدد له وقتا. كأن الزمن قرر أن يتوقف احترامًا لما يحدث. قبل ساعة فقط، قال له الرجل بصوت هادئ لا يقبل النقاش: "

اقرأ. "

لم يشرح لماذا، ولم يقل إلى متى

أمر المسؤول بقي مفتوحا إلى مالانهاية.

لقد كانت الصفحات مليئة بكلمات مألوفة لكنها مرتبة بطريقة غريبة، كأنها تعرفه أكثر مما يعرفها. هي التي تتوجّه إليه. مثلما يحلم برسالة رقيقة يكتبها لآنسة في الحلم وحين يستيقظ يتذكّر فقط عبير الكلمات. في البداية قرأ بدافع الطاعة، ثم بدافع الفضول، ثم—من دون أن يشعر—بدافع الحاجة

قد يحصل على منحة

أو

مساعدة ما على أقل تقدير

ونسي تماما التحذير

كان الرجل يراقب كل حركة: كيف يرفع الشاب عينيه عند نهاية الفقرة، كيف تتسارع أنفاسه عند بعض الجمل، كيف تتجمد أصابعه عندما يمر على كلمات بعينها. لم يكن يراقب القراءة، بل ما تفعله القراءة داخله..

مع مرور الوقت، بدأ الشاب ينسجم مع الحروف وينسى الوقت. صارت الكلمات تتحول إلى صور، ثم إلى ذكريات لم يتأكد يومًا أنها حقيقية. رأى نفسه طفلًا يركض في ممر طويل، يسمع صوتًا يناديه لكنه لا يلتفت. قرأ عن الخوف، فشعر به. قرأ عن الذنب، فتذكر أشياء لم يكن ينوي تذكرها، كلما تقدّم، أصبحت اللغة أبسط، لكن المعنى أثقل. لم تعد الصفحات تحكي عن شخصيات بعيدة، بل عنه هو. عن قرارات لم يتخذها، وعن طرق اختار ألا يسلكها. شعر كأن الكتاب يسأله، لا يشرح له

لكنّ كلّ ماقرأه كان جميلا

حتّى المشاهد القبيحة التي رآها ويراها كل يوم بدت في الكتاب أجمل

وفي آخر لجظة

مع نهاية آخر كلمة

أغلق الكتاب

وفجأة

أدار رأسه في الغرفة

مسح عينيه

وحرّك رأسه مثل عصفور ينفش ريشه من ماء المطر

وصرخ

إنّي لا أرى شيئا

لم يجبه أحد

كان يتخبّط في الغرفة وحده

ينادي

يستنجد

يمسح عينيه

ويقول: ظننتها خرافة. خرافة.

بعد لحظات

دخل عليه رجل يهتف:

لا تخف! لا تخف هل تشعر بألم؟

أبدا لكني لا أرى.

قاده الحارس ثانية إلى غرفة الكبير، وساعده على الجلوس ثمّ خرج. قال:

لا تخف إهدأ (وجد الكذب وسيلة لاستدراجه): لدينا كتاب آخر ستقرؤه ويعود إليك بصرك!

سأل بسذاجة ملؤها الرّجاء:

هل حقّا سيعود إليّ بصري؟

ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، كأن الإجابة كانت متوقعة.

بالتأكيد، والآن قل لي ماذا قرأت؟

ياسيدي أسماء كثيرة تتحدث عن الحاضر والدولة والزمان الذي نعيشه!

والماضي؟

لم تقل السطور عنه شيئا أو تذكره لقد أخبرتني الجمل الكثيرة عن نفسي وعن أن الدولة جادة في بناء البيوت والمشاريع والرفاه ومادام الأمر كذلك كما تقول سطور الكتاب فإنّي في شوق إلى قراءة الكتاب الثاني الذي سيعيد إليّ بصري ولابدّ! أن يكون هناك من يقرؤه لي سيستعيد سمعي بصري ويتحقّق ما وعدني به الكتاب الأوّل!

5

كان الوقت مفتوحا مغلقا أمام السيد المسؤول بضعة أيام يمكن أن يماطل. يظنّ أنّ لجنة الآثار بالغت كثيرا حين حذّرت من أنّ الكتاب قد يتأثّر بالرطوبة ودرجة الضوء، والمأثور عنه أنّه يشكّ في كلّ شيء فلا خطر عليه ولا على السلطة والناس من تلف كتاب قديم غير أن الخطر يبقى في حال كونه لغزا لا يفهمه أحد أو يفمه كلّ حسب رؤيته.

ألقى نظرة مصادفة على الساعة التي تطلّ عليه من علو، وابتسم في باله فكرة أخرى سيحضر أحد الأدباء الحالمين لعله يستطيع أن يقرأ الكتاب كما هو فإن أخفق فهناك البدائل الأخرى.

بعد ساعات أحضروا الأديب أمامه.

شاعر في الأربعين

متفائل

يبدو شاردا

ولا يهمه أن يعرف الداعي لاستدعائه.

5

كان القارئ الجديد يختلف عمن سبقه من القارئين.

يتعامل بحس وشعور عال مع الأشياء

عبث أن نضع قوانين تقيدنا

يا سيد آمل على فكرة اسمك يبعث على الراحة، ياسيد آمل ماذا تعني بقولك في مجمعتك مصائد الريح

أنت جميلة ولك رجلا نعامة

تعيشين برأس أسد

أمن أجل هذا استدعيتني شعري مطبوع ولو وجد فيه الرقيب المزكّى منكم معنى لا يتماشى مع السياسة لما سمح لي بنشره.

معك حقّ.. لا يهم.. لن أجبرك على تفسير قولك.. دع كل قارئ يفسره كما يشاء.

لكن علام استدعينتي ياسيدي.

ثابت اسمي ثابت.

نعم

أقول لك هناك كتاب قديم عثرنا عليه مصادفة معبّا بالرموز ولكونك شاعرا نود منك قراءته لتفسِّره لنا.

لأية فترة يعود الكتاب؟

لكلّ الفترات.

حسنا أين هو؟

ابتسم الضابط وهو يحدق بعيني جليسه:

في الغرفة المجاورة على منضدة.. الغرفة دافئة وذات إنارة.

لا.. ياسيدي أريد شمعة وحصيرة هذه عادتي عندما أقرأ أحيانا أضع سكينا جنبي لأدفع بها عن نفسي إذا يحاول أي شخص أن يخرج إليّ من سطر ما وربما أقطف بها وردة من بين السطور.

نظر الضابط نظرة حادة إلى جليسة، فقد خشي من أن يؤذي نفسه أو ينتحر ولعله يداهم الحارس، فقال

لك كل شئ إلا الأداة الحادة، وإلّا..

وبعد دقائق كان الشاعر يجلس على حصير في زاوية من زوايا الغرفة المعتمة الرقيب يطالعه عبر الشاشة والثقوب المخفية أحيانا ولعله ظنّ الضوء الخافت لوح زجاج رآى من خلاله أنوار المدينة تسري كأحلامٍ متقطعة.

وجد في ذبالة الشمعة نفسها كل الشوارع والأزقة والناس الذين غادرهم إلى هذا المكان قبل أقلّ من ساعة.

لم يتوقف طويلا عند العنوان، وهو واثق من أن السطور لا تخذله ولا تسخر منه مثلما يسخر منه بعض الذين لا يفهمونه

أهمل التحذير تماما.

قال في نفسه إنّه لعبة من ألعاب الماضين الذين عرفوا أنّهم تركوا أشياء لم يرغبوا في أن تراها الأجيال بعدهم فجرّبوا تهديدنا بوسائل مزعجة.

تجاهله

بدأ يقرأ:

عيناه تغوصان في صفحات كتاب غامض أراده يحمل بين سطوره سرّ العالم. يحب الغموض ويستسخف كلّ قول أو فعل صريح.

تافه..

لا بأس أن يمدّ يده إلى فنجان قهوة يمكن أن يتخيله أمامه ليكون هو نفسه بمستوى الكتاب ومع الحقيقة والوهم أعاد الفنجان مكانه دون أن يرتشف منه أيّة قطرة، بدأت عيناه تتعلقان بين السطور لتصبح كلّ جملة بوابة إلى كون آخر.

راح يقرأ:

كان الليل يهبط ببطءٍ على المدينة، والمطر يوشك أن يبدأ عزفه الخفيف على الأرصفة، فتحوّل مع هبوط الظلام إلى قلب ضفدعة.

نَفَسٌ رومانسي جميل قال مع نفسه وغاب عن ذهنه تماما الرقيب الذي يطالعه وهو يقرأ من على الشاشة أو عبر الثقوب مباشرة وواصل القراءة.

الكتاب لا يفهمه أحد سواه. أشبه بمرآة مغطاة بالضباب.

كل كلمة فيه تنطوي على استعارة غريبة.

وكل صورة تراوح بين المعجزة والهوس.

الصخور تطير حين يعجز الجبل من ثقلها.

تطير فوق الوديان

أدار وجهه ةفي الغرفة فوجد أن الورود حين تُغْضب الفجر يصبح لها مخالب..

الخلاص المتأخر من عبء الأرض..

قرأ ثانية

فامتلأ المكان برائحة حادّة من الورود والدم في وقت واحد. والورد نفسه وحده يمشي بين طاولات المقهى وعلى أسلاك الكهرباء يتحاشى النوافذ كأن الكلمات لم تكتب فحسب بل ولدت في الهواء.

قال مع نفسه: إنّي لم أكن مهووسا بالخيال وحسب بل مغرم بتفكيك العالم.

بدأ يشعر أنّ اللغة تمارس عليه سحرا لم يعرفه من قبل. الكلمات لا تشرح ولا تهدم لا تتحدث عن ماض ولا تُعنى بالحاضر بل تهدم وتبني عوالم جديدة.

توالت الصفحات، وكلّ جملة كانت تزرع في ذهنه صورة أكثر جنونا من التي قبلها:

الطيور تكتب قصائد بأجنحتها: ما العلاقة بين السّنونو والمقص والسمكة والمقص.

أخذ يغرق بضحكٍ هستيري صمت فجأة وحدّث نفسه: كم كنت أودّ لو أقرأ ببطء فأقضي مع الكتاب أعواما لكنهم يريدونني على عجل!

الظلال تتنفّس

الليل يبتلع الأسماء حتّى يعيدها بلا معنى

وشيئا فشيئا بدأ القارئ الحالي يفقد الإحساس بالمسافة بين الحقيقة والخيال أو الحرف أمامه والعالم.

عاد يخاطب نفسه ثانية: لم تعد الكلمات تصف الكون بل تتفوّق عليه.

بعد أن التهمت عيناه نصف الكتاب رفع رأسه إلى السقف، فلم يجده، ورآى المدينة كما لو كانت انعكاسا لأفكاره: العمارات لم تعد صامتة، بل كانت تميل كأشجارٍ عملاقة تُصافح السحب، والناس يسيرون في الشوارع بحلمٍ واحدٍ متّصل. قال في نفسه: “كل شيء استعارة.. حتى أنا. ” ثم عاد إلى الكتاب بعينين متعبتين، يبحث فيه عن معنىً لم يعد يستطيع الإمساك به.

يتعجّل وفيه رغبة للتمهّل:

أخذت الكلمات تزداد توهّجا، والضوء المنبعث من الورق أكثر سطوعا من الشمعة جنبه والمصابيح في الخارح. أغمض عينيه لحظة غير أن الصور استعصت على أن تختفي. طارت في العتمة، وفتحت الورود مخالبها على حواف ذاكرته. سمع صوتا يهمس:

التأويل لم يكتمل بعد.

وحين حاول أن يبتعد عن الكتاب وجده يلتصق بيديه.

أراد أن يغلقه.

لكن

صفحاته راحت تتقلب أمام عينيه كأيّ كائنٍ حيّ لا يقرّ السُّكون.

في تلك اللحظة شعر أنّ عينيه امتلأتا بضوء غريب.. ثمّ شيئا فشيئا يتحوّل إلى عماء.

عماء مطلق

لذيذ

ناعم

كنعومة الفراشات

مع سكون العاصفة أيقن أنّه رأى كلّ شئ ولم يعد يرى شيئا. لم يعد يميّز الوجوه ولا الأمكنة سوى إنّه يشعر بأن لغةً جديدة تنبض في داخله، لغةٌ لا تحتاج إلى العيون بل إلى آلة أخرى يملكها عن بعد. ابتسم في هدوءٍ غامض، ومدّ يده يتحسس الكتاب للمرة الأخيرة، ثم همس: “كل ما في العالم استعارة.. حتى هذا العمى

وحين وقف أمام الكبير قال قبل أن يسأله:

ياسيدي أنا لم أفقد بصري بل فقدت شيئا خدعني.

فتعجب الضابط وهتف بحدَّة:

قل لي ماذا قرأت.

أجاب بنشوة غامرة: قرأت أمة كاملة أمة من الاستعارات من يقرأ الكتاب يظنّه يتحدث عن التاريخ: الماضي والمستقبل والحاضر.. علم غيب وربما هناك من يفهم يظنه يقصد الفيزياء والالمعادلات الرياضية هذا الكتاب العظيم لا يهمه شكل حكومتنا ولا الكيمياء نحن والكون حسب ماقرأت مجرد استعارات.

قال الضابط ماهذا الهراء.

ليس هراء نحن أنا وأنت والدولة. الناس الحشرات لسنا حقائق نحن وهم لاستعارات ساطعة ولا فرق بيني وبينك الرئيس والملك والحشرات والضفادع الليل نحن نعيش حالة استعارة رهيبة..

نعم هراء هل أنت سعيد بأنّكَ لا ترى.

فاستغرق الرجل بضحكة هستيرية كادت تخرج الكبير عن طوره:

أنتم العميان أنا الآن سعيد إذ أرى نفسي جيدا.

ونهض من على كرسيّة وخطا يتلمس بيديه الهواء ووقف فجأة وسط الغرفة وراح يلقي الشعر الذي قرأه في الكتاب:

لك وجه تمساح

وأنا لي رأس كلب

مسخ أنت لا أنا

هل يحترق السكون فنتبادل الوجوه

فجأة

صرخ الضابط كفى كفى.. أخرجوه من هنا.. فدخل رجلان كانا يقفان خارج الغرفة لكنّ الأعمى قال يسخر منه الثلاثة: أعرف طريقي جيدا!

6

لم يكن كبير الأمن في وضع يحسد عليه فقد تكدست من قبل قبل ملفات واعترافات لكثيرين تكاد تنطبق حول قضايا واضحة سياسة.. جرائم.. حوادث تهريب.. تآمر.. رشاوى أمّا الذي الذي يضعه في موقف حرج فإنّ الذين قرؤوا الكتاب لم يتفقوا على جوهره. كلٌّ منهم قرأه بصيغة متناقضة.

سياسة

شعر

تنجيم

ولعل هناك من يأتي بعده فيرى أنّه يختص بالخيول أو تركيب الأدوية.. وسنجد خارطة للسماء فيه ويرى من مارس الطب تشريحا لجسد بشري ووصفا لأمراض مستعصية.. يجمع بين الدقّة والوضوح والأفضل أن يطّلع عليه طلاب كلّيّة الطبّ. الجميع يكذب، أو يقول نصف الحقيقة والحق يقال إنّ كلّا يقرأه حسب هواه..

ولم يسمع من أفواه القارئين جملة واحدة متفقا عليها.

الشئ الوحيد المتطابق أنهم خرجوا عميان، فهل يحكي عن الدولة أم الشعر لا علم الماضي والحاضر، ولعل هناك من يقول فيما إذا قرأه أنّه كتاب رياضيات، أو يحتوي على اختراع عجيب. كل من يمنحه الكتاب جانبا يصاب بالعمى.

جلس يرتاح قليلا وضعا رأسه بين راحتيه..

ثمّ خطرت له فكرة ذكيّة.

استدعاء عالم آثار

أفضب

بل

الأفضل

الرجل الذي عثر على الكتاب الغريب، شئ لا يقبله عقل أنّ القراء يختلفون على كتاب واحد..

بعد ساعة

دخل الرجل يحمل نظارة قاتمة سوداء بيمينه. كان هادئا هدوءًا غريبًا، كأن الزمن لا يؤثِّرُ فيه. جلس أمام كبير الأمن دون أن يتكلم، منتظرًا السؤال الأول

قال الكبير بصوت منخفض بارد النبرة:

شكرا لحضورك سعادة الدكتور أنت تعلم سبب استدعائنا لك!

لا بأس حين تخص قضية الآثار الأمن فعلي أن أبدي سروري لدعوتكم وأظنّ الأمر يخص الكتاب.

الحقّ نعم.

هل استنتجتم شيئا ما؟

قال مراوغا:

لم نصل إلى نتيجة بعد.

قصدي هل قرأه أحد؟ وهل أصيب بالعمى؟

فقال بحزم وقد اختفت علام المرح من وجهه:

هذه مسألة قيد التداول فيما بيننا وأظنّ أنّ في التحذير مبالغة مقصودة.

ابتسم عالم الآثار ابتسامة خفيفة وقال:

في الآثار، ياسيدي، لا نبحث عمّا فُقد فقط، بل عمّا تغيّر. الحجر لا يكذب، لكن البشر يفعلون حين يجهلون قيمة ما أمامهم.

كتاب وليس حجرا.

الحجر يكون أحيانا كتابا بسطور أم دونها.

مال كبير الأمن إلى الأمام، وقد بدأت الحيرة تتحول إلى اهتمام. لأول مرة منذ بدء التحقيق، شعر أن خيطًا رفيعًا من الفهم قد ظهر. ربما لم تكن المشكلة في تضارب الأجوبة، بل في سطور الكتاب نفسها:

هناك من يظنّ أنّه مجرد كتاب قد ينفع ولا ضرر له وقد لا ينفع.

تحسس الدكتور نظارته وقال:

المشكلة إننا وجدناه في الصحراء والصحراء.. منطقة جرداء لكننا يجب أن نغير رأينا لقد وجدنا فيها معادن وذهبا وهذا يلغي نظرتنا المألوفة عنها.

فنقر كبير الأمن على الطاولة بالقلم وقال:

لهذا السبب ارتأينا نحن - الأمن - أن تبدأ بقراءته لأنني بصفتي رجل أمن لا يهمني الطقوس التي في الكتاب بل مايهم سلامة الناس والدولة.

لا يظنّ الدكتور أنّه وقع في الفخ. كان الخطأ خطأ اللجنة يوم وافقوا على إحالة الكتاب إلى لجنة الأمن. كان عليه ألّا يخضع لتهديد الكتاب فهي المرّة الأولى التي يجد فيها أثرا يتصرّف بطريقة عدوانية، وقد شكّ في أن كبير الأمن لم يدفع شخصا أو أكثر لقراءته، ولعله أو لعلهم أصيبوا بالعمى جميعا وإلا لما استدعاه الكبير غير أنّه احتاط للأمر:

سيدي أنا على استعداد هل أبدأ الآن؟

قال عبارته ووضع النظارة القاتمة على عينيه.

فانبهر كبير الأمن بفكرته:

أراك احتطت للأمر!

سوف أواجه وحشا يتعامل مع عيني فأضع بينهما وبينه حاجزا!

وقصد الأثري الغرفة المجاورة. كان واثقا من نظارته القاتمة. مطمئنا

من دون وجل أو خوف

إذ

لم ير في أي جزء من الآثار لعنة تنصب على رؤوس أهل الحاضر وأجيال المستقبل.

دخل الغرفة بثقة وارتياح، وقصد المنضدة والكتاب. أدرك - مثلما الذين من قبله- أنّ هناك عيونا تراقبة من ثقوب مخفيّة ومن على شاشة في الغرفة المجاورة. لابد!ّ أنّهم استدعوا الكثيرين قبله.

كانت الظلال - بفعل النظارة- تتشابك على الجدران كما لو أنّها بقايا أرواحٍ قديمة لم تغادر المكان بعد. أمامه، وعلى منضدةٍ خشبيةٍ، استقرّ الكتابُ القديم، مهيبًا بصمته، مغطّىً بطبقةٍ رقيقة من الغبار الذي تراكم عبر قرونٍ من النسيان. هاهو يعزل نفسه عن الحاضر، فيدخل بعقله إلى زمنٍ آخر، زمنٍ كُتبت فيه الكلمات بيدٍ كانت تؤمن أن المعرفة سرٌّ مقدّس من يرها يصبح أعمى.

للكتاب طعم آخر حين لاتقع عليه عيناك دون حجاب.

قد يساعدك ذلك في أن يصبح أكثر قربا منك.

مدّ يده بحذر، وكأنّه يلامس كائنًا حيًا قد يستيقظ فجأة

هذه المرّة رآه كتابا يختلف عن الذي وجده فحذره من العمى..

خيّل إليه أنّه من جلدٍ داكنٍ متشقق، برموزٍ غامضة لا تنتمي إلى لغةٍ واحدة، بل تبدو مزيجًا من حضاراتٍ تعاقبت ثم اندثرت. حين فتح الصفحة الأولى، انبعثت رائحة الورق العتيق، رائحة التاريخ ذاته، فشعر بقشعريرةٍ تسري في جسده. لم يكن هذا مجرّد كتاب، بل شاهدًا صامتًا على ما نسيه البشر أو تعمّدوا نسيانه

الورقة الأولى بيضاء

لا يجرؤ أن يخلع النظّارة عن عينيه، فيصدّق أنّها بيضاء، مع ذلك ازدادت دقات قلبه مع كل كلمة. كان يدرك أن ما بين يديه قد يغيّر فهم التاريخ، وربما الحاضر أيضًا. لكنه أدرك في الوقت نفسه ثقل المسؤولية. فالعلم، حين يُنتزع من سياقه الأخلاقي، يتحوّل من نورٍ إلى لعنة.

ماذا يجد في الورقة التالية؟

بيضاء أكثر اصفرارا من سابقتها..

صدمة ماتزال غير متوقعة

يده ترجف

يسأل نفسه: هل في الورقتين البيضاوين سرّ غامض يُسلط من الماضين على عيون اللاحقين؟

وعبر يده المرتجفة قلب الورقة الثالثة فكانت بيضاء أيضا

تنفس بأسف وواصل:

الرابعة

الخامسة

السادسة..

كلما قلب ورقة وجدها بيضاء

هل أكلت عيون القارئين من قبل الكتاب؟ ازدادت حيرته، هناك من قرأه فاقتلعته عيونهم سطرا سطرا. كلّ أخذ مبتغاه فهل أخذ عيونهم؟

جميع الأوراق بيضاء باهتة البياض.

لاشئ

كأنّه يعود من رحلة خطرة عبر الزمن يجللها البياض، في تلك اللحظة لم يشعر بأيّ نصر، غابت لذة الاكتشاف الجديد وتلاشت بعيدا.. بل شعر أنّه أصبح حارسا لسر لايفهمه، فأغلق الكتاب وخطى خارج الغرفة محدودب الظهر بطئ الخطوات.

- هل هناك من شئ.

سأله الضابط بعجالة، فخلع نظارته وقال:

- هل قرأ الكتاب أحد قبلي؟

الضابط يعود إلى تجهمه:

ماعليك من هذا الأمر وليس من واجبك أن تعرف سؤالي محدد: ماذا وجدت كأنك لم تصب بعاهة العمى؟

فابتسم بشماتة وقال:

وجدت الأوراق بيضاء خالية من ايّ حرف.

فتأمل الضابط قليلا وهزّ رأسا ثمّ اندفع:

هذا لأنّك قرأته بحاجز. ماكان عليك أن تفعل.. وماكان علينا أن نوافق منذ البدء.. (وأشارإلى المنضدة) دع نظارتك وعد للغرفة من جديد (ولان بعض اللين) أرجوك اقرأ الكتاب من دون أي حاجز. أرجوك لمصلحتك ومصلحتي ومصلحة الجميع فأنت من عثر عليه.

تأمل لحظة تشبه الأسف

وخطا ثانية إلى الغرفة حيث الكتاب وفي باله أنّ الوضع لن يعود كما كان عليه من قبل.

لكن

عليه أن يقابل السطور بعينيه وحدهما من غير أيّ حاجز.

***

رواية قصيرة

د. قصي الشيخ عسكر

في نصوص اليوم