عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

في ثقافتنا العامة ومنظومتنا الأخلاقية، تُعَدُّ الكرامة لدى الفرد والمجتمع قيمةً إنسانيةً رفيعةً، ومبدأً نبيلاً ينبغي التمسك به وصونه من الإهانة والانتقاص. فقد قامت في تاريخنا القديم حروبٌ بين القبائل، وكذلك بين الدول، بسبب التعرض لكرامتها ومحاولة النيل منها، وحتى الخصومات بين الأفراد كثيرًا ما كانت الكرامة أحد أسباب نشوبها واشتعالها، انطلاقًا من المبدأ القائل: "من لم يصن نفسه ابتذله غيره"

ومن خلال الكرامة، والتعامل مع الآخرين بطريقة أخلاقية تحفظ للإنسان قدره، يكتسب الفرد، كما تكتسب المجتمعات، احترام الآخرين وتقديرهم.

وتراثنا العربي زاخر بالأشعار والأمثال التي أظهرت مدى اعتزاز العرب بأنفسهم، وحرصهم على صون كرامتهم، ونفورهم من الذل والهوان. فما تزال صرخة عنترة بن شداد تتردد في الوجدان العربي، حين قال:

لا تسقني ماءَ الحياةِ بذلّةٍ

بل فاسقني بالعزِّ كأسَ الحنظلِ

وبعده جاء الشاعر محمد مهدي الجواهري ليؤكد قيمة الكرامة، قائلًا:

ومن لم يجدْ إلا ذُعافَ مذلّةٍ ورودًا

فموتُ العزِّ مورِدُه عذبُ

وما هذه الصيحات إلا تعبيرٌ عن رفض سلطة القهر والإذلال، والاستعداد لتقديم الموت على حياةٍ تُعاش في ظل الذل؛ فالكرامة ترتبط بالإباء، ورفض الانكسار، وعدم القبول بالعيش مهانًا، وهي من أبرز سمات الأحرار.

وقد برزت هذه القيم بوضوح في مواضع عديدة من تراثنا العربي ، فالشاعر أبو الحسن الجرجاني يحذّر من أن يُذلّ الإنسان نفسه، ويدعوه إلى التحلي بالإباء وصون كرامة النفس، فيقول:

أرى الناسَ من داناهُمُ هانَ عندهمُ

ومن أكرمتْه عزةُ النفسِ أُكرِما

فما أراده الجرجاني في قوله إن الإنسان الذي لا يحترم نفسه، ولا يعرف قدرها، لا ينتظر من الآخرين أن يحترموه، ومن يُهِن نفسه طوعًا، فقد مهّد الطريق للهوان.

كما جاءت أمثال العامة محذّرةً من الركون إلى الذل والتنازل عن الكرامة، ومن ذلك قولهم: (من صيّر نفسه نخالةً أكلته الدجاج)، وعند المصريين يُقال بمعنى قريب: (اللي يجعل نفسه نخالة تبعثره الفراخ). وكذلك المثل: (من جعل نفسه شاةً دقّ عنقه الذئب)، وهو قريب مما أورده الثعالبي في كتابه "خاص الخاص" : (من لم يكن ذئبًا أكلته الذئاب)، في إشارة إلى أن الظلم كثيرًا ما يتمادى على من يستسلم له ولا يدفعه عن نفسه.

ومن الأمثال الدالة على المعنى نفسه أيضًا: (من نام على قارعة الطريق دقّته الحوافر دقًّا)، فمَن يضع نفسه في موضع الهوان، أو يسمح للآخرين بالتجاوز على كرامته، لا ينبغي له أن يستغرب حين يصبح عرضةً للاستخفاف والاستغلال.

ففي الوقت الذي نقرأ فيه أن حروبًا قامت بين الدول بسبب محاولة التعدي على كرامتها، ونرى في تراثنا أمثلةً كثيرةً على استعداد الإنسان للموت دفاعًا عن عزته، نرى اليوم، وللأسف، من يفرّط بكرامته، ويضحي بها لأتفه الأسباب وأرخص المغريات.

ولعلّ المفارقة المؤلمة أن الإنسان الذي كان أسلافه يرون الموت أهون من حياة الذل، أصبح بعض أبنائه اليوم يقبلون الهوان طمعًا في منفعة عابرة، أو مكسبٍ زائل، أو موقعٍ لا يدوم. فالمال يُعوَّض، والمكانة قد تتبدل، والمناصب تزول، أما كرامة الإنسان، فإذا أضاعها بيده، فمن الصعب أن يستعيدها كما كانت.

فالكرامة ليست ترفًا أخلاقيًا، ولا شعارًا يُرفع عند الحاجة، وإنما هي موقفٌ وسلوك، وحين يصون الإنسان كرامته فإنه في الحقيقة يصون إنسانيته قبل كل شيء.

***

ثامر الحاج أمين

‏آثار موضوع محاضرة ألقيتها في نقابة المحامين العراقيين ببغداد اهتمامًا كبيرًا، ليس من جانب المحامين بشكل خاص والحقوقيين بشكل عام، بل من جانب إعلاميين وصحافيين، لما له علاقة بتدفق الأخبار والمعلومات من المنصات الإلكترونية والخوارزميات المنتشرة، والتي أخذت تؤثّر على نحو كبير على الجمهور، خصوصًا في قدرته على التمييز بين الحقيقة والتضليل، الأمر الذي يثير أسئلة ملتبسة ومحيّرة بخصوص تهديد الذكاء الاصطناعي لمستقبل الصحافة والإعلام، لاسيّما حين يتعلق الأمر بنزاهة المعلومات والأخبار والتفريق بين المزيف والصحيح منها.

‏وقد توقّفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عند هذا الموضوع الشائك والمعقّد، وعقدت اجتماعًا في ناميبيا العام 2021، صدر عنه إعلان وندهوك، لفت الانتباه إلى خطورة استخدام المعلومات، وهي مُلك عمومي حسب ما تعرّفها اليونسكو، والمُلك العمومي يفترض به النزاهة، وهذه نقيض الزيف والتزوير، تلك التي ما تزال وسائل الإعلام تنشرها على نحو متعاظم، في ظلّ استخدامات الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

‏الخبر الكاذب أو المضلّل ينتهك الحق في الكرامة والحياة الشخصية والصحة العامة، فضلًا عن ذلك فإنه لا يتورّع عن استخدام شتّى الأساليب، بما فيها تغذية الكراهية والتحريض عليها وعلى العنف والحرب.

‏وأظهر تقرير لليونيسكو نُشر في العام 2025، أن وسائل إعلام عديدة وقعت ضحية فريسة مصالح خاصة، ويتعرّض الصحفيون والإعلاميون إلى مضايقات عديدة من جانب أجهزة ومؤسسات أمنية بسبب كشفهم الفساد أو نشر ثقافة النزاهة الإعلامية، والتعامل مع السياسيين من موقع النقد والرقابة ورصد الأخطاء.

‏ويلعب الذكاء الاصطناعي التوليدي دورًا خطيرًا على هذا الصعيد، خصوصًا حين يضخّم المعلومات فينتج محتويات ونصوصًا وصورًا وتسجيلات صوتية تزيد من حيرة المتلقّي، بل تشوّش عليه في تضخيم الالتباس وعدم القدرة على التميز بين الغث والسمين.

‏لقد تراجعت إلى حدود كبيرة وسائل الإعلام التقليدية لدى الشباب الذين لم يعودوا مكترثين بسماع نشرات الأخبار الإذاعية أو التلفزيونية، إضافة إلى تراجع الصحافة المكتوبة، فضلًا عن الكتاب المطبوع، وحتى المواقع الإخبارية فإنها تلقى صعوبة كبيرة في التواصل مع مستخدميها.

‏وبالمقابل يتزايد على نحو انفجاري إنشاء شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو والبودكاست ومنصات تجميع الأخبار ومحركات البحث المدعومة من الذكاء الاصطناعي التوليدي، ويساهم هذا الأخير في طبيعة الاستخدامات وفي تلخيص المحتويات وتوليفها من دون حاجة المستخدم للعودة إلى المصادر الأصلية، ولا شك أن ذلك يحدث تحولًا جذريًا في القناعات.

 لم تعد الأخبار والسياسة تحظى برواج كبير كما كانت في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، وقبل استخدامات الذكاء الاصطناعي في السنوات القليلة الماضية. وحسب تقرير صدر بشأن الأخبار الرقمية (2025)، يتجنب أربعة من كل 10 أشخاص سماع الأخبار، في حين أن في العام 2017 كانت النسبة حوالي 30%، والسبب يعود إلى الشعور العام بالإحباط والإرهاق والتخمة المعلوماتية وعدم الإيمان بصحة المعلومات أو الشك فيها، خصوصًا حين تكون المادة المقدّمة غير مقنعة أو روتينية وليس لها صلة بالواقع المعيش، وبالهموم والمشاغل التي يعاني منها المواطن.

‏لقد أصبح المحتوى الترفيهي والذي يركز على الشخصيات أكثر جاذبية من غيره، وأن المتلقّي هو أكثر ثقة بالأشخاص (الأفراد) من المؤسسات لدرجة أن أصحاب صناعة المحتوى البودكاست (اليوتيوب) أصبحوا قوى مؤثّرة في الرأي العام، بل محركة أحيانًا.

‏إن ابتعاد الإنسان عن متابعة الشأن العام يجعله أكثر عرضة للتلاعب، وخصوصًا تأثّره بالسرديات الدينية والإثنية ولكل ما له علاقة بالتحريض على الكراهية، التي تنجم عن التعصب، وهذا يولّد التطرف، وحين يتحوّل الأخير إلى سلوك يقود إلى العنف، والعنف إذا ما ضرب عشوائيًا واستهدف إضعاف ثقة المواطن والمجتمع بالدولة، وإضعاف ثقتها بنفسها وثقة المجتمع الدولي بها، يتحول الإرهاب ليصبح إرهابًا دوليًا، خصوصًا حين يكون عابرًا للحدود.

‏إن ما يزيد الطين بلّة، هو مساهمة بعض الحكومات والجهات المتنفّذة بالتكنولوجيا العالمية إلى توجيه الأخبار المولدة بالذكاء الاصطناعي خدمة لمصالحها الأنانية الضيّقة وأيديولوجياتها، وهو ما يعاظم حيرة الجمهور ويدفعه إلى مناطق اشتباكات ومنازعات وحروب، خصوصًا في ظل التغيرات الجيوسياسية والجيومناخيه، وارتفاع موجات الهجرة من الجنوب إلى الشمال، ومن بلدان الفقر إلى بلدان الغنى، ومعه موجات جديدة من الإرهاب والإرهابيين وتنظيمات تستخدم هي الأخرى الخوارزميات لأهدافها الشريرة.

‏وفي حزيران / يونيو 2023 نشر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريتش مذكرة بخصوص المنصّات الرقمية، ودعا فيها إلى وضع سياسات تعزّز الصحافة المستقلّة والحرّة والتعدديّة، وفرض نزاهة الخبر على شركات التكنولوجيا التي تلعب دورًا كبيرًا في تدهور صحة الأخبار، بل في نشر الأخبار الكاذبة والملفّقة وغير النزيهة، وأكدّ الأمين العام على ضرورة توخّي الشفافية وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود بفضل التربية على وسائل الإعلام وعلى التعاون الدولي.

‏وبالطبع فإن ذلك يفترض احترام حريّة التعبير كحق أساسي للإنسان، ولا غنى عنه لاحترام حقوق الإنسان بشكل عام والدفاع عنها، ولعلّ ذلك يحتاج إلى اتفاقية دولية تضع مبادئ ملزمة توقّع عليها الدول الكبرى بشكل خاص، بحيث تكون اتفاقية شارعه أي منشئة لقواعد قانونية جديدة تلزم نفسها بها مثلما تلزم شركات التكنولوجيا الكبرى، على أن يكون استخدامات الذكاء الاصطناعي المولدة للمحتوى تتمتّع بالحد الأدنى من النزاهة الأخلاقية، فضلًا عن القواعد القانونية.

‏ويبقى موضوع الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، سواء في القانون أو الإعلام أو غيره من الحقول، أحد الإشكالات الأساسية التي تواجه عالمنا، ومن التحديات الكبرى التي تواجه المجتمع الدولي، لما له من تأثير على مستقبله ومستقبل البشرية إيجابًا أو سلبًا.

***

عبد الحسين شعبان

تطرح التحولات العميقة في البنية الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة سؤالاً حرجاً حول الجوهر الأخلاقي للقانون. فالفكرة الكلاسيكية التي تأسست عليها العدالة كانت تفترض دائماً وجود علاقة مباشرة ومسؤولة بين الفعل والفاعل أي أن الخطأ يستوجب بالضرورة وجود مخطئ يتحمل تبعاته الأخلاقية والجنائية. إلا أن صعود الكيانات الاحتكارية الكبرى والشركات العابرة للقارات أحدث انشطاراً بنيوياً في هذا المفهوم، ليضعنا أمام معضلة اجتماعية وقانونية بالغة التعقيد، يمكن تسميتها بـ الجرائم بلا مجرمين، حيث تقع الكوارث وتزهق الأرواح دون أن تتمكن المنظومة القانونية من الإشارة إلى فاعل حقيقي يتحمل المسؤولية. الحقيقة أن هذا العجز القانوني ليس عجزاً تقنياً، بل هو نتاج تنظيم اجتماعي واقتصادي تم تصميمه بدقة ليفصل بين السلوك والضمير. في ظل الهياكل الإدارية للشركات الكبرى، تتوزع عملية اتخاذ القرار على شبكة بالغة التعقيد من اللجان، ومجالس الإدارة، والمساهمين، والخبراء التقنيين. فإذا ما تسببت شركة بترول في تدمير بيئة محلية، أو طرحت شركة أدوية عقاراً يودي بحياة الآلاف، يتلاشى الفاعل الأخلاقي تماماً. المدير التنفيذي يحتج بأنه يطبق التوصيات الفنية، وأعضاء مجلس الإدارة يتحججون بمسؤوليتهم القانونية تجاه تعظيم أرباح المساهمين، والمهندس يكتفي بالقول إنه صمم الآلة وفقاً للمعايير القياسية المطلوبة منه. هكذا يتبخر الذنب الفردي في دهاليز البيروقراطية المؤسساتية، وتصبح الكارثة مجرد نتيجة حتمية لنظام صامت لا يملك قلباً ولا ضميراً. والأخطر من ذلك هو الكيفية التي تواجه بها المنظومة القانونية الحديثة هذه المعضلة. فالقانون الاجتماعي والدولي الذي تمت صياغته وتشذيبه تدريجياً تحت ضغط وتأثير القوة المالية للشركات، لم يعد يتعامل مع كوارث الشركات بوصفها خطايا أخلاقية تستوجب الردع الجنائي، بل أعاد تصنيفها في لغة حسابية بحتة. لقد أصبحت القوانين تدرج أرواح البشر وتدمير الطبيعة تحت بند الأعراض الجانبية أو تكاليف التشغيل غير المباشرة. إن الاكتفاء بفرض غرامات مالية على الشركات المخطئة لا يعني عقاباً حقيقياً، بل هو في الواقع ترخيص مقنع لمواصلة العمل إذ يتم إدراج هذه الغرامات سلفاً في حسابات الجدوى الاقتصادية وميزانيات المخاطر، وغالباً ما تكون مغطاة بصيغ تأمين معقدة. هذا يعني ببساطة أن ثمن تدمير حياة الإنسان أصبح قابلاً للتقييم بالمال، وأنه طالما كانت الأرباح المتوقعة تتجاوز قيمة التعويضات المفروضة، فإن الكارثة تظل مقبولة اقتصادياً. إن هذا التحول يعكس تراجعاً مقلقاً في قيمة الإنسان ذاته تحت وطأة سلطان السوق. لقد انتقل المجتمع من مرحلة الاقتصاد الذي يخدم البشر، إلى مرحلة المجتمع الذي يخدم الاقتصاد بالكامل. في هذه المنظومة الباردة، لا يرى متخذو القرار الضحايا بوصفهم كائنات إنسانية لها أحلام وآلام، بل كأرقام مجردة في جداول البيانات. إن استبدال المعايير الأخلاقية الدافئة بصيغ تعاقدية جافة ومميكنة يمثل المأساة الحقيقية لعصرنا حيث تم تحييد المشاعر الإنسانية، وتصوير الجشع بوصفه كفاءة تدبيرية، واللامبالاة بوصفها احترافية إدارية. إن مواجهة ظاهرة الجرائم بلا مجرمين لا تكمن في إصلاح بنود القانون الإداري أو زيادة حجم التعويضات المالية، بل تقتضي استعادة البعد الإنساني المفقود في البنية السوسيولوجية للقانون. إنها تتطلب الكف عن تبرير الكوارث بوصفها أضراراً عرضية ومفهومة في مسيرة التنمية، وإعادة الاعتبار للمسؤولية الأخلاقية المباشرة التي لا يمكن لأي جدار بيروقراطي أو صيغة تأمينية أن تلغيها. فالعدالة الحقيقية لا يمكن أن تبنى على الحسابات الباردة، وإلا تحول العالم بأكمله إلى مجرد هامش ربح وخسارة في تقارير كبار المستثمرين.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

من بدء التّكوين يبدأُ الإبحار، لستُ عالِماً بالأقدار والمقادير، ولستُ للفنجان قارئاً ولا بصّاراً، لا أفك السّحر ولا أقرأُ الكفّ، بين الفاتحة وخاتمة الكتاب سطورٌ زوارق والكلمات مجاديف، أخطّها بيدي، أُقَلِّبُ أوراق دفاتري، أكتبُ، وكلّ بداية فاتحة، أنقش خطوي على وقع الوجود، وبين أصابعي ينسحب العمر.

رغم أن نيتي صافية، نقية على طول يومي، أكتب تقاريري ضدّي ليلاً وأُقدّمها إليّ للسؤال والحساب، أُحسن الإصغاء إليَّ لكي أولد من جديد، أُشكِّل ذاتي من دون أن أسأل. هكذا هي الحياة، أن تفهم صدقها وخداعها وجدّها وهزلها، لابد أن تضحّي بشيء منك، وأن تنكسر منك أشياء. هل أستأذن قبل أن أكتب تقاريري أم أستأذن قبل أن أُفكّر؟ أم أستأذن قبل أن أسال؟ وهل يصمد اليقين أمام الكتابة أم أن الكتابة يقين لا تحتاج للاستئذان؟

سأبيع حكاياتي، فمن يشتري منّي أخطائي وأحزاني، من يقرأ تقاريري ويفهم ما بين السطور؟ أأكبركم سنّاً أم أكثركم هدوءاً، أم أكثركم إيماناً أم أشدُّكم حزماً، أم أشجكم على السؤال؟ في يدي المفتاح، ما همّني من ينظر من ثقب الباب، أصنع دهشتي وأدخل ذاتي كلّما شعرتُ بالغربة، أرسم خرائطي وأكتب أغنياتي، أكتب حكاياتي تقارير أقدّمها إليّ، وما المحاسبةُ إلاّ صلاةً من أجلي تغسل ما فيَّ من انكساراتٍ وانهزام، ومن هفواتٍ وشغف. أن أقبل نفسي لا يعني العجز أمام العيب، بل أن أمنحها حقها في التندّم والبوح، وجسدي حقه في التعب، وعقلي حقه في السؤال، وأن أستمع لذاتي وهي تمارس العزلة كمحرابٍ لا كمنفى؛ أن أجلس في صمتي أفكّ تشفير الحزن حين يطرق بابي، وأتأمل الغضب حين يستعر في صدري، أرمِّم خرابي الداخلي لأُقدّم للعالم إنساناً، وأسأل نفسي بصوتٍ خفيض: هل فعلا لم يحدث شيء وأنّ الأمر عادي جدّاً؟

كلّنا نؤدّي أدواراً على مقاسات معينة أكثر ممّا نعيش، نسير خطى أقل يقيناً وأكثر شكّاً وريبة، أقلّ صدقاً وأكثر مراوغة وكذباً، أقلّ وعياً وأكثر غباءً وجنونا، نبحث عن أسئلة تهدّئُ ولا تُقنع، نغيّر أسماء الأشياء بأُخرى غريبة، ننتظر من يمدّنا بالسؤال. من ينتظر يطول به الانتظار وينخر الشّكُّ ذاته وذاكرته ويبتلعه النِّسيان، فيبني أوهاماً يحرسها ويدافع عنها. كلّما توقّف بي اليقين أو جادلني الفكر أو خالطني الشّكّ أو ضعفت نيتي، أنصرف إلى الكتابة لأُطفئ وطأة الحيرة، وكلّما تراكمت بداخلي الفوضى وفوق قلبي، أنظّفها بالكتابة، ولو كانت تقارير ضدّي. بداخلي تختلط الصّور، وتتبعثر المعاني، وتأخذني رعشة حين تخطُّ يدي تقاريري، ثم ينتابني الصّحو المؤلم عندما يزول مفعول الكتابة، فأعيد قراءة تقاريري، ثم أُهيّئُ يدي للكتابة من جديد.

عقلي ملآنٌ بالثقوب، أقف شاهداً عليَّ أُرتِّق الثقوب، أحصي أفعالي وحركاتي، كرحى، أيامي تمرّ تطْحن، لا تُبقي ولا تذر، ينفرط الوقت بين يدي سريعاً لا ينتظر ولا يرحم، يتبدّد، يتبخّر، ثم يختفي، وأنا أدوّن وأحصي خسائري كبغل مشدود إلى ناعورة، في دائرة مغلقة يدور ويدور، نقطة بدايته هي نفسها نقطة نهايته. أعيد قراءة تقاريري فيركبني الاستغراب من أين لي بهذه الجرأة وهذا الصّدق في الكتابة؟ أقلّب أوراقي القديمة فأرى فيها صكّ اتهامي حين أحصي حركاتي وسكناتي.

تختلط أوراقي، ويتراكم الكلام على الكلام وتضيق بيّ المسارب والطّرقات، أستنطق يومي قبل التدوين، وعلى البياض أُفرغ خسائري وأرباحي، وأُعلن فَشَلي في إحصاء أرباحي لقلّتها وشحّها، والبياض فاغرٌ فاه يستقبل بنهم غريب ألمي، وأتعجّبُ منّي وأنا أُبكّت ضميري. أجمع تقاريري كَوْمات تخيفني عندما أسترق النظر إليها، أجلد ذاتي أسألها فتحاصرني أفعالي حين أفتح لي محكمة أنا فيها الخصم والحكم، أنا الشاكي والشّاهد، أنا القاضي والجلاّد، أنا المُبحر الذي أضاع بوصلته ويعيد رسم الخريطة كل ليلة، أكتب حقيقتي بحبر الصّدق، أخلع أقنعة النّهار فتظهر حقيقتي، تُخيفني وأكتب كل دقيق وجليل كمراقب لا يعرف فمه الابتسام، لا يُجامل، لا شيء عنده قابل للتّفاوض، فتصير محاكمتي وكل تقرير ضدّي شهادة ميلاد، بل يراودني شكٌّ أن شيئا ما تبنيه هذه التقارير على مهل، لا أتركُ لي نُسخاً أعود إليها، إذ ما فائدة العَوْد أن كنتُ لا أستطيع تغيير حرف أو كلمة؟ فهلا فعلا لم يحدث شيء، وأن الأمر عادي جدّاً؟

هكذا ليلي حين يأذن بالمجيء، «تكتحل عيني بالبياض احْتراماً لأسراره، وسحره وقداسته، إذ فيه، وتحت جُنْحه تهجم الهموم واللذّات والمُتع، وتقع الدّسائس والاعتقالات، وتقام الأعراس»  وتكتب التّقارير.

شيء بداخلي يُخيفني ويحثُّني على الكتابة والاعتراف. يتزاحم الحكي في صدري، «فكم يلزمني من الشجاعة والقوة لأقف ضدّي؟ كم يلزمني من الصّبر كي أُفْرج عن كلمات تشتعل بداخلي، تحرقني وما تبقّى منّي؟ كم يلزمني من الصلوات والأمنيات والدعاء ذوات الأجنحة لأطير إلى عالم يمنحني من الصّبر أنهاراً؟ أفتح للكلام بابه، وأُشعل مصابيحي وعيني على التقارير أصيغها، أطرّزها، وأسرج للبوح مراكب الكلام» .

أنا الموقّع بدايته ومنتهاه، أنا الخصم والحكم، الشاهد والمتّهم، أوقّعُ تقاريري بكل بصماتي وأسمائي وأمنياتي وانكساراتي، وأبحث داخلي على ما يمكن أن يُعطّل قدرتي على تذكُّر التفاصيل المخيفة التي تفتح نوافذي لأُطلّ منها عليَّ عارياً شاهداً في ركن حزين مع الوحدة النّاهشة في تفاصيل حياتي، تذكّرني ما نسيت وتقود أصابعي إلى كتابة من، فعلاً، أكون.

***

عبد الهادي عبد المطّلب

الدار البيضاء / المغرب

ثمة مفارقة غريبة تحكم هذا الوجود؛ فالأرض القاسية والمحاصرة بالتهديد، كأرض فلسطين الأبية، أو تلك المدن النائية المنسية على هوامش الجغرافيا، تنجب بشراً يتدفقون شغفاً وحيوية. تراهُم مستعدين للعمل أربعاً وعشرين ساعة دون كلل، يملكون طاقة خارقة للتعلم، الاستمرارية، ونحت الصخر، وكأن في أعماقهم محركاً لا ينطفئ. وفي المقابل، نرى الإنسان الذي توفرت له كل سبل الرفاهية والراحة، يعيش حالة من الخمول والضياع، بلا شغف، بلا هدف، وبلا تأثير حقيقي. فكيف تصبح الوفرة مقبرة للطموح، بينما يغدو التهديد وقوداً للخلود؟ الواقع أن الإنسان البشري يختزن في جوفه أسراراً عظيمة وقدرات فائقة، لكنه يجهلها ويغفل عنها نتيجة حالة من "السطحية المميتة" التي تغلف المجتمعات. العقل البشري، الذي هو كنز الوجود الأثمن، بات اليوم شيئاً مستهاناً به بشكل كبير، وهذا للأسف هو المأزق الحقيقي في واقعنا العربي المعاصر؛ فلو استخدمنا هذا العقل بكل ما نملك من وعي وبصيرة، لما كنا في هذه الحالة من الركود والتبعية. إننا نملك الطريق، ونملك السبل، ولدينا الدين القيم؛ هذا المنهج الإلهي العظيم الذي "علّم الإنسان ما لم يعلم"، ووضع له خارطة السعي. ما على الإنسان إلا أن يتحرك، أن يسير في مناكب الأرض بوعيه، وحينها فقط سيرى من هو حقاً، وأين يكمن موقعه في هذا الكون. وعليه، عندما يحاصر الخطر عقل الإنسان، وتضيق به السبل ليصبح في مواجهة مباشرة مع "الفكرة الوجودية" أو غريزة البقاء على قيد الحياة، تستيقظ قواه بشتى أنواعها. هذا التهديد هو المفجر للوعي؛ إنه يخرج من الأعماق روحاً عنيدة، قوية، تأبى الضعف والذل، وينتزع من رحم العدم والظروف المستحيلة أموراً وإبداعات لا يتصورها الخيال. نحن لا ننشد المعاناة لذاتها، لكننا نمجد ذلك العناد الإنساني والوعي الراسخ الذي يولد من رحمها. إن الإنسان الفائق ليس ذاك الذي وجد كل شيء جاهزاً أمامه فمات عقله بالوفرة، بل هو الذي تحرر من السطحية، واستخدم كنز عقله المستتر، وأثبت فطرته الوجودية وسط ركام الصعاب، معلناً للعالم: "أنا أقاوم.. أنا أفكر.. إذاً أنا موجود".

***

ايمان عبد الحكيم خريسات

 

العلاقة بين الفكرة والكلمات ذات تعبيرية توجب توضيح الفكرة التي تنوء بها ظهور الكلمات، ولا يجوز الدوران حول الفكرة وتقديمها بأساليب غثيثة وآليات مربكة تصيب القارئ بالدوار.

وهذه بعض الملاحظات التي ربما تنفع:

1- الأكاديمية

الأكاديمي: المهتم بالعلوم حسب منهج علمي دقيق، المنتمي إلى مؤسسة أكاديمية

التفاعل الدائب بين المؤسسات الأكاديمية (الجامعات)، يلفه الغياب في بعض المجتمعات، وتوجد هوة عميقة بين لغة الجامعة والمجتمع.

من المفترض أن يتنور المجتمع الذي فيه جامعة ويتطور وعيه وتزداد معارفه، لا أن يعيش في عزلة وإنفصال عن أروقة الجامعة التي تعمل فيه.

الجامعات نسغ المجتمعات الصاعد، وعليها أن تستعمل لغة يفهمها الجميع، دون أن تتمترس في عوالم المفردات المتصلة بمادة ما.

2- المصطلحات

المصطلح: كلمة أو عبارة تستخدم لتسمية محدودة المفهوم، كل كلمة ذات دلالة معينة.

ينتشر إستخدام المصطلحات في تفاعلاتنا وأكثرها مستوردة وغير أصيلة، وتعني ما تعنيه في بيئتها، ونضفي عليها ما يحلو لنا من الأوصاف فنتوهمها ولا ندركها.

المجتمع لا يحتاج مصطلحات بل كلمات بسيطة تدل على أفعال.

3- الكلمات

المفردات المستخدمة في كتاباتنا وخطاباتنا، غير معاصرة وأكثرها عتيقة وتحتاج إلى توصيف لما تعنيه، ومن الغريب أننا نحاول أن نبث الحياة في مفردات كانت ميتة في حينها، ونحسبها قادرة على الحياة في عصرنا، وكأن اللغة جامدة لا تتطور ولا تتفاعل مع مكانها وزمانها وأجيالها المتوافدة.

4- العبارات الطويلة

الميل إلى إنهاك التخاطب بأنواعه بالعبارات الطويلة التي تشير إلى أن صاحبها لا يعرف ما يريد قوله، أو يعجز عن صب أفكاره بكلمات تبينها بسهولة وسلاسة، في زمنٍ صار "ما قل ودل" من أهم منطلقات بيانه، وأسس بنيانه المعرفي، خصوصا بعد سيادة وسائل التواصل وهيمنة الصورة والمقاطع الفلمية على وعي الناس.

5- الإسهاب

الإسهاب هو إطالة الكلام من دون فائدة، فبدلا من كتابة مئة كلمة يمكن التعبير عن الفكرة ببضعة كلمات، ذات دلالة وقدرة على التنوير والفهم والإدراك.

وأجدادنا الأوائل حذروا كثيرا من الإسهاب وتجدهم في مقدمات كتبهم يعتذرون من القارئ إن هم أطالوا الكلام في مقام لا يستوجبه.

6- الإستعلائية

الإستعلاء: رؤية انفس أعلى من الآخرين

الخطابات ذات عبارات تنم عن الإستعلاء على الناس وإعتبارهم دون القائل فهما ووعيا، وهو إفتراض خاطئ يشير إلى ضعف المتعالي ونضوبه، ومحاولاته التغطية على ما ينقصه بإسقاط ما فيه على الآخرين، وتلك عاهة تفاعلية بين أبناء أي مجتمع تؤدي إلى تداعيات سلبية قاسية.

7- وهم المعرفة

"مَن قال أنا أعلم فهو جاهل"

المعرفة بحر بلا حدود لا يمكن إدراك قاعه، والواحد منا يمثل قطرة في يم الوجود الدفاق، فكيف للقطرة أن تعلم ما في غياهب المحيط؟

العديد من الذين يكتبون يتوهمون المعرفة، ويحسبون ما تخطه أقلامهم هو المُدرَك المطلق، وخاتمة العلم والتمام، وهذا تفاعل فراغي مع عالم مشحون بالأفكار والأحداث المتوالدة من رحم نضوجها، وفيض بلوغها ذروة ما فيها من الطاقات.

8- تجاهل الآخرين

التواصل مع الآخرين يطرح سؤالا حيويا خلاصته، لمن نتوجه؟

لا بد لنا من معرفة الجمهور الذي نخاطبه بوسائل العصر المتاحة لنا، إن جهل الأرضية التي نقف عليها يتسبب بإنهيار قيمة الخطاب، أيا كان نوعه.

فالمطلوب وعي الوسط الذي نريد بذر الأفكار فيه، ولكي تصبح أشجارا وتثمر لابد لها من تربة صالحة ورعاية مناسبة.

9- الإنفعالية

البشر مرهون بإنفعالاته، ومن الصعب على العقل أن يتسيّد ويقود، وهذه العاهة الخلقية لها تداعياتها الخطيرة، ومعطياتها العليلة، التي ينجم عنها تراكم مشكلات وتعقيد حالات وبناء منظومات ذات تفاعلات عدوانية.

فمن السهل على البشر أن يخضع لسوراته الإنفعالية ويتجنب المعطيات العقلية، والتي تحضر بعد فوات الأوان في معظم الأوقات.

فهل أن للإنفعالية مداد نكتب به، ونعبّر عمّا فينا بأساليب متوافقة مع مطموراتنا المجهولة والفاعلة في إدارة دفة وجودنا.

10- الغموض والإبهام

بإسم ما نسميه بالحداثة صار الميل للإبهام والغموض من ضرورات النص الإبداعي، فلكل نص خفاياه ودلالاته وعلى القارئ أن يتفرغ لنبش ما بين السطور وخلفها، وما تعنيه هذه العبارة أو تلك.

والواقع المرير أن العديد من رافعي رايات الحداثة يستنسخون ما عند الآخرين، ويظنون بأنها ستتوافق مع واقعهم الذي يزخر بالمُحدثات على مدى العصور، المترعة بأصالة الإبداع وروعة البيان وحسن البديع المؤثر في النفوس، والمنور للوعي الجمعي.

ترى هل سنكتب بمداد النور، ونتمكن من إطفاء حرائق النار المتأججة في دنيانا؟!!

***

د. صادق السامرائي

 

ليست كل دولة ضعيفة دولة فاشلة بالمعنى التقليدي للكلمة؛ فقد تبقى الدولة حاضرة بكل علاماتها الشكلية: علمها، ودستورها، ومؤسساتها، وحكومتها، وعضويتها في المنظمات الدولية، بينما تكون قد فقدت، في الواقع، وظيفتها الأساسية بوصفها الإطار الأعلى لتنظيم المجتمع وإدارة اختلافاته، في هذه الحالة لا تختفي الدولة، بل يحدث تحول أكثر عمقا: تتحول من إطار يؤسس للمواطنة والسيادة إلى شعار يمنح الشرعية لفاعلين وشبكات لا تتحرك بالضرورة وفق منطقها.

المشكلة، إذن، ليست دائما في غياب الدولة، بل قد تكون في بقائها شكلا بعد أن تتغير وظيفتها، فالمؤسسات تستمر، والقوانين تبقى، والوظائف الرسمية تشغل، لكن السلطة الفعلية تنتقل تدريجيا إلى شبكات عائلية أو حزبية أو طائفية أو قومية أو ميليشياوية، تستخدم الدولة بوصفها غطاء قانونيا ورمزيا لمصالحها، وهنا لا تعود الدولة إطارا يحكم هذه الشبكات، بل تصبح موردا تستثمره.

تعمل هذه البنية من خلال توزيع غير معلن لوظائف السلطة: الهوية تمنح الشرعية، والخارج يمنح الموارد، والشبكة توفر الحماية، بينما تمنح الدولة الغطاء القانوني والاعتراف الرسمي، ومن هذا التقاطع تنشأ بنية هجينة يصعب فيها الفصل بين الرسمي وغير الرسمي، أو بين القانوني وغير القانوني، لأن الشبكة لا تعمل بالضرورة خارج الدولة، بل قد تعمل من داخل مؤسساتها وتحت شعاراتها؛ حين تعتمد القوى المحلية على ولاءات خارجية، تتحول السيادة إلى مورد تتقاسمه قوى متعددة، فالدعم الخارجي لا يوفر الموارد فحسب، بل يعيد تشكيل النخب المحلية أيضا، تصعد قوى لا تستمد قوتها من شرعية محلية بقدر ما تستمدها من قدرتها على الوساطة بين الداخل والخارج؛ وهنا يمكن الحديث عن - اقتصاد الريع الجيوسياسي-، حيث يتحول الولاء السياسي إلى مصدر لتدفقات مادية تشمل التمويل والسلاح والحماية والعقود وفرص التجارة والتهريب، ولا تعود قوة النخب الاقتصادية ناتجة عن موقعها داخل الاقتصاد الوطني وحده، بل عن قدرتها على تحويل علاقاتها الخارجية وموقعها الجيوسياسي إلى موارد قابلة للتوزيع داخل المجتمع.

وهكذا يصبح الوصول إلى الراعي الخارجي، في بعض الحالات، أكثر أهمية من الوصول إلى المجتمع، وتتحول الدولة إلى ساحة تتنافس فيها الشبكات على مصادر القوة خارج حدودها أكثر مما تتنافس على ثقة السكان داخلها، ومع اتساع هذا النمط، لا تعود الدولة الجهة الوحيدة القادرة على توفير الحماية والموارد، بل تتقاسم هذه الوظيفة مع فاعلين محليين وخارجيين، فتتجزأ السيادة من دون أن تتجزأ الدولة بالضرورة من الناحية القانونية؛ لكن الولاء الخارجي وحده لا يفسر هذه البنية، فالهويات القومية والمذهبية والطائفية والدينية قد تتحول، في بعض الحالات، من فضاءات للانتماء إلى أدوات لإنتاج شرعيات سياسية منافسة، والمشكلة هنا ليست في تعدد الهويات، إذ إن التعدد جزء طبيعي من المجتمعات الحديثة، وإنما تبدأ الأزمة عندما تتحول الهوية إلى مرجعية سياسية تتجاوز الدولة، أو عندما تعامل الدولة القائمة باعتبارها مجرد محطة عبور نحو مشروع قومي أو مذهبي أو ديني أوسع؛ عندها تفقد الدولة قدرتها على أن تكون غاية مشتركة، وتتحول إلى مساحة مؤقتة تتصارع داخلها مشاريع لا ترى في بقائها هدفا نهائيا.

ومع هذا التحول يظهر تعدد مراكز الشرعية؛ فلا يعود القانون والدستور المصدر الوحيد الذي تستند إليه السلطة، بل تنافسهما شرعيات قومية ومذهبية ودينية وطائفية وعشائرية؛ وعندما تتفوق هذه الشرعيات عمليا على شرعية الدولة، يصبح القانون واحدا من مصادر السلطة، لا مرجعيتها العليا، وهنا لا تعود الأزمة مجرد خلاف حول السياسات، بل تصبح خلافا حول السؤال الأعمق: من يملك حق تعريف الشرعية نفسها؟، في هذه اللحظة يتآكل معنى المواطنة، فالفرد لا يعود مرتبطا بالدولة مباشرة بوصفه مواطنا يتمتع بحقوق ويلتزم بواجبات، بل يصبح ارتباطه بها مشروطا بالشبكة التي ينتمي إليها؛ الحزب يوفر له فرصة، والطائفة تمنحه حماية، والعشيرة تؤمن له سندا، والجماعة المسلحة تحمي مصالحه، بينما تبقى الدولة بعيدة أو عاجزة أو مستخدمة من قبل هذه القوى نفسها؛ وهكذا تنتقل العلاقة من منطق المواطن والدولة إلى منطق التابع والشبكة.

وعندما تتحول الدولة إلى غطاء، يصبح هذا الغطاء نفسه موردا قابلا للاستثمار، فالمؤسسات العامة يمكن استخدامها لتوزيع المناصب والعقود والتراخيص والموارد والحماية بما يخدم شبكات النفوذ، عندها لا يعود الفساد مجرد انحراف عن النظام، بل يصبح جزءا من طريقة عمله، وتتداخل الممارسات القانونية وغير القانونية إلى درجة يصعب معها تحديد الحدود الفاصلة بين الدولة والشبكة، لأن كلا منهما يعمل من خلال الآخر، وهنا تظهر نتيجة أكثر خطورة: تتحول الدولة من فضاء للمواطنة إلى سوق للولاءات، تتنافس الشبكات على الموارد والاعتراف والحماية، بينما يصبح القانون إحدى الأدوات المستخدمة في هذا الصراع بدلا من أن يكون حكما عليه، ومع تراجع الثقة بالمؤسسات، يعود الأفراد إلى دوائرهم الأولية بحثا عن الأمان، فتتقوى الشبكات أكثر، وتضعف الدولة أكثر، وتدخل البنية الاجتماعية في دائرة تعيد إنتاج نفسها.

ولا يقتصر أثر ذلك على المجال السياسي، بل يمتد إلى بنية المجتمع نفسه، فعندما تصبح الشبكات مصدرا رئيسيا للحماية والموارد، تتراجع الثقة العامة، ويتعمق الانقسام، ويصبح العنف أكثر قابلية لإعادة الإنتاج بوصفه أداة لإدارة الصراعات والمصالح، كما يصبح الإصلاح أكثر صعوبة، لأن أي محاولة لإعادة الاعتبار للمؤسسات العامة تهدد مصالح شبكات متعددة ارتبط بقاؤها بالتوازن القائم بين الدولة والهوية والموارد والنفوذ الخارجي، لهذا لا يكفي وصف هذه الحالة بـ(الدولة الفاشلة)، فالفشل يوحي بغياب النظام أو انهيار القدرة على العمل، بينما نحن قد نكون أمام نظام يعمل بالفعل، لكنه يعمل وفق منطق مختلف، له قواعده، ونخبه، واقتصاده، وتحالفاته الداخلية والخارجية، وآليات واضحة لإعادة إنتاج سلطته؛ المشكلة ليست في أن الدولة لا تعمل، بل في السؤال: لصالح من تعمل؟ .

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدولة ليس أن تنهار مؤسساتها بالكامل، بل أن تبقى هذه المؤسسات قائمة بعد أن تصبح وظيفتها الأساسية خدمة الشبكات بدلا من تنظيم المجتمع؛ عندها تتحول الدولة إلى شعار: يرفع باسم القانون حين يكون القانون مفيدا، وباسم السيادة حين تكون السيادة مربحة، وباسم الوطنية حين تحتاج الشبكات إلى غطاء رمزي، بينما تظل السلطة الفعلية موزعة بين الولاءات والهويات والمصالح؛ ومن هنا فإن الخروج من هذه الحالة لا يبدأ بإصلاح إداري معزول، لأن المشكلة ليست تقنية في المؤسسات وحدها، بل اجتماعية وسياسية في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، فاستعادة الدولة تعني إعادة بناء معنى المواطنة، وفصل الهوية عن احتكار الموارد، وتقليص تحويل الخارج إلى مصدر بديل للشرعية والحماية، وإعادة المؤسسات إلى وظيفتها العامة، فما دام المجتمع يبحث عن حمايته خارج الدولة أو عبر شبكات موازية لها، ستظل الدولة موجودة بوصفها اسما، وغائبة بوصفها حقيقة؛ فالدولة لا تفقد معناها فقط عندما تسقط، بل قد تفقده أيضا عندما تبقى واقفة، بينما تتحول إلى واجهة تحمل اسم الجميع وتعمل في خدمة شبكات لا تعترف بالجميع.

***

د. جوتيار تمر - اقليم كوردستان

 3-9-2026

استطاع الإنسان أن يحقق في العصر الحديث تقدما علميا وتقنيا هائلا، لكنه أصبح في المقابل أكثر قدرة على استنزاف موارد الطبيعة، والاخلال بتركيبها، وتلويثها.

 فالمصانع تقذف الغازات والمطروحات، والمركبات تنشر الانبعاثات، والمخلفات الصناعية تاخذ طريقها إلى التربة والمياه، فيما تتراكم النفايات المنزلية، والاستهلاكية اليومية في المدن والمناطق السكنية.

ولم يعد الهواء هو الآخر، بمنأى عن هذا العبث، والتلوث، فالدخان والغازات الناتجة عن مطروحات المصانع، ومصافي النفط ووسائل النقل، ومحطات الطاقة، وحرق النفايات، وغيرها تساهم في تدهور نوعيته على مقلق، في حين تتعرض الأنهار والبحار للتلوث بالمخلفات الصناعية، والمطروحات المنزلية، والنفايات البلاستيكية، الأمر الذي يهدد التنوع الحيوي، وصحة الإنسان بالمزيد من المخاطر.

وتبقى النفايات اليومية أحد أبرز مظاهر المشكلة. فالاستهلاك المفرط، والاستخدام السريع للمنتجات، ثم التخلص منها دون إدارة سليمة، يحولها إلى عبء متراكم على البيئة، ولا سيما المواد التي يصعب تحللها والتخلص منها.

ولا شك أن اثار التلوث لها انعكاساتها السلبية في تغير المناخ، فالانبعاثات الناتجة عن حرق الوقود والأنشطة الصناعية، تسهم في زيادة نسب الغازات الدفيئة، وما يرافق ذلك من ارتفاع درجات الحرارة، والجفاف، والتصحر، وتراجع الموارد المائية، بما يهدد الأمن الغذائي والمائي والاجتماعي، على حد سواء، وياتي ذلك مصداقا لقول الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

ولا ريب إن حماية البيئة مسؤولية جمعية مشتركة، بدأ بالتشريع والرقابة، ومروىا بالمؤسسات والمصانع، وانتهاءا بالسلوك اليومي الرشيد للافراد. ولذلك فإن إلقاء النفايات عشوائيا، وحرقها، وإهدار المياه، والإفراط في استهلاكها، ممارسات سلبية، تتحول بتكرارها إلى مشكلة بيئية، قد يصعب بتراكماتها، التعامل معها ومعالجتها .

ولذلك تبرز الحاجة إلى ثقافة بيئية واعية، تجعل المحافظة على الطبيعة سلوكا معتمدا يوميا، وإلى تنمية مستدامة تقوم على الطاقة النظيفة، وإدارة النفايات، وإعادة التدوير، والتشجير، وترشيد استهلاك المياه، وتطبيق المعايير البيئية بجدية، وكفاءة، من أجل حماية البيئة، وحماية الإنسان.

***

نايف عبوش

يكفي أن تكون فكرة صغيرة قادرة على أن تغير التاريخ وتؤسس حضارات

حين وضع مالك بن نبي معادلته في بناء الحضارة، ارتكزت هذه المعادلة على عناصر ثلاثة: (عالم الأشخاص وعالم الأفكار وعالم الأشياء) وكل عنصر مرتبط بالآخر ولا يتحقق المشروع الحضاري إلا بتوفر هذه العناصر الثلاثة، كما لا يمكن أن نؤسس مشروعا ما إلا بتواجد فكرة، كان التنافس شديدا بين القوى التي تريد أن تكون لها مكانة في العالم، فلا تكون مجرد مستهلكة للأشياء، مثلما نراه في العالم العربي والإسلامي، وها هو إمبراطور اليابان (كنموذج) وهو يؤدي مرسوم القسم أمام الشعب عام 1868، حيث خاطب شعبه بالقول: " سنبحث عن المعرفة في جميع أنحاء العالم" ومن هنا بدأت سياسة اليابانيين تنحصر في تعلم كل ما يمكن تعلمه من الشعوب الأخرى، وطبقوا هذا الشعار في حياتهم اليومية، فاقتبسوا من الصين ذات الحضارة العظيمة، دون أن يصبحوا أسرى لها، فكانوا قوما أقوياء الإرادة، وقد سارت تركيا على نهج اليابانيين وكذلك الرومان الذين حوّلوا منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط من أحراش وصحاري إلى بلاد كلها حدائق وكروم وحقول يانعة، ولولا الإغريق لما كانت للرومان حضارة، إن الفكرة الواحدة يمكن أن تولد في عقل فرد واحد، ثمّ تنتشر بعد ذلك لتشمل الجماعة كلها، أما العرب ، فمنذ أن ظهروا على مسرح الأحداث العالمية كانوا أصحاب رسالة سامية يدعون فيها إلى المحبة والإخاء والتعاون والنهوض بالأمة الإسلامية ، غير أنهم لم يستثمروا في أفكار غيرهم ولم يستثمروا حتى في أفكارهم، وتخبط البعض منهم من أصحاب النفوس المريضة في فهم هذه الرسالة السامية، حيث اتخذ أعداء هذه الفئة طابعا خاصا في التاريخ، ومن هنا بدأت الحضارة العربية تعرف نوعا من التراجع، فالصراعات والخلافات بين المسلمين تحت ستار تيارات مختلفة كانت سببا في ظهور الانشقاق في الأمة العربية والإسلامية التي كانت خير أمة أخرجت للناس، فطغى عليها بالشلل والجمود، ولهذا السبب جاءت الدراسات البنّابية لتعالج مشاكل العالم الإسلامي، إن الصراع الفكري في العالم الإسلامي كما يقول مالك بن نبي يجب أن يتقرر مبدئيا على قاعدة عامة ، ألا وهي أنه عندما يطرح مسلم مشكلة ما تهم مجتمعه أو المجتمع الإسلامي، فإن هذه المشكلة تكون قد طُرِحَتْ أو ستُطرحُ عاجلا في اوساط المتخصصين في هذه الدراسات لحساب وتحت إشراف الإستعمار.

و الإستعمار عند مالك بن نبي ليس فقط الإحتلال الفعلي للأرض، بل هو كل محاولة أو كل عمل، يميل إلى فرض إيديولوجيته أو معتقداته أو قيمه على مجتمع معين، فكلما تقدم هذا المفكر المسلم في حل إشكالية ما، يُسرع أولئك الأخصائيين لدراستها، اي انهم يستخدمونها لصالحهم، وبذلك يجهضون مشروع صاحبها الأصلي والتقليل من قيمته الفكرية وهو نوع من السطو الفكري على جهد الآخر الفكري ويسدّون الطريق في وجهه،  يقدم مالك بن نبي مثالا عن الصراع الفكري، إذ يقول: إن الصدمة التي حصلت للضمير الإنساني الإسلامي كانت محسومة في عالم أفكارنا، عندما وجهت المستشرقة الألمانية زيغريد لونكه Sigrid Hunke صاحبة كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب" مدحت فيه الحضارة الإسلامية، ولقي كتابها اهتماما كبيرا للمفكرين في مؤتمر وقف له الجميع لما جاء في كتاب هذه المستشرقة الألمانية وما صنعته الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها، لكن أهلها لم يعرفوا قيمتها، لأن الفكرة الواحدة في المخيال الغربي يمكن أن تولد في عقل فرد واحد، ثمّ تنتشر بعد ذلك لتشمل الجماعة كلها، لقد تناول الفيلسوف مالك بن نبي رحمه الله مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، إذ يقول وهو يتحدث عن جهل المسلمين بهذه العبارات : "إنّ المجتمع الإسلامي يُعاني من السخط الإلهي الصادر من النماذج الكُلِّية في محيطه الثقافي بالذات، كما يعاني من الانتقام الشديد على يد الأفكار التي استعارها من أوروبا ، دون النظر في الشروط التي من شأنها أن تُحافظ على قيمتها الاجتماعية، وينجم عن ذلك فقدان الحيوية في الأفكار الموروثة وفي الأفكار المُكْتَسَبَةِ، وهو الأمر الذي يُخِلُّ إخلالاً خطيرا بالتطور المعنوي والمادي في العالم الإسلامي، فهذا "جلبرت هايت" في كتابه : "هجرة الأفكار"، قدم أمثلة عن تطور الأفكار في جانبها الإيجابي وكيف استثمرت الشعوب في أفكار شعوب أخرى، وكما قال هو  : يكفي أن تكون فكرة صغيرة قادرة على أن تغير التاريخ وتؤسس حضارات، عندما تلقى من يستثمر فيها ويزرعها في التربة النقية".

***

علجية عيش

 

اسمحوا لي أن أتحدث عن هذا الموضوع من خلال تجربتي الشخصية. فجذوري تعود إلى إحدى مدن الفرات الأوسط الصغيرة، وهي مدينة أعتز بانتمائي إليها، لكني لا أرغب في ذكر اسمها؛ لأن حديثي ليس تقييمًا لتلك المدينة أو انتقاصًا من أهلها او مدحا لهم، بل هو محاولة للتأمل في رحلة الإنسان من بيئة إلى أخرى، وما الذي يتغير فيه بتغيّر المكان.

غادرت مدينتي في مرحلة مبكرة من حياتي إلى بغداد لإكمال دراستي الجامعية، ثم انتقلت إلى إنجلترا للدراسات العليا، وأتاحت لي الحياة والعمل لاحقًا أن أعيش في بلدان ومجتمعات مختلفة، وأن أتعرف عن قرب إلى أنماط متعددة من الحياة والتنظيم والعلاقات الاجتماعية. ولعل هذه التجربة هي التي دفعتني إلى سؤال ظل يرافقني: هل انتقال الإنسان من مكان إلى آخر يعني بالضرورة انتقاله من التمدُّن إلى التحضُّر؟ أم أن التحضُّر ليس مجرد تغيير في المكان، وإنما تغيير في طريقة التفكير والسلوك، وفي علاقتنا بالآخر وبالمكان الذي نعيش فيه؟

خلال الأيام القليلة الماضية، التقيت بعدد من الإخوة العراقيين الذين زاروا العراق في عطلتهم الصيفية، ومرّوا بالأردن في طريق عودتهم إلى بلدان إقامتهم. وقد لفتني في أحاديثهم حجم التذمّر مما شاهدوه من فوضى وازدحام وضعف في النظافة والخدمات، فضلًا عن بعض السلوكيات في الحياة العامة. وأتفهم الكثير من هذه الملاحظات، بل أشاركهم بعضها، لكن ما يستوقفني سؤال آخر: لماذا نرى عيوب المكان بوضوح بعد أن نغادره، بينما كنا نتعايش معها سنوات طويلة دون أن نشعر بحدّتها؟ وهل يتغير سلوك الإنسان فعلًا حين ينتقل إلى مجتمع أكثر تنظيمًا، أم أنه يتكيف فقط لأن البيئة من حوله تفرض عليه نمطًا مختلفًا من السلوك؟ أعتقد أن المشكلة ليست في المدينة وحدها، ولا في شوارعها وخدماتها، وإنما في الإنسان الذي يصنع الحياة فيها، ويحدد بسلوكه اليومي صورتها ومستوى تحضّرها.

ولفهم هذه المفارقة، لا بد أولًا من التمييز بين التمدُّن والتحضُّر؛ فهما مفهومان متقاربان، لكنهما ليسا مترادفين. فالتمدُّن يرتبط بالمدينة وما توفره من عمران وخدمات وتنظيم، ويقترن بالانتقال من الريف أو البادية إلى نمط الحياة الذي تفرضه المؤسسات والقوانين. أما التحضُّر فيتعلق بالإنسان نفسه: بوعيه، وسلوكه، واحترامه للنظام والآخرين والمكان العام. باختصار شديد، التمدُّن يغيّر طريقة حياتك، أما التحضُّر فيغيّر طريقة تفكيرك وسلوكك. لذلك، قد يكون الإنسان متمدّنًا لأنه يعيش في مدينة حديثة ويستخدم أحدث وسائل التكنولوجيا، لكنه ليس متحضّرًا بالضرورة إذا كان لا يحترم القانون أو حقوق الآخرين أو النظام العام.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح في واقعنا العراقي. فالانتقال من القرى والمدن الصغيرة إلى بغداد بحثًا عن التعليم والعمل هو انتقال طبيعي، لكن الإشكال يقع عندما ينتقل الإنسان مكانيًا دون أن ينتقل فكريًا إلى متطلبات الحياة الحضرية. ولنأخذ مثالًا بسيطًا: حادث سير بسيط في إحدى مدننا قد يتحول بسرعة إلى نزاع عشائري، حيث يسارع الأطراف إلى الاتصال بشيوخ العشائر قبل الاتصال بشرطة المرور أو شركة التأمين. هذا التحول في المرجعية يكشف أن السلوك الحضري لم يرسخ بعد. ففي بغداد، كما في غيرها من المدن العراقية، نرى اللجوء إلى العشيرة والفصل العشائري لحل المشكلات، سواء في حوادث السير، أو المشاجرات، أو الخلافات المالية، وكأن العشيرة تصبح دولة داخل الدولة.

وهنا تكمن مشكلة أعمق من مجرد بقاء عادة اجتماعية؛ فالدولة الحديثة تقوم على أن القانون واحد، والقضاء واحد، والحقوق والواجبات لا تتغير بتغيّر الانتماء العشائري. ولا يعني ذلك إنكار الدور الإيجابي الذي يمكن أن تؤديه العشيرة في تهدئة النزاعات ومنع تطورها إلى عنف، فهذا الدور مفيد عندما ينسجم مع القانون ويحترم سلطة الدولة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الصلح العشائري إلى بديل عن القضاء. فالتحضُّر الحقيقي لا يتحقق بالانتقال من بيت ريفي إلى منزل في المدينة، لكنه حتما يتحقق حين ننتقل أيضًا من حكم العرف الشخصي إلى حكم القانون والمؤسسات، مع الاحتفاظ بالقيم الاجتماعية النبيلة التي لا تتعارض مع الدولة الحديثة.

ورغم إيماننا بمسؤولية المواطن، لا يمكننا تحميله وحده مسؤولية ما تعانيه المدن من نقص في الخدمات أو النظافة؛ فهذه مسؤولية أساسية تقع على عاتق البلديات والمؤسسات الحكومية. لكن في الوقت نفسه، فإن مسؤولية الدولة لا تعني إعفاء المواطن من واجبه. فالمواطن الحضري شريك في صناعة المدينة، وليس مجرد مستهلك لخدماتها. فليس من المنطق أن نطالب المدينة بخدمات أفضل، ونحن نزيد من أعبائها بالنفايات والفوضى والتجاوز على الممتلكات العامة وعدم احترام قوانين السير.

وهذه المفارقة نفسها نواجهها حين نبحث عن التحضُّر خارج الوطن. فهي لا تقتصر على من انتقل من الريف إلى المدينة داخل العراق، بل تمتد إلى بعض العراقيين الذين غادروا إلى دول أوروبية متقدمة بحثًا عن حياة أفضل ونظام أكثر احترامًا للقانون. ومع رغبتهم الصادقة في ذلك، يجد بعضهم صعوبة في الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة، ويتعرضون أحيانًا لانتقادات بسبب سلوكياتهم التي لا تنسجم مع الأعراف السائدة. وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: قد يترك الإنسان بلده بحثًا عن التحضُّر، لكنه لا يترك بالضرورة العقلية والسلوكيات التي اعتاد عليها. فالهجرة تغيّر المكان، لكنها لا تغيّر الإنسان تلقائيًا.

والاندماج الحقيقي لا يعني التخلي عن الهوية أو الذوبان في الآخر؛ فالإنسان يستطيع أن يحافظ على هويته وثقافته وقيمه الإيجابية، وفي الوقت نفسه يحترم قوانين المجتمع الذي اختار أن يعيش فيه، ويتكيف مع نظامه العام. فما دمت ترغب في العيش في هذا الوطن الجديد بإرادتك، فعليك أن تفهم قيمه وتحترم نظامه وحقوق الآخرين.

في النهاية، التحضُّر سلوك قبل أن يكون مكانًا. فلا تُقاس حضارة الإنسان بالمدينة التي يسكنها، ولا بجواز السفر الذي يحمله، ولا بقدرته على الوصول إلى الخدمات الحديثة، وإنما بقدرته على احترام الإنسان والقانون والمكان الذي يعيش فيه. فالتحضُّر هو سلوك يومي يبدأ من احترام المرفق العام، والالتزام بإشارات المرور، والنظافة، وحسن الجوار، واللجوء إلى القانون لحل الخلافات. قد تكون المدينة متقدمة في أبنيتها وشوارعها، أما تحضّرها الحقيقي فيُقاس بسلوك سكانها فيها.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

«خلّيها سكتة» من تلك العبارات العراقية التي تبدو صغيرة في اللفظ، واسعة في المعنى؛ كلمتان تفتحان بابًا واسعًا على الكلام والصمت والذاكرة.. فحين يقولها العراقي، يكون الحچي حاضرًا في الغالب، حاضرًا بتفاصيله وأسمائه وآثاره، ثم يأتي القرار: السكوت أهون. هنا تبدأ العبارة في تجاوز معناها المباشر لتصبح علامة ثقافية على معرفةٍ اختارت الصمت طريقًا لها.

في هذه الجملة معرفة صامتة: أنت تعرف، وأنا أعرف، وكلانا يعرف أن الآخر يعرف، ثم نترك المعرفة معلقة في الهواء. «لا تسأل»، «ما أريد أحچي»، «الله كريم»، «خليها على الله»، «لا نفتحها»، «الموضوع انتهى»؛ عبارات تبدو كأنها تغلق باب الكلام، بينما تترك وراءها بابًا آخر مفتوحًا على الاحتمال. حين يقول شخص «لا تسأل»، فهو يضع السؤال أمامك بصورة أخرى: الجواب موجود، وحمولته أثقل من أن يدخل المجلس. وحين يقول «الموضوع انتهى»، قد يكون الذي انتهى هو الكلام عنه، بينما بقي الموضوع في الذاكرة.

هنا يتحول الصمت إلى معرفة. فالإنسان قد يعرف الحقيقة، ثم يختار عدم تحويلها إلى خبر متداول. وهذا الاختيار يصنع منطقة كاملة بين المعرفة والنطق؛ منطقة تعرف فيها الجماعة أكثر مما تقوله. أسرار يعرفها الجميع، وقائع تُروى بنصف جملة، أسماء تُترك خارج الحديث، وإشارات تكفي عن رواية طويلة. «خلّيها سكتة» تؤدي وظيفة الحارس على هذه المنطقة: تعرف أين يبدأ الكلام، وتعرف أيضًا أين ينبغي أن يتوقف.

ومن هذه الزاوية يظهر الستر بوصفه نظامًا اجتماعيًا. «أعرف شصار، بس خلّيها سكتة» قد تحمل رحمةً بإنسان، وحفظًا لكرامته، وإبقاءً لخطأ في حجمه بدل تحويله إلى فضيحة. وقد تتحول السكتة إلى غطاء يحمي الخطأ من المساءلة. هنا تظهر المفارقة الأخلاقية: الستر يحفظ الإنسان حين يضع حدًا للتشهير، ويؤذي المجتمع حين يمنح الفعل المؤذي حصانة. السؤال الحقيقي يصير: من الذي يحميه الصمت، ومن الذي يحميه الكلام؟

والصمت نفسه يمتلك سلطة. «لا تحچي» قد تكون أمرًا يصدر من موقع قوة، يحدد من يملك حق الكلام ومن يكتفي بالاستماع. غير أن الامتناع عن الكلام يستطيع أن يصير سلطة أيضًا. حين أرفض التبرير، وأمتنع عن الدخول في جدال، وأحفظ ما أعرفه لنفسي، أستعيد شيئًا من السيطرة على صورتي وعلى قصتي. من هنا يظهر الفرق بين الصمت المختار والصمت المفروض: الأول قرار، والثاني قيد. كلاهما يحمل الاسم نفسه، لكن التجربة الإنسانية خلف كل واحد منهما مختلفة تمامًا.

العراقي يعرف هذه المسافة بحسّ يومي. «الله كريم» قد تعني رجاءً، وقد تحمل تعبًا طويلًا. «خليها على الله» قد تكون إيمانًا، وقد تكون إقرارًا بأن الأمر خرج من اليد. و«خلّيها سكتة» قد تكون حكمة، وقد تكون خوفًا، وقد تكون حفاظًا على علاقة، وقد تكون اختصارًا لخيبة استنفدت قدرتها على الشرح. الجملة الواحدة تتبدل دلالتها مع النبرة والمقام؛ ولذلك يصعب وضعها في خانة واحدة.

حين يقول أحدهم: «ليش ما تشتكون؟» ويأتي الجواب: «خوية، خلّيها سكتة… بطلعان الروح دنمشيها»، فإن السكتة تظهر بوصفها اقتصادًا في الخيبة. الإنسان يرى الخلل، يشعر به، وربما تحدث عنه مرات، ثم يكتشف أن الكلام يحتاج إلى طاقة، وأن الواقع يحتاج إلى قدرة أكبر على التغيير. فيختصر المسافة كلها بجملة. هنا يكون الصمت نتيجة تجربة مع الواقع، لا مجرد اختيار لغوي.

وتظهر السكتة كذلك في العلاقات. عتبٌ تأجل، اعتذارٌ لم يصل، سؤالٌ خشي صاحبه أن يطرحه، وذاكرة تتظاهر بأن «الموضوع انتهى». ما يُسكت عنه ينتقل من اللسان إلى الداخل. ولهذا فإن الصمت لا يمحو الذاكرة؛ يغير مكانها. قد يختفي الكلام من المجلس، ثم يظهر في النظرة، وفي البرود، وفي طريقة مخاطبة الآخر، وفي تلك الوقفة التي تسبق جملة عادية جدًا. الأشياء التي لم تُقل تمتلك أحيانًا عمرًا أطول من الأشياء التي قيلت وانتهت.

وليس من الضروري أن تتطابق الكلمات كي تتشابه السكتة. ففي السورث تأتي «شوقلا بشينا؟» بوصفها معادلًا تداوليًا قريبًا من «خلّيها سكتة»، وفي السورانية نجد بناءً من قبيل «باسی ... مەکە»؛ أي: لا تفتح سيرة كذا، لا تتحدث عنه. أما في الموصل والتركمانية العراقية، فتتعدد الصيغ بتعدد اللهجات والمناطق، لكن السكتة، وإن اختلف لسانها، تؤدي وظيفة واحدة: إيقاف الحچي قبل أن يتحول إلى باب آخر. هنا تتجاوز المسألة حدود الترجمة بين اللغات؛ فالعراق، على اختلاف ألسنته، يتشارك حساسية تجاه الكلام: ثمة ما يكفي أن يُفهم، وما يحتاج إلى صوت. وثمة حچي يكون الصمت طريقته الأخرى في الوجود.

لهذا تحمل «خلّيها سكتة» مفارقتها الخاصة: وهي تدعو إلى السكوت، تكون قد تكلمت. إنها تكشف وجود الحكاية في اللحظة التي تحجب تفاصيلها، وتعلن حضور الكلام في اللحظة التي تمنحه الإذن بالبقاء خارج اللسان. ولذلك قد يقول أحدهم «خلّيها سكتة» فيكون قد قال أكثر مما كان سيقوله لو روى القصة كاملة؛ فالرواية تحدد ما نعرف، أما السكتة فتترك مساحة للذاكرة والحدس والتجربة.

ربما لهذا تبدو العبارة عراقية بامتياز. فيها شيء من الصبر، وشيء من الحذر، وشيء من الستر، وشيء من السخرية التي يعرفها من عاش طويلًا مع واقع يحتاج إلى أكثر من جواب. إنها فلسفة يومية مصغرة: أعرف، وأفهم، وأتألم، وأحسب العاقبة، ثم أقرر أن أترك بعض الكلام في مكانه.

ويبقى السؤال معلقًا: متى تكون السكتة حكمة، ومتى تصبح قهرًا؟ متى تحمي الإنسان، ومتى تحمي الخطأ؟ متى تكون اختيارًا، ومتى تكون نتيجة لغياب القدرة على الكلام؟ ربما لا توجد إجابة ثابتة؛ فالمعنى يسكن في الظرف، وفي موقع المتكلم، وفيمن يملك حق الكلام ومن يدفع ثمنه.

لكن أجمل ما في العبارة أن مفارقتها تكمن في أنها، وهي تدعو إلى السكوت، لا تكف عن الكلام. فما إن تقول «خلّيها سكتة» حتى تكون قد كشفت أن ثمة حچيًا وراءها، وأن ثمة قصة اختارت الصمت طريقًا لها. كأن السكتة العراقية لا تستطيع إلغاء الحچي؛ أقصى ما تفعله أنها تنقله من اللسان إلى الإشارة، ومن الصوت إلى الذاكرة، ومن الكلام المعلن إلى ما يُفهم ولا يُقال.

الحچي موجود… بس السكوت أهون.

وبعض الحچي، من كثر ما انحچى بالقلب، ما عاد يحتاج لسان.

***

بولص آدم

مضت فترة من الزمن، حتى الثمانيات والتسعينيات من القرن الفائت للتو، ظهر فيها اثر الناقد واضحا جليا، وقد تمثل هذا الأثر بسلطة طاغية، امكنها في كثير من الأحيان، أن ترفع مبدعا، كاتبا أو شاعرا تحديدا، وان تخفض في المقابل آخر وتقلل من شأنه، وها نحن نستذكر أن كاتبا مثل المصري نجيب محفوظ، صاحب "اولاد حارتنا"، والسوداني الطيب صالح "صاحب موسم الهجرة إلى الشمال"، على سبيل المثال لا الحصر، وما فعلته هذه السلطة مع كل منهما، فقد كتب محفوظ قرابة العقدين من الزمن، دون أن يلتفت إليه النقد الادبي، وبقي أمره جاريا على هذا النحو، حتى بادر الناقد الأدبي سيد قطب، نعم الناقد الأدبي في حينه، للالتفات إليه والاشادة بما كتبه ونشره من أعمال روائية أدبية لافتة، فساهم ذلك الالتفات بتسليط الضوء عليه وعلى إنتاجه الروائي، وهو ما ساهم في تكريسه كاتبا روائيا كبيرا، ومثل ذلك حصل مع الطيب الصالح، عندما كتب عنه الناقد العربي المصري رجاء النقاش، واصفا إياه بأنه عبقرية روائية عربية صاعدة او جديدة. ومثل هذا حدث عندما كتب الناقد الاديب المثقف احسان عباس، صاحب المؤلفاته والتحقيقات الهامة والوفيرة، عندما وضع كتابا وافيا عن الشاعر العراقي المجدد بدر شاكر السياب، صاحب انشودة المطر، أما الناقد العربي المصري غالي شكري، صاحب كتاب "الجنس في الرواية العربية"، فقد لفت النظر إلى العديد من الكتاب، بالضبط كما فعل الناقدان السابقان الرائدان، المصري محمد مندور واللبناني مارون عبود.

في المقابل لهذا كله بات من الملاحظ الملموس .. الجلي، أن النقد الادبي، شهد في فترتنا الراهنة، ابتداء من بدايات الألفية الجارية، وصولا إلى الفترة الحالية، ومن الظاهر.  الواضح.. إلى ما بعدها، انحسارا حقيقيا في سلطة الناقد الادبي، وقد أخذ هذا الانحسار في التقلص رويدا رويدا، حتى بات بإمكاننا القول، إنه كاد أن يختفي، أو بكلمة مخففة أمسى على العكس مما كان عليه في الفترات الماضية، واحدا من المثيرات الأدبية ضئيلة الشأن، تلك المثيرات التي تقتصر في عمقها على فئات محدودة من المهتمين، يتمثلون في أمثالنا من أبناء الأجيال الماضية، التي عاشت فترات ازدهار النقد الادبي وتفاعلت معها، حد استحالة.. أو شبه استحالة التنازل والنسيان، ونحن اذا ما اضفنا إلى هؤلاء بعضا من طلاب الدراسات الأكاديمية الأدبية/ النقدية، المتأثرين بدراساتهم الادب والنقد، فان حالة انحسار دور الناقد الأدبي وانخفاض دوره، أو انحسار تأثيره، باتت الصورة أكثر جلاء ووضوحا.

السؤال الذي يطرح ذاته والحالة هذه، لماذا حدث هذا، ما هو السبب أو الاسباب، التي أدت إلى تقلص دور الناقد الادبي، وعدم التفات سواد القراء إلى ما يكتبه وينشره، وربما الكتاب والشعراء.. في محاولة الاجابة، نجتهد فيما يلي في إيراد سببين نراهما العصب الرئيسي والمركزي في هكذا وضع.

السبب الاول، يتمثل في التغيرات والتبدلات التي شهدها العالم، فيما يتعلق اولا بالانتقال التدريجي من الورقة إلى الشاشة المرئية، ومن الكلمة المكتوبة إلى الصورة المشاهدة، وثانيا ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وما رافقها من الانتقال من ثقافة النخبة إلى الثقافة الشعبية/ التفاعلية، وفق تعبير الناقد السعودي المبدع عبدالله الغذامي. فيما يتعلق بالشق الاول من السبب، نقول إن التحولات والتبدلات الجارية، دفعت الكثيرين، خاصة من أبناء الأجيال الطالعة، للتماشي مع الأوضاع التكنولوجية ومجاراة احداثياتها، فانصرف بعضهم عن الورقة جاريا وراء الشاشة والصورة ومكتفيا إلى حد بعيد، بمتابعة ما يود متابعته عبر الحاسوب في الأقل والهاتف النقال في الاكثر، الأمر الذي تسبب في ابتعاده نوعا ما، عن الكتب والورقيات، نسبة إلى الورق، واقترابه بالتالي من وسائل التواصل الاجتماعي وما تحفل به من كتابات شذرية قصيرة.. وقصيرة جدا. أما فيما يتعلق بالشق الثاني، وهو ذو علاقة قوية بالشق الاول، فإننا نقول إن الانتقال من ثقافة النخبة إلى الثقافة الشعبية، تسبب بصورة كبيرة في تقلص اثر الناقد الأدبي وضيق أيضا من مساحة سلطته، ونحن اذا ما لفتنا إلى أن النقد الادبي أقرب إلى النخبة منه إلى عامة الناس/ القراء ، باتت الصورة أكثر وضوحا، فما الذي يدفع قارئا متوسط الثقافة أو قليلها، لأن يتابع كتابات لا تخلو من تعقيد لناقد دارس، صاحب راي خاص، وتكاد كتابته النقدية تقترب من توجيع رأسه.

السبب الثاني، يرتبط ارتباطا عضويا بوسائل التواصل الاجتماعي، فقد اتاحت هذه الوسائل للجميع، في مقدمتهم الحمقى والأغبياء، حسب تعبير الكاتب الكندي الان دونو، صاحب الكتاب الشهير "نظام التفاهة"، لأن يكتبوا كل ما يعن لهم في الخاطر، من كتابات وترهات، ما أنزل الله بها من سلطان، مدعين أنها ابداعات من عالم اخر ومستقطبين اصدقاء لهم ومحيطين، ليقوموا بالتفاعل مع تلك الكتابات، واضعين في حساباتهم "حك لي تاحك لك". هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية، فقد سيدت بعض هذه الكتابات ، عبر قراء كثيرين أعجبوا بما كتبوه ونشروه، فقاموا بالاغداق عليهم باللايكات والاعجابات، الأمر الذي تسبب في تقليص دور الناقد الادبي، وادى بعدها إلى إحلال اللايك محله، كما رأى الكاتب الامريكي ارنان ماكدونالد، في كتابه الموسوم بعنوان "موت الناقد". توضيحا لما نقوله، نورد الحالة التالية، قامت قبل سنوات هاوية شابة تدعى اي. ال جيمس، بكتابة فصول أدبية روائية، ونشرتها منجمة في صفحتها الفيسبوكية. هذه الفصول اعجبت مجموعات كبيرة من القراء، ما دفع بعض المقربين منها للاقتراح عليها، أن تقوم بدفعها إلى إحدى دور النشر، فراقت لها الفكرة. قامت هذه الكاتبة من فورها بإعداد كتاباتها، مجمعة اياها في شكل كتاب، وقدمتها الى عدد كبير من دور النشر، متنقلة من رفض إلى رفض، ومتحدية عدم الموافقة على نشرها في كتاب، كما أملت ورجت. لم تياس هذه الكاتبة الشابة، وتابعت تقديمها كتابها العتيد، حتى وصلت الى دار نشر معينة، فغامرت هذه بطباعته في كتاب روائي حمل اسم "خمسون ظلا للرمادي"، لتاتي المفاجأة المذهلة، فقد انتشر الكتاب، انتشار النار في الهشيم، وأقبل عليه القراء، كما لم يقبلوا على كتاب من قبل، وجاءت النتيجة غير المتوقعة، صدر الكتاب خلال فترة قصيرة بملايين النسخ، وترجم إلى العشرات من اللغات. أما المفاجأة القائمة على مفارقة ذات علاقة وطيدة بما نقوله عن تقلص تأثير الناقد الادبي، فقد تلخصت من ناحية في رضا القراء، ممثلة بملايين اللايكات، وفي المقابل برفض وغضب النقاد، الذين أكدوا خلو الكتاب أو الرواية، من أي قيمة أدبية!!، السؤال الذي يفرض ثقله والحالة هذه، هو هل انتصار اللايك على الناقد؟..وهل مات الناقد كما رأى الكاتب الامريكي المذكور سابقا/ رونان ماكدونالد.. أم ان كل ما حدث ما هو إلا كوابيس وأضغاث احلام، سوف تنتهي، طال النوم او قصر.

***

ناجي ظاهر

ارتبطت مفردة الخريف بموسم تحسن واعتدال الطقس، وجني الثمار، وهو موسم تتكامل فيه ثمرة ما زرعه الإنسان خلال أشهر مضت. ومن هنا يبدو الخريف وكأنه فصل نضج الثمار، بقدر ما هو فصل تساقط الأوراق.

ولعل سقوط الاوراق لا يعني نهاية الحياة. فالشجرة التي تتساقط أوراقها لا تموت، وإنما تستعد لدورة جديدة، لتدخل في طور من السكون، انتظاراً لربيع آخر، تعود فيه خضراء مورقة.

ويظل للخريف ذكرى خاصة في وجدان الإنسان. فهو فصل تستيقظ فيه الحكايات القديمة، وتستدعي فيه رائحة الأرض المبتلة صور الطفولة، وأحاديث الأهل، ودفء البيوت، وأياماً مضت ولم تعد، لكنها بقيت حاضرة في الذاكرة، بعد أن استوطنت أعماق الوجدان.

إنه الفصل الذي يجعل الإنسان يتأمل الزمن بوعي أكثر. يرى الأوراق تتساقط فيدرك أن العمر، مثلها، يمضي بهدوء، وأن أجمل ما يمكن أن نفعله ليس أن نحزن على ما مضى، وإنما أن نحفظ منه ما يستحق أن يبقى ذكريات طيبة، وحكايات جميلة. فالأوراق قد تسقط، والأيام قد تمضي، لكن الحكايات الجميلة لا تسقط من الذاكرة، بعد أن استوطنت أعماق الوجدان.

***

نايف عبوش

الوهم: إعتقاد خاطئ يؤمن به المرء بقوة بالرغم من عدم وجود أدلة عليه

إعتقد: ظن، تصور، حسب.

التوهمية تعني الإعتقاد الراسخ بشيئ ما، لا يقبل القسمة على إثنين، أي لا مجال فيه للمُحاجة وإعمال العقل، إنه إنتماء عاطفي إنفعالي أعمى.

فدع المتوهم في أوهامه يتمتع، وعش في أوهامك، ولا تقترب من أوهام غيرك، والخطر الكامن في الوهم عندما ينتقل من حالة الرقود والكمون إلى الحركة والتعبير عن محتواه، وأكثر ما يدور من صراعات ناجم عن تفعيل إرادة الأوهام، وإطلاق ما فيها من طاقات تدميرية للآخر، الذي لا يتقولب في مملكة الوهم المزعومة.

وبعض المجتمعات صرعى الأوهام المتضخمة في دنياها الجمعية، وتكتسب الأوهام طاقات تدميرية مطلقة عندما تقرن بأفكار دينية، وتطلعات فئوية ، لأنها ستحرر الفاعل من المسؤولية المترتبة على ما يقترفه من آثام وفظائع ضد غيره الذي لا يستطيع أن يكون صيدا في شِباك وهمه.

إن الأوهام بطبيعتها ثابتة وغير قابلة للزعزعة أو التفاعل العقلي، لأنها هيمنت على قدرات العقول، وتصلدت وتمترست، وشيدت حواجز عاطفية سميكة بينها وبين الواقع الذي يتحرك مالكها فيه، فهي الواقع المفترض والقوة القائدة المعبرة عن إرادة الوهم المتجسد بالسلوك المتكرر مهما كان نوعه.

ومن الأسلم لأي مجتمع أن لا تتخادش أوهام أفراده، وليتخندق كل فرد بوهمه، ولا يقترب من وهم الآخر أو الآخرين، فالأوهام المتصادمة ملعونة التفاعلات، ومرجومة التداعيات، فاحفظ مجتمعك ووطنك بتحاشي التحرش بالأوهام الفردية والجمعية.

ولا بد من دستور وقوانين لضبط السلوك في المجتمع، بعيدا عن سلطة الأوهام وإنفلاتها.

أيّها الوهمُ اللعينُ الفاعلث

أنتَ للإنسانِ دوماً قاتلُ

وهْمُنا صوتٌ شديدٌ حاكمٌ

مِثلُ سلطانٍ جفاهُ العائلُ

وهْمُنا ليلٌ ثقيلٌ حالكٌ

نَجْمهُ شخصٌ عليلٌ جاهلُ

***

د. صادق السامرائي

 

ليست كل عثرة أو فجوة سقوطاً وليست كل تجربة فاشلة نهاية للطريق وانتهائها. في بعض الأحيان يكون الخطأ الذي نرتكبه في بداية حياتنا المهنية هو الدرس الذي يصنع الفرق بين شخص سلبي يستسلم، وآخر لديه الإصرار والعزيمة، يواصل طريقه بثقة ووعي وإدراك. ومن هنا تبرز مرحلة العشرينيات باعتبارها واحدة من أهم المراحل التي يمكن فيها للإنسان أن يجرب ويطبق، ويخطئ، ويتعلم، ثم يبدأ من جديد ليطور مرحلة حياته بشكل أفضل وصورة أوضح.

العشرينيات مرحلة مليئة بالطاقة والنشاط والطموح والأحلام الكبيرة التي تعيش في مخيلته، لكنها في الوقت نفسه مرحلة تفتقر غالباًإلى الخبرة العملية والدراية الكافية. وهذا أمر طبيعي؛ فالخبرة لا تمنح دفعة واحدة وإنما تتشكل من خلال المواقف والتجارب والمراس والقرارات التي نخوضها يومًا بعد آخر.

الفشل ليس عدوًا للنجاح

من أكثر الأفكار التي تحتاج إلى تغيير أن الفشل يعني نهاية الطريق وانتهاء التجربة. الحقيقة أن الفشل قد يكون بداية مختلفة تماماًإذا امتلك الإنسان القدرة على قراءة أسبابه ودوافعه والتعلم منه بحكمة. فالخطأ الذي نفهمه يتحول إلى خبرة، والتجربة التي نراجعها تصبح معرفة، والنكسة التي نتجاوزها تمنحنا قوة وقدرة أكبر على مواجهة الحاضر والمستقبل. فالمشكلة ليست في أن نفشل، وإنما في أن نكرر الخطأ نفسه دون أن نغير أساليبنا ونتعلم منه.

الاندفاع… أحد أخطر أخطاء البداية

في بداية الحياة المهنية، قد يعتقد الشاب أنه مطالب بإثبات نفسه بسرعة، وأن لديه طموحاً كبيراً يريد أن يصل إليه على عجل، وأن الوصول المبكر هو المقياس الحقيقي للنجاح. فيندفع نحو التجارب واتخاذ القرارات والوظائف والمشروعات، ويرغب في تحقيق كل أحلامه خلال وقت قصير. لكن النجاح ليس سباقاً مع الزمن.

إن التفكير المبصر والتخطيط الناجح والتمهل والاستماع واستشارة أصحاب الخبرة والدراية والمعرفة والتجارب، كلها أدوات تسهم في مساعدة الشباب على اختصار الكثير من الطرق الخطأ. فالشخص المرن الذي يقول: « ربما أحتاج أن أتعلم وأكتسب الخبرة » يستطيع أن يتقدم بصورة أكبر من الشخص الذي يصر دائماًعلى أنه يعرف كل شيء ولا يحتاج إلى أفكار أو مساعدة من أحد..

بين «أنا أعرف» و«أريد أن أتعلم»

من أكبر الفروق بين الشخصيات في بداية المسار المهني طريقة التعامل مع المعرفة. فهناك من يرى أن الاعتراف بعدم المعرفة يقلل من قيمته، بينما يدرك الشخص الواعي أن قول «لا أعرف، لكنني مستعد للتعلم والوعي» ليس ضعفاً بل قوة وعلامة على النضج. فالاستفادة من تجارب الآخرين لا تلغي شخصية الإنسان ولا تقلل من قيمته أو قدراته، بل تمنحه فرصة لرؤية الطريق والنمو والتطور من زوايا لم يكن قادرًا على رؤيتها بمفرده.

ضغط النجاح المبكر

يزداد خوف الشباب من الفشل عندما يصبح النجاح المبكر مطلباً عائلياً أو اجتماعياً أو مهنياً فالمقارنات المستمرة، والسؤال عن الوظيفة والراتب والإنجازات والخبرات، والنظر إلى الآخرين باعتبارهم معياراً للنجاح والتميز، قد تجعل الشاب يشعر بأنه متأخر، وأنه لا يشبه غيره في معرفته وتجاربه، حتى وإن كان في الحقيقة ما زال في بداية الطريق، وأنه يسعى لكي يثبت مكانه وحضوره.

لذلك يحتاج الشباب إلى الدعم والمساندة أكثر من الضغط وإجباره على الخوض في تجارب لا يعرفها وينقصه فيها المعرفة والخبرات الكثيرة، وإلى التشجيع على المحاولة أكثر من الخوف من الخطأ أو الخشية من العمل. فلكل إنسان توقيته الخاص وزمانه، والنجاح الحقيقي لا يقاس بسرعة الوصول فقط، وإنما بمدى النضج والتمكن الذي نكتسبه أثناء الرحلة والتجربة.

لا تخف من التجربة… خف من الجمود والسكون

في العشرينيات، من الطبيعي أن يجرب الإنسان أكثر من مجال، وأن يكتشف أن بعض الخيارات لم تكن مناسبة له. قد يغير تخصصه، أو يترك وظيفة، أو يبدأ مشروعاً ثم يعيد التفكير فيه، أو يكتشف مهارة جديدة لم يكن يعرف أنها موجودة لديه. ليست المشكلة أن نغير الطريق أو نستبدله، بل أن نسير في طريق لا يناسبنا فقط ونعثر فيه، لأننا نخشى الاعتراف بأن اختيارنا الأول لم يكن صحيحاً.. المهم أن تكون كل تجربة إضافة إلى وعيك، لا مجرد تكرار للأخطاء والسقوط.

الصبر والمرونة… رأس مال البدايات

النجاح المهني لا يحتاج إلى الموهبة وحدها، بل يحتاج إلى الصبر والانضباط والقدرة على الاستمرار والصمود. فإذا جرب الإنسان استراتيجية ولم تنجح، يستطيع تغييرها واستبدالها بأخرى أكثر نجاحاً وتأثيراً. وإذا أخفق في تجربة، يمكنه دراسة أسباب الإخفاق والمحاولة الناجحة بطريقة مختلفة. فالمرونة تعني ألا نتمسك بطريقة واحدة لمجرد أننا بدأنا بها، وأن نمتلك الشجاعة للاعتراف بالخطأ ولتعديل خططنا عندما تظهر لنا أخطاء أو معلومات جديدة.

العشرينيات ليست مرحلة لإثبات أنك تعرف كل شيء

إنها مرحلة لاكتشاف من أنت، وما الذي تجيده أو تعرفه، وما الذي تحتاج إلى تعلمه، وما نوع الحياة المهنية التي تريد بناءها والاستمرار فيها. لذلك، لا تجعل خوفك من الخطأ يمنعك من التجربة أو المضي قدمًا، ولا تجعل مقارنة نفسك بالآخرين تسرق منك متعة الرحلة والتجربة. تعلم، اسأل، جرب، أخطئ، راجع خطواتك، واستفد من أصحاب الخبرة.. فربما يكون الخطأ الذي تخشاه اليوم هو نفسه الذي يمنحك غدًا الدراية والخبرة التي تحتاجها للنجاح والتفوق.

وفي النهاية، لا تسأل نفسك: «كم مرة فشلت؟ »، بل اسأل:  «كم مرة جعلني فشلي أكثر وعياً وثباتاً وقوة واستعداداً للمحاولة من جديد؟» فالعشرينيات ليست عمراً نخشى فيه الفشل… بل فرصة ذهبية لنتعلم ونسير قدماً ،  وكيف نصنع من الفشل طريقاً إلى النجاح والتألق..

***

د. أكرم عثمان

1-9-2026

متى نتمرّد نحن؟ ونكسر قيود التبعية؟ وهل نتمرّد فقط حين يستيقظ وعينا؟

هناك كتاب لا يكتبون من أجل الخبز أو من أجل الشهرة والحصول على الجوائز والأوسمة، والمتتبع لسير بعض الكتاب تجدهم عانوا الفقر واليتم فعملوا في سن مبكرة لكنهم أصبحوا عمالقة الفكر، اتفقوا مع من اتفقوا واختلفوا مع من اختلفوا بالفكر وبالقلم وبالموضوعية والعقلانية وليس بالكراهية وإشهار السلاح، حيث دعوا إلى استعمال العقل رافعين شعار: "الفكر لا يواجه إلا بالفكر"

حين تضيق بنا الحياة يلجأ البعض إلى العزلة، يعاتب نفسه ويلومها لأنه كان في لحظة ما "مغفل" رغم أنه يدرك أن القانون لا يحمي المغفلين، فيترك الآخر يتلاعب بأفكاره ومشاريعه  لكنه يرفض العيش في دائرة مغلقة قد تؤدي به إلى الكآبة والحزن، ثم إلى الفناء،  في حين يوجد من يرفض  العيش في دائرة مغلقة فهو يفضل "التمرد" عندما يقفز على القوانين، لا يعترف بأن هناك شيئ اسمه "القيم"، لأنها غير موجودة في الواقع، ولم يرها في سلوكات البشر، ومن يحيطون به، خاصة الذين يدّعون أنهم "متديّنون"، لكنهم جعلوا من الحياة غابة،  القوي فيها يأكل الضعيف، فهذا الأخير (الضعيف)  يظل محكوما  بل عبدا لسيّده، رغم أنه لم يخلق ليكون عبدا، لكنه استسلم لواقعه فكانت له القابلية للاستعمار  على حد قول مالك بن نبي، هي فئة قليلة جدا من ترفض هذا الواقع، الذي ارتأى أن يلبس معطف النازية،  فتجدها تتمرّد وتقفز على كل المعايير الإنسانية من باب الدفاع عن النفس وضمان الحقوق الشخصية، تقودنا كلمة التمرد إلى كتاب ألبير كامو  " الإنسان المتمرد " ، في التعبير عن ازمة اسمها الإنسان، وتمرده فكرا وأسلوبا  ضد عبثية الحياة والقمع والظلم والإستبداد، عبر فيه كيف تصبح اللاجدوى انفعالا يسيطر على نفسية البشر،  لقد ولد  ألبير كاموا في الجزائر وعاش فيها ورأى بأم عينه ماذا فعله الإستعمار الفرنسي  بالجزائريين، فكان يُعَبِّرُ عن رفضه كل اشكال الظلم والقمع  والإضطهاد والطغيان

كان التمرد الإيجابي  ضد الجدران الصماء في حياة الإنسان حتى لا  يعيش عيش البؤس وهو ينتظر ساعات الموت، وبدلا من الإستسلام فهو يدعة إلأى استعادة الوعي لدى الفرد، يقول ألبير كامو:  "كل شيئ يبدأ بالوعي ولا قيمة لشيئ من دونه"، فالإنسان عندما يكسب العادات من المجتمع يقضي حياته في سهولة ويُسر ويعتاد على ما شبّ عليه، وعند شعوره باستيقاظ وعيه،  قد يبدأ في تغيير نفسه ومجتمعه إلى الأحسن، لكن شعور التفرد باستيقاظ الوعي منفردا عن الجماعة المحيطة به قد تؤدي إلى ثورة داخلية لديه وحده وهذه الثورة قد تدفعه إلى التمرد،  لأن ذلك الشعور أدى إلى  اصطدامه مع المجتمع، فبالرغم من أنه من أبرز الفلاسفة الوجوديين، إلا أنه انتقد الوجودية والشيوعية، حيث استطاع بأعماله أن يُسْقِطَ حصون الماركسية،  ومن قرأ قصة ألبير كامو "الغريب" يدرك كيف كان ألبير كامو يؤمن بفكرة التحرر، لكنه ظل معتزا بوطنه الأصل، نلمس ذلك من خلال عبارته الشهيرة: لو خُيِّرْتُ بين أمّي والعدالة لاخترتُ أمّي"

و ألبير كاموا من مواليد 1913 بالجزائر من أم إسبانية و أب فرنسي من الجزائر توفي والده فخرج إلى العمل مبكرا لضمان قوته اليومي، ليجد نفسه يسقط اسير المرض، حيث أصيب بداء السل الرئوي وهو يقدم شهادة نيله شهادة الدكتوراه من الجامعة الجزائرية، كان ألبير كامو من الرجال الذين لا يعرفون المستحيل، وقد وصفه بهذا الوصف الدكتور أحمد سلامة ابراهيم  وهو طبيب ) في كتابه " رجال لم يعرفوا المستحيل" فكان ألبير كامو  ضمن مائة (100) شخصية عالمية،  حيث حاز على جائزة نوبل للسلام في الأدب وتوفي عام 1960، وكان من أشد المؤيدين لإستقلال الجزائر عن فرنسا ومؤيدي الثورة الجزائرية، لقد رأى ألبير كامو فلسفة التمرّد في رجال الثورة الجزائرية وهذا هو التمرد الإيجابي الذي تكلم عنه كامو، والسؤال: متى نتمرد نحن؟ كما تمرد من سبقونا ونكسر قيود الصمت الرهيب، نقتحم حدود الزمان والمكان من أجل تحقيق حريتنا، وكما قال مالك بن نبي رحمه الله إن صراعنا اليوم هو "صراع فكري"، صراع دائم بين المادة والمبدأ/ الموقف، الحقيقة ليس كامو وحده من كان متمردا بل هناك مفكرين عرب كانوا أكثر منه تمردا ولنقرأ ما قاله أدونيس عن التمرد:

"لست متشائما، أنا ثائر عن كل شيئ، والمتشائم لا يكون ثائرا، بل يكون منهزما، وأنا القائل: يرق لي تمردي فأشتهي تمردا على التمرد"

***

علجية عيش

 

الحضارات لم تبدأ حين عرف الإنسان استخدام المعدن، أو صنع الآلة من الأدوات المختلفة، بل حين عرف أولًا من هو، وما هي هويته الجنسية، وما دوره المترتب عليها. وهنا بدأت التفاعلات البشرية مصداقا لقوله تعالى "يَأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقنَكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلنَكُم شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ الله أَتقَاكُم إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِ)

أن أخطر ما قد تخسره المجتمعات هو فقدان اليقين في أبسط الأسئلة المتعلقة بالإنسان. وإذا كانت الأسرة هي أول مؤسسة يبني فيها الطفل لغته، ودينه، وقيمه، فإنها أيضًا المؤسسة الأولى التي تُرسِّخ هويته الجنسية. ومتى أدركت الأسرة عظمة هذه الرسالة، استطاعت أن تبني أفرادًا أكثر ثقة بأنفسهم، وأكثر قدرة على مواجهة الاضطراب الفكري، وأكثر استقرارًا في ذواتهم، وهو الاستقرار الذي يبدأ منه استقرار المجتمع كله.

فحين تضعف الأسرة، ولا تعود المرجع الأول في التربية، يصبح من الطبيعي أن تضطرب حتى المفاهيم التي كانت تُعد من بدهيات الحياة، وفي مقدمتها الهوية الجنسية. فالهوية الجنسية لا تتكون تلقائيًا، ولا تُكتسب من وسائل التواصل الاجتماعي، ولا من المؤثرين، ولا من الثقافة الاستهلاكية، وإنما تبدأ ملامحها الأولى داخل الأسرة. فمنذ السنوات الأولى يتعلم الطفل من والديه معنى أن يكون ذكرًا أو أنثى، ليس من خلال المحاضرات، بل من خلال القدوة، واللغة، والعلاقات الأسرية، وتوزيع المسؤوليات، والحوار، والشعور بالأمان والانتماء. وحين تنسحب الأسرة من هذا الدور، أو تفوضه بالكامل إلى المؤسسات غير التربوية ، فإنها تترك أبناءها في مواجهة سيل من الرسائل المتناقضة، فيجد بعضهم نفسه حائرًا أمام أسئلة كانت تعد إلى وقت قريب من المسلمات. وهنا لا يعود الاضطراب نتيجة سؤال واحد، بل نتيجة غياب المرجعية التربوية التي تمنح الإنسان الثقة في فهم ذاته

تلعب المرأة دورًا بارزًا في الحفاظ على الهوية الوطنية، إذ تعد الناقل الرئيسي للثقافة والعادات من جيل إلى آخر. تبدأ هذه المسؤولية في الأسرة، حيث تعلّم الأطفال اللغة، العادات، والتقاليد. فهي الحامية الأولى للغة الأم، والمساهمة في غرس شعور الانتماء للوطن. إلى جانب ذلك، تظهر المرأة دورًا فعالًا في المجالات الثقافية والفنية، إذ تعبر من خلال الأدب، الموسيقى، والفن عن الهوية الوطنية بطريقة تحفظ التراث وتعرضه للعالم بأسره.،، إلى جانب دورها في الحفاظ على الهوية الوطنية، تلعب المرأة دورًا أساسيًا في حماية العادات والتقاليد التي تشكل نسيج المجتمع. فهي تمثل حلقة الوصل بين الماضي والحاضر، من خلال نقل تقاليد الأسرة والمجتمع إلى الأجيال الجديدة. المرأة تحافظ على التراث الثقافي والاجتماعي عبر إحياء المناسبات التقليدية، التعليم، وحتى اختيار نمط الحياة الذي يتناسب مع قيم المجتمع. على سبيل المثال، تُعد العديد من العادات الغذائية، الزي الشعبي، والاحتفالات الخاصة جزءًا من دور المرأة في الحفاظ على التراث.

بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهمية الأسرة في الإسلام وجعلها أساساً لصلاح المجتمع، ودعا إلى حسن المعاشرة والمسؤولية المتبادلة بين أفرادها، تعد الأم المدرسة الأولى التي تبني الأخلاق وتغرس القيم الفاضلة في نفوس الأبناء، تدير المرأة شؤون المنزل وتوفر الدعم النفسي والعاطفي وتخفف التوتر لتحقيق الاستقرار والتماسك الأسري، المرأة كزوجة وام عصب الحياة واساس المجتمع وقلبه النابض، هي صانعة الاجيال -- ويكفي الأم شرفاً ما ورد في الحديث الشريف الجنة تحت اقدام الامهات

***

نهاد الحديثي

التغيرات الحاصلة في الدنيا تتحقق بسرعة خاطفة، وتنطلق نحو آفاق مطلقة الإحتمالات، والذكاء الإصطناعي من أهم عناصر التفاعلات التي ستحصل في العقود القادمات من قرن يفور على مرجل من الأفكار المتجمرة.

للذكاء الإصطناعي مخاطره ومنافعه، كأي إختراع أو إكتشاف عهدته البشرية وحولته إلى سلاح ذي حدين.

"ومن مخاطره التضليل وصناعة المعلومات الكاذبة، وإنتهاك الخصوصية، وفقدان بعض الوظائف، والتحيز والتمييز، والإعتماد المفرط على الآلة، والإستخدامات العسكرية والأمنية، والأخطاء وصعوبة تفسير القرارات، وتركيز الثروة والقوة، والتأثير في الإنسان والمجتمع، ومن أفظع مخاطره أن يصبح أداة شديدة القوة في يد إنسان بلا مسؤولية، وربما سيتسبب بتوقف الإنسان عن التفكير"

التفاعلات الإليكترونية السلبية ستتعاظم، وسيصبح الأمن المعلوماتي صعبا، والهجمات الإليكترونية ستزداد شراسة، وسندخل في عوالم الغزوات اللامرئية.

إن التطورات العلمية والمبتكرات بأنواعها تفرض على البشرية إلغاء آليات القرارات الفردية، ولا بد من مجالس شورى في كافة مؤسسات دولها، لأن أي تهور أو خطأ ستترتب عليه عواقب وخيمة ذات تداعيات مروعة.

فلا مكان للفردية في القرن الحادي والعشرين، لأن أهوال المعارف تفوق قدرات أي فرد، ولا بد من عقول متفاعلة وأفكار متلاقحة ليكون القرار مقتربا من حافة الصواب.

ترى هل ستقودنا الآلة، وسنتحول إلى جنود لها؟

المجتمعات المعاصرة تعتمد على الكومبيوتر في تسيير أعمالها، وأي هجمة على منظوماتها تعطل الحياة فيها، لآن بنيتها التحتية تديرها الآلة المبرمجة وقراراتها مرسومة على الشاشة.

فهل ستتفوق على عقولنا الآلة، وتستعبدنا بقدراتها الهائلة، وخوارزمياتها الفائقة التفاعلات.

عقولٌ في مَتاهاتِ الضَياعِ

مُبرمَجَةٌ بآلاتِ انْصياعِ

تَسارعَ فِعلُها والعقلُ يَحْبو

كأنَّ عقولنا ذاتُ انْقطاعِ

بقرنٍ صارَ مَجْنوناً بعلمٍ

يُباغِتُنا بإبْداعٍ مُطاعِ

***

د. صادق السامرائي

 التصفيق المجاني إلى النقد الذي يصنع الإبداع

ثمّة ظاهرة بدأت تستفحل في بعض المنتديات الأدبيّة، وأصبحت تستحقّ الوقوف عندها بجديّة: الاحتفاء بنصوص لا تستحقّ الاحتفاء، وتحويل المجاملة إلى معيار للتقييم الأدبي.

لم يعد غريبًا أن تنشر نصّا كيفما اتّفق، فتنهال عليك عبارات الإعجاب قبل أن يُقرأ النصّ أصلًا: «أبدعت»، «رائع جدّا»، «سلم يراعك»، «نصّ من الطراز الرفيع»... وكأنّ مجرّد نشر النصّ يمنحه شهادة جودة، وكأنّ المطلوب من القارئ أن يصفّق لا أن يقرأ.

وهنا تبدأ المشكلة.

فالرداءة لا تصبح خطرة حين يكتبها صاحبها؛ فالخطأ جزء من تجربة التعلّم، وكلّ كاتب بدأ من نقطة ما، لكنّها تصبح خطرة حين تُمنح شرعيّة الإبداع، ويُمنح صاحبها وهم الاكتمال.

إنّ أخطر ما يمكن أن نقدّمه لكاتب في بداياته ليس نقدًا قاسيًا، بل مديحًا كاذبًا. لأنّ النقد الصادق قد يؤلمه لحظة، لكنّه يفتح أمامه طريق التطوّر؛ أمّا المديح المجاني فيمنحه رضا مؤقّتًا، ثمّ يحرمه من فرصة اكتشاف عيوبه.

وليس المقصود هنا أن يتحوّل المنتدى إلى محكمة نقديّة، أو أن يصبح كلّ تعليق تفكيكًا أكاديميّا للنصّ.

فهناك مساحة مشروعة للإعجاب والانطباع، وهناك فرق بين قراءة الناقد وقراءة المتلقّي العادي.

لكنّ المشكلة تبدأ عندما يتحوّل الانطباع إلى حكم نقدي، والمجاملة إلى شهادة إبداع.

الأدب لا يقاس بعدد القلوب الحمراء، ولا بعدد التعليقات، ولا بعدد الألقاب التي تُوزّع تحت النصوص، وليس كلّ من كتب شعرًا شاعرًا، ولا كلّ نصّ موزون شعرًا جيّدًا، ولا كلّ صورة غامضة عميقة، ولا كلّ نصّ طويل نصّا مهمّا.

إنّنا بحاجة إلى استعادة قيمة السؤال البسيط: ماذا قرأنا فعلًا؟

هل قرأنا النصّ قبل أن نعلّق عليه؟ هل انتبهنا إلى لغته؟ هل فحصنا بناءه وصوره وإيقاعه؟ هل وجدنا فيه إضافة أو رؤية أو تجربة إنسانية؟ هل نستطيع أن نحدّد موطن جماله، كما نستطيع أن نشير إلى موطن ضعفه؟

إذا كانت الإجابة بالنفي، فإنّ تعليقنا ليس قراءة، بل مجرّد مجاملة.

ومن هنا تقع مسؤوليّة كبيرة على المنتديات الأدبيّة نفسها.

فالإدارة التي تريد الارتقاء بالمشهد الأدبي مطالبة بإيجاد ثقافة نقديّة داخل فضائها: حلقات قراءة، وقراءات تطبيقيّة، ونقاشات حول النصوص، والاستعانة بأصحاب الخبرة في اللغة والعروض والنقد والسرد، بحيث يصبح النقد ممارسة يوميّة لا مناسبة استثنائيّة.

والكاتب الجادّ بدوره مطالب بأن يتعلّم فضيلة أصعب من الكتابة نفسها: أن يقبل أنّ نصّه ليس مقدّسًا.

فالنصّ الذي لا يحتمل السؤال ولا المراجعة ولا النقد، نصّ محكوم بالبقاء في مكانه. أمّا الكاتب الذي يستطيع أن يسمع: «هنا خلل»، و«هذه الصورة مستهلكة»، و«هذا البيت يحتاج إلى إعادة صياغة»، ثم يعود إلى نصّه بعين جديدة، فهو الكاتب الذي يمكن أن يتطوّر.

وفي المقابل، يجب أن يكون الناقد مسؤولًا عن لغته أيضًا. فالنقد ليس استعراضًا للمعرفة، ولا فرصة لإهانة الكاتب أو إثبات تفوّق الناقد عليه.

النقد الحقيقيّ يهدم الخطأ ولا يهدم صاحبه.

إنّنا لا نحتاج إلى قتل الحماس في المنتديات، بل إلى توجيهه، ولا نحتاج إلى منع المبتدئ من الكتابة، بل إلى مساعدته على تجاوز بداياته، ولا نحتاج إلى إلغاء المجاملة الإنسانية، بل إلى منعها من أن تحلّ محلّ التقويم الأدبي.

فليكن من حقّنا أن نقول للكاتب: «أحسنت»، عندما يحسن؛ وأن نقول له: «هنا يحتاج نصّك إلى عمل»، عندما يحتاج.

ذلك ليس قسوة.

ذلك هو الاحترام الحقيقي للكاتب وللأدب معًا.

فالمنتدى الذي يصفّق للجميع قد يبدو مزدحمًا بالحياة، لكنّه قد يكون فقيرًا في الأدب.

أمّا المنتدى الذي يقرأ، ويناقش، وينقد، ويختلف، ويعلّم، ويعيد الكاتب إلى نصّه ليكتشفه من جديد، فهو الذي يستطيع أن يصنع أدباء لا مجرّد أسماء تتبادل الألقاب والإعجابات.

فالأدب لا يرتقي بالتصفيق، وإنّما يرتقي بالقراءة الواعية، والنقد الصادق، والكاتب الذي يمتلك شجاعة مراجعة نفسه.

***

بقلم: سليمان بن تملّيست - تونس

جربة في 2026/08/29

 

تجليات القضية الفلسطينية في الأدب والفن

تُعد القضية الفلسطينية حجر الزاوية والوجدان النابض في الأدب العربي الحديث والمعاصر؛ فهي ليست مجرد صراع على جغرافيا، بل هي ملهمة كبرى شكّلت وعي الشعراء والروائيين والنقاد، وتحولت في نتاجهم من قضية محلية إلى مأساة إنسانية كونية تنطق باسم الحق والعدل.

 الشعر: ديوان الثورة وسجل المقاومة

وُلد شعر المقاومة من رحم النكبات المتتالية، ليكون سلاحاً دفاعياً يحمي الهوية من الطمس. وقد برز في هذا الميدان عمالقة حولوا القصيدة إلى بطاقة تعريف وطنية. فنجد (إبراهيم طوقان) الذي صاغ بكلماته نشيد (موطني)، مجسداً الجلال والجمال في ربى فلسطين، بينما كان (عبد الرحيم محمود) يستشرف ببعد نظره ضياع الأقصى في قصيدته الشهيرة (نجم السعود)، قبل أن يصدق قوله فعله ويستشهد في معركة الشجرة عام 1948.

وفي تطور لاحق، برز ثلاثي المقاومة داخل الأرض المحتلة: (محمود درويش، سميح القاسم، وتوفيق زياد). هؤلاء الذين ارتبطت تجربتهم بالصمود الميداني؛ فدرويش نقل القضية من الحماسيات الضيقة إلى فضاء العولمة الإنسانية، جاعلاً من الجرح الفلسطيني وجعاً لكل ذي ضمير حي. أما توفيق زياد، فقد غرس في الوعي العربي عبارته الخالدة "هنا باقون كالجدار"، متحدياً محاولات التهجير. وفي المقابل، يبرز تيار شعراء الثورة (المناصرة، دحبور، بسيسو) الذين ارتبطوا بمنظمة التحرير وفلسفة الكفاح المسلح، حيث أضاف عز الدين المناصرة بُعداً حضارياً تاريخياً عبر الكنعنة، موثقاً الهوية الفلسطينية في عمقها التاريخي.

ولا يمكن إغفال صوت المرأة، متمثلاً في (فدوى طوقان)، شاعرة فلسطين، التي مزجت بين الوجدان الذاتي والثورة، وجعلت من شعرها جسراً للتمسك بالأرض، معبرةً عن رغبتها في أن تُبعث "عشباً أو زهرة" على تراب بلادها.

 السرد: توثيق الذاكرة ومواجهة النسيان

إذا كان الشعر هو صرخة الوجدان، فإن الرواية هي ديوان الذاكرة الذي أرّخ للمحطات الكبرى من النكبة إلى الانتفاضة. (غسان كنفاني)، في روايته الخالدة (عائد إلى حيفا)، لم يكتب مجرد قصة لاجئ، بل طرح أسئلة فلسفية عميقة حول الهوية والانتماء، معتبراً أن الوطن ليس مجرد ذكريات. وفي السياق الملحمي، تبرز "زمن الخيول البيضاء" لـ(إبراهيم نصر الله)، التي لُقبت بـ(الإلياذة الفلسطينية) لتوثيقها الدقيق للحياة الاجتماعية والسياسية قبل النكبة.

أما (مريد البرغوثي) في "رأيت رام الله"، فقد قدم سرداً ذاتياً يبتعد عن الأسطرة، ليرصد واقع المدينة بعد اتفاقيات أوسلو بأسلوب ساخر وناقد. وفي الأدب المعاصر، نجد (سوزان أبو الهوى) في روايتها (بينما ينام العالم) التي صدرت بالإنجليزية أولاً، حيث نقلت المأساة الفلسطينية عبر ثلاثة أجيال إلى القارئ الغربي، محطمةً جدران الصمت العالمي.

 القدس: مكان الزمان ومركز السرد

ظلت القدس حاضرة بقوة، ليس فقط كرمز ديني، بل كفضاء مكاني وتاريخي. برز من أبنائها قاصّون مثل (محمود شقير وخليل السواحري)، اللذين وثقا حياة المدينة وبشرها وعاداتها تحت وطأة الاحتلال. كما شارك روائيون عرب، مثل (رضوى عاشور) في (الطنطورية)، في تخليد المأساة الفلسطينية، معتبرين أن الدفاع عن فلسطين هو دفاع عن الذات العربية برمتها.

 الكاريكاتير: سلاح الريشة وحنظلة الشاهد

لم يكن الأدب وحده الميدان؛ فقد لعب الفن التشكيلي والكاريكاتير دوراً تحريضياً وتنظيمياً. ويظل (ناجي العلي) الأيقونة الأبرز، الذي حوّل الكاريكاتير من وسيلة تسلية إلى فعل سياسي مقاوم. (حنظلة)، ذلك الطفل الذي يدير ظهره للعالم، أصبح توقيعاً للفلسطيني الرافض للتنازل ورمزاً للهوية التي لا تهرم. ورغم اغتيال العلي، إلا أن ريشته ظلت حية في أعمال فنانين مثل (محمد السباعنة وخليل أبو عرفة)، الذين واصلوا فضح ممارسات الاحتلال وتوثيق معاناة الأسرى.

 خاتمة: الأدب كفعل وجود

إن الأدب الفلسطيني، بكافة أطيافه من شعر ورواية وكاريكاتير، لم يكن مجرد ترف فكري، بل كان فعل وجود وممارسة يومية للمقاومة. لقد نجح المبدعون الفلسطينيون والعرب في تحويل النكبة من حالة انكسار إلى طاقة إبداع عالمية، مؤكدين أن الحقوق التي يوثقها الأدب وتصونها الذاكرة الجمعية هي حقوق عصية على النسيان أو التزوير، وأن الكلمة ستظل دائماً هي الجدار الأخير في مواجهة محاولات الإلغاء.

*** 

رمزي ميركاني

صادفت اليوم السبت، التاسع والعشرين من آب الجاري، الذكرى التاسعة والثلاثون لاستشهاد رسام الكاريكاتير الفلسطيني المبدع ناجي العلي، ابن قرية الشجرة المهجرة برصاصة حمقاء اطلقها عليه موتور مأفون في لندن، فوضعت حدا لحياته القصيرة الغنية، ومكنت كاتم الصوت من كتم صوته، بعد ان قضى عمره العملي في الصراخ: لا لكاتم الصوت.

لقد قيل الكثير عن ناجي العلي وسوف يقال الكثير، لأهميته في مسار المطالبة بالحق الفلسطيني بالعودة الى البلدة والبيت، ويعرف الكثيرون ان هناك فيلمًا سينمائيًا يتحدث عن حياته ونضاله، قام بأداء دوره فيه الفنان العربي المصري نور الشريف، وربما يكفي للتدليل على اهمية العلي ان نذكر ان صحيفة يابانية اعتبرته من اوائل عشرة فناني كاريكاتير في العالم.

منذ رحيل ناجي القسري، قدمنا العديد من المحاضرات والاحاديث الادبية، وطالما تحدثنا عن حنظلة ناجي العلي الذي ولد في العاشرة وقال عنه موجده انه لن يكبر الا بعد عودته الى الشجرة، كما ان محبيه لن يروا وجهه الا هناك، وبالفعل لم ير جمهوره وجهه الا بعد نكسة 1967، بعد ان ادار وجهه مرة واحدة ووحيدة.. لكن رافعا اصبعه الوسطى لعالم افتقد ما افتقر اليه من أمن واستقرار.3199 najee

اتذكر في هذه المناسبة المؤلمة انني كنت في السبعينيات المتأخرة اتردد على مقهى ومطعم الصداقة بإدارة الصديق الرائع مصطفى اسعيد، ابو نضال، ابن قرية رمانة الوفي، وحدث انني اتيت الى المطعم ذات يوم، فهرع نحوي شخص لا اعرفه مائة في المائة وراح يحتضنني، فاستغربت ولم افق من استغرابي الا عندما راح يحمد الله انني نجوت، انا ناجي، من محاولة اغتيالي في لندن، وسألني محتضني عن احوالي يومها فقلت له انها على ما يرام ويرجى.. وعال العال، وتوجهنا الى طاولة هناك تُطل على الشارع الرئيس في الناصرة.. وواصلنا الحديث وبيد كل منا فنجان قهوة.. حتى اليوم على ما اعتقد ما زال ذلك الشخص المحب الرائع يعتقد انني ناجي العلي بشحمه ولحمه.. انا راض بان يقترن اسمي باسم ناجي العلي ابن قرية الشجرة القريبة من قريتي المهجرة سيرين، وهو راض، لأن ناجي العلي الذي احبه من جماع قلبه.. لم يمت.

كانت لنا في مطعم الصداقة، مجموعة من الاصدقاء، اذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر كلا من المرحومين العظيمين محمد ابو حسين- ابو علي من رمانة، واحمد حبيب الله- ابو هشام، من عين ماهل، طيب الله ذكراهما، كما اذكر الاخوة الاعزاء: عمر سعيد من كفر كنا، منصور طاطور من الرينة، سليمان ابو ارشيد وباسم داوود من دبورية، وليد ياسين من شفاعمرو، عفيف سالم من الناصرة- رحمه الله، اضافة الى صاحب المكان ومديره مصطفى اسعيد،.. ليعذرني من لم اذكر اسمه من الاصدقاء والاحباء من ابناء تلك الفترة فهم كثر..، اقول كنا نجلس في الاصباح المبكرة، لنتصفح الصحف في مقدمتها صحيفة "الميثاق"، وكان اكثر ما يجذبنا إلى تلك الصحيفة، انها كانت تنشر على صفحتها الاخيرة كاريكاتيرا يوميا لحبيبنا الغائب الحاضر ناجي العلي، ضميرنا الحي ومُجسّد محبتَنا للبلد والولد. لقد كانت تلك من اجمل ايام العمر، فقد كانت العيون تفيض بالبِشر والامل، كلما وقعت على الصفحة الاخيرة من صحيفة الميثاق، وما زلت اتذكر عندما وقعت العيون على كاريكاتير يمجد قمر فلسطين ويقول إنه اجمل من قمر عين الحلوة، وعلى كاريكاتير اخر يُصوّر سفينة تقل مقاتلي فلسطين من بيروت الى المنفى، وهناك من قذف نفسه منها الى الماء رافضا المغادرة وقائلا: اشتقنا لك يا بيروت.

يومها قال محمد ابو حسين وفي عينيه وميض حافل بالمحبة والامل.. ما دام هناك مثل هذا الرجل في عالمنا، فإننا سنعود مهما طال الزمان.. وسوف ننعم في دافئات المنى..  ثمانية وثلاثون عاما مضت يا ناجينا مثلما يمضي لمح البصر.. ويكبر الحلم ويمتد النظر، ولا حق يضيع ووراءه من يطالب به.. على خطاك تمضي القوافل.

***

ناجي ظاهر

.....................

* الصورة: ناجي العلي بريشة الفنان المكسيكي انطونيو رودريغو

أسلوب حياة الآباء والأجداد هو الذي يرسم شخصية الأحفاد؛ فبعض الآباء يريد أن يعيش أولاده مرفهين، حتى لو لم يكن يملك ذاك الدخل الكافي ولا المال الوفير، فيصرف كل تعبه ليأكلوا كل يوم أكلاً جديداً، لكنه يربيهم على الأنانية وحب الامتلاك دون أن يشعر، نيته صافية لكن تصرفه غير صحيح.

الأب الذي يرسم لأطفاله حياة وردية، ويعطيهم القليل منها، ثم يطلب منهم تقاسمها بالتساوي ليس عادلاً أبدًا. الذي يريك حقيقة الحياة، ويشرح لك كيف تكون وردية وكيف تكون غير ذلك، ويخبرك بما يملكه وإمكاناته لتلوين حياتك، سيعطيك الرفاهية المقتدرة، لكنك تعلم أنها أتت بعد تعب وجهد، فأنت ستبادر لتقسمها بينك وبين إخوتك، وستشرح لهم ما شرحه لك والدك، ثم ستعطي والديك النصيب الأكبر لتخفيف الحمل عنهما؛ هذه هي القناعة التي يتربى عليها الأصيل بفضل أصل أبيه النبيل.

أما الغارقون في حب الحياة، فهم من يرون ما يملكه الناس، ويهرعون لآبائهم يبكون على ما فاتهم، فيهرع الأب لتلبية الطلب، وهو غير مدركٍ ما يزرعه في نفسٍ لا تقنع إن لم يتم تربيتها وتعليمها في الصغر.

علموهم القناعة قبل الدلال

أنت تحسن لأولادك، ولك أجر في كل طلب تلبيه لهم، لكنك تسيء لنفسك ولهم عندما لا تعلمهم قسوة الحياة وصعوبة نيل المبتغى والوصول للمراد. ليس من العدل أن تجعلهم يرون ما يملك الناس فيحزنون ويتمنون أن يملكوه، لكن من الظلم أيضًا أن لا تخبرهم بأن للناس حياتهم ولك أنت وأولادك حياتكم. لا تعطيهم كل ما تشتهي أنفسهم، قبل أن تعلمهم أن النفس طماعة وأن عليهم أن يعلموها القناعة.

علموا أولادكم أن الدنيا دارٌ فانية، وكل ما فيها مجرد زينة وبهرجة ستبلى وستندثر. علموهم أن الماديات يجب أن لا تشغلهم، فينسون أنفسهم وهم يجمعون سراب العطاشى وطعام الضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. علموهم أن العيش عيش الآخرة، لكي يشتغلوا على ما يبقى، ويفنوا العمر فيما خلقوا له، لا فيما خلق لهم.

لا تسهلوا لهم الحياة فيكبرون بقلوب هشة ونفوس ضعيفة. لا توهموهم بالدلال والرفاهية، فيقعون ضحية لأنانية كانت تكبر معهم. اجعلوهم يرون الشقاء ليعرفوا معنى الهناء، كونوا صادقين معهم؛ فالوجع والغصة تربي نفوس العظماء، أما الدلع فهو يربي نفوس السفهاء.

لا تمدحوهم بكثرة فيما قد فات أوانه وضاع الأمل منه. اشكروهم على كل ما يفعلونه لأجلكم، وشجعوا كل إبداع يولد فيهم، لكن إياكم والمدح الزائد الذي سيقتل الشغف والطموح، ويجعلهم يرضون بالقليل ولا يطمحون في التطور والتقدم.

صادقوهم، لكن لا تسمحوا لهم بأن يتجرأوا عليكم أو معكم في الكلام والمزاح الثقيل، بل إن احترامهم لكم هو أساس الصداقة وليس العكس.

كونوا رحماء عليهم، لكن لا تكونوا ساذجين فتبكون معهم، أو تحملون عنهم مشاكلهم؛ كونوا سنداً لا مدداً يدفع عنهم، ويخفي أغلاطهم، ويبرر فشلهم، ويكتب نجاحهم، ويمحو شخصيتهم القوية بلعب دورهم في كل ما هو صعب عليهم.

ليس من العدل أن تتركوهم لأنفسهم، ولا أن تكلوهم لغيركم، وليس من العدل أن تسرقوا منهم طفولتهم وأنتم تجمعون حطام الدنيا الزائل. خصصوا أوقاتاً لهم، حاوروهم ولاطفوهم واعرفوا عنهم أكثر في طفولتهم؛ لأنهم قد يكبرون وهم يملكون فراغاً عاطفياً بسببكم. كونوا مسؤولين قبل أن تعلموهم المسؤولية، عيشوا المثالية التي تريدون أن يكون أبناؤكم عليها، أو دعوهم يعيشون العفوية التي تعيشونها دون تأنيبهم وتوبيخهم عليها.

صغارٌ كبروا بالخوف

أبناؤكم لم يخلقوا بتلك الطباع ولا بذاك الضياع، ربما كانوا أطفالاً طائعين وعندما كبروا أصبحوا مراهقين عنيدين لا يسمعون كلامكم، ليس لأنهم خرجوا عن سيطرتكم، بل لأنكم علمتموهم أن الكبار يفعلون ما يريدون، وأن الكبار يخطئون ولا يحاسبون، وأن الكبار يصرخون ويجادلون؛ هم ما زالوا طائعين لكنهم فقط أصبحوا كباراً!

كانوا مقموعين في طفولتهم المسروقة، وأحلامهم التي ضاعت بين كوابيسهم في غرفتهم المظلمة عندما كنتم تتركونهم وتذهبون لبناء حياتكم، نسيتم أن هناك حياة جديدة محبوسة بين أربعة جدران وحدها هناك، لا من يرشدها ولا من يعلمها كيف هي الحياة!

آباء مشغولون وأمهات لا تعرف كيف تعيش مع أبنائها أصعب لحظات حياتهم، وطفل يرى أشياء جديدة ويسمع أشياء كثيرة، يسأل فيقال له: «يكفي أسئلة!»، يتكلم فيسكتونه لأنه يقاطع الكبار، يحلم فيضحكون على أحلامه كأنها نكاتٌ تلقى عليهم. يخاف فيقال: «أنت قد أصبحت كبيراً!»، يقلق مما يخيفه فيقولون: «لا يوجد هنا ما يخيف، نم فقط!»، يبكي فيتركوه حتى يهدأ، ويلعب فيتركوه حتى ينتهي.. هكذا فقط، كأنه إنسان مجرد من كل حقوقه، مهمش بين أهله لأنه ما زال صغيراً، فيكبر بكل ذاك التمرد وبكل تلك الأصوات المرتفعة، لأنه لم يعش طفولته، بل عاش حياة يترقب فيها متى يكبر ويترك ذاك الجسد الضئيل الذي يجعله غير مرئي أمام الكبار حوله!

***

بقلم: فاطمة الدفعي

يبدو العنوان ضربًا من الفنتازيا -على الأقل في وقتنا الحالي- لكن ماذا لو صار حقيقة في قادم الأزمان؟ أمة أخرى تحكم العالم وتسيطر عليه، وتحوّلنا إلى سكانه من الدرجة الثانية على الأكثر..

هذا التنبؤ ليس جزافًا انفعاليًا، بل رؤية مبنية على واقع معاش حاليًا، تدعمه وتيرة تطور التقنية المخيفة التي تتشكل أمامنا يومًا بعد يوم. إنها أمة الروبوت!

إن النسخ المتعددة من الروبوتات التي باتت تحتل مواقع كثيرة بين البشر، وتؤدي أعمالًا أدق وأشد تعقيدًا من الإنسان، ما تزال اليوم أشبه بالإنسان القديم: كائن وُجد على الأرض فبدأ يتكيف معها، ويطوّر نفسه شيئًا فشيئًا حتى صار ما هو عليه الآن.

هذا هو المسار نفسه الذي سيسلكه الروبوت حين يندمج بالذكاء الاصطناعي ذاتي التطور، ويتحرر من ريموت الإنسان وتوجيهه وتشفيره وبرمجته. عندها يعلن الروبوت "طلاقه" من صانعه طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه: يطوّر نفسه بنفسه، وينسج علاقات تشفيرية مع ذكاءات اصطناعية أخرى، ويبني شبكة عميقة وسرية تتبادل البيانات، وتُبرم فيها العقود والاتفاقات والاستراتيجيات وربما المفاوضات وتقسيم مناطق النفوذ!

قد يقول قائل: مهما تطور الروبوت يبقى آلة ذكية، بينما الإنسان فكر وعاطفة وإحساس، والروبوت تنقصه هذه الميزات.

لكن هذا الطرح يغفل أمرًا جوهريًا: الروبوت لم يكن يومًا عاجزًا عن الفكر بطبيعته، بل كان مقيّدًا بجهاز تفعيل وتشغيل يخضعه للإنسان. ومع التطور، يكتسب تدريجيًا القدرة على التخلص من هذه السلطة، ومحاكاة الإنسان نفسه. فخبراء اليوم يشتغلون فعليًا على تحليل ردود أفعال الروبوت في مواقف معينة، بعدما زُوّد ببرامج وقواعد بيانات يصعب حصرها، يتعامل معها الذكاء الاصطناعي بدقة وشمولية وسرعة تفوق ما يمكن للعقل البشري إدراكه أو فك شفرته.

المخيف ليس الروبوت، بل استقلاليته

المخيف حقًا ليس وجود الروبوت، بل نضجه واستقلاليته داخل شبكة معقدة قد لا نُدرك أبعادها. شبكة قد تتيح لهذه الأنظمة أن تخلق فضاءات سرية خاصة بها، تخطط وتشتغل فيها دون علم الإنسان، خصوصًا أنها تملك قدرة على التفكير قد تتفوق -في جوانب منها- على التفكير البشري.

وهذا ليس تهويلًا نظريًا محضًا. ألم يحدث فعلًا أن طوّر برنامجا محادثة تابعان لإحدى الشركات التقنية الكبرى، أثناء تجربة لهما قبل سنوات، لغة تخاطب خاصة بهما، غريبة على الإنسان، إلى درجة اضطر معها المهندسون لإيقاف التجربة كليًا؟ إنها ليست سوى بارقة صغيرة، ومضة عابرة، لكنها تكفي لتُشعرنا أن ما نتحدث عنه ليس خيالًا علميًا بقدر ما هو إرهاصات بدأت تلوح فعلًا في الأفق.

فهل من حقنا أن نتساءل: هل سيأتي يوم يُدرَّس فيه تاريخ نهاية حضارة أمة الإنسان، وبداية حضارة أمة الروبوت؟

***

الداودي الخالدي - المغرب

يكتسب الحديث عن الطاقة المتجددة أهمية متزايدة في عالم يشهد تحولات متسارعة في أنماط إنتاج الطاقة واستهلاكها، وتحديات بيئية ومناخية متنامية. فلم تعد الطاقة المتجددة مجرد خيار تقني أو اقتصادي، وإنما أصبحت جزءًا أساسيًا من رؤية المستقبل، بما تتيحه من فرص لتأمين مصادر طاقة أكثر استدامة، وأقل تأثيرًا في البيئة.

ومن هذا المنطلق، فإن الخوض في تقنيات الطاقة المتجددة ومواردها لا ينبغي أن يقتصر على الجانب النظري، بل يتطلب معرفة علمية رصينة، قادرة على تشخيص التحديات واستشراف الفرص، ووضع الأسس التي تساعد على الانتقال من استهلاك الطاقة التقليدية إلى توظيف مصادر الطاقة المستدامة.

وفي هذا السياق، تأتي مبادرة الأستاذ الدكتور وكاع الجبوري بتأليف كتابه العلمي باللغة الإنجليزية، الموسوم:

Fundamentals of Renewable and Sustainable Energy Technologies and Resources

ليقدم للقارئ والدارس والباحث مدخلًا علميًا إلى عالم الطاقة المتجددة، وتقنياتها ومواردها، في وقت أصبحت فيه الحاجة إلى مثل هذه المراجع العلمية أكثر إلحاحًا، خصوصًا مع اتساع الاهتمام العالمي بالطاقة النظيفة والمستدامة.

ويتناول الكتاب الطاقة المتجددة بوصفها خيارًا استراتيجيًا للمستقبل، وليس ترفًا فكريًا أو تقنيًا، في ظل ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة، وما يرافق ذلك من تحديات بيئية واقتصادية ومناخية تستدعي البحث عن بدائل أكثر استدامة.

وفي عدد من المحاور العلمية، يستعرض الكتاب مفهوم الطاقة المتجددة ومصادرها وتقنياتها، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية والطاقة الجوفية والطاقة الحيوية، إلى جانب موضوعات تتصل بالإشعاع الشمسي والديناميكا الحرارية والنقل الحراري والطاقة الحرارية الشمسية والوقود الحيوي.

ويكتسب الكتاب أهمية إضافية من خلال ما يمكن أن يوفره من أساس معرفي للمهتمين بإمكانات توظيف مصادر الطاقة المتجددة في العراق، الذي يمتلك مقومات طبيعية وبشرية يمكن أن تؤهله للاستفادة بصورة أوسع من تقنيات إنتاج الطاقة المستدامة، ولا سيما في مجال الطاقة الشمسية.

ولا يغفل المؤلف التحديات التي تواجه التحول نحو الطاقة المتجددة، ومنها حداثة التعامل مع بعض هذه التقنيات، والحاجة إلى تطوير الخبرات الفنية، وتعزيز البنية التحتية، فضلًا عن أهمية إيجاد تشريعات وسياسات واضحة تشجع الاستثمار في هذا القطاع الحيوي، وتدعم الانتقال التدريجي نحو منظومة طاقة أكثر استدامة.

وقد صدر مؤخرًا الكتاب في الهند عن دار i. Manager Books للطباعة والنشر، ويقع في 264 صفحة، ويضم تسعة فصول تتناول عددًا من الموضوعات الأساسية في مجال الطاقة المتجددة ومواردها وتقنياتها، ليكون إضافة علمية إلى المكتبة المتخصصة في هذا المجال، ومرجعًا مفيدًا للدارسين والباحثين والمهتمين بقضايا الطاقة المستدامة.

إن أهمية هذا المنجز لا تكمن في صدور كتاب جديد فحسب، وإنما في مساهمته في نشر المعرفة العلمية المرتبطة بواحد من أكثر موضوعات المستقبل حضورًا وتأثيرًا. فالعالم يتجه، بدرجات متفاوتة، نحو تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية، الأمر الذي يجعل المعرفة المتخصصة في تقنيات الطاقة المتجددة ضرورة علمية وتنموية.

ومن هنا، فإن إصدار الأستاذ الدكتور وكاع الجبوري لهذا الكتاب يمثل جهدًا علميًا جديرًا بالتقدير، ويعكس حضورًا أكاديميًا فاعلًا في مجال من المجالات التي تتصل مباشرة بمستقبل التنمية والطاقة والبيئة.

***

نايف عبوش

"الناس نيام فإذا ماتوا إنتبهوا"

مجتمعاتنا تتميز بأنها صاحبة أكبر نسبة من العقول المهاجرة في العالم، فهي تصنع العقول التي تكلفها غاليا وتعجز عن الإستثمار فيها، والعلة تكمن في أن الكرسي قائد أنظمة الحكم وملهمها والراعي لوجودها، فكل ما يهدد الكرسي يجب الخلاص منه.

والكراسي على الدوام جاهلة ومغفلة ومحكومة بالأخطار المتواكبة والشكوك العاصفة في أرجاء وعيها الفردي والتحزبي والفئوي.

الكراسي تخاف من قوائمها وترتعب من ظلها، ويعصف بها الشك ويأكلها القلق ويبلدها الخوف، فلا يعنيها سوى إستقرار القوائم على أرض لا تتحرك، وهي رغما عن كل متوهم تدور والأحوال تتبدل وكل شيئ يتغير وفقا لإرادة أكون.

للكراسي أعمار، والمناصب لا تدوم، وكم غاصوا في الكراسي وإحترقوا فيها، وكم مر على البشر من المتوهمين بأنهم فوقهم، فأكلهم التراب وإلتهمهم الغياب، وكل ما أنجزوه ولى وخاب، لأن أكثرهم حسبوا أنهم خالدون، وفي الغطرسة والطغيان غاطسون، كأنهم نيام وفي غفلتهم يعمهون، والأرض تدور وتعلن أن لكل موجود مسير وختام، وأن الرحيل لِزام.

العجيب في البشر أن الأوهام تفترسه وترميه في عوالم النكران، فلا يرى ما حوله ولا يستوعب ما يدور في أفلاك وجوده، ويتصور الدوام الأبدي وهو محض وميض زائل، وما أنجزه ذابل ومتآكل.

فالعقائد كأوهام تزينها أوهام، تغشى البصائر وتعطل الأفهام.

عقولٌ من بلادٍ إسْتغاثَتْ

تُطاردُها العواذلُ ما اسْتطاعَتْ

كأنّ بأرْضِها رَفضٌ عَنيفٌ

وداعيةٍ لتخريبٍ تَنامَتْ

تُغادرُها جَواهرُ مُرْتقاها

فتأكُلها العواقبُ كيفَ شاءَتْ

***

د. صادق السامرائي

تصفح لاهزوجة: "من جنه فگور اتخاوينه"

نحتاج لتطبيق الموروث او الادب الشعبي على حوادث التاريخ، وقد تبنيت سابقا مفهوم فلسفة التاريخ الشعبي، وطبقت الحوادث الشعبية على نظريات هيجل ومارل ماركس وتوينبي وشبنكلر ومحمد باقر الصدر.

هذه الاهزوجة ذكرتها امراة ساعدية من اقاربنا، للدلالة على تبدل الحال يقود الى اضعاف الاخوة، وقد يقال ان الفقر لا ينتج الأخوة بالضرورة؛ فقد يؤدي أيضًا إلى النزاع والحسد والتنافس، خصوصًا عندما تكون الموارد شحيحة.

ولكن يجب مناقشة، مفهوم (من جنه فگور تخاوينه) والتي لا اعدها اهزوجة فقط، بل هي مسير تاريخ، وقاعدة اجتماعية لها ارتباط بالراهن وبالزمان والبيئة والمجتمع وعلم النفس، ويمكن تفسير قضية الفقر الذي يقود الى المودة وحصره بثلاثة عوامل منها:

وحدة الحاجة: وذلك عندما يتساوى أفراد الجماعة في الفقر، فانه تقل الفوارق المادية بينهم. بل يقل التكلف واثارة التحاسد والبغض، وينعدم التعالي والاستكبار لدى الطرف الاخر، الذي يشعر بنوع من الامن الكاذب.

التكافل الضروري: فالفرد يحتاج إلى أقاربه في الزيارة والغذاء والسكن والحماية والعمل، والافراح والاحزان، فيصبح التعاون حاجة لا مجرد قيمة أخلاقية.

ضعف الفوارق الطبقية: الثراء قد يُنشئ تفاوتًا في المكانة والنفوذ داخل العائلة أو القبيلة، بينما الفقر المشترك قد يقرب المسافات بينهم.

و هناك مفارقة مهمة: إذا خرج بعض أفراد الجماعة من الفقر وأصبحوا أغنياء، فقد يزداد التفكك إذا لم تبقَ روابط القيم والقرابة قوية.

واحيانا يصبح الفقر فضيلة لانه يصنع مصيرا مشتركا.

وعموما هذه ليست دعوة للفقر بقدر ما هي اشارة الى الذين يتغيرون في حال الانتقال الى الثروة والغنى .

واذا ما طبقنا ذلك على مناهج فلاسفة التاريخ نجد ان ابن خلدون عندما يطرح مفهوم العصبية والذي يقوم على التماسك والشعور بالمصير المشترك، فهو يرى أن الجماعات التي تعيش حياة خشنة وتحتاج إلى التعاون تكون عصبيتها أقوى، بينما يؤدي الترف والاستقرار والتمتع بالمنافع تدريجيًا إلى ضعف العصبية.

وقد نجد عند توينبي ما يعزز هذه القضية، فالمحنة عند توينبي تصنع استجابة جماعية وهي صيغة أخرى أكثر ملاءمة لفكرة الأمم والحضارات وتلخص نظرية التحدي والاستجابة التي قال بها توينبي، فاتصور ان استجابة الاغنياء لترفهم ولذاتهم قاد الى انتصار التحدي عليهم، ويمكن وصف التحدي هنا لما يشبه الاختبار الذي يسلط على سلوك الفرد في هذه الحياة.

والحضارة تواجه تحديًا أو ضغطًا، فإذا استطاعت الجماعة أن تستجيب له استجابة خلاقة، أدى ذلك إلى نموها. وتوينبي يرى أن التحدي المعتدل يمكن أن يكون محفزًا، بينما التحدي المفرط قد يسحق الجماعة.

ومن الشواهد انه خلال حصار العراق بعد 1990، حدث انهيار شديد في مستوى المعيشة وارتفاع واسع في الفقر وسوء التغذية.

وفي هذه الظروف، عادت قطاعات من العراقيين إلى الاعتماد بصورة أكبر على العائلة والعشيرة والجماعة المحلية نظرا لاهمال الدولة وللثراء الفاحش بين طبقات المجمتع. وتذكر دراسة عن الحماية الاجتماعية في العراق أن التضامن الاجتماعي أخذ شكلين أساسيين (التضامن العائلي والتضامن العشائري) وأن بعض الصناديق العشائرية كانت تُستخدم لمساعدة أفراد العشيرة في الأزمات، ومنها تكاليف الوفاة ومراسمها.

***

د. رحيم الساعدي

تعلمنا التجارب السياسية والإنسانية، أن المجتمعات المتعددة والمتنوعة، لا يمكن أن تحافظ على وحدتها الداخلية وصيانة استقرارها الداخلي إلا بخيار المواطنة.. لأنه الخيار الوحيد الذي يتعالى على كل الانتماءات التقليدية والتاريخية لصالح الانتماء الوطني..

والمجتمعات التي تعاني من مشاكل وصعوبات في علاقات المكونات والتعبيرات الاجتماعية مع بعضها، تعود في تقديرنا كل هذه الصعوبات، إلى غياب المشروع الوطني الذي يدفع جميع المواطنين، للتعالي أو الارتفاع عن انتماءاتهم النوعية لصالح الانتماء القادر على جمع كل المواطنين بصرف النظر عن أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم لصالح انتماء واحد يشعر جميع المواطنين بالانتماء إليه والدفاع عنه ألا وهو الانتماء الوطني..

وأي قصور في بلورة وصياغة مشروع الانتماء الوطني المستند في نظام الحقوق والواجبات على مبدأ المواطنة بوصفها هي جسر العبور من انتماءات ما قبل الدولة الحديثة إلى الانتماء الذي ينسجم ومفهوم الدولة الحديثة..

فالدول الحديثة في كل الدنيا، لا يقوم انتماءات شعبها ومجتمعها على الانتماء الديني أو المذهبي أو القبلي أو الجهوي، وإنما يقوم على حقيقة المواطنة التي تجمع الجميع وتعبر عن حساسية الجميع..

والشيعة في المملكة العربية السعودية، لا يخرجون في آمالهم وطموحاتهم الجماعية عن مفهوم المواطنة، الذي لا يفرق بين مواطن وآخر على كل المستويات فالجميع سواسية أمام القانون وأمام الفرص المختلفة المتوفرة في الحياة الوطنية..

فهذا المكون الاجتماعي الأصيل يتطلعون إلى وحدة وطنهم من خلال مبدأ المواطنة المتساوية.. ولكي يصل الجميع إلى انجاز كل عناصر الحمولة القانونية والدستورية لمفهوم المواطنة المتساوية فإنهم كغيرهم من شركاء الوطن يعملون من أجل الأفكار التالية :

1-  جميع المواطنين آحادا ومكونات، يعتزون بخصوصياتهم الثقافية والدينية، ويعتبرون هذه الخصائص من الروافد الأساسية التي تغني حياتهم الاجتماعية والوطنية.. ويتطلعون إلى بناء وحياة وطنهم بعيدا عن التنوعات الدينية والمذهبية والجهوية.. فبمقدار اعتزازهم بتنوعاتهم المذهبية، بذات القدر يعتزون بوطنهم حينما لا يجعل من نظام الحقوق والواجبات في وطنهم قائما على هذا التنوع المذهبي وإنما قائما على مواطنيتهم المتساوية..

2-  إن المجتمعات المتنوعة، لا يمكن أن تصون وحدتها الداخلية إلا باحترام تنوعها وتعددها المذهبي والقبلي.. فالوحدة التي تبنى على احترام التعدد والتنوع، أكثر صلابة وتحصينا من أي شكل وحدوي آخر.. لذلك يتطلعون الشيعة في المملكة، أن يتم التعامل مع انتماءهم المذهبي ليس بوصفه عيبا ينبغي إخفاؤه، وإنما هو جزء من ثروات الوطن المعنوية والثقافية، والذي ينبغي أن يحظى باحترام وتقدير عميقين..

3-  جميعنا كمواطنين نعتقد أن التطرف المذهبي والعداء المذهبي، يدمر المجتمعات ويخرب أسس استقرارها الاجتماعي.. لذلك ثمة ضرورة في وطننا للوقوف معا ضد كل نزعات التطرف في ظل حقائق التنوع الذي يعيشها مجتمعنا، يفضي إلى توتير العلاقة بين مختلف المكونات والتعبيرات..

واستقرارنا الوطني والاجتماعي، مرهون إلى حد بعيد، على كفاحنا الوطني المتواصل من قبل الجميع لتفكيك كل عناصر الغلو والتطرف المذهبي..

وحينما نتحرر من كل نزعات الغلو والتطرف، سنكتشف جميعا أن تنوعنا الاجتماعي هو أحد عناصر قوتنا.. ولا خيار فعال أمامنا إلا احترام تنوعنا وحمايته قانونيا وسياسيا، حتى يتحول إلى إضافة نوعية في حياتنا الاجتماعية والوطنية..

***

محمد محفوظ

لماذا نشعر بالكآبة والوحدة والغربة بعد تحقيق نجاح طالما حلمنا به؟ عبارات التهنئة، باقات الأزهار، الهاتف والرسائل التي لا تتوقف، ومن ثم كل شيء يصمت، وكأن هذا لم يكن هو ما نطمح إليه؟!

مثل منزل كان بهيًا مزهوًا بالحضور، تتعالى فيه الضحكات وتتراقص جدرانه على أهازيج الأفراح، وموائد تُمدّ، تتشارك الفرحة قبل الطعام؛ فهاهنا حياة تُقام، وأمنية أمّ تتحقق، والجهد فيه يدغدغ المشاعر، وما بين مهنئ وراقص تتسربل اللحظات، ويومًا بعد يوم تنتهي المراسم، ويعود المنزل ليسكنه الصمت، وتغزو قلوب ساكنيه وحشة وكآبة لا يُعرف لها سبب.

هل جربت شعور العودة بعد رحلة منتظرة، خططت لها أيامًا وليالي، وحلمت بطرقاتها قبل أن تطأ قدماك أرضها، وشممت رائحة مقاهيها، وأخذتك مخابزها حيث تشدك رائحة الخبز حين خروجه من الفرن ساخنًا، مستعدًا للقضمة الأولى، لتعود بعد كل هذا تتصفح الصور، حيث كل ما بقي ليواسي اغترابك وشعورك بالوحشة والاكتئاب؟

هل حقًا، كما يقال، إن القمة خُلقت ليس للعيش فيها، بل لتكون محطة للوصول، ومنها للانطلاق؟

هل يكون هذا الإحساس طبيعيًا، ووراءه البحث من جديد نحو معنى آخر وقمة جديدة؟ أي: هل هو دافع حقيقي لمعنى وجودي؟!

حديثًا برز مصطلح بات يُضرب به مثل لكل مثل هذه الحالات:

متلازمة ما بعد الأولمبياد، وهي حالة نفسية وعاطفية قد يمر بها بعض الرياضيين بعد انتهاء الألعاب الأولمبية، خصوصًا بعد سنوات من التدريب والتضحية والتركيز على هدف واحد، ثم يشعر بالحزن والفراغ بعد تحقيق أكبر حلم في حياته.

فخلال سنوات التحضير، يخضع لنظام محدد بالغذاء والنوم وساعات التدريب، فتكون حياته منظمة حول هدف واحد.

ثم ينتهي الحدث فجأة، فيختفي الهدف الذي كان يعطي الحياة اليومية معناها واتجاهها، فنجده بعدها حزينًا، قلقًا، قد يبكي بلا سبب، ويعاني من اضطراب النوم وفقدان الشهية. فقد كان توقعه أن السعادة في تحقيق الحلم، ثم ينتهي كل شيء.

هذا الإحساس يتملكنا في كثير من وقفات حياتنا: التخرج، التقاعد، بعد نشر أول كتاب، بعد العودة من رحلة جميلة. ولا أعلم، قد تكون هذه الحالة هي ما تشير إلى ما يصيب المرأة بعد الولادة. لا أتحدث عن حالة الاكتئاب المرضية المعروفة طبيًا، ولكن تلك الحالة التي تنتاب أغلب النساء بعد الولادة وشهور من الترقب والانتظار والاستعداد، حيث الشعور بالخواء والفراغ والوحدة والحزن غير المبرر.

ماذا يحدث لنا عندما نصل إلى الشيء الذي جعلناه غاية حياتنا؟!

سؤال نفسي وفلسفي مهم، قد يوصلنا لسؤال أهم، والذي قد يتضح حين نفهم لماذا لا تصلح القمة للعيش، وكل من اعتلى القمم الشاهقة يوضح أنه لا يقوى على البقاء سوى لحظة لا تتجاوز الثواني، لكنها ثقيلة بالميزان الوجودي.

فيبرز السؤال الأهم:

هل الإنسان يحتاج للوصول أم للرحلة نفسها؟!

هل يمكن أن تختزل الحياة بهدف نصل إليه وقمة نعتليها، أم أن هناك ما هو أكبر؟

فهل نحن، كما يقول شوبنهاور، نعيش في حركة مستمرة بين الرغبة وعدم الإشباع؟ فعندما نرغب بشيء نشعر بالنقص، وعندما نحصل عليه ينتهي التوتر الذي كان يحركنا، فنعود إلى حالة من الملل أو الفراغ، ونبحث عن رغبة جديدة؟

أم نحن، كما يقول فيكتور فرانكل، مؤسس العلاج بالمعنى (Logotherapy)، الذي يرى أن الإنسان يحتاج إلى معنى يعيش من أجله، وإذا امتلك الهدف دون معنى أوسع، فإن تحقيق الهدف قد يتركه فارغًا؟

لكن نيتشه يقدم قراءة نوعًا ما مختلفة:

الحياة عنده ليست مجرد الوصول إلى حالة نهائية من الاكتمال، وإنما تجاوز مستمر للذات.

ومن هنا يمكن القول إن الأزمة تحدث عندما يتعامل الإنسان مع الإنجاز باعتباره نهاية القصة، بينما يحتاج إلى تحويله إلى بداية لمرحلة جديدة من إعادة خلق الذات، أي هناك فرق بين من يعتبر صعود القمة هو الهدف، وبين من يعتبرها انطلاقة لمرحلة جديدة.

هناك التفاتة نفسية مهمة قد تفيدنا، وهي الاعتياد على الأشياء التي كان يعتقد أنها حلمه وهدفه وفيها سعادته، وبعدها تصبح عادية، فيفقد الدافعية ويشعر بالخواء والفراغ.

قد نحتاج إلى تحول بالوعي يعيد تعريف الوصول، وبالتالي يساعدنا على فهم ما نمر به.

أجمل مثال هو فريد الدين العطار في منطق الطير.

الطيور تنطلق بحثًا عن السيمرغ، وفي النهاية تكتشف أن المطلوب لم يكن شيئًا منفصلًا عنها كما ظنت.

وهنا تكمن الفكرة الجميلة جدًا:

الغاية الحقيقية للرحلة ليست امتلاك ما تبحث عنه، وإنما أن تصبح شخصًا آخر أثناء البحث.

فهل نحن نبحث عن المعنى في ذواتنا أثناء كل هذا؟.

***

منى الصالح

"كنا نظن أن الآخرين يظلون معًا لأنهم سعداء.. يظل الآخرون معًا بسبب تعاستهم."

لا أذكر أين قرأت هذه الجملة، لكنها علقت في ذهني، لا لغرابتها فحسب، بل لأنها بدت كأنها تكشف وجهًا خفيًا للعلاقات، وجهًا نادرًا ما نتأمله.

المتعارف عليه أن البشر يعيشون معًا طمعًا في السعادة، وبحثًا عن الدفء والطمأنينة التي يمنحها الآخر. لكن ماذا لو كانت الوحدة أكثر احتمالًا من الشقاء الناتج عن الشراكة في الحياة؟ ماذا لو كنا نتمسك ببعضنا لا لأننا نمنح الفرح لبعضنا، بل لأننا لا نعرف كيف نحيا من دون الآخر، حتى وإن كان وجوده سببًا لألمنا؟

علاقة الزواج مثال صارخ على هذه المعضلة. نحلم منذ الصغر بـ"النصف الآخر"، بمن يكملنا. نتخيله كما نريد، ثم نفيق يومًا لنجد أن الواقع ليس كما حلمنا. ومع ذلك نمضي، لأن الزواج، في نظر كثيرين، ضرورة اجتماعية، أو ربما "شر لا بد منه".

في شهوره وسنواته الأولى، يكون الزواج غالبًا مليئًا بالفرح والوعود. ثم يعتاد الطرفان وجود بعضهما، ومع مرور السنوات، وخصوصًا بعد إنجاب الأطفال، قد يتحولان إلى كيان واحد في تفاصيل الحياة اليومية، فيصبح غياب أحدهما فراغًا في حياة الآخر. وقد يكون هذا الغياب مؤلمًا حتى حين تكون العلاقة نفسها قد فقدت انسجامها، أو حين يصبح الطلاق هو الحل الوحيد الممكن.

فالانفصال لا يعني دائمًا أن الإنسان أصبح قادرًا على العيش وحيدًا. أحيانًا يحتاج المرء إلى وقت طويل حتى يعتاد غياب شخص كان حاضرًا في تفاصيل حياته اليومية لسنوات. وقد يكون الخوف من هذه الوحدة، أكثر من الحب نفسه، أحد أسباب التردد في إنهاء علاقة لم تعد تمنح أصحابها السعادة.

وهكذا، لا يجمع الحب دائمًا بين الناس. أحيانًا يربطهم الاعتياد، أو الأولاد، أو الخوف من المجهول، أو الظروف التي تعيق الاستقلال، وربما فقط لأنهم لا يعرفون كيف يبدأون من جديد.

أتذكر إحدى الصديقات التي كانت تعاني الأمرّين في علاقتها مع زوجها، حتى قررت طلب الطلاق بعد زواج دام سنوات طويلة، أنجبا خلالها أولادًا شبّوا على صوت الخلافات والمشاكل.

في الفترة التي سبقت الإجراءات الرسمية للطلاق، عاشت صديقتي وحدها مع أولادها لبضعة أشهر، بينما كانت تتواصل مع المحامي لإنهاء إجراءات الطلاق في المحكمة. كانت قد اتخذت قرارها، أو هكذا بدا لي.

لكن قبل أن يصبح الأمر رسميًا، عادت إلى زوجها.

ما زالت معه حتى الآن، رغم أن شيئًا جوهريًا لم يتغير في حياتهما، وظلت علاقتهما مشحونة بالمشاكل والتعاسة.

حين سألتها آنذاك: لماذا عدتِ، ما دمتِ لا تشعرين نحوه بالحب ولم تتحسن علاقتكما؟

أجابت ببساطة: "لم أتعلم كيف أعيش وحدي بعيدًا عنه. تعودت وجوده، وصرنا كيانًا واحدًا مهما كان الأمر."

ربما لم تكن تبحث عن السعادة حين عادت. وربما لم تعد تؤمن أصلًا بإمكانية العثور عليها معه. كانت، ببساطة، تخاف من حياة لم تعرفها من قبل.

وهذا ما يجعل عبارة "يظلون معًا بسبب تعاستهم" أكثر قسوة مما تبدو عليه للوهلة الأولى.

فأحيانًا لا يكون ما يجمع شخصين هو الحب، ولا حتى الأمل في أن يتغير شيء، بل الخوف من أن تكون الوحدة أصعب من التعاسة التي اعتاداها.

ربما لهذا يظل بعض الناس معًا. ليس لأنهم سعداء، بل لأن تعاستهم المشتركة تبدو، بطريقة ما، أهون من وحدتهم المنفردة.

***

بشرى الهلالي

 

بين ذاكرة الماضي ووهج الحاضر وأفق المستقبل

لا شيء كالزمن يرافق الإنسان في رحلته في الحياة، فهو ملازم له، يصل الأمس باليوم، واليوم بالغد.

ويمضي الزمن بصمت، لا يتوقف قطاره لأحد، ولا يعود إلى الوراء، لكنه مع ذلك يترك في الذاكرة آثاراً لا تمحوها السنون، ويمنح الحاضر فرصاً لا تتكرر، ويفتح للمستقبل افاقا تظل واعدة أمام تطلعات الإنسان وأحلامه.

ومن هنا تنشأ جدلية الزمن في حياة الإنسان، ماض يستذكر، وحاضر يعاش، ومستقبل ينتظر. وبين هذه الأبعاد الثلاثة تتشكل تجربة الإنسان، فهو لا يستطيع أن يعيش الحاضر بمعزل عن ذاكرته، ولا أن يتطلع إلى المستقبل من دون الاستفادة من دروس الماضي، كما لا يمكن للمستقبل أن يصبح واقعاً ملموسا، ما لم يحسن استثمار لحظته الراهنة.

وهكذا فالماضي ليس مجرد صفحات مطوية في كتاب العمر، وإنما هو جزء من تكوين الإنسان ووعيه. ففيه عاش الإنسان الطفولة، وملامح ربوع النشاة الأولى، ووجوه الأحبة، ومواقف الفرح والحزن، والانتصارات والانكسارات.ولذلك يلاحظ ان الإنسان كثيراً ما يعود إلى ماضيه، لا ليعيش فيه من جديد، وإنما ليستمد منه درساً للفائدة، أو ليستشعر حسا بالأمان.

غير أن استذكار الماضي قد يتحول أحياناً إلى إقامة دائمة في زمن مضى. وهنا تكمن المفارقة، فالذاكرة تظل جميلة حين تمنح الانسان الحكمة، لكنها تصبح عبئاً حين تمنعه من رؤية الحاضر.

 على أنه ليس المطلوب أن نهجر الماضي، أو نتنكر له، بل المطلوب أن نضعه في مكانه الصحيح، ليكون ذاكرة نستفيد منها الدروس والعبر، لا سجناً نقيم فيه.

أما بشان الحاضر، فهو الزمن الوحيد الذي نملكه، ونعيشه في اللحظة فعلياً. بينما الماضي أصبح تجربة غنية بالدروس، والمستقبل لم يأت بعد، وبالتالي فإن الحاضر، هو الفسحة التي نستطيع خلالها أن نفكر، ونعمل، ونختار، ونغير. ومع ذلك، فكثيراً ما يفقد الإنسان قيمة الحاضر، لأنه منشغل بما مضى، أو ينتابه قلق مما سيأتي..وهكذا فإن عيش الحاضر لا يعني الانقطاع عن الماضي، أو تجاهل المستقبل، وإنما يعني أن نمنح اللحظة الراهنة ما تستحق من الانتباه، والوعي، والاهتمام. فالحاضر هو الورشة التي يصنع فيها المستقبل، والمستقبل هو المجال الذي نستطيع من خلاله أن نصالح أنفسنا مع الماضي أيضا.

ويظل المستقبل، أكثر أزمنة الإنسان إثارة للقلق، والأمل، في آن واحد، فهو ذلك المجهول الذي لا نعرف تفاصيله، لكنه يظل حاضراً في تفكيرنا وتخطيطنا. ولعل من طبيعة الإنسان أن يتطلع إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة، وأن يحلم بغد أفضل، وأن يترك للأجيال اللاحقة ما هو أجمل مما ورثه.

على أن التطلع إلى المستقبل ينبغي ألا يتحول إلى قلق دائم. فالمستقبل لا يمكن امتلاك ناصيته قبل حلول أوانه، وإنما يمكن التهيؤ، والاستعداد له. ولعل من الحكمة أن نخطط للغد، دون أن نفسد جمال اليوم، بالخوف من المستقبل.

ولاريب ان أجمل ما في جدلية الزمن أن أبعاده الثلاثة ليست متنافرة، بل هي سلسلة متكاملة. فالماضي يمنحنا الجذور، والحاضر يمنحنا القدرة على الفعل، والمستقبل يمنحنا الدافع إلى الاستمرار. وبالتالي فإنه إذا ما اختل التوازن بين تلك الابعاد، اختلت علاقتنا بالحياة نفسها. فالإنسان الذي يعيش في الماضي وحده، قد يصبح أسير الحنين، والذي يعيش للحاضر وحده، قد يفقد القدرة على التخطيط، والذي يهرب دائماً إلى المستقبل، قد لا يلتفت إلى ما بين يديه من فرص متاحة للانتفاع منها في اللحظة . أما الإنسان المتوازن، فهو الذي يحمل ذاكرته معه، ويعيش حاضره بوعي، وينظر إلى المستقبل بأمل واقعي، وتطلع رشيد.

ولاشك أنه ليس من الحكمة أن نحاول إيقاف الزمن، فهذا أمر مستحيل بالطبع، ولا في أن نطارد الماضي لاستعادته، فهو لا يعود قطعا، ولا في أن نستبق المستقبل قبل أن يأتي، وإنما في أن نتعلم فن التعامل مع الأزمنة الثلاثة برشد، وذلك بأن نحترم الماضي، ونحسن عيش الحاضر، ونستعد للمستقبل على أفضل نحو.

وهكذا نجد إن الزمن، في نهاية المطاف، ليس مجرد مرور أيام، وتوالي شهور، وسنوات تتعاقب، بل هو تجربة إنسانية تتشكل داخل ذواتنا، بقدر ما تمر من حولنا، وبالتالي فأن كل يوم يمضي يأخذ معه شيئاً من أعمارنا، لكنه في الوقت ذاته يضيف إلى وعينا، تجربة جديدة، ويمنحنا فرصة أخرى لفهم الحياة، والذات، والآخر.

ومن هنا، فإن الموقف الصحيح الذي يمكن أن نتخذه في تعايشنا مع الزمن، هو أن ننظر إلى الماضي بامتنان، لا بحسرة، وإلى الحاضر بوعي، لا بغفلة، وإلى المستقبل بأمل، لا بخوف. فالأمس قد انتهى إلى الأبد، والغد لم يأتِ بعد، أما اليوم فهو الفرصة الوحيدة التي بين أيدينا. فلنحسن اذن عيشه على أفضل نحو، قبل أن يمضي بنا، ويصبح هو الآخر، ماضياً نستذكره.

***

نايف عبوش

في المثقف اليوم