أسلوب حياة الآباء والأجداد هو الذي يرسم شخصية الأحفاد؛ فبعض الآباء يريد أن يعيش أولاده مرفهين، حتى لو لم يكن يملك ذاك الدخل الكافي ولا المال الوفير، فيصرف كل تعبه ليأكلوا كل يوم أكلاً جديداً، لكنه يربيهم على الأنانية وحب الامتلاك دون أن يشعر، نيته صافية لكن تصرفه غير صحيح.
الأب الذي يرسم لأطفاله حياة وردية، ويعطيهم القليل منها، ثم يطلب منهم تقاسمها بالتساوي ليس عادلاً أبدًا. الذي يريك حقيقة الحياة، ويشرح لك كيف تكون وردية وكيف تكون غير ذلك، ويخبرك بما يملكه وإمكاناته لتلوين حياتك، سيعطيك الرفاهية المقتدرة، لكنك تعلم أنها أتت بعد تعب وجهد، فأنت ستبادر لتقسمها بينك وبين إخوتك، وستشرح لهم ما شرحه لك والدك، ثم ستعطي والديك النصيب الأكبر لتخفيف الحمل عنهما؛ هذه هي القناعة التي يتربى عليها الأصيل بفضل أصل أبيه النبيل.
أما الغارقون في حب الحياة، فهم من يرون ما يملكه الناس، ويهرعون لآبائهم يبكون على ما فاتهم، فيهرع الأب لتلبية الطلب، وهو غير مدركٍ ما يزرعه في نفسٍ لا تقنع إن لم يتم تربيتها وتعليمها في الصغر.
علموهم القناعة قبل الدلال
أنت تحسن لأولادك، ولك أجر في كل طلب تلبيه لهم، لكنك تسيء لنفسك ولهم عندما لا تعلمهم قسوة الحياة وصعوبة نيل المبتغى والوصول للمراد. ليس من العدل أن تجعلهم يرون ما يملك الناس فيحزنون ويتمنون أن يملكوه، لكن من الظلم أيضًا أن لا تخبرهم بأن للناس حياتهم ولك أنت وأولادك حياتكم. لا تعطيهم كل ما تشتهي أنفسهم، قبل أن تعلمهم أن النفس طماعة وأن عليهم أن يعلموها القناعة.
علموا أولادكم أن الدنيا دارٌ فانية، وكل ما فيها مجرد زينة وبهرجة ستبلى وستندثر. علموهم أن الماديات يجب أن لا تشغلهم، فينسون أنفسهم وهم يجمعون سراب العطاشى وطعام الضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. علموهم أن العيش عيش الآخرة، لكي يشتغلوا على ما يبقى، ويفنوا العمر فيما خلقوا له، لا فيما خلق لهم.
لا تسهلوا لهم الحياة فيكبرون بقلوب هشة ونفوس ضعيفة. لا توهموهم بالدلال والرفاهية، فيقعون ضحية لأنانية كانت تكبر معهم. اجعلوهم يرون الشقاء ليعرفوا معنى الهناء، كونوا صادقين معهم؛ فالوجع والغصة تربي نفوس العظماء، أما الدلع فهو يربي نفوس السفهاء.
لا تمدحوهم بكثرة فيما قد فات أوانه وضاع الأمل منه. اشكروهم على كل ما يفعلونه لأجلكم، وشجعوا كل إبداع يولد فيهم، لكن إياكم والمدح الزائد الذي سيقتل الشغف والطموح، ويجعلهم يرضون بالقليل ولا يطمحون في التطور والتقدم.
صادقوهم، لكن لا تسمحوا لهم بأن يتجرأوا عليكم أو معكم في الكلام والمزاح الثقيل، بل إن احترامهم لكم هو أساس الصداقة وليس العكس.
كونوا رحماء عليهم، لكن لا تكونوا ساذجين فتبكون معهم، أو تحملون عنهم مشاكلهم؛ كونوا سنداً لا مدداً يدفع عنهم، ويخفي أغلاطهم، ويبرر فشلهم، ويكتب نجاحهم، ويمحو شخصيتهم القوية بلعب دورهم في كل ما هو صعب عليهم.
ليس من العدل أن تتركوهم لأنفسهم، ولا أن تكلوهم لغيركم، وليس من العدل أن تسرقوا منهم طفولتهم وأنتم تجمعون حطام الدنيا الزائل. خصصوا أوقاتاً لهم، حاوروهم ولاطفوهم واعرفوا عنهم أكثر في طفولتهم؛ لأنهم قد يكبرون وهم يملكون فراغاً عاطفياً بسببكم. كونوا مسؤولين قبل أن تعلموهم المسؤولية، عيشوا المثالية التي تريدون أن يكون أبناؤكم عليها، أو دعوهم يعيشون العفوية التي تعيشونها دون تأنيبهم وتوبيخهم عليها.
صغارٌ كبروا بالخوف
أبناؤكم لم يخلقوا بتلك الطباع ولا بذاك الضياع، ربما كانوا أطفالاً طائعين وعندما كبروا أصبحوا مراهقين عنيدين لا يسمعون كلامكم، ليس لأنهم خرجوا عن سيطرتكم، بل لأنكم علمتموهم أن الكبار يفعلون ما يريدون، وأن الكبار يخطئون ولا يحاسبون، وأن الكبار يصرخون ويجادلون؛ هم ما زالوا طائعين لكنهم فقط أصبحوا كباراً!
كانوا مقموعين في طفولتهم المسروقة، وأحلامهم التي ضاعت بين كوابيسهم في غرفتهم المظلمة عندما كنتم تتركونهم وتذهبون لبناء حياتكم، نسيتم أن هناك حياة جديدة محبوسة بين أربعة جدران وحدها هناك، لا من يرشدها ولا من يعلمها كيف هي الحياة!
آباء مشغولون وأمهات لا تعرف كيف تعيش مع أبنائها أصعب لحظات حياتهم، وطفل يرى أشياء جديدة ويسمع أشياء كثيرة، يسأل فيقال له: «يكفي أسئلة!»، يتكلم فيسكتونه لأنه يقاطع الكبار، يحلم فيضحكون على أحلامه كأنها نكاتٌ تلقى عليهم. يخاف فيقال: «أنت قد أصبحت كبيراً!»، يقلق مما يخيفه فيقولون: «لا يوجد هنا ما يخيف، نم فقط!»، يبكي فيتركوه حتى يهدأ، ويلعب فيتركوه حتى ينتهي.. هكذا فقط، كأنه إنسان مجرد من كل حقوقه، مهمش بين أهله لأنه ما زال صغيراً، فيكبر بكل ذاك التمرد وبكل تلك الأصوات المرتفعة، لأنه لم يعش طفولته، بل عاش حياة يترقب فيها متى يكبر ويترك ذاك الجسد الضئيل الذي يجعله غير مرئي أمام الكبار حوله!
***
بقلم: فاطمة الدفعي








