عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

ايمان خريسات: خطر الوجود.. هل هو دافعٌ أم عائق؟

ثمة مفارقة غريبة تحكم هذا الوجود؛ فالأرض القاسية والمحاصرة بالتهديد، كأرض فلسطين الأبية، أو تلك المدن النائية المنسية على هوامش الجغرافيا، تنجب بشراً يتدفقون شغفاً وحيوية. تراهُم مستعدين للعمل أربعاً وعشرين ساعة دون كلل، يملكون طاقة خارقة للتعلم، الاستمرارية، ونحت الصخر، وكأن في أعماقهم محركاً لا ينطفئ. وفي المقابل، نرى الإنسان الذي توفرت له كل سبل الرفاهية والراحة، يعيش حالة من الخمول والضياع، بلا شغف، بلا هدف، وبلا تأثير حقيقي. فكيف تصبح الوفرة مقبرة للطموح، بينما يغدو التهديد وقوداً للخلود؟ الواقع أن الإنسان البشري يختزن في جوفه أسراراً عظيمة وقدرات فائقة، لكنه يجهلها ويغفل عنها نتيجة حالة من "السطحية المميتة" التي تغلف المجتمعات. العقل البشري، الذي هو كنز الوجود الأثمن، بات اليوم شيئاً مستهاناً به بشكل كبير، وهذا للأسف هو المأزق الحقيقي في واقعنا العربي المعاصر؛ فلو استخدمنا هذا العقل بكل ما نملك من وعي وبصيرة، لما كنا في هذه الحالة من الركود والتبعية. إننا نملك الطريق، ونملك السبل، ولدينا الدين القيم؛ هذا المنهج الإلهي العظيم الذي "علّم الإنسان ما لم يعلم"، ووضع له خارطة السعي. ما على الإنسان إلا أن يتحرك، أن يسير في مناكب الأرض بوعيه، وحينها فقط سيرى من هو حقاً، وأين يكمن موقعه في هذا الكون. وعليه، عندما يحاصر الخطر عقل الإنسان، وتضيق به السبل ليصبح في مواجهة مباشرة مع "الفكرة الوجودية" أو غريزة البقاء على قيد الحياة، تستيقظ قواه بشتى أنواعها. هذا التهديد هو المفجر للوعي؛ إنه يخرج من الأعماق روحاً عنيدة، قوية، تأبى الضعف والذل، وينتزع من رحم العدم والظروف المستحيلة أموراً وإبداعات لا يتصورها الخيال. نحن لا ننشد المعاناة لذاتها، لكننا نمجد ذلك العناد الإنساني والوعي الراسخ الذي يولد من رحمها. إن الإنسان الفائق ليس ذاك الذي وجد كل شيء جاهزاً أمامه فمات عقله بالوفرة، بل هو الذي تحرر من السطحية، واستخدم كنز عقله المستتر، وأثبت فطرته الوجودية وسط ركام الصعاب، معلناً للعالم: "أنا أقاوم.. أنا أفكر.. إذاً أنا موجود".

***

ايمان عبد الحكيم خريسات

 

في المثقف اليوم