عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

شهاب الفضلي: قراءة في قصيدة "احتمال" لمجيدة محمدي

يشعرك النص أن الشاعرة لا تبحث عن تفسير للعالم بقدر ما تحاول أن تتعايش معه. وهذا فرق مهم. القصيدة لا تبدأ من فكرة فلسفية تريد أن تثبتها، بل من إحساس بأن شيئًا ما في حياتنا ظل ناقصًا، وأننا نمضي داخل هذا النقص من دون أن نعرف تمامًا ماذا ننتظر.

تكرار "احتمالٌ، أنْ" هو أول ما يلفت الانتباه. لكنه سرعان ما يتم يتجاوز فكرة التكرار. كل "احتمال" تبدو كأنها محاولة أخرى لفهم شيء لا يمكن الإمساك به. عندما لا نعرف لماذا حدث او ما حدث، نبدأ في اختراع الاحتمالات. ربما لأن النفس لا تحب الفراغ. وتحتاج إلى معنى، حتى لو كان مؤقتًا.

ولهذا أحببت صورة العالم بوصفه "مسودةً أُهمِلَتْ على طاولة الغيب". فيها شيء شخصي جدًا. كل واحد منا يعرف إحساس أن تكون حياته، أو جزء منها، قد بقي معلقًا ولم يكتمل كما أراد. ثم تأتي عبارة "هوامشُها المرتعشة" لتزيد هذا الشعور وضوحًا. الإنسان هنا لا يقف وسط العالم بثبات؛ هو يتحسس طريقه داخله.

لكن القصيدة لا تبقى في الداخل طويلًا. ثمة كراسٍ تنتظر، وجدران تتذكر أسماء الذين مروا ولم يعودوا. عند هذه النقطة يتغير معنى النص. فالانتظار ليس حالة نفسية فقط. أحيانًا يصنعه الواقع نفسه: حرب، فراق، هجرة، موت، أو سنوات تمر ولا يحدث ما كنا نظنه سيحدث. وحين يتكرر ذلك، يدخل التاريخ إلى النفس من دون استئذان. ما نعيشه يوميًا قد يتحول بعد فترة إلى خوف دائم، أو حذر، أو تعلق بالماضي.

ومن هنا تبدو عبارة "الخسارة طريقة أخرى لترتيب الروح" من أكثر عبارات القصيدة صدقًا. الخسارة لا تنتهي عندما يغيب الشخص أو يسقط الشيء من أيدينا. تبقى فينا، وتغير طريقة نظرنا إلى الأشياء. وربما تجعلنا أكثر حذرًا، أو أكثر تعلقًا بما بقي.

حتى الرجاء لا يبدو كاملًا. "أثر قدمٍ على ماء" صورة جميلة لأنها لا تقول إن الأمل غير موجود، بل تقول إنه سريع الزوال. وهذا قريب من حياة عاش أصحابها طويلًا في ظروف لا تمنحهم فرصة كافية للاطمئنان.

ومع ذلك، لا تتحول القصيدة إلى شكوى. في مقطع الطريق والدعاء يحدث تحول هادئ. لا يعود المطلوب الوصول بأي ثمن. المهم أن نتعلم كيف نواصل السير، ونحن نعرف هشاشتنا. حتى الإيمان هنا لا يأتي بوصفه إجابة جاهزة؛ الله "قريب إلى حد الصمت"، والدعاء يصبح إصغاءً إلى ما نعجز عن قوله.

ثم تأتي النهاية، وهي في رأيي أجمل ما في النص. "ألا نصل" لا يعني أن الرحلة بلا قيمة. ربما العكس. نحن نتغير أثناءها. نصير أقل ثقة بالإجابات السهلة، وأكثر انتباهًا لما يحدث في داخلنا وحولنا.

لهذا أقرأ "احتمال" بوصفها قصيدة عن الإنسان حين يكتشف أن حياته لا تسير وفق مخطط واضح. النفس تحاول أن تفهم، والتاريخ يضغط، والواقع يترك ندوبه، ومع ذلك نستمر. وفي النهاية لا نحصل على يقين جديد، بل على شيء أكثر تواضعًا: قدرة أكبر على احتمال السؤال.

***

الأستاذ شهاب أحمد الفضلي

.........................

احتمال

إحتمالٌ، أنْ

يكونَ العالمُ

مسودةً أُهمِلَتْ

على طاولةِ الغيب،

وأننا

هوامشُها المرتعشة

نحاولُ إقناعَ المعنى

بالبقاء.

*

إحتمالٌ، أنْ

تستيقظَ الأشياءُ قبلنا،

أنْ تفهمَ الكراسي

ثِقَلَ الانتظار،

وأنْ تحفظَ الجدرانُ

أسماءَ الذين مرّوا

ولم يعودوا.

*

إحتمالٌ، أنْ

يكونَ القلبُ

خطأً جميلاً في الحساب،

وأنَّ الخسارة

طريقةٌ أخرى

لترتيبِ الروح.

*

إحتمالٌ، أنْ

نكونَ قد عشنا

حياةً ناقصةَ الضوء،

فاستعارَ الحلمُ

صوتَهُ من الظلال،

وصارَ الرجاءُ

أثرَ قدمٍ

على ماء.

*

إحتمالٌ، أنْ

الطريقَ لا يقودُ إلى مكان،

بل يعلّمُنا

كيف نمشي

خفيفين

فوق هشاشتنا.

*

إحتمالٌ، أنْ

يكونَ اللهُ

قريبًا

إلى حدِّ الصمت،

وأنَّ الدعاءَ

ليسَ طلبًا

بل إصغاءً طويلًا

لما لا يُقال.

*

إحتمالٌ،

أنْ لا نصلَ أبدًا،

لكننا،

في هذا العبورِ المؤجَّل،

نصيرُ

أكثرَ إنسانية،

وأقلَّ يقينًا،

وأشدَّ

شبهًا

بالسؤال.

***

مجيدة محمدي

في المثقف اليوم