عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

لإيفان بونين: الحَمْقاء

قصة قصيرة جداً لإيفان بونين

نقلها عن النص الروسي: جودت هوشيار

***

استيقظ ابن الشماس ــ وهو طالب لاهوتي جاء إلى القرية لقضاء الإجازة عند والديه ــ في ليلة حارة مظلمة وقد استبدت به إثارة جسدية عارمة. ظلّ يتقلب في فراشه، ثم أخذ يؤجج رغباته بخياله؛ فقد كان قد رأى نهارًا، قبيل العشاء، من خلال أشجار الصفصاف على ضفة النهر الساكن، الفتيات العائدات من العمل وهنّ يلقين قمصانهن فوق رؤوسهن، كاشفات عن أجساد بيضاء متعرقة، ثم يندفعن وسط الضحك والصخب إلى الماء الدافئ المتلألئ، رافعات وجوههن إلى السماء، مقوسات ظهورهن في مرح الشباب.

لم يستطع الطالب أن يقاوم نفسه. نهض من فراشه، وتسلل عبر المدخل المعتم إلى المطبخ، الذي كان خانق الحرارة كأنه فرن. مدّ يديه في الظلام وتلمّس السرير الذي تنام عليه الطاهية، وهي فتاة فقيرة بلا مأوى، كان أهل القرية يصفونها بالحمقاء. باغتها حضوره حتى إنها لم تصرخ من الخوف.

ومنذ ذلك الحين عاش معها طوال الصيف، وأنجبت له ولدًا كبر إلى جانبها في المطبخ. وكان الشماس وزوجته والكاهن نفسه، بل وأفراد أسرته جميعًا، وصاحب المتجر وزوجته، والشرطي وزوجته، يعرفون جيدًا مَن والد ذلك الطفل. أما الطالب اللاهوتي، فكان يعجز حتى عن النظر إليه خجلًا من ماضيه؛ فقد عاش يومًا مع حمقاء.

وحين أنهى دراسته ــ «بتفوّق!» كما كان الشماس يردد بفخر أمام الجميع ــ عاد إلى والديه لقضاء الصيف قبل دخوله الأكاديمية الدينية. وفي أول عطلة دعوا الأقارب والجيران إلى حفل شاي، ليعرضوا عليهم الأكاديمي المستقبلي. تحدّث الضيوف عن مستقبله الزاهر، وشربوا الشاي، وتذوقوا أصناف المربّى المختلفة، بينما كان الشماس السعيد يدير أسطوانة الجرامافون التي كانت تصدر أزيزًا حادًا قبل أن تنطلق منها الموسيقى.

ساد الصمت، وأخذ الجميع يصغون مبتسمين إلى أنغام أغنية هادئة، وفجأة اندفع ابن الطاهية إلى الغرفة، وراح يرقص رقصًا أخرق خارج الإيقاع، ضاربًا الأرض بقدميه. كانت أمه تظن أن منظره سيسرّ الحاضرين، فهتفت له بسذاجة:

ــ اركض وارقص يا حبيبي!

أُخذ الجميع على حين غرّة. أما ابن الشماس فهبّ من مكانه كالنمر، واحمرّ وجهه حتى صار أرجوانيًا، ثم أمسك بالصبي وقذفه خارج الغرفة بعنف، فتدحرج الطفل على رأسه إلى الردهة.

وفي اليوم التالي طلب من والديه طرد الطاهية. كان الشماس وزوجته طيبين رحيمين، وقد ألفا المرأة المسكينة وأحباها لتواضعها وطاعتها، وحاولا بكل وسيلة أن يستعطفا ابنهما، لكنه أصرّ على موقفه، ولم يجرآ على مخالفته.

وعند المساء غادرت الطاهية الفناء وهي تبكي بصمت، تحمل صرّتها في يد، وتمسك بيد طفلها في الأخرى.

ومنذ ذلك اليوم أخذت تجوب معه القرى والبلدات، تستجدي الصدقات باسم المسيح. كانت رثة الثياب، منهكة القوى، قد أحرقتها الشمس ولسعتها الرياح حتى لم يبق منها سوى الجلد والعظم، لكنها لم تعرف التوقف. كانت تمشي حافية القدمين، وعلى كتفها كيس من الخيش، تتوكأ على عصا طويلة، وتنحني بصمت أمام كل كوخ تمر به.

أما الصبي فكان يسير خلفها، وعلى كتفه كيس صغير هو الآخر، منتعلًا حذاءها القديم المتشقق المتصلب. كان قبيح الهيئة؛ رأسه كبير ومفلطح، تغطيه خصلات خشنة تشبه شعر الخنزير الأحمر، وأنفه عريض مفلطح، وعيناه عسليتان لامعتان على نحو لافت. ومع ذلك، فما إن كان يبتسم حتى يبدو لطيفًا إلى حد يثير الشفقة.

***