ترجمات أدبية
حنيف قريشي: ابني المتطرف
بقلم: حنيف قريشي
ترجمة: صالح الرزوق
***
بدأ الأب يفتش غرفة نوم ابنه وهو بغاية التشاؤم. كان يجلس هناك ساعات، يجهد نفسه بالبحث عن أدلة فقط. ما حيره أن علي أصبح مرتبا. وعوضا عن كومة الثياب والكتب ومضارب الكريكيت وألعاب الفيديو أصبحت الغرفة أنيقة ومرتبة، وظهرت المساحات الفارغة بدل الفوضى المعتادة في السابق. أول الأمر أسعد ذلك برويز: كان ابنه يخرج من حالة مراهقته. ولكن في أحد الأيام وجد برويز بجانب علبة النفايات، حقيبة ممزقة تحتوي على الدمى القديمة، بالإضافة إلى أقراص كومبيوتر، وأشرطة فيديو، وكتب جديدة وثياب عصرية أحضرها الولد قبل عدة شهور. وبدون تفسير أيضا، انفصل علي عن صديقته الإنكليزية التي اعتادت أن تأتي مرارا إلى البيت. وتوقف أصدقاؤه القدماء عن مخابرته. لعدة أسباب لم يفهم برويز ما يجري، ولم يتمكن من فتح موضوع السلوك غير المعتاد مع علي. ولكنه أدرك أنه خائف قليلا على ابنه، والذي أصبح لسانه حادا إلى جانب فترات الصمت الطويلة. ومما قاله برويز ما يلي: "أنت لا تعزف على الغيتار منذ مدة". ونجم عن ذلك التعليق رد غامض ونهائي فقد قال له: "لدي أشياء أهم تنتظر الإنجاز".
شعر برويز بغرابة ابنه كما لو أنه ظلم مسلط عليه. كان دائما يفكر بالسقطات التي يتورط فيها أبناء الرجال الآخرين في إنكلترا. وكان يجهد نفسه من أجل علي بساعات عمل طويلة وينفق الكثير من النقود لقاء تعليمه حتى يصبح محاسبا. اشترى له بذات جيدة، وكل الكتب التي طلبها بالإضافة إلى كومبيوتر. ولكن الولد رمى كل ممتلكاته الآن في قارعة الطريق. وتبع الغيتار التلفزيون ومجموعة الموسيقا. وسرعان ما أصبحت غرفته عمليا عارية. حتى الجدران الشقية حملت ندوبا في مكان صور علي التي تمت إزالتها. امتنع النوم على برويز. وبدأ يميل لزجاجة الويسكي، حتى وهو يؤدي عمله. وأدرك أنه من غير المجدي مناقشة الموضوع مع أي شخص يتعاطف معه. كان برويز سائق سيارة أجرة لعشرين عاما. عمل نصف المدة بخدمة نفس الشركة. ومثله كان معظم السائقين من البنجاب. يفضلون العمل في الليل، فالطرق تكون أقل ازدحاما والأجر أعلى. ينامون في النهار، ويتجنبون زوجاتهم. وفي مكتب السيارات يعيشون حياة الذكور الصغار تقريبا، يلعبون الورق ويتبادلون فكاهات عادية، والقصص المستهجنة، ويأكلون من طبق واحد، ويناقشون السياسة وما يعترضهم من مشاكل. ولكن لم يكن برويز قادرا على مفاتحة أصدقائه بهذا الموضوع. فقد غلبه الخجل. والخوف أيضا من أن يلوموه على المنعطف الخاطئ الذي أخذه ابنه، مثلما انتقد الآباء الآخرين الذين اعتاد أبناؤهم على العبث مع البنات السيئات، والتخلي عن المدرسة والانضمام للعصابات. لسنوات وبرويز يفتخر أمام الآخرين بعلي وإتقانه للعبة الكريكيت، والسباحة، وكرة القدم، وكيف تفوق في علومه، وحصل على درجة (أ) طويلة في معظم المواد. والآن يبدو حصوله على عمل جيد والزواج من فتاة مناسبة لتأسيس عائلة، وكأنه طلب ثقيل؟. ما أن يتحقق ذلك سيكون برويز سعيدا. وستتحول أحلامه بالنجاح في إنكلترا إلى حقيقة واقعية.
أين الخطأ؟.
ولكنه كسر صمته في إحدى الليالي، وهو في مكتب سيارات الأجرة، جالسا على الكراسي المنهكة مع أقرب صديقين له، لمشاهدة فيلم سيلفستر ستالوني. انفجر قائلا: " لا يمكنني أن أفهم. كل شيء تلاشى من غرفته. ولا يمكنني أن أتكلم معه. لم نكن أبا وابنه - كنا أخوين!. أين ذهب ذلك؟. لماذا يعذبني هكذا؟". ثم دفن برويز رأسه بين يديه. وحتى وهو يشرح التفاصيل هز الرجلان رأسيهما ومنحاه نظرات تدل على الفهم. ومن نظراتهما المحبطة أدرك برويز أنهما استوعبا موقفه. فألح قائلا: "أخبراني بحقيقة ما يجري".
كان الجواب تقريبا مؤثرا. فقد تكهنا بوجود خطأ ما. وهو ينجلي له الآن. والخلاصة أن علي يتناول المخدرات ويبيع ممتلكاته ليسدد الثمن. ولهذا السبب تحولت غرفة نومه إلى حجرة فارغة.
قال: "ماذا يجب أن أفعل إذا؟".
نصحه صديقاه بمراقبة علي عن قرب، وأن يكون واضحا وحادا معه، قبل أن يصيب الولد الجنون، أو يتناول جرعة زائدة، أو يرتكب جناية قتل. تخبط برويز في هواء الصباح الباكر المنعش، والخوف يغمره لو صح هذا الكلام. ابنه - مدمن مخدرات وقاتل. وأراحه أن يجد بتينا جالسة في سيارته. بالعادة آخر الزبائن في الليل هم من 'السوداوات' المحليات أو العاهرات. كان السائق يعرفهن جيدا، وغالبا يقودهن إلى مواعيدهن. وفي خاتمة أعمالهن، ينقلهن إلى بيوتهن. وأحيانا تنضم النساء إلى جلسة ااشراب في المكتب. وفي بعض الأوقات يرافق السائقون البنات. وهو ما يسمى 'توصيلة مقابل توصيلة'. تعرفت باتينا على برويز منذ ثلاث سنوات. عاشت على مشارف المدينة وفي رحلتها الطويلة إلى بيتها، كانت لا تجلس في كرسي الركاب ولكن إلى جانب برويز، وكان كلاهما يتبادلان الكلام عن حياتهما وآمالهما. وكانا يتقابلان في معظم الليالي. كان يكلمها عن أشياء لا يمكنه مناقشتها مع زوجته نفسها. وبدورها تخبره باتينا دائما عن نشاطاتها الليلية. وكان يحب أن يعلم أين كانت وبرفقة من. وفي إحدى المرات أنقذها من زبون متوحش، ومنذئذ والواحد منهما يعتني بالآخر. ومع أن باتينا لم تشاهد ابنه علي، سمعت عنه باستمرار. في تلك الليلة المتأخرة، حينما أخبر باتينا أنه يشتبه بإدمان علي على المخدرات، لم تحكم لا على الابن ولا أبيه، وأصبحت مثل امرأة عملية وأخبرته كيف يجب أن يراقبه. قالت: "كل شيء موجود في العينين". قد تكونان محمرتين، والحدقتان قد تكونان واسعتين، وربما يبدو مرهقا. ويمكنه أن يكون جاهزا للتعرق، أو يتعرض لتبدل مفاجئ بالمزاج. وأنهت كلامها: "هل فهمتني؟".
بدأ برويز ينتبه وهو ممتن لها. الآن يعرف أين المشكلة، وتحسنت مشاعره. وتوقع بالتأكيد أن الأمور لا يمكنها أن تتطور كثيرا؟. وبمساعدة باتينا سيتمكن من حل الموضوع. باشر بمراقبة كل لقمة يملأ بها الولد فمه. وكان يجلس بجانبه كلما سنحت الفرصة وينظر بعينيه مباشرة. وكلما أمكنه يلتقط يد الصبي، ليقدر حرارته. وحينما لا يكون الولد في البيت يتحرر برويز من كافة قيوده، وينظر تحت السجادة، في أدراج ابنه، وخلف الخزانات، ويشم الهواء ويفحص كل زاوية وينبش في كل مكان. كان يعرف عما يبحث: فقد رسمت له باتينا شكل المضغوطات والحقن والحبوب والمساحيق والقطع الصلبة. وكانت تنتظره كل ليلة لتستمع لما لديه من أخبار ومشاهدات. بعد عدة أيام من المراقبة المستمرة، أمكن برويز أن يؤكد أن الولد تخلى عن ممارسة الرياضة، ولكنه يبدو معافى، بعينين صافيتين. ولم يكن يرتجف أمام نظرات أبيه من الشعور بالذنب حسب التوقعات. وفي الحقيقة كان مزاج الصبي حذرا ولكنه مستقر بمعنى من المعاني: بالإضافة إلى تماسكه كان متيقظا جدا. يرد على نظرة والده بشيء يتجاوز النقد، والمواجهة أيضا، وبدأ برويز يشعر أنه هو الطرف المخطئ، وليس الولد.
سألته باتينا: "ولم تلاحظ شيئا آخر مختلفا؟".
فكر برويز لحظة وقال: "كلا. عدا أنه أطلق لحيته".
في إحدى الليالي بعد جلسة استغرقت طيلة الليل برفقة باتينا في مقهى، عاد برويز إلى البيت متأخرا على غير عادته. وقد تخلى هو وباتينا قسرا عن التفسير الوحيد لما يجري، نظرية المخدرات، فبرويز لم يجد شيئا يشبه المخدرات في غرفة علي. كما أن علي لم يكن يبيع مقتنياته. ولكنه تخلى عنها ورماها في الشارع، أو تبرع بها لمتاجر النذور والإعانات. كان برويز في الصالة حينما رن صوت جرس المنبه في ساعة ابنه. أسرع إلى غرفة نومه وكانت زوجته لا تزال مستيقظة، تحيك وهي في سريرها. طلب منها أن تبقى جالسة وتلزم الهدوء، مع أنها لم تقف ولم تنطق بكلمة. من هذا الموضع وعينها تراقبه بفضول شاهد برويز ابنه من شق في الباب. رأى الولد في طريقه إلى الحمام ليغتسل. وبعد عودته إلى غرفته قفز برويز إلى الصالة ووضع أذنه على باب علي. بلغه صوت همهمة من الداخل. غلبت الحيرة برويز ولكنها كانت ممزوجة بالراحة. وبعد هذا المؤشر تابع برويز ابنه فيما بعد. وفهم أنه يصلي. حينما كان في بلاده لم يتخلف عن الصلاة، وكان يصلي خمس مرات في اليوم. عاش برويز شبابه في لاهور وهناك تعلم كل الأولاد قراءة القرآن. وليمنعه المولوي من النوم أثناء الدراسة كان يدلي حبلا من السقف ويربطه بشعر برويز، وكلما سقط رأسه نحو الأمام يستيقظ مباشرة. وبعد هذا الخزي تجنب برويز الأديان. ولم يكن لدى بقية سائقي سيارات الأجرة المزيد من الاحترام. في الحقيقة كانوا يسخرون من الملالي المحليين الذين يتجولون بعماماتهم ولحاهم، وهم يعتقدون أن بمقدورهم التحكم بحياة الناس، وفي نفس الوقت كانت تحوم عيونهم على الغلمان، ويحكمون قبضاتهم على البنات. أخبر برويز باتينا باكتشافه. ونقل الخبر لزملائه في مكتب سيارات الأجرة. لكن لزم الصمت الأصدقاء الذين يتحلون بالفضول. ولم يكونوا جاهزين لإدانة إيمان الصبي. قرر برويز أن يطلب إجازة ليلية ليرافق ابنه. ولكنهما لم يتكلما مع بعضهما البعض إلا بصعوبة. أراد أن يسمع كيف هي أحواله في الجامعة، ورغب أن يخبره بقصص من حياة عائلته في باكستان. وفوق ذلك كان مهتما بمعرفة الطريقة التي اهتدى بها علي إلى 'الجانب الروحي' كما كانت تقول باتينا. ولدهشة برويز رفض الولد مرافقته. وادعى أنه مرتبط بموعد. أصر برويز أن هذه المواعيد ليست أهم من التزام الابن بأبيه. في اليوم التالي ذهب برويز مباشرة إلى الشارع الذي وقفت فيه باتينا تحت المطر. كانت ترتدي حذاء بكعب عال، وتنورة قصيرة، ومعطفا طويلا، يمكنها أن تفتحه للسيارات المارة. قال لها: "اركبي. اركبي".
قادها عبر بقع تسبح فيها المياه، ثم توقف في موضع ينعم في الأيام الأفضل بمنظر مفتوح لعدة أميال ولا تجد فيه غير الغزالان والجياد البرية، تمددا هناك، بعيون نصف مغمضة، وهما يقولان: "هذه هي الحياة". في هذه المرة ارتعش برويز. أحاطته باتينا بذراعها. وسألته: "ماذا يجري؟".
قال: " للتو مررت بأسوأ تجربة في حياتي".
وحينما دلكت باتينا جبينه، أخبرها أنه ذهب في الأمسية السابقة مع علي إلى مطعم. وبينما هما يتأملان لائحة الطعام، أحضر له النادل الذي يعرفه الوسكي والماء كالعادة. كان برويز متوترا ولديه سؤال جاهز. كان يريد أن يسأل علي إذا كانت للامتحانات تقلقه فقد أصبحت على الأبواب. ولكن ليرتاح فك ربطة عنقه، وقضم فطيرة مقلية مع رشفة طويلة. وقبل أن تسنح الفرصة لبرويز بالكلام قطب علي وجهه وقال: "ألا تعلم أن شرب الكحول خطأ؟".
أضاف برويز لباتينا: "كان يكلمني بلسان حاد. وأوشكت أن أعنف الولد لقلة تهذيبه، ولكنني تدبرت أمري وتماسكت".
شرح لعلي بصبر أنه لسنوات وهو يعمل أكثر من عشر ساعات في اليوم، ولم يكن لديه غير القليل من المسرات والهوايات، ولم ينعم بعطلة. وبالتأكيد ليست جريمة أن يشرب حينما يرغب بذلك؟.
قال الولد: "ولكنه حرام".
قال برويز وهو يتنهد: "أعلم ذلك".
"وكذلك القمار. هل أنت معي ؟".
"نعم. ولكننا بالتأكيد نحن بشر".
في كل مرة يأخذ فيها برويز رشفة يغمز الولد، أو يدلهم وجهه كما لو أن هذا يسبب ذاك. وكان برويز يزدرد شرابه بسرعة أكبر. وكان النادل يريد أن يسعد صديقه، فأتى بكوب ويسكي آخر. وعلم برويز أنه بدأ يسكر. ولكنه لم يتمالك نفسه. ظهرت على وجه علي ملامح فظيعة، حافلة بالقرف والتيقظ كما لو أنه يكره والده. وفي منتصف الوجبة فقد برويز أعصابه فجأة وألقى طبقا على الأرض. وانتابه الشعور بالرغبة في انتزاع غطاء الطاولة، ولكن كان النادل وبقية الحاضرين ينظرون نحوه. ومع ذلك لم يحتمل أن يعلمه ابنه ما هو الفرق بين الصواب والخطأ. كان يعلم أنه ليس رجلا سيئا، ولديه ضمير. وهناك أشياء قليلة يخجل منها، ولكن بشكل عام حياته مستقيمة.
قال لعلي يسأله: "برأيك متى ارتكبت المعاصي؟".
رد الولد بصوت منغم منخفض أنه، في الواقع، عاش حياة طيبة، وكسر عددا لا يحصى من القواعد المذكورة في القرآن.
سأله برويز: "مثل ماذا؟".
لم يكن علي بحاجة لوقت للتفكير. كما لو أنه بانتظار هذه اللحظة، وسأل والده إذا لم يستمتع بفطيرة خنزير؟.
"حسنا...".
لم يتمكن برويز من إنكار حبه للنقانق المقرمشة والمرفقة بالفطر مع الخردل والمحشوة بين رقائق الخبز المشوي. وفي الحقيقة تناولها على الفطور في هذا الصباح. ثم ذكره علي أنه أمر زوجته بطهي نقانق الخنزير، قائلا لها: "أنت لست في القرية الآن. هذه إنكلترا. وعلينا أن ننسجم مع بوتقتها".
انزعج برويز واحتار من هذا الهجوم وطلب المزيد من المشروب. فقال الصبي: "المشكلة كما يلي". ومال على الطاولة. ولأول مرة في تلك الليلة اشتعلت عيناه وهو يتابع: "أنت مهتم كثيرا بالحضارة الغربية". تجشأ برويز واعتقد أنه سيختنق. ثم قال: "مهتم. ولكننا نعيش هنا".
قال علي: "الغربيون الماديون يكرهوننا. كيف يمكنك يا بابا أن تحب شيئا يكرهك؟".
قال برويز بهوان: "وما هو الجواب برأيك إذا؟".
رد علي بطلاقة على أبيه، كما لو أن برويز بين جماهير محتشدة وعليه إفهامه وإقناعه. وقال له إن الشريعة الإسلامية تحكم العالم. وسيحترق جلد الكفار مرارا وتكرارا، وستعاد تربية اليهود والمسيحيين. الغرب بلد المنافقين، والزناة، والمثليين، ومدمني المخدرات والبغايا. كان علي يتكلم، وبرويز ينظر من النافذة كما لو أنه يريد أن يتأكد أنهما لا يزالان في لندن.
قال الابن: "تحمل شعبي الكفاية. إن لم يتوقف الاضطهاد سيبدأ الجهاد. وأنا ومعي الملايين سنقدم أرواحنا بسرور في سبيل قضيتنا".
أجاب برويز: "ولكن لماذا. لماذا؟".
"بالنسبة لنا الثواب سيكون في الجنة".
"الجنة".
في النهاية امتلأت عينا برويز بالدموع. فنصحه ابنه أن يحسن طريقه.
سأله برويز: "وكيف يكون ذلك ممكنا؟".
قال علي: "صل. صل معي".
طلب برويز الفاتورة ودل ابنه على طريق الخروج من المطعم حالما أمكنه ذلك. لم يكن قادرا على سماع المزيد. وكان صوت علي كأنه ابتلع صوت شخص غيره. في طريقه إلى البيت جلس الصبي في مقعد سيارة الأجرة الخلفي، كأنه زبون.
سأله برويز وهو يشعر بالخوف من أن يقع اللوم على عاتقه: " ماذا جعلك على هذه الصورة؟ هل تأثرت بحادث معين مر بك؟".
" تأثرت بحياتي في هذا البلد".
قال برويز: " ولكنني أحب إنكلترا". وراقب ابنه بالمرآة وهو يضيف: "فهم يسمحون لك بأي شيء تريده تقريبا".
أجاب: "هذه هي المشكلة".
لأول مرة خلال سنوات لم يتمكن برويز من رؤية شيء أمامه. فقد ارتطم بجانب شاحنة، وفقد المرآة الجانبية. وحالفهما الحظ لأن الشرطة لم توقفهما: وإلا لضاعت رخصة برويز، وبالتالي مهنته. غادرا السيارة أمام البيت، وهناك تعثر برويز وسقط على الطريق، وخدش يديه ومزق سرواله. ولكنه تدبر الأمر وجر نفسه. ولم يقدم له الولد يده.
أخبر برويز باتينا أنه يرغب بأداء فريضة الصلاة، لو أن هذا يرضي ابنه، ويلغي النظرة القاسية من عينيه. وأضاف: "ولكن ما لا يريحني هو تهديد ابني لي بأن آخرتي ستكون في جهنم".
وذبح برويز أن ابنه عازم على الاستقالة من المحاسبة. وحينما سأله برويز عن السبب الموجب، قال علي ساخرا السبب واضح. وتابع: "الثقافة الغربية تحرض على الحياة ضد الدين".
وحسب مفهوم علي يمكنك، في عالم المحاسبين، أن تقابل النساء وتشرب الكحول وتعمل بالربا.
جادله برويز: "ولكنه عمل جيد الأجر. وكنت تجهز نفسك له منذ سنوات".
قال له علي إنه عازم على العمل في السجون، مع فقراء المسلمين الذين يكافحون للمحافظة على نقائهم أمام هذا الفساد. وأخيرا، في نهاية الأمسية، بينما كان علي في طريقه إلى السرير، سأل والده لماذا ليست له لحية، أو على الأقل شارب.
قال برويز لباتينا: "أشعر كأنني فقدت ابني. لا أحتمل أن ينظر أحد لي كأنني مجرم. وقد قررت كيف أتصرف".
"كيف؟".
"سأخبره أن يحمل سجادة صلاته ويغادر هذا البيت. وهو أصعب قرار اتخذته، ولكنني سأفعل ذلك الليلة".
قالت باتينا: "ولكنك لن تتخلى عنه. العديد من الشباب يتورطون مع جماعات الطقوس والروحانيات المتشائمة. وهذا لا يعني أنهم سيتابعون بهذا الأسلوب على الدوام". وطلبت من برويز أن يبقى مع ابنه، ويدعمه، حتى يخرج من هذه الأزمة.
اقتنع برويز أنها محقة، مع أنه لم يشعر أنه يربد أن يمنح ابنه المزيد من المحبة، ولا سيما أنه لم يتلق الشكر على ما قدمه له حتى الآن.
حاول برويز أن يتحمل نظرة وموقف ابنه. وحاول أن يفتح حوارا يناقش فيه إيمانه. ولكن إذا أعرب برويز عن أي انتقاد، كان علي دائما يرد بجفاء. وفي إحدى المرات أدان علي برويز أنه "يتملق" البيض. بالمقابل أكد له أنه ليس "أدنى" منهم، وفي العالم مجال أوسع من الغرب، لكن الغرب يعتقد أنه الأفضل.
قال برويز: "وكيف وصلت لهذه النتيجة؟ وأنت لم تغادر إنكلترا؟".
رد علي بنظرة اشمئزاز. في إحدى الليالي بعد أن تأكد برويز من خلو أنفاسه من رائحة الكحول، جلس مع علي على طاولة المطبخ. وتمنى لو أنه يقدر لحيته التي تنمو، لكن لم يظهر أن علي يلاحظ ذلك. في اليوم السابق كان برويز يخبر باتينا أنه يعتقد أن الناس في الغرب أحيانا يشعرون بالفراغ الداخلي، ويحتاجون لفلسفة تعينهم على الحياة. قالت باتينا: "نعم. هذا هو الحال. يجب أن تخبرهم ما هي فلسفتك في الحياة. ليفهموا أنه توجد عقائد مختلفة".
بعد بعض التفكير المؤلم، أصبح برويز جاهزا للبداية. راقبه الصبي كأنه لا يتوقع شيئا. بطريقة مؤثرة قال برويز إنه على الناس أن يعاملوا بعضهم البعض باحترام، وعلى نحو خاص أن يكونوا أولادا لآبائهم. ولبعض الوقت بدل ذلك من تفكير الولد على ما يبدو. تابع برويز قلبيا أن هذه الحياة برأيه هي كما هي، وحينما تموت تتعفن في باطن الأرض. "تخرج الأعشاب والزهور منك، ولكن شيئا مني يعيش-".
"كيف؟".
"من خلال الآخرين. سأستمر - من خلالك". وفي هذه اللحظة طرأ القليل من القلق على الصبي. فأضاف برويز للتفصيل "ومن خلال أحفادك. ولكن حينما أكون على هذه الأرض أود أن أستغلها بقدر المستطاع. وكذلك أريدك أن تستفيد أنت أيضا".
سأل الصبي: "ماذا تعني 'أن أستغلها بقدر المستطاع'؟".
قال برويز: "حسنا. في البداية... عليك أن تمتع نفسك. نعم. استمتع بدون أن تضر الآخرين".
قال علي إن المتعة "بئر بلا قرار".
قال برويز: "لكنني لا أعني هذا النوع من المتعة. ولكن أقصد جمال الحياة".
كان جواب الصبي: "في كل العالم شعبنا يتعرض للاضطهاد".
رد برويز دون أن يعرف تماما من هم شعبنا: "أعلم ذلك. لكن - الحياة موجودة لتعيشها".
قال علي: " الأخلاق الحقيقية موجودة منذ مئات السنين. حول العالم ملايين وملايين الناس الذين أشاركهم معتقداتي. هل تقول إنك على حق والجميع على خطأ؟".
نظر علي إلى والده بثبات عدائي منع برويز من إضافة المزيد لكلامه.
في إحدى الأمسيات كانت باتينا في سيارة برويز، بعد زيارة من أحد الزبائن، ومرا من جانب صبي في الشارع. قال برويز فجأة: "ذلك ابني".
كانا في الجانب الآخر من المدينة، في منطقة فقيرة، حيث يوجد مسجدان.
تصلب وجه برويز. التفتت باتينا لتراه. وقالت: "تمهل إذا. تمهل. كم هو جميل الطلعة. يذكرني بك. ولكن وجهه أوضح منك. من فضلك هل يمكنك أن تتوقف؟".
"لماذا؟".
"أود أن أكلمه".
استدار برويز بالسيارة وتوقف بجانب الصبي.
سأله برويز: "عائد إلى البيت؟. ولكن طريقك بعيد". هز الولد العنيد منكبيه وجلس في المقعد الخلفي. جلست باتينا في الأمام. انتبه برويز لتنورة باتينا القصيرة، ولخواتمها اللماعة، وظل عيونها الأزرق الجليدي. وانتبه لرائحة عطرها المحبب الذي ملأ السيارة، بعد ذلك فتح النافذة. وبينما يقود برويز السيارة بأسرع ما يمكنه، قالت باتينا بدماثة لعلي: "أين كنت؟".
قال: "في المسجد".
"وكيف أحوالك في الجامعة؟ هل تبذل قصارى جهدك؟".
قال وهو ينظر من النافذة: "ومن أنت لتسأليني هذه الأسئلة؟"
ثم بلغا زحاما مروريا فتوقفت السيارة. حينها وضعت باتينا بلا قصد يدها على كتف برويز وقالت: " أبوك رجل طيب، وشديد القلق عليك. وأنت تعلم أنه يحبك أكثر من حياته".
قال الصبي: "أنت تقولين إنه يحبني".
قالت باتينا: "نعم".
"إذا لماذا يسمح لامرأة مثلك أن تلمسه هكذا؟".
إذا كانت نظرة باتينا للصبي غاضبة، فقد كان في نظرته لها ضعف ذلك السخط البارد.
قالت له: "أي نوع من النساء أنا لأستحق أن تكلمها بهذه الطريقة؟".
قال: "أنت تعلمين. اسمحي لي بالخروج الآن".
رد برويز" أبدا".
قالت باتينا: "لا تقلق. أنا سأخرج".
قال برويز" كلا. ولا أنت". ولكن مع أن السيارة تحركت فتحت الباب، وألقت بنفسها في الخارج، وركضت عبر الطريق. صاح بها برويز عدة مرات، ولكنها كانت قد ذهبت. تابع برويز مع علي إلى البيت، بدون أن يضيف المزيد من الكلام. ذهب علي فورا إلى غرفته. لم يتمكن برويز من قراءة الجريدة، أو مشاهدة التلفزيون، أو حتى الجلوس. وتابع سكب الشراب لنفسه. أخيرا صعد إلى الطابق العلوي وذرع الفسحة أمام غرفة علي ذهابا وإيابا. وحينما فتح الباب في خاتمة المطاف كان علي يصلي. ولكن الصبي لم يطرف له جفن نحوه. ركله برويز. ثم جره من قميصه وضربه. سقط الصبي إلى الخلف. ضربه برويز مرة ثانية. لوث وجه الصبي الدم. كان برويز يلهث. وأدرك أن الولد لم يتأثر. ومع ذلك لطمه. لم يحمِ الصبي نفسه ولم ينتقم. ولم يظهر الرعب في عينيه. ولكنه قال فقط من خلال شفته المشقوقة: "من المتطرف إذا برأيك؟".
***
........................
* حنيف قريشي Hanif Kureishi: كاتب بريطاني من أب باكستاني وأم إنكليزية. من جيل الثمانينات. بدأ نشاطه برواية "بوذا الضواحي" 1990. وختم مشواره الأدبي بحادثة سقوط مروع في إيطاليا، وقد تكلم عنها في كتابه الأخير "الممزق" والذي صدر عام 2024.







